eKtab
EN ع
كما يخسر الأنبياء
اقرأ عينة مجانية

كما يخسر الأنبياء

بقلم حسين جلعاد

صفحة 1
كورال أوّل
 
أنا صوت صارخ في البرّية
 
وبي من نفْح العرش ماءُ
 
روحٌ
 
هامتْ
 
بعد جنتّها،
 
ودارتْ سوءةَ الخُلد باليدين·
 
سَمَتْ
 
وهَوَتْ
 
وأينع طلعُها
 
فاختصمتْ في الحبّ
 
أيٌّ سيركبُ الغيمَ
 
ليفوز ثانية بفاكهة السماء :
 
يد الصيّاد تباغتُ ظهرَ أخيها
 
واقفاً بثوب الصلاة،
 
تهيل أديم الأرض عليه،
 
تنعاه أمام الغراب
 
··· وتبكيه· !!
صفحة 2
بصيص
 
إن معظم القدماء لم يعيروا أهمية لمثل هذا السؤال: ما سبب كتمان الشاعر أبي الطيب المتنبّي لاسم أبيه وأمه، فلم يذكرهما بخير أو شر في أدبه وشعره طول حياته، سوى مرة واحدة يوم حاول أن يطالب بحقه من أب ونسب معيّنين، فأُخذ بذلك وأودع السجن؛ بتهمة ادّعاء النبوة·
 
ذكر الطوسي في كتاب (الغيبة)، كما ذكرت جميع المصادر التي تكلمت عن الإمام (الثاني عشر) محمد المهدي، عن تواجده متنقلاً في المدن والامصار، ووجوده في الكوفة عام 302 للهجرة وارد جدًا ومقبول بالنسبة لتنقله المستتر· وزواجه من فتاة بصورة سرّية أمر وارد ومنطقي بالنسبة للظروف الموضوعية والأعراف الإجتماعية والتوفيق بين رجل يعمل سرّاً متخفياً من أجل قضية يكون فيها هلاكه إذا انكشف أمره، وبين حاجته لمتطلبات الحياة الطبيعية·
 
بعد أن ولدتْ أم المتنبّي طفلاً عام 303 هجرية من العلوي المتخفي، شعر أصحاب الإمام بخطورة الأمر إذا شاع أمر الولد، وربما كان الإمام وقتها بعيداً عن الكوفة، فحذّروا الأم من مغبة المطالبة بنسبه وربّما أنذروها بالهلاك أو اضطروها الى مفارقة زوجها مقابل احتفاظها بابنها الرضيع، ثم تموت الأم كمداً وحزناً ويبقى الطفل في رعاية شيخ كبير، وتكفله جدة صالحة·
 
عام 306 هجرية توفي وكيل الإمام، واستلم الوكالة عنه رجل آخر هو أبو القاسم النوبختي، وبهذا تكون الظروف الموضوعية قد تغيّرت بالنسبة لجدّة المتنبي وقد أصبح عمر حفيدها ثلاث سنوات، فتوفّرتْ فرصة ذهبيّة لها كي تتصل بالوكيل الجديد وتطلب ان يعمل على تثقيف الطفل وإدخاله مدارس العلويين آبائه وأجداده، فيبدي الوكيل مرونة وتساهلاً في الأمر على ما يبدو، ويوصي بالطفل، وربما قد أكّد على الجدة مقابل ذلك أن تبقى محتفظة بسرّ نسبه، وأن يبقى معروفاً بين الناس باسم مربيه الطاعن في السّن الحسين بن عبد الصمد الجعفي، الملقب بعيدان السّقاء·
 
بعد أن كبر المتنبّي وعلم بحقيقة أبيه وأمره من جدّته، انطوى على ذلك السّر وكتمه وكبته، ولم يصرّح به، ولكنه طالب بحقّه فيه، وترفّع على الملوك والأمراء وأهل زمانه جميعاً·
 
من الأمور التي تجلب الانتباه في القرن الرابع الهجري، توافق تاريخ مقتل المتنبي وابنه محسّد في عام 354 للهجرة مع تاريخ اختيار نقيب للطالبيّين لأول مرّة· فيذكر ابن الجوزي أنه في ذلك العام تقلّد ابو أحمد الحسين بن موسى نقابة الطالبيين· وهنا يخطر سؤال: لماذا تأخّر الطالبيّون في اختيار نقيب لهم بعد موت الوكيل الرابع والأخير الذي توفي عام 329 للهجرة، وبعد انتهاء الغيبة الصغرى· وهل كان اختيار نقيب لهم في نفس العام الذي قُتل فيه المتنبي وابنه محسّد مجرّد صدفة، أو تحسبّا ًمن أن يطالب المتنبي بحقّه فيها كما فعل في شبابه؟ وأية صدفة هذه التي تنظم الى الصدف التي أثّرت في حياته وكانت تتّفق وتواريخ بعض منعطفات الطالبيين؟
 
المتنبّي يستردّ أباه، عبدالغني الملاح، منشورات دار التآخي، بغداد، 1974·
صفحة 3
صاحب الزّمان
 
لا الخيلُ
 
ولا الليلُ
 
ولا البيداءُ تعرفني
 
فمن سيعرفُ أنّي المدينةُ
 
وأنك بابي
 
وأني حجر الكلام الكريم
 
يشعُّ
 
وأنك في الملأ سرٌّ
 
وأنّي في السّر إمامُ·
صفحة 4
حصاة الطريق
 
كأني ابن وحدي
 
نافر كالغيم، كحصاة الطريق، ويسهر الخلقُ فيّ ويختصم·
 
أنا الأول والآخر، ضدّ الضد، الكلّ في واحد، والواحد
 
في الكل·
 
ولي أبان: أشيب، في الروايات، يسقي عطش الدنيا، ويمسّد الزّغب عن فرخ القطا· وآخر، في السّند، يمشي على ماء الفجر، أخضر في الغياب، وآية في البسملات·
 
ولي أمّان : جذلى طيّرَتـْها الرّيحُ عن أجنحة الفـَراش، وأخرى بطعم الخبز، تموت بي
 
وتلهج بالمسرّات·
صفحة 5
تُقية
 
اتقيتُ العواصمَ بالنشيد
 
لا الصّلاة تسليني ولا الخمر، مذ دخلتُ الحكاية ولم أعد·
 
ورأيتُ تأويلي في العيون الغادرة، جهوريّ النبر بلا خشوع، كأني تميمة أحباشٍ يقودون الفيل إلى البيت العتيق· أمطرتني سماءُ الله بحجارتهم، وظلّ قلبي يشعّ···
صفحة 6
قميص
 
لو علمتْ قريشٌ أن في قميص اليتيم أمّة
 
لعقرتْ نوقَها في رحلة الصيف؛
 
فلا يصلُ الصبيّ إلى بحيرة الشام·
صفحة 7
خرز
 
حين تعامد الشمسُ خطَّ الخريف
 
ستنقصف خوافيكَ، وتمشي كسائر الخلق على قدمين
 
همَستْ العرّافة، وهي تعنّقني بالخرز
 
وتفلتني لأطير!
صفحة 8
آدم الريح
 
أول كلامي صرخة في الرابعة، وعينان مجوّفتان بالفجيعة، حين جثوتُ عند قدمين باردتين، فأضعتُ جنة الأمّهات الى الأبد·
 
أنا آدم الريح، قميصي من شهيق السماء، لا من تربة الأبوين، وأخوتي ملائكة صامتون، تناسلوا من النسيان، والنوم وحيداً على عتبات الحي بلا أحد·
 
تعود الذكرى في الأربعين، حين تلدُ النّفسُ نفسَها، وتنقشر الحكمة عن القلب، ليطير أعلى:
 
- لم تدركْني في نفسكَ لتغلّ شيبتي بالعتب
 
المرارة غضب!
 
- جئتكَ لأكون فيكَ أناي·
 
وأين أسمائي لأخطّ ما تقرأ يداي·
 
- سأريكَ التماعة العرش، ويدي فوق كل ذي يد، فانشد في السموات والأرض ما وسع الكرسيّ، وأقرأ باسمي ما لا يعلمون، وآتيكَ سين السكينة والسلام، فلا تأخذنّكَ بعدُ الطرائدُ والأرائكُ وهيبةُ الصولجان·
 
أضعتُ الرضا يوم أضعتني على الأبواب، فخلني بين الحرف والسيف، أقوّم ما انشق من قمر الحديقة في أعالي الفراتين، وفي مآذن الشام· وأنظِرني كما انتظرتَ طاووسكَ في الندم، وانظُر حريقي
 
وارتحالي عن النفس من بلد إلى بلد·
صفحة 9
باب الخروج
 
كلما دقّتْ الريحُ سقفَ السماء
 
تهيّأ قلبي
 
لكنّ بابكَ للخروج، فلا تعود
 
كأنّكَ بلا اسم، لطول ما ذُكرتَ همساً
 
فمن أين تعبرني المناماتُ وقلبي مثقوب بالغياب!
 
عمّموكَ بالحزن
 
وأقاموا في القداسة والندمْ
 
وقد خلعتُ العمائمَ
 
وأردتكَ أباً من لحم ودمْ·
 
تعلّقُ الخرزَ الأزرقَ في رأسي
 
تشمّ أيامي الأولى
 
وتهبُّ من مجلس الرّجال اذا تعّثرتْ قدمي
 
تهوش كلبَ البيت إذا خفتُ أمام الباب
 
وتلعن غفلة النساء·
 
أردتُ لو تتفرّسُ بي
 
تضمّني إليكَ·· تبعدني، وتدنيني
 
تتأكّد وجهَ الجدّ
 
وتبحثُ عن شبَهٍ
 
في العينين والفمْ·
صفحة 10
قُدّسَ سرّه
 
رأيتُ عشباً ينمو في يديكَ، وبين جفنيكَ صلاة·
 
رأيتكَ طيراً
 
ترفرفُ قرب شبابيك العمر،
 
وتطلبُ الصّفحَ عن اسم ليس لي:
 
يا بنيَّ
 
منحْتكَ نصفي: هامتي وجبيني
 
ونصفك الآخر أحلامي·
 
وأورثتكَ من عالم الغيب يداً
 
تربّتُ ظهر الخيل
 
وتكحّلُ عيون الحمامْ·
 
يا بنيّ
 
وآتيكَ من غيبتي سرّاً
 
تقدّسَ في أعالي الكلام
 
ونفساً دونها الدهر
 
تنوسُ في منام الناس
 
··· ولا تنامْ·