صفحة 1
الإهداء
إليكَ... وقد رحلت عنا إلينا
إلينا... لنراك حيا
لنعيشك حيناً... ونبكيك حنينا
إلينا
وقد كتبنا بعض ما كنتَ فينا.... فهل وفينا؟!!!
بلال كمال رشيد
تقديم
كمال رشيد رجل فقدناه
عبد الله الطنطاوي
وقد يسأل سائل: وماذا في فقد رجل؟فنحن نواري الثرى مئات الرجال في كل يوم، وقد يستشهد بقول المعري الحكيم:
صاحِ هذي قبورنا تملأ الرُّحب
فأين القبور من عهد عاد؟!.
ويغيب عن ذهن هذا السائل: أن رجلنا هذا هو كمال رشيد، وليس غيره من أولئك المئات بل والآلاف، فقد يكون رجل في أمة، وأمة في رجل.. ولهذا نحن نأسى ونبكي الرجال الرجال، في زمن عزّ فيه الرجال..
صفحة 2
-1-
إنه الموت يعتام الكرام من الرجال، ويصطفي ما نحن في مسيس الحاجة إليه من البدور، في ليالينا المحاقية.. في ليالي غزة والضفّة والقدس التي يبيّت لها الأعداء ما يبيّتون من مكر الليل، وكيد النهار... من عدة وعدد... من أسلحة فتاكة... نووية، وفسفورية، وما لا يخطر إلا على بال شياطين أوروبا وأمريكا، ورأس حربتهم: الصهيونية المصنَّعة من ثقافة الكراهية، والأحقاد الدينية التاريخية، والإجرام الذي يتغيّا الفتك ببني البشر، وأولهم العرب والمسلمون، فيما العرب والمسلمون يعيشون بل يحيون حالة من العجز، والتخلف، والاحتراب البيني، ما يشمت الأعداء، ويميت الثكالى من الضحك... عدوّهم يبني المفاعلات النووية، والمصانع الحربية الثقيلة والخفيفة، وهم يبنون السجون والمعتقلات، ويُرْدون ذوي العلم والعقل والحكمة فيها، يزجونهم في أقيائها المظلمة، ليموتوا في كل يوم عشرات المرات، تحت السياط التي هي أخفّ أنواع التعذيب، ومن ينجو بنفسه من هؤلاء، يلتحق ببلاد (برّه) ليأمن على نفسه وعرضه وولده، وليقدّم ما عنده لغير شعبه وأمته، وهذا ما يدعوه الناس: هجرة العقول العربية، وبها يكون الخسران المبين لأمتنا المنكودة الحظ بالعديد من أبنائها، كما هي منكوبة بأعدائها الذين تداعوا عليها من كلّ حدب وصوب.
عندما كنا نسهر الليالي الطوال مع غزة الصمود والعزة والجهاد والاستبسال. كانت صورة كمال رشيد ماثلة للعيان، أراها في أقلام الأحرار الذين يكتبون عن غزة، وعما تعانيه من وحشية وحوش البشر، حثالة البشر، أو شاب البشر، يقدم لهم أوباش البشر، من أصحاب الوجوه الصفر، والعيون الزرق، والشعر الأشقر، ويعينهم السُّود والسُّمْر... يقدّمون لهم ما يحرقون به غزة ومئات أمثالها... فأصيح: أين أنت يا أبا بلال؟ أين قلمك؟ أين قصائدك. ألا ترى ما يفعل المجرمون الآثمون بغزتك؟ بشيبها وشبابها، وبأطفالها ونسائها؟.
لقد عهدتك مقاتلاً عنيداً، ومنافحاً رشيداً عن أهلك وعرضك وأمّتك.. عهدتك وعهدك كل من عرفك، تقاتل بلسانك، وقلمك، وفكرك، وعقلك، وقلبك، ويدك ورجلك، بمواقفك، وفي مجالسك، ومحاضراتك، وقاعات المؤتمرات، والجامعات، والمدارس... مع طلابك، مع زملائك، مع أهلك وأقاربك وجيرانك.. فأين أنت الآن لتقف في وجه العاصفة، ولتشارك في الزلزال الذي ينتظر الناس بعد غزة؟ لا بد أن تشارك فيما بعد غزة، فلغزة ولياليها الفسفورية والنووية ما بعدها... فمن سيحشّد الحشود لها غير قلمك، غير شعرك يا شاعرها، وشادي آلامها وأحزانها، ويا مقيم لها معالمها وصُواها حتى لا تضيع في حراكها الجهادي، ولا تشوب مبادئها وقيمها شائبة تفد إليها من شرق أو غرب، بعد تكاثر المفترين عليها..
صفحة 3
صحيح .. أنت دمث، هادئ، متزن، لطيف، مرح، وصحيح أيضاً أن لك غضبة الأسد إذا غضب، وصيال الفارس إذا صال وجال، والقدس في قلبك، وفلسطين كلها قدس... وهي الآن أشدّ حاجة إلى صولاتك وغضباتك، وإلى فكرك وتخطيطك وتقديرك، إلى جانب إخوانك... إخوان العقيدة ورفاق الدرب والمصير... إنهم يفتقدونك الآن... يفتقرون إلى الرجال من أمثالك... إلى من يبذل كل ما في وسعه من أجل غزة الأمل. والقدس الشريف، وفلسطين الغالية، التي يئن شطرها تحت وطأة الصهاينة المجرمين، ويستغيث شطرها الآخر من وطأة الأنذال... الأقصى يناديك يا أبا بلال، فهل أنت مجيب؟!.
إنها معركة الكرامة، كما هي معارك الحرية والتحرير..
ولهذا أنت وأصحاب النجدات، سوف تسمعون صيحات المستغيثين والمستغيثات: يا شموخ الإيمان في أهل الإيمان من الرجال..
-2-
إن كمال رشيد- تغمده الله بفيض رحمته ورضوانه- كان يحمل هموم أمته، وفي طليعتها هموم فلسطين وأهلها وقضيتها.. وقضية تحريرها من المغتصب الصهيوني، كما يحمل هموم نفسه،وأسرته الصغيرة.. وهذا ما نطالعه في كل ما كتب من شعر ونثر، وما كنا نطالعه في أحاديثه، وما كنا نقرؤه في عينيه الساجيتين الحالمتين بغد أفضل من هذا الحاضر البئيس التعيس الذي يبعثر الأمة وأحلام أبنائها، وكان حقّها أن تلتقي لتزن الجبال تخطيطاً للغد المأمول في تحرير الأرض، وتحرير العقول التي سكنتها سواكن تستعصي على الطرد بعيداً عن الله ودينه القويم.
كان بين التفاؤل والإحباط، وهو يعاني ما يعاني في تربية الأجيال.. إنه يريدها صاعدة إلى المجد، ويأمل فيها الخير لمستقبل الأمة التي تفتقر إلى الرجال. فيسعى إلى بناء الرجال، وتأليف الرجال، وتربيتهم ليكونوا كما ينبغي لهم أن يكونوا، من أجل التحرير والبناء، وقد يصاب بالإحباط مما يرى من انصراف الكثير من الشبان والشابات إلى الفثاثة والفثائية، هرولة وراء حميّا الشهوات والمال، والاقتتال على سفاسف الأشياء وتوافه الأمور. وهذا ماكنا نسمعه في بعض مجالسه، ونطالعه في بعض شعره ونثره، وهو الأديب المفكر، والأديب السياسي، والأديب الإعلامي، والأديب الداعية إلى الإسلام وما فيه من خير، وكله خير للبلاد والعباد...
إن عمل الدكتور الرشيد في المناهج، والتخطيط، أضاف إلى حياته الأدبية والفكرية إضافات مهمة، وأكسبه خبرات في التفكير المنظم. وفي التنظير، وفي العمل بوعي ممنهج، فكانت طريقه لا حبة في الوصول إلى ما يريد الوصول إليه، فلا يخبط خبط عشواء، كدأب كثير من الأدباء والشعراء والفنانين، بدعاوى سخيفة حيناً، مبتذلة في أكثر الأحيان.
صفحة 4
-3-
كتب أصدقاء الفقيد الحبيب كمال رشيد في هذا الكتاب عن بعض ما عرفوه فيه من سجايا وشمائل وقيم، ويا ليتهم ويا ليت أصدقاءه وعارفيه وزملاءه وتلاميذه وأهله يكتبون كل ما عرفوه عنه، لتنشر في رسائل وكتب، أو لتقدَّم إلى نجله بلال- الواعد بالكثير- من أجل اكتمال صورة الكمال الرشيد، بأبعادها الحسية والمعنوية... النفسية، والجهادية، والكفاحية، والعلمية والأدبية..
لو تهيأ لنا هذا، لأفاد الناس منه علماً، وأدباً، وتجارب حيوية، ولما ضاعت أخباره، ونُسيت أعماله، ولما استطاع أحد الافتئات عليه، ولحفظ لهذه الأمة أخبار رجالها، ولعرفه من لم يعرفه ولم يلتقه.
إنني- في هذا التقديم لهذا الكتاب المهم- أود أن أقترح على نجله الدكتور بلال، أن يبادر إلى جمع آثار أبيه- رحمه الله تعالى- من الصحف، والكتب، ومن سائر وسائل الإعلام، وإلى تقصي أخباره من أصدقائه، ومعارفه، وتلاميذه، وزملائه، وأهله، وجيرانه بزيارتهم، والجلوس إليهم، ومحاورتهم حول ما يعرفونه عنه، رحمه الله.
هذا الكتاب خطوة في الطريق الصحيح، أرى أن تتلوها خطوات، فأدعو بلالاً إلى جمع الآثار المخطوطة والمطبوعة لوالده المعطاء، وإصدار (ديوان كمال رشيد) الأعمال الشعرية الكاملة، في مجلد واحد، وجمع آثاره النثرية، وإصدارها في مجلد أو مجلدات، وأعماله التي كتبها لفلذات الأكباد.. بحيث لا يفلت منه عمل واحد,
وأرجو من الأدباء والكتّاب والشعراء، المساعدة في ذلك.
كما أرجو طلبة الدراسات العليا في الجامعات العربية والإسلامية، أن يبادروا إلى تسجيل رسائل عن كمال رشيد الشاعر، وكمال رشيد كاتب الأطفال، وكمال رشيد الداعية، وكمال رشيد السياسي، وهكذا.. ولعل الدكتور بلالاً يعين الدارسين بجمع آثار والده رحمه الله تعالى... فهل من مجيب؟
أرجو ذلك، ولعلي ولعلنا نؤدي حقّ أخينا الحبيب علينا، بل بعض ما له حق علينا، وعلى الأدباء، والدعاة، والأصدقاء، والأقرباء، والسلام عليك- يا أخي الحبيب – في الخالدين.
عمان: 17/2/1430هـ.
14/2/2009م.
صفحة 5
كمال رشيد كما عرفته
مربياً وباحثاً وشاعراً
الأستاذ الدكتور عبدالكريم خليفة
رئيس مجمع اللغة العربية الأردني
ولد كمال عبدالرحيم رشيد عبد الفتاح عام 1941م في "الخيرية" من ضواحي "يافا" على الساحل الفلسطيني، وذاق مرارة اللجوء في طفولته الأولى وهو ابن السابعة من عمره عام 1948م، عندما استباحت عصابات الصهاينة يافا وحيفا وعكا واللد والرملة، والخليل وشمال فلسطين وبقية الساحل الفلسطيني. وتدفقت جموع اللاجئين الهائمين على وجوههم، في كلِّ اتّجاه.
وكانت وجهة كمال مع عائلته إلى نابلس، بانتظار العودة، أياماً، إلى منزلهم وقريتهم الجملية "الخيرية" من ضواحي "يافا" عروس البحر وميناء فلسطين. وكانت "يافا" عبر التاريخ الإسلامي ثغراً من ثغور المسلمين، وأرضَ "رباط" يقصدها المجاهدون من مختلف ديار الإسلام، يستقرون فيها مع عائلاتهم، للقتال وردِّ الغزاة، ويرابط فيها العلماء للتدريس ونشر العلم وتثقيف عامة الناس في حلقات الدرس وفي المساجد، وكانت يافا ثغر الدفاع عن القدس الشريف، مسرى الرسول- -، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وهي في "رباطها" امتداد للرباط في القدس، حيث المرابطون يستقرون مع عائلاتهم في الضواحي الممتدة إلى بيت لحم وحلحول وخليل الرحمن. وجاء المرابطون مهاجرين هجرة جهادٍ واستقرار... وكان للمغرب الإسلامي دور مهم في الرباط والجهاد في القدس، لا سيما في زمن الحروب الصليبية والقرون التي أعقبتها...( ) كان وجهة كمال مع عائلته إلى نابلس، وعندما طالت الأيام، تجمعوا في مخيم للاجئين، حيث ذاقوا مرارة العيش وألم الجراح وهوان الأمة ... وما إن أكمل دراسته الثانوية في نابلس، حيث اجتاح جيش الصهاينة بقية فلسطين في الخامس من حزيران عام 1967م، وسقطت القدس كلها صريعةً ثكلى، بأيديهم تشكو إلى باريها هوان الأمة العربية وتخاذلها وتمزقها...!! وقبل زوال الشمس من ذلك اليوم المشؤوم، كان الصهاينة قد استطاعوا أن يدفعوا جموع اللاجئين شرقاً، فاجتازوا النهر إلى الضفة الشرقية منه، تصحبهم كثير من العائلات الفلسطينية الأخرى، في تشريد جماعي وقسري، أطلق عليه فيما بعد اسم "النزوح"... واختلطت المفاهيم بين "لاجئ" و "نازح" و "مقيم"... وبين "نكبة" و "نكسة"... وتفننت هيئة الأمم المتحدة!! والأعداء المهيمنون عليها، بوضع المصطلحات، وكان حظ "كمال" وذويه اللجوء، مرة أخرى، ولكن في هذه المرة إلى عمّان... والعيش في مخيم اللاجئين... مبتدئاً أبجدية اللجوء من حروفها الأولى...!!.
صفحة 6
كان عليَّ في هذه السطور القليلة أن أشير إلى تلك الأحداث الكبيرة المرة، إذ لا يمكن فهم فكر كمال وشخصيته، ولا يمكن فهم شعره وأدبه، بمعزلٍ عنها... لا أريد في هذه الكلمة أن أتحدث عن سيرة أبي بلال- رحمه الله-، ولم يكن في وكدها أن أقيم دراسة لشعره وأدبه، ولكنني أبغي أن أسجِّل بعض الخواطر والأفكار التي نشأت عن علاقة شخصية في التعرف إليه باحثاً ومربياً وشاعراً... فقد كان، رحمه الله، عضواً في "الفريق الوطني" الذي كان يجتمع في مجمع اللغة العربية الأردني، بصورة دورية، ولعدة سنوات من أجل وضع كتب اللغة العربية المدرسية... وكان مجمع اللغة العربية الأردني قد أخذ على عاتقه بالاتفاق مع وزارة التربية والتعليم أن يضع كتب اللغة العربية لطلبة مرحلة التعليم الأساسي على أن يعقبها كتب مرحلة التعليم الثانوي. وكنت باعتباري رئيس المجمع حريصاً على المشاركة في جميع الاجتماعات... ومُناقشة كلّ نصٍّ، تقدمه لجنة وضع "الكتاب"، لغوياً وأدبياً وتربوياً، وذلك في إطار المنهاج الذي أقرَّته وزارة التربية والتعليم، وبعد الانتهاء من مناقشة "مشروع الكتاب" يقدَّم إلى "اللجنة العليا" في المجمع، لتلقي عليه النظرة الشاملة، وبعدئذٍ يرسل المشروع إلى وزارة التربية والتعليم كي يقرَّه "مجلس التربية والتعليم" بحضور مقرر اللجنة المتخصصة التي وضعت الكتاب... كان كمال رشيد عضواً متميزاً في الفريق الوطني، يناقش بهدوءٍ، وقد يقترح نصاً آخر يرقى بقيمته الأدبية والفكرية إلى إجماع الفريق، بعد مناقشاتٍ واقتراحات جادة يشارك فيها جميع الأعضاء، في أجواء من حرية الفكر، لا يحدُّها إلا الحرص على حسن الاختيار وعمق التحليل وصدق الانتماء... وكان، رحمه الله، بأسلوبه الجميل وبأدبه الجمِّ وتواضعه، حريصاً على أن لا يجلب الانتباه إلى شعره... وكان ديوانه الأول "شدو الغرباء" قد صدر قبل ذلك بعدة سنين؛ ومما يجدر ذكره أن الفريق الوطني للإشراف على تأليف كتب اللغة العربية المدرسية، لمرحلة التعليم الأساسي، قد تألف عام 1989م، واستعنا بأبي بلال- رحمه الله- بصفته الشخصية من ذوي الخبرة والدراية على المستوي الوطني... وكان ذلك اختياراً موفقاً.
وقد استمر عملنا سويةً حتى عام 1994م، إذ رأت وزارة التربية والتعليم لأسباب غير معلنة، أن تأخذ على عاتقها بصورة مباشرة تأليف كتب اللغة العربية لمرحلة التعليم الثانوي!!!.
صفحة 7
وتوقفت الصلة بيننا إلا ما كنت أقرأ له من قصائد رائعة، ومن مقالات صافية العقيدة والاتجاه، في صحيفة الرباط الأسبوعية، عندما كان "أبو بلال" يتولى رئاسة تحريرها في الفترة ما بين 1992- 1994م. وفي صيف عام 1996م، جاءني كمال يحمل إليَّ نسخة من الرسالة الجامعية التي تقدم بها للحصول على شهادة الدكتوراه من الجامعة الأردنية، تحت عنوان: "الترادف في القرآن الكريم"، وكان قسم اللغة العربية بالجامعة قد ندبني مع زملاء آخرين لمناقشة هذه الرسالة.
قرأت الرسالة، وجرت المناقشة العلنية، وقد جلب انتباهي أنني أمام أديب لغويٍّ باحثٍ صاحب رأي. فكان حريصاً على تتبع الروايات من مصادرها، ومناقشتها ويعرض الآراء المختلفة ولا يكتفي بترجيح رأي على رأي، وإنما في بعض الأحيان يعرب عن رأيه، وقد يتفرّد به... ولا شكّ أن هذا يعود إلى تمرُّس باللغة ونضجٍ في التفكير وشاعرية موهوبة، وأديبٍ ملتزمٍ عقيدة وقضيةً... بات يخطو في أواخر الخمسينيات من العمر...
كان كمال – رحمه الله- ملتزماً بالإسلام السمح عقيدةً ومنهج حياة، وشعراً رقيقاً قد وهبه للقدس، مسرى الرسول - -، وثالث الحرمين الشريفين، ولمسقط رأسه في "الخيرية" من ضواحي يافا، أرض الرباط والجهاد. فكانت دواوينه الأربعة خير شاهد على ذلك... إذ يقول في مقدمة ديوانه "القدس في العيون":
حسبي من الشعر أنْ مجدتُّ أوطاني
سَجَّلت ما شاده بالعزم إخواني
هذي فلسطينُ والأفعالُ شاهدةٌ
تقودها للعلا آياتُ قرآني
هو الجهادُ سبيلُ المسلمين ولا
ينأَوْن عنه، وفيه الأحمرُ القاني
إلى أن يقول:
صفحة 8
لكنَّ أهل التقى والحقِّ ما عرفوا
إلا الطريقَ إلى جنَّاتِ رضوانِ
وربما كان من المفيد والحق في هذه الكلمة العجلى أن نتوقف ملياً عند هذه الدواوين الأربعة التي بين أيدينا وهي: "شدو الغرباء" و"عيون في الظلام" و "القدس في العيون "و "نسائم الوطن"، ولا شك أن شعراً وافراً قد تركه أبو بلال، رحمه الله، بعد هذا الديوان الأخير الذي صدر عام 1997... وعسى أن ينشر في قابل الأيَّام كاملاً... فقد تعرضت الأمة وقضيتها الأولى فلسطين إلى أحداثٍ جسامٍ تهزُّ الضمائر الحيَّة والمشاعر الصادقة، وباتت هوية الأمة ممثلة بلغتها وعقيدتها ومقدساتها أهدافاً للغزاة المستعمرين، استيطاناً وتدميراً ونهباً للثروات وإذلالاً لشعوب الأمة العربية والإسلامية في مختلف أقطارها، وزرع الفتن بين أبناء الشعب الواحد... ويا لها من مرارة في نفس شاعرنا أبي بلال، وهو يرى الإخوة الرازحين تحت الاحتلال، يتقاتلون فيما بينهم، ويكيد بعضهم لبعض... والاحتلال الصهيوني ماضٍ في تهويد القدس، وبناء المستعمرات، وقضم البلاد وقتل النساء والأطفال والشيوخ. وهدم البيوت وخطف الرجال والشباب... ولم يبرح الصهاينة أساطيرهم القديمة من النيل إلى الفرات...!!.
رحم الله الشاعر المربي أبا بلال رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه، فقد كان مربياً صاحب عقيدةٍ سامية في حياته العملية كما كان في حياته الأدبية، وقد اتخذ من فنه الشعري أداة للتعبير عن مشاعره الصادقة ووسيلة للتواصل مع جماهير الأمة، ومسرحاً لتربية الناشئة، وإعداد شباب الأمة مجاهدين عائدين لغسل العار وإطفاء حريق المسجد الأقصى الذي ما زال يتلظى في مشاعره ويثأر للتشريد واللجوء...!!
وإنَّ نظرة عجلى في دواوينه الأربعة، تكشف لنا عن هذه الخيوط المتصلة في نسيج شعره في مراحله الفنية وعبر الزمان وتطور الأحداث للموضوع الوحيد الذي وهبه حياته مربياً وشاعراً حيث يقول في ديوانه الأول:
صفحة 9
فلسطينُ حبّي ما حييتُ وإنني
سعيدٌ بهذا الحبِّ ما طالَ بي عَهْدي
وهو في هذا الديوان يعبر عن مرحلة التشاؤم، فيصور هموم الحياة وشجونها... ويبكي فلسطين... وقد تغير حالها وتاه الشعب في مخيمات اللجوء... وفي ديار الغربة. إذ يقول:
مزَّقْتُ كلَّ قصائدي الأولى
أبليتها مِنْ قبل أن تَبْلَى
إلى أن يقول، وقد ضاقت به الحال:
وكما يموتُ الصدقُ في زمني
ماتَ القصيدُ ولامس الوحلا
ويرى نفسه عاجزاً أمام ما ألمَّ بالأمة من جراح:
وأرى مَصارِعَ أمتي تبعاً
وجروحها لا أملك الحلاّ
ويتذكر الماضي الزاهر وما آل إليه الحاضر الذليل، فيقول:
ماذا دهى الصِّيدَ الأباةَ وقد غدت
أوطانهم للخصْمِ كالأسلابِ
صفحة 10
والأهلُ أضحوْا في الخيامِ، سيوفُهم
خشبٌ وفي الأوطانِ صَوتُ عذابِ
ولكنّ الشاعر، وفي هذه المرحلة المظلمة، لا يفقد الأمل، إذ يقول:
رغمَ ارتكاسِ الحالِ رغم تشرّدي
رغم اعتزال عقيدتي وكتابي
سَيظلُّ وجهي مُشْرِقاً بيقينه
بشروقِ شمسٍ بَعْدِ طولِ غيابِ
وتهزُّ انتفاضة " أطفال الحجارة" مشاعر أبي بلال، فيقول:
وأنَّ أطفالنا في القدسِ قد كَبُروا
وأنهم مِنْ لبانِ المجدِ قَدْ رَضعوا
أطفالُ "غزة" ما لانوا ولا جَبنُوا
صِغارُ "نابلس" ما خاسوا وما خضعوا
وفي المخيمِ آياتُ الجهادِ عَلَت
لبّى الشبابُ نداءَ الحقِّ حين دُعوا