صفحة 1
-1-
يوم آخر سيمر عليه وهو يلعب تلك اللعبة مع الأشياء، محاولا الإمساك بها فيضيعها· أمضى بعض الوقت يتطلع من النافذة إلى أرض الدار، فيما كان يضع وجهه بين يديه، وجبينه يكاد يلامس الأسياخ الحديدية، وجسده مائل إلى الأمام بينما كان يجلس على طرف سريره· ولم تمض سوى دقائق حتى بدأ يستمع لوقع ذلك الشيء القابع في داخله، كأنما قد أيقظه سكون المربعات الحجرية الرطبة والقديمة متساوية الأحجام والساكنة في محلها إلى الأبد· كان الحوض الصغير الذي يتوسطها قد جف تماما وبدأت أحجاره الصغيرة المتراصة تتفطر، وفسيلة النخل لم تكبر منذ أن غُرست في الزاوية على مبعدة مترين من الجدار·· هنا، في تلك المساحة المعتقة، تراءى له فجأة سر اطمئنانه، وقدرته غير المفهومة على مقاومة التقلبات والهموم الطارئة·
لكن تلك لم تكن سوى لحظة عابرة· ففي مكان ما من أعماقه تذكّر أن هذا السر لا يخصه وحده، وعاودته مرارة شعوره بأنه مستباح·· ثمة من يعرفه ويتلاعب به، أملا في إسعاده أو حمايته بالوهم، فكاد يشك كالعادة حتى بصدفة نهوضه من النوم، وجلوسه في موضعه ذاك، وقراره البقاء في مكانه ينظر من النافذة إلى أرضية الدار، بينما هو ينحدر ناسيا دون أن يدري، أحلامَ الليل المتقطعة المكربة، كلما حاول أن يتذكرها ويقلب تفاصيلها··
نهض بعد أن دهمته موجة من الرضا المعطر برائحة السكون، وذهب من توه ليرى البساتين والشمس· غير أنه ما إن خرج من الغرفة وسار خطوتين، حتى تذكر أن عليه أن يقوم بغسل وجهه وترتيب شعره الذي مر موعد حلاقته منذ أكثر من أسبوعين دون أن يطول كما هي العادة·
همس وهو يغمض عينيه كأنه يطرد ألما طارئا:
- حتى في هذا··
كان يطارد نسيانا مصنوعا، ولا يكفّ عن القيام بكل ما يخطر له، لعله يفاجئ عدوه ويفلح في امتلاك لحظة من أيامه الطويلة، وقد استدار قبل أن يقطع بقية ساحة الدار، ليدخل الحمّام المعتم، وقبل أن يعثر على الطاسة النحاسية، ويضعها في الحوض ليغرف منه، انتبه إلى احتمال أن لا تكون غرفة الشمس والبساتين كافية لإطفاء حيرته المشتعلة هذا الصباح·
صفحة 2
اتجه رغم تخوفه إلى هناك، فوجد الشمس دافئة، وسعف النخيل جامدا تكاد أطرافه تتلامس وسط هدوء لا تقطعه النسمات، ولا أصوات البلابل والعصافير، ولا الحمام· كأنها، كلها، نسيت فجأة عادة صنعت مع الأبد؛ كانت الفراشات والزنابير والجنادب والهوام من كل لون، قد ُأطلقت لتطير وتتقافز بين كتل الحشائش كأنها تحتفل منفردة بغياب الريح والطيور، فيما سار هو متخذا طرقا ضيقة حفرتها أرجل المارة بين الحشائش والأشواك، كأنه يقصد الساقية وشجيرات الصفصاف وشجرة السدر النائمة فوق الماء، حيث تعود أن يأوي منذ عهود طويلة· وبينما ظهر على يمينه ثعلب أبيض، سار بموازاته يتبع خطاه، ثم ركض محدثا وشوشة عصبية بين الحشائش، فبدا وكأنه يلاحق طريدة ظهرت له فجأة، إلا أنه استدار ووقف جامدا بمواجهته ينظر نحوه كمن يطلب الإذن بالبقاء أو الرحيل، لكنه ما كان لينتظر الجواب طويلا، فخفض رأسه وغادر خائبا·
انتبه لثقل استقر في أعماق أذنيه، كان من بقايا الماء الذي أهمل تنشيفه قبل أن يخرج من البيت، وتحسس شعره فوجده ما يزال رطبا تداخله نعومة طينية لم يكن الماء يخلو منها على الإطلاق، لكنه بدل أن يشعر بقدر من الانزعاج ويؤاخذ نفسه على تلك الفعلة غير المبررة، داهمته رغبة بالعودة إلى الحمام وإلى دفء الماء الذي غمر رأسه فيه طويلا قبل خروجه، موقنا - كعادته في الأيام الأخيرة - أن كل ما يفعله هو مجرد محاولات يائسة للتحايل على سارقي الأيام· وبعدما ذهب بنظره نحو الجهة التي غاب فيها الثعلب، انحنى ليرفع عصا من الجريد وراح يضرب بها رؤوس الحشائش والعاقول الأخضر، محاولا نسيان مشهد ذلك الثعلب، غير الموفَّق والمرسوم لكي يثير غيظه ونقمته، لولا لحظة الحزن الأخيرة التي يعود الفضل في حرارتها إلى الثعلب نفسه·
ظلت هي تقول له:
- إن هذا القدر من الإتقان لن يتوفر على الإطلاق، وعليه فإنك ستظل تتعذب إلى الأبد، وسيظل هناك من يخصص وقته لمداواة هذه العلة، ولكن الألم لن ينتهي·
الشيء الوحيد الذي أفلحت به، هو هذا الأسر الطاغي، الذي كان بمقدورها أن تكبّله به حين يمتزج حضورها بسحر المكان وبألق الماء الأزرق، وعبير الصمت، وغموض الأزل حين يمر على الأشياء ويتركها تهمس بما تشاء·
صفحة 3
حين كانت تُنزل جسدها وسط الماء عارية، لم تكن أسماك الحمري تهرب مبتعدة عنها، ولطالما اعتادت أن تلاعب صدرها، وتدخل حانية وسط الدائرة التي كانت تحب أن تصنعها من ذراعيها الحنطيتين، مقوسة إياهما، فيما كفّاها مشبوكتا الأصابع، أمام صدرها؛ ففي تلك اللحظات كانت نقطة فراغ تحل داخل قلبه فتتقطع أنفاسه ويبدأ جسده يفقد ثقله ويتلاشى ليصبح مثل قطرة ماء أو لمحة من ضياء الشمس أو من نعاس الفيء والسكون·· يصبح ذلك المكان كما تخيله، ولا يعود يراه أو يجهد كي يتحسسه، سوى بروحه وجوارحه، بينما يبتعد كل شيء حتى العبير والنظر والذكرى، ما أبعد الأشياء التي تسقط بيننا وبينها حواجزُ الحواس، فلا تعود تُرى، أو نعرف لها رائحة·
حين كانوا يكررون المشهد لآلاف المرات، إلى أن تحقق أخيرا ما أراده، سألوه عن أصل مطلبه غير المفهوم، صمت طويلا، ثم قال:
- أظن أنه شيء عرفته حين كنت في بطن أمي·
ظل موقنا أن أمه كانت تأتي لتستحمّ في النهر أيام كان هو في بطنها، لكنه لم يستطع أبدا التأكد من هذه الأسطورة المسكرة، التي ابتدع باسمها عالما يمكن أن يتحلل فيه، وتغدو مسامه وكل نبضة من كينونته حية وقابلة لأن تُشم وتُرى، بينما هو ينظر إليها وإلى الماء ساكنا مرات، أو تتساقط فيه قطرات مطر رخية عصر يوم من أيام الخريف، بينما أسماك الحمري تطفو إلى السطح وتسبح بوجل كسول يزيد الوحشة، ويحول المكان إلى جنة باكية·
أمه كانت تأتي لتسبح في النهر·· سوف يجد في يوم من الأيام الدلائل على وقوع مثل هذه الحادثة الحتمية، المقرونة بقصاصات قليلة من ذكرى ممزقة، يريد - رغم توالي السنين - الدخول منها نحو الفراغ الذي يتركه الموت·
كانت أمه من الجيل الأخير عديم الحظ، لأنه كان آخر الذين لم يتجددوا· فقد ماتت قبل أكثر من قرن، ولم يعد يتذكر منها سوى لمحة واحدة تَبين بالرسم المتكرر والاختبار أنها صحيحة، فأمكن استحضارها قبل أن يتمكنوا من تجسيدها وتصبح جاهزة للإعادة، ويستطيع هو رؤيتها، كلما توفرت له الرغبة والصلافة النادرة التي صار يحتاجها، بعدما ظل لسنين طويلة يقترح خرافات وأوهاما يرسمها الرسامون، وتسقط محترقة كلما رفعوا توصياتهم وقرروا دفعها للاختبار، ومع ذلك فهو وحده كان متيقنا من تلك الأسطورة التي جعلته سليل الماء، وقد ظل يحتفظ بها رافضا عرضها للاختبار، مؤجلا هذا القرار إلى يوم قادم غير محدد·· ولا يبدو أنه سيتحدد على الإطلاق·
صفحة 4
كان يتساءل: ترى هل كانت تستحم قرب شجرة سدر عتيقة مثل تلك التي تظلل ساقيته بالضبط، وتلقي بفروعها حانية على الماء وتحتضنه كل يوم بين ثنايا جذعها الهائل وتعرجاته ؟ من يعرف وكيف له أن يتأكد بعد أكثر من قرن على وفاة تلك المرأة كليلة البصر، قليلة الكلام، العاملة من طلوع الفجر إلى منتصف الليل بين الأولاد وشؤون لا تحصى وضيوف يأتون جماعات، على غير موعد؟
هل يفعلون ما هو لازم لهم، أم ما نحلم به نحن··؟ تذكرها مرة بعدما رآها متوهما في حلمه، وكأنما هي التي حضرت لتحنو عليه واضعة كفها على جبينه، كأنها تريد التأكد من حمى أصابته، ولما فتح عينيه فوجئ بالشمس تغطي جسده، رغم أنه كان ينام في الغرفة البعيدة حيث لا فتحة ولا أي مسرب يمكن أن تتسلل منه خيوط الشمس، خاصة عند الصباح· كان ذلك الحدث قد أذهله، وكاد يعتقد أن ما يراه الآن بعد أن صحا من نومه، هو حلم آخر، أو أن الحلم الأول كان حقيقة، وقبل أن يتثبت مما حدث بالضبط، داهمه إعياء أثقل على جسده وروحه، وسحبه عميقا نحو إغفاء يشبه الموت·
ظل يقول لنورا:
- اسمعي هنا·· هنا·
ويغرس سبابته في صدره ويكمل:
- هنا شيء يقول لا ينبغي لكِ أن تكوني أبدا بهذا القدر من الجمال·
وكانت هي تضحك جذلة، فيغمض هو عينيه قائلا:
- لا تضحكي·· لا تضحكي!
وتبدأ دموعه تسيل فوق وجنتيه، سعادة وعجزا إزاء هذا القدر المصمم لموت أمثاله:
- ألا تعرفين··؟
كان يتوجه إليها شاكيا وخائفا من الضعف، ومن احتمال أن تذهب بها الظنون بعيدا وتعتقد أنه يتوسل إليها:
- ألا تعرفين إن هذا لا حدود له عندي·
وكانت هي تعرفه تماما؛ لكنها هي الأخرى لم تكن قادرة على الخروج من تلك الدائرة المشتعلة·
صفحة 5
- ماذا أقول··· أنت تعرفين أن هذا الأمر ما كان يجب أن يحصل لي أنا بالذات، أما أنت فلا أدري متى ستبتعدين·
قال لها ذلك وقتها، وتراجع هاربا تاركا إياها وحيدة في الدار، ليندفع إلى الخارج ويروح يتخبط وسط الأزقة المعتمة، محاولا تذكّر مكان ما يمكن أن يلجأ إليه في مثل هذا الوقت بلا جدوى·
أي الأمكنة يا ترى يمنحه الأمان ضد تلك اللعبة المصممة من دون رحمة، وقد جعلت لاختبارات الحب معنى مميتا، حيث الذين نحبهم يصبحون أحلى وأجمل، وإذا ازدادوا جمالا نحبهم أكثر، وإذا زاد حبنا لهم يزدادون تألقا وحسنا إلى ما لا نهاية، قال لها مرة:
- إنهم رغم ذلك لا يمنعون الحب ويزيدون أسباب الموت·
وهنا فقط تحمست وأجابته قائلة:
- أنت ساذج يا حبيبي· لا أحد يحب ولا أحد يموت·
ثم اكفهر وجهها وأكملت قائلة:
- الحيوات تتكرر، والقلوب تتحول إلى قطع من الصوان مثل هذه·
وأشارت إلى كرة حجرية سوداء مركونة قرب الحوض الدائري الذي يتوسط أرضية الدار، فكاد يفهم أن ما يحدث له هو من صنع أناس من أمثالها يستطيعون توليد اتهامات لها شكلُ الحقيقة القاتلة· الأمر قد يكون أقرب إلى حرب ضد تحجر القلوب:
- أنتم تهتمون بصناعة الحب وتعجزون·
قال لها ذلك وهو يتحسس خصرها العاري ويدخل أصابعه وسط ظهرها ليعد نتوءات عمودها الفقري، محاولا - بلا فائدة - التيقن مما إذا كان ما تحت أنامله عظاما أم شيئا آخر ينطق بسحر يخرق اللمس، ويجعل للأطراف لغة تذهب إلى كل أرجاء جسده المخدر العاجز، همس في أذنها:
- لسوء حظي أنني أعرف·
وضغط فوق نقطة من ظهرها وهو يقول:
- حتى هذا هو سحر مصنوع، أنتم تظنون أن الغموض يجعل للحياة معنى، ولكن إلى أي حد·
صفحة 6
بان في عينيها شيء من الحزن ظل يتذكره بعد وقت طويل على غيابها وانقطاع أخبارها الذي حدث فجأة متعديا حدود كل ألم·
تركوه بذهابها يضرب رأسه وحيدا في الأوهام، ويكاد يختنق فتحييه نسمة تأتيه من زمن لا يتذكره، يذهب إلى البساتين المرسومة كما يحب، وهو يعرف أنها جامدة ومعطرة بالفراغ وبالروائح الكاذبة، يتمدد مغمضا عينيه وتاركا جسده للسبات فيتسمع للهجير والرعد، ويرى أناسا من كل الأجناس تغوص في الفراغ وتصرخ عارية وقد نبت لها جلد من خشب، وحين يصحو لا يكاد يتذكر ولا يجد في داخله غير ثقل مكرب· لم يكن هنالك حل على الإطلاق، فالأيام تسير، وهم يتلاعبون باللحظات، والسنون تمر دون أن تترك لأحد بقية من أيام أو من الذكريات التي يريدها ولا يكف عن القتال حتى يمسك بها، لكنهم يعرفون ضعفه إذا أصر، ويعرفون سهوه إذا تجرأ وأراد أن يكتب على الحجر لا فوق الرمال·
سألها مرة:
- وكيف تريدوننا أن نعيش إذا كنتم تعطوننا شبكة وتقولون لنا اصطادوا الأيام كما تصطادون الهواء·
وقتها اكفهر وجهها وامتلأت عيناها بالدموع وقالت بحنو:
- آه، ولكنني هنا·· ألستُ بالحجم الذي يناسب شباكك؟ من يمكنه بعد الآن أن يأخذني من خيالك وروحك·
فاق حبه لها وقتها كل خيال، وضمها إليه كأنه يعصرها ليقطر رحيقها في داخله، وهمس لها وشفتاه تلامسان شفتيها:
- حتى أنت تأتين لكي تهدئي اللجاجة·· حتى ترطبي القلب بالشغف فيتيه وينسى·
قبّلته وهمست، وشفتاها ترطبان أرنبة أذنه:
- ألم تقل إنك تريد ذكرى لك، ذكرى حية لا تنسى·· ها أنا على الأقل ألبي لك حاجة لم تكف عن طلبها··
حضرت عند العصر وتصرفت كعادتها كأن شيئا لم يتغير· دارت في الحوش وألقت ملاحظات عابرة عن ساعة حجب الذباب· كانت تتحدث كأنها تغرد:
- هذا وقت مناسب· الذباب طبيعي في الصيف عند العصر، ولكن قلة يريدون ذلك· أنت فقط تحب الأشياء على طبيعتها، ولكنك لا تتوانى عن التصرف بعصبية من دون سبب·
صفحة 7
ولم تتأخر فنظرت إليه بحياد وقالت:
- جئت لأودعك·
احتار ولم يفهم فأكملت:
- سأغيب طويلا·· ربما إلى الأبد·
كانت تطلق كلماتها الأخيرة بحزم وبلا تردد، وعادت وأرخت يدها ثم رفعتها وعدلت خصلة من شعرها كانت تظل تداعبها كلما أخذها الانفعال·
- لا، لم تكن تلك لعبة من دون معنى·· لا يجب أن تتصور شيئا كهذا أبدا·
ظن وقتها أن وجهها وقوامها لم يُخلقا لكي يغيبا عن ناظريه، وداخَله يقين الوهم الموروث حين تُعاند حواسنا قوةُ الوقائع الماثلة أمامنا، ونصبح متأكدين من أن ما نحسه هو الشيء الوحيد الذي ستُكتب له الحياة، لكنها كانت قاطعة، وقد منعت دمعة ترقرقت في عينيها من السقوط، وعادت لتمد يدها نحوه بارتخاء، لكن بإصرار، وقالت:
- ليس لذلك أبدا صلة بعصبيتك المجنونة، فهذا ما أحببته فيك، فتعال وودعني· تعال لأنني سأشتاق إليك، هذا ما لن أستطيع مقاومته على الأغلب، وعندها سيحدث لك ما يجعلك تشعر بي·
وخلال لحظات غابت عن نظره وتركته في الفراغ·
قاوم حيرته وغيظه من مثل هذا الحضور المقلق، فلماذا تأتي مازجة أشواقها بلمحة من صورة أمه، وهي التي تعرف هوسه بالأوهام وعناده الجنوني ضد الموت والغياب، وقد انتظرها دون أن يفصح لنفسه عن حقيقة غرضه عدة أمسيات واضب على قضائها في بيته، كما كانا يفعلان تاركين البيت بلا إضاءة سوى من نور شمعة يضعانها على حافة الحوض وسط ساحة الدار، مقررين أن ضوءا ما يمكن أن يشع بينهما ومن داخلهما، غير أنه ابتأس بعد يومين، وفي اليوم الثالث داهمه حزن واشتياق، ومرت عليه ليالٍ مريرة، فالبيت المعتم من دون زهو الحب أشبه بالقبور القديمة وسراديب الموت، كانا يتعلمان، وهي معه تقوده نحو دروب من السحر تبدأ من انبعاث ضوء الانتشاء نحو عوالم لا تنتهي من النور والضياء والضحكات، وصوت الموسيقى والغناء من جميع العصور، كانت تواصل السؤال بلا كلل:
- أنذهب··· أتحب أن نذهب ؟
صفحة 8
فيردّ عليها مسحورا بصوت واهن:
- نعم·· أذهب حيث تذهبين·
كيف جاء ضياء الشمس إليه وهو نائم هناك في مكان مقفل ؟ ظل يفكر وحده وقد تذكر عادة من عاداته القديمة حين كان يقضي أواخر النهار والغروب يمشي وحيدا بمحاذاة النهر مختارا أيام الصيف، حيث يتسنى له النظر إلى الأولاد السابحين في النهر، يتلبث وهو يتأملهم، يتوقف أحيانا ويمشي أحيانا، إلى أن تنتهي آخر المباني ويترك المدينة خلفه ليدخل وسط بساتين النخيل، يحاذيها وهو على حافة النهر، ويتوقف رافعا وجهه نحو صفحة السماء الساحرة وهي تحتقن، معاندة الظلام، رافضة الاستسلام له إلا بعد أن يهب عليها فيض هائل من الرهبة يتفجر بالألوان القانية المشتعلة اشتعال الصمت والألم··
وصل عند كتف النهر حيث تبدأ فسحة من الرمل الأبيض لتمتد فجأة منبسطة كساحل أبيض يصل الجرف بالماء، ونزل ليغوص في الرمل الأبيض الرخي، قاصدا حقل اللوبياء الذي قال عنه حمزة مرة إنه أروع حقل يمكن أن يوجد على وجه الأرض، الرمل والماء واللوبياء، ثلاثة إذا اجتمعوا حضرت جنة الله على الأرض· غاصت أقدامه في الدفء الناعم فتثاقلت خطاه، وعينه مركزة باتجاه الأفق الدامي المأخوذ بالرفض كأنه يعاند دورة الأرض، ولأول مرة تيقن أن الليل هنا لا يأتي أبدا إلا بعد أن يذبح النهار· ولكن ما صلة النهر بذلك، مد أصابعه وتحسس قرنا رفيعا من اللوبياء سرعان ما اقتلعه من أصله دون أن يحاول النظر إليه، وحين أصبح وسط راحته وجده نديا ودافئا مثل الأرض والماء، فأبقاه هناك في حضن كفه المرتجفة الحائرة وهو ما يزال يسأل، ما صلة النهر بذلك؟ ولماذا يفيض الماء مع الغروب متطايرا في الفضاء حاضرا في كل مكان إلى أن تصعد النجوم وتستقر في قبة السماء ثم لا يعود الليل ظلمة··
كان يقول لها:
- استمعي لوقع اللحظات، استمعي بقلبك يا نورا، فهذا هو الشيء الذي يجعلني قادرا على العيش لآلاف السنين·
فترفع هي حاجبيها وتنظر إلى لامكان، ثم تنتفض محاولة الرجوع إلى وعيها، وتذهب يدها نحو خصلة شعرها الشاردة تلاعبها بأناملها كأنها تعيد تصفيفها، وتطلق حسرة يأس وتعب، بينما يعود هو محاولا توضيح قصده:
- أقول مثلا·· مثلا استمعي إلى الليل كيف يأتي·· فهو في الحقيقة لا يأتي أبدا، في الصيف تكسره رائحة النهر والنجوم وعناد السماء، وفي الشتاء يطويه نحيب الريح وحزن المطر وأقاصيص النساء، إنه مجرد سواد·· سواد·
وكان سواد عينيها يشع أمامه لحظتها صافيا مليئا ببكاء محرم وبحنو أم تعلم بموتها الوشيك، فلا يكاد يسأل، لخوفه، فيهرب بدلا من السؤال إلى جواب:
- نعم ستذهبين· أنا أعلم أنك ستذهبين·
في الأيام التالية قالوا له إن ذلك مجرد أمر عادي، وإن كثيرين غيره وقعت لهم حوادث مشابهة، وزادوا جميعا فنصحوه بأن يذهب ليسجل ما حصل له عند حسين شاوي، كاتب العرائض الأقدم في المحكمة الكبرى، فهو المختص منذ زمن بمثل هذا النوع من الأحداث، يتابعها ويجمعها على أمل أن ينشرها موثقة، بعد أن يُوَفّق يوما ويقلع عن السُّكْر ليصبح رجلا آخر مهيئا للانتقال الذي أعلن عنه، حيث يكون مدرسا ثانويا متزوجا من اثنتين، وله ولد يكون بطلا وطنيا في الركض وآخر محاميا، مع ثلاث بنات، أما حسن الحلاق فقد أصر على التأكد من مسألة شغلته، فسأله بقلق وبصوت خفيض أقرب إلى الهمس:
- ولكن هل تغير شيء·· أقصد هل تشعر أنك قد تغيرت في موضع ما؟
صفحة 9
ـ 2 ـ
لم يستطع بدء روايته، وضاعت الجلسة الأولى لتنتهي كما اقترح حسين شاوي باتفاق غير موقع على التعارف غير الممل، أي الانتقال على مدى وقت غير محدد نحو أمكنة وأزمنة عديدة· كان حسين شاوي هو الذي بادر واقترح هذا النوع من الصحبة، فوافق هو من دون انتباه ، وهز رأسه وهو منشغل بالتحديق في التقاطيع القديمة المهدمة لكاتب العرائض الأشهر·
بهره وجه حسين شاوي وقد بدا له من قرب أشبه بأيقونة رائعة تضررت بفعل فاعل مدمر، تحفة حلت بها كارثة دون أن تستطيع محو تناسقها وروعة معالمها، أول الأضرار التي صادفها كانت تأتي من ذلك الصوت الخافت قصير النبرات، لم يكن أبَحّاً بقدر ما كان مقطوعاً وعاجزاً عن الخروج من مكانه، فلقد كان الكلام يخرج من فم حسين ليسقط تحت شفتي قائله أو بالكاد فوق ذقنه وصدره، وكان علـى المستمع إليه أن يذهب إلى هناك كي يجمع ما يتساقـط فيدفع، كما يفعل أغلب الناس، بآذانه نحو أسفل وجه حسين شاوي كثير الكلام، والذي لا يكفّ أبداً عن الشرح والاستطراد·
تأكد فيما بعد من أن تلك عادة تكفّ عن أن تكون مزعجة بعد التعارف الأول، فكثرة كلام حسين شاوي لا تحمل السامع مشقة الانتباه ولا التعليق، وهي أشبه بلوثة الحديث إلى النفس بصوت عال، كان حسين شاوي يمارسها بحضور الآخرين، جاعلاً وجودهم مجرد حجة، ولم يكن هو يخفي ذلك أصلاً حتى وإن لم يصرح به مباشرة، فلقد كان يصرح لنفسه أمام الملأ عن قصص يرويها، ذاكراً سليمة العطرة، ليضحك ضحكة خبيثة مبدياً قدراً لا يوصف من السعادة يستمدها من مماحكات الخيال، الذي يحيي عوالم الغائبين ومَن يعدون بمثابة موتى ، ويختلق على الأثر أشباحاً كانت ترتسم حية على محياه، فيضحك وهو يكاد يبكي ويظل يقول:
- لو تسمعها· بنت الكلب كانت تأخذني من مكان إلى مكان·· من كربلاء إلى الحمرة الشرقي·· من الكاظمية لعلي الغربي·· من سيد محمد لسامراء، وأخيراً عبرنا إلى إيران، وفي مشهد كان البرد قارساً وهي لا تهتم وتجلس كما العادة في كل مكان نصله ليالي بطولها تتكلم وحدها·
نظر إليه بمجرد أن بدأ تلك القصة للمرة الأولى، نظرة اندهاش واستفسار ، فغابت الابتسامة عن محياه واغتمّ وجهه للحظات، كان وقتها يحاول إحكام قبضته على قطعة الحصير الملفوفة تحت إبطه مثل عصا قصيرة بنية اللون ، وقد شعر بها تفلت منه، فحاول دون كثير اهتمام أن يعيد لمها بأصابعه، ففشل واضطر لتركها ترتخي وتتهدل، ضاربة أسفل دشداشته البيضاء ، قال بصوت أعلى من المعتاد :
- المهم الكيس·· الحصير ليس مهماً·· لا قيمة له·
صفحة 10
وكان يقصد الكيس الثقيل المحمول على ساعده ملتصقاً بجهة صدره اليسرى·
هكذا جاء مدججاً، ظهر فجأة من خلف أشجار اليوكالبتوس المرتفعة صفاً مستقيماً عند حافة الجرف قبل نهاية الشارع الممتد بموازاة النهر، حيث تنفتح الثلمة المفضية للساحل الرملي حتى ما بعد حقل اللوبياء ، عرفه بمجرد ظهوره مع أنه لم يره من قبل على هذه الهيئة، فلقد سبق له أن رآه مرات من دون تدقيق ومن بعيد قبل أن يلتقي به من قرب أخيراً، وهو بلباسه الرسمي يرتدي البنطلون والقميص ويجلس خلف مكتب خشبي قديم مائل ، لكن الموعد كان مع أول الغروب عند ذلك المكان القصي، الذي اقترحه حسين شاوي، لكي يحضر في موعده وهو مستعجل ومتواطئ ، كأن أحداً يطاردك، يضع كتفه عند كتفك ويمشي دون تحية كما لو أنه لم يفارقك منذ الصباح ، همس كلمات غير مفهومة، وأنزل ذقنه حتى لامس صدره وهو يبتسم، ففهم هو بأنه يقصد شيئاً ما عن الموعد وعن أهمية دقة المواعيد ، ثم سمعه يقول بوضوح :
- كل شيء كان ميسراً يا سبحان الله··· أحياناً كل شيء يمشي مثل الساعة، وأحياناً تغلق أبواب السماء والأرض·· أكيد نيتك طيبة وصافية·
بدت له الطريق قصيرة والسماء واطئة، وغيوم تشبه دخاناً تتمازج فيه ألوان لا تحصى قد تدلّت خلال صفاء الأفق، وراحت تضرب منعكسة في قلب صفحة الماء الصافية الساكنة ، بينما تراجع الحقل الأخضر وكاد يعتم وهما يبتعدان عنه، فتحول الساحل الرملي على يمينهما إلى بساط أسود كثيف ، قال له :
- من يستطيع الآن أن لا يسبح·· من يقاوم هذا النداء؟
وفهم هو معنى أن يتحول العالم إلى سكون مطبق، لقد جرب مثل هذا الشعور من قبل، وسألها هامساً وهما في قلب الظلام الدامس يبتعدان عن الوجود:
- ألا تظنين أننا نُخْلَق مرات، وأن المرة الوحيدة التي نولد فيها دون أن ندري هي تلك التي نخرج فيها من بطون أمهاتنا·
فتحركت لتزيد من التصاق جسدها العاري به، وأنشبت أظافرها في صدره تحبباً وقالت :
- إذن ابك··اصرخ صرختك الأولى·