eKtab
EN ع
كمين الجاذبية
اقرأ عينة مجانية

كمين الجاذبية

بقلم فهد العتيق

صفحة 1
نسيان
 
ذات مساء تركت رأسي بكل أسئلته الضالة عند باب بيت لا أعرفه وخرجت كنت أشعر أنيّ خفيف إلى درجة الطيران·
 
وفي البيت شعرت أن الكلام يهرب مني فكلما أنطق كلمة تخرج معكوسة أو تطير في الهواء بلا صوت أحسست أن أعضاء جسدي تتساقط الواحد بعد الآخر في معركة يبدو أنها محسومة وحين قررت الهرب والنوم صحوت فجأة·
 
كنت أحاول أن أترجم تلك الكلمات التي خرجت معكوسة حين قفز السؤال مثل عمود النار: هل أنا الذي كنت نائماُ ؟ أم أن الذي كان يقظًا أحد سواي ؟
صفحة 2
خوف
 
قلت لك إنني عندما رأيتك أمامه مرتبكًا شعرت بالخيبة التي دفنتني في الحزن البالغ وقلت لك إنك بدوت أمامه كخائف لا يقوى على الكلام كانت الكلمات تخرج من فمك بأحرف مخنوقة متقطعة ومرتجفة كأنها تبكي وكنت أرى وجهك أصفر وجسدك يهتز بصراحة واضحة·
 
كنت تحاول أن تحني رأسك وأنت تتحدث أمامه أو وأنت تخرج منديلك الأبيض بتوتر لتمسح عرق جبينك وكنت تدافع عن نفسك كثيرًا وفي غير ما داع في وقت كنت تحتاج فيه إلى سؤال صغير جدا : لماذا فعلوا بك هكذا ؟
 
قبل أن تدخل كان الرجل يسألني بأي وجه سوف يقابلك وكان متوترًا· بعد أن خرجتَ رأيته يضحك بعمق شديد·· بعمق يا صديقي·
صفحة 3
تعارف
 
استيقظ فجأة مبكرًا وبشكل مزعج حتى إن تفكيره كان متوقفًا عند نقطة ما تقاطع في شارع (مثلاً) أي شارع كان يتمشى وحيدًا على الرصيف الممتد حتى ابتسمت في وجهه فجأة وسألته: ما الذي جاء بك إلى هنا؟·· تأمل وجهها وسأل نفسه: أين رأيت هذا الوجه من قبل ؟
 
في المساء طرقت عليه الباب طرقت مرة أخرى لكن دون إجابة فأقنعت نفسها أن تتركه لينام بينما كان يلف أرصفة المدينة يبحث عن تقاطع ما في شارع ما في مدينة غامضة لا يعرفها وفي أحيان قليلة كان يتوقف ليسأل نفسه: أين رأى ذلك الوجه الجميل من قبل؟
صفحة 4
رؤية
 
كان يسير بمحاذاة رصيف مظلم مكسور السيارات تتجاوزه بسرعة كبيرة والأضواء تتخطف منه النظر الضعيف وفي لمحة بصر واهن فجأة لم يجد نفسه هكذا·
 
قال: إنه ربّما سقط في بئر مهجورة أو حفرة خادعة أو غيابة لا يعرفها وكان كلما حرّك يديه تصطدمان في جدار صخري يفتح عينيه فلا يرى شيئا ً والمكان ممعن في ظلام عميق معبأة أجواؤه بخيالات موحشة·
 
كان يسمع أصواتا بعيدة تأتي من كوّة ضئيلة فوق رأسه وكان يشعر أن صوته بدا أكثر ضعفًا من ذي قبل وروحه تصفق بأجنحتها كل شيئ حولها·
 
حاول أن يتحرك فلم يستطع كان يشعر بشلل في سائر أطراف جسمه حاول أن يصرخ فخرج صوت خافت يشبه العواء الصغير فأمضى وقته ما بين غيبوبة وصحو مريض·
 
كان يسير بمحاذاة رصيف مظلم مكسور السيارات تتجاوزه بسرعة كبيرة والأضواء تتخطف منه النظر الضعيف·
 
كان يفكر بأشياء كثيرة متداخلة ممعنة في السواد فيبكي وأحيانًا تمعن أشياؤه في البياض فيضحك·
 
وصل بيته يقطر خوفًا وتعبًا وعرقًا ثم بدأ يقصص رؤاه الحزينة بكلام لا يفهمه وعلى أناس لا يراهم في وقت حالم ومثير له رائحة الحمى·
صفحة 5
رأس
 
صاعدًا درجات السلم الطيني حتى أصل إلى النقطة الأكثر ارتفاعا في بيتي أتأمل بيوت الحارة واحدا فواحدا وعمارات المدينة واحدة فواحدة وأختزل تاريخ المدينة في صورة واسعة من هذه الجدران العالية البيوت الطينية صفراء هادئة كلوحات تراثية موصولة والمنائر تتسامق ساطعة وكنت في ارتفاع بحيث أن نخبة من البيوت تبدو بارزة قليلاً لأصطاد النظر إلى رأس بشري من البعد كان ثابتا دون حركة وكان يبدو لي من بعيد شكلاً جميلاً نقطة صفراء لإنسان وكما لو أنه يراني مثلما أراه نقطة بعيدة كنت أتأمله حتى رفعت يدي ملوحًا له ولكني لم أجد استجابة واضحة فقط تحرك الرأس حركة صغيرة ثم عاد إلى سكونه فرفعت يدي ملوحًا مرة أخرى ولم أجد ردًا وبدا لي الرأس أكثر جمودًا كصنم كأنه يريد أن يتفرج فقط دون أن يكون بحاجة إلى مد جسور علاقة مع أحد حتى رأيته بعد وقت يتحرك ويميل برأسه فلوحت له بيدي ارتفع قليلاً فلمحته لأول مرة واضحا بثوب أحمر زاه· كأنه الفرح نفسه يرقص على جدران بيوتنا ويطل علينا من علو يليق به·
صفحة 6
فعل غامض
 
عدت إلى البيت في الثالثة ظهرًا لأجده كالعادة في انتظاري صامتًا بوقفة مهيبة وضعت الصحف جانبًا ولم أجلس لآكل مضيت إلى غرفتي بسرعة لم أخلع ملابسي ولم أدخل الحمام اتجهت رأسًا إلى السرير رميت جسدي وفتحت جهاز التسجيل كما لم أكن معتادًا· وآثرت هذا اليوم أن أنام على ظهري· ويا لله أية راحة تكشف عنها هذه الطريقة في النوم ؟!
 
كنت أحدق في سقف الغرفة كأني أراه لأول مرة كان متشققًا وجيره الأبيض مقشورًا من أثر المطر وفي الركن الأيسر للسقف آثار حذاء طبع نفسه بقوة وعندما نظرت إلى أرضية الغرفة شملني دوار عظيم حتى إن سلطان النوم داهمني فجأة على غير عادة بشكل ممتع ولذيذ فهل كنت بحاجة إلى مثل هذا التغيير كي أنام بسهولة ؟!
صفحة 7
موسيقا
 
كنت أغني في الظلام دون بهجة ومصحوبا بخوف شفيف لم أكن أستطيع التخلص من تلك الحالة الموسيقية لذلك قلت لها أريد أن أحبك هكذا بكل بساطة بكلمات لم تقل حتى الآن وبنار لم تشتعل حتى الآن وبرسالة لم تصل من أحد·· ثم إنني غنيّت بكلمات غامضة·
 
الظلام يلف الغرفة لا يهم إذا كان الظلام ظلامي أو ظلام الأغنية أو ظلام الخوف القديم الذي يربض في صدري· لكن الحجرة هكذا بلا مقدمات سقطت بجدرانها الورقية على كلمات الأغنية في مشهد سينمائي مؤثر وأنا استسلمت لنوم أبدي موت مبكر محرومًا من كل ذكرياتي ومنذ ذلك الوقت تركت عادة الغناء في الظلام·
 
قـــررت الإفصــاح عـــن مشاعـــري دائمًا فــي الهــواء الطلــق أمــام النــاس حتــى لا أموت مرة أخرى ميتة مجانية بــلا جماهيــر فلمــاذا أحبس أنفاسي وخوفي في صدري وأنا أشعـــر أن الكــرة الأرضيــة بقضها وقضيضها تسكن في صــدري·