سميح القاسم
بطاقة
الاسم الكامل: سميح محمد القاسم محمد الحسين
الولادة:11/5/1939 – مدينة الزرقاء – الأردن
العنوان: الرامة – الجليل الغربي
كانَ والدُهُ ضابطاً برتبة رئيس (كابتن) في قوّة حدود شرق الأردن وكانَ الضباط يقيمونَ هناك مع عائلاتهم. حينَ كانت العائلة في طريق العودة إلى فلسطين في القطار، في غمرة الحرب العالمية الثانية ونظام التعتيم، بكى الطفل سميح فذُعرَ الركَّاب وخافوا أنْ تهتدي إليهم الطائرات الألمانية! وبلغَ بهم الذعر درجة التهديد بقتل الطفل ممّا اضطر الوالد إلى اشهار مسدّسه في وجوههم لردعهم، وحينَ رُوِيَت الحكاية لسميح فيما بعد تركَتْ أثراً عميقاً في نفسه: "حسناً لقد حاولوا إخراسي منذ الطفولة سأريهم سأتكلّم متى أشاء وفي أيّ وقت وبأعلى صَوت، لنْ يقوى أحدٌ على إسكاتي". وروى بعض شيوخ العائلة أنَّ جدَّهم الأول خير محمد الحسين كانَ فارساً مِن أسياد القرامطة قَدِمَ مِن شِبه الجزيرة العربية لمقاتلة الصليبيين تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي، واستقرَّ به المطاف على سفح جبل حيدَر في فلسطين على مشارف موقع كانَ مستوطنة للروم. وما زالَ الموقع الذي نزل فيه معروفاً إلى اليوم باسم "خلَّة خير" على سفح جبل حيدر الجنوبي.
وآل حسين معروفون بميلهم الموروث للثقافة، وبرز من بينهم عدد ملحوظ من الأسماء في مجالات الطبّ والقانون والهندسة والثقافة، في مقدّمتهم المرحوم المحامي علي حسين الأسعد، رجل القانون والمربي الذي ألّفَ وترجَمَ وأعدَّ القواميس المدرسية ودرّس القانون لشرطة حيفا في عهد الانتداب، وكتَبَ الشِّعر
وتوزَّعَتْ جهودُهُ بينَ فلسطين وسوريا ولبنان وأَقامَ معهد الشرق لتعليم اللغات الأجنبية في دمشق.
سُجِن سميح القاسم مرّات عديدة وفرضت عليه الإقامة الإجباريّة والاعتقال المنـزلي وطُرِدَ مِن عمله مرَّات عدّة بسبب نشاطه الشِّعري والسياسي، وواجَهَ أكثر مِن تهديد بالقتل، في الوطن وخارجه. اشتغل مُعلماً وعاملاً في خليج حيفا وصحفياً. أسهَمَ في تحرير "الغد" و"الاتحاد" ثم رَئِسَ تحرير مجلة "هذا العالم" عام 1966. ثُمَّ عادَ للعمل مُحرراً أدبياً في "الاتحاد" وسكرتيرا لتحرير "الجديد" ثمَّ رئيسا للتحرير. وأسَّسَ منشورات "عربسك" في حيفا (مع الكاتب عصام خوري) سنة 1973، وأدارَ فيما بعد "المؤسسة الشعبية للفنون" في حيفا.
رَئِسَ اتحاد الكتاب العرب والاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين في إسرائيل منذ تأسيسهما. ورئس تحرير فصليّة "48" ثمَّ الفصلية الثقافية "إضاءات" التي أصدرها مع الدكتور نبيه القاسم. وهو اليوم رئيس التحرير الفخري لصحيفة "كل العرب" الصادرة في الناصرة.
له 82 كتاباً في الشعر والقصة والمسرح والمقالة والترجمة، وصدَرتْ أعماله الناجزة في سبعة مجلّدات عن ثلاث دور نشر في القدس وبيروت والقاهرة.
عن تجربة سميح القاسم الشعرية
إن الصفة الغالبة على تجربة سميح القاسم هي أنه يتنكب عن الجزيئات والأحداث، إلى التجربة التأملية التي لا يزال يحدّق فيها بواقعه ويتفكر فيه، مستطلعاً منه الأفكار، معانياً لحالات التمرد، وكأنها نوع من المطاف النهائي لخواطره يخلص إليها كنتيجة حتمية لسنة الحقيقة والحرية في الوجود، فالثورة تنبجس في شعره من أعماق البؤس وواقع الذل، إنها أشبه بردة وانتفاضة..
وتوحيد الشاعر بين واقعه القومي وواقع الإنسان ينزع عن قوميته إطارها الضيّق ويجعل ما يعانيه الإنسان العربي فيها ضوءاً لمعاناة الإنسان عامة لواقع الفساد والظلم. ولقد أنف الشاعر من التعبير الفكري المباشر، متوسلاً بالصورة التي تبدع لذاتها رموزاً بسيطة، مستمدة من الواقع المبذول، المتصل اتصالا حميماً بالنفس، مؤلفاً فيها الفكرة والصورة والشكل الحسي والأداء النفسي.
والشهادة في تجربة سميح القاسم هي الشهادة التي يتدرب بها الإنسان على معانقة الموت معانقة روحية. أن يتهيأ له وينخرط في سبيله ويعايش مقدماته وأجواءه حتى يناله في النهاية متطهراً من أدران الحياة والعالم، مؤثراً عليهما معناهما الأسمى الأكبر حيث تحل غبطة الحرية الكاملة في النفس، كما تحل غبطة الحقيقة في نفس الصوفي.
ولا غلو من بعد، في القول بأن تجربة سميح مع الشهادة والموت هي كتجربة الصوفي مع الحقيقة والسعادة. أنه يعد نفسه لها ويسقط منها شهوة العالم ونعيمه متخلياً عن كل ما يطرب له سواه من طغام الناس.
إيليا الحاوي- (الآداب)
نجد في معظم قصائد سميح القاسم ذلك الرجوع إلى الماضي والانطلاق منه مع حركة التاريخ إلى المستقبل، في رؤيا أسطورية يرى فيها عروبته وإنسانيته ويرى المستقبل فردوساً أرضياً من تكوين يديه. يراه في صورة موجودة من البدء في حتمية التاريخ، صورة نفض عنها الغبار عندما تحطمت المرايا فنبتت فيها جنّة الاشتراكية التي تختلف عن جنّة المرايا اختلاف الطوباوية عن العلم. ويثور الشاعر على كل المرايا الموروثة، ويعبث في مكتبة البيت القديمة، متنكراً لكل ما فيها من أوهام رغم أنه فيها وجد هويته العربية.
وتتناثر المرايا، ويواجه الشاعر الثائر ما بقي من دنياه بعد زوال الوهم- ويشعر سميح القاسم أنه إله، يسيطر على قدره..
الياس شاكر- (الطريق)
انطلاقاً من التفاصيل الصغيرة تأخذ الدلالة العامة جوّها النفسي المتوهج وكثافتها الضاغطة وهي دائماً السمة الرئيسية في شعر سميح القاسم.
هذه القدرة الفذة على أن تتكلم أدق التفاصيل وأبسطها في إطار التلاحم والتآزر بالمعنى العام والمشترك، وعلى أن تنقل هذه التفاصيل طعم الأرض ولون التقاليد ومذاق الوطن، وأن تفجر في الوقت نفسه، شحناتها الداخلية، طاقات التمرد والرفض والثورة ومراجل الغضب الثوري.. هذه المواجهة الساخنة هي دائماً لغة سميح القاسم، مواجهة التحدي والإصرار يحتشد لها بأدق التفاصيل وأخفى الإيماءات ليصنع نسيجه الشعري من لغة بسيطة متحررة، حادة المواجهة، شديدة الولع بالوصول إلى مضايق الأشياء، لتحرّك وتحرض وتثير..
إن سميح القاسم ينكأ بئر الحزن الطافح في وجدان الشعب العربي.
فاروق شوشه- (الآداب)
إن مضمون سميح القاسم على الأغلب، مضمون قومي إنساني. فلعله لهذا السبب لا يتعامل مع الأرض قدر ما يتعامل مع التاريخ.. ولا بد أن نقول، ومع اللغة أيضاً، باعتبار أن اللغة ساحة كاملة من ساحات التاريخ القومي، هي لسان الأمة الذي يلازمها في النمو منذ مرحلة الطفولة، حتى مرحلة النضج والإدراك.
فلذلك قد نضطر أحياناً أن نقرأ القاسم جنباً إلى جنب مع القاموس.. ولئن بدا التعامل مع القاموس عيباً فنياً صارخاً لدى بعض النقاد الأدبيين، فليس ذلك إلا للوهلة الأولى فقط، ومن نوع التناول السطحي للموضوع، أو ربما بتأثير ما ترسب في عقل الناقد الباطن من تداع قديم بين الزخرف اللغوي، الذي لم يكن أكثر من زخرف في ذاته وبين عصور الانحطاط المديدة في الأدب العربي.. إلا أن لقضية اللغة الآن وجهها المختلف الجديد..
يوسف الخطيب- مقدمة (ديوان الوطن المحتل)
صور الشاعر سميح القاسم كلها ملاحم.. وقد أصبح أبرع من ينتفع بالأطر الأسطورية والإشارات التاريخية، والصور المتشابكة كأنها غابة ملتفة!
وهو بارع في اقتناص الواجهة المثيرة لبنائه الفني بحيث يشد إلى الحدث الذي يبدأ بصورة مفاجئة جميع العيون والجوارح، ثم يمضي في تصعيده أمام النظارة حتى يبلغ به حداً يحس معه كل مشاهد أنه هو صاحب الشأن في هذا الحدث، وإذا المشاهدون متعلقون بالنهاية التي تصل الحدث الخاص بمصيرهم هم.
فسميح القاسم شاعر المواقف الدرامية، وشاعر الصراع، سواء كان هذا الصراع في داخل النفس الواحدة أم بينها وبين نفس أخرى تواجهها، وهو يجيد تصوير هذا الصراع بصوره المثيرة الهادرة الأصوات.. شخوص، وأحداث، وبيئة، وتسلسل زمني، تتحوّل بين يدي هذا الشاعر، بل هذا المهندس المعماري، إلى عمل فني كبير، يحمل كل مقومات العمل الملحمي أو العمل الدرامي، في تدفق موجاته وتدفق شعوره..
الدكتور عبد الرحمن الياغي
لقد منح القاسم الموت وظيفة أكثر إنسانية، وظفه حارساً على باب المدينة الضائعة المفتاح. برغم البحة، برغم التعب، برغم تيقظ الموت وقوة حراسته، لا يزال نبض القاسم قوياً كما في السابق، كقوة التعبير عنه..
قصائد القاسم الجديدة لم تعد كما كانت معظم قصائد شعراء الأرض المحتلة، محاولة للوصول إلى الوثيقة الشعرية. قصائد القاسم أقل وثائقية وأكثر اقتراباً من قلب الإنسان المسحوق في كل مكان.
والشاعر عرف أكثر من غيره كيف يجعل قضية الظلم في بلده وفي العالم واحدة، وساعد هذا على تفتيق أشكال جديدة في التعبير. وأن تأثره بالصورة والنفس اللوركاويين، هو بسبب تشابه العالمين الدمويين لهذين الشاعرين.
عصام محفوظ- (النهار)
يخيّل إليّ أن سميح القاسم دخل مرحلة التوحيد المطلق مع القضية، توحداً جسدياً ونفسياً، عقلياً وشعورياً، عفوياً وقصدياً.. بل إلى حد ما تمحى معه هذه الصفات جميعاً أمام تجل واحد هو (سميح القاسم- القضية) أو (القضية- سميح القاسم) لا فرق. بل لو قلت القضية لتعرفت إلى وجهه. ولو قلت سميح القاسم لتعرفت إلى القضية.
في توحد الصوفي تفنى الحدود ويبقى الوجه الواحد.. وفي هذا التوحيد يتجلى الواحد في الأفراد، فلا يرى الأفراد بل الواحد.. وفي شعر سميح القاسم يتفتح الصوت الواحد في كل الأصوات، ويتألق الوجه الواحد عبر كل الوجوه. فقد امتدت (القضية) حتى غمرت الوجود كله.
إنعام الجندي- (الدستور)
إلى الجحيم أيها الليلك.. حكاية سميح القاسم الجديدة.. لا شك أنها من أجمل ألوان الأدب الفلسطيني الذي قرأته خلال العشرين سنة الماضية.
فقد استطاع سميح القاسم بنظرته المجهرية ذات العدسة المنفرجة الزاوية والملونة أن يقدم للقارئ الأبعاد الإنسانية الحقيقية لمأساة الشعبين العربي والإسرائيلي.. وما يطلق عليها السياسيون أزمة الشرق الأوسط.
كما استطاع سميح القاسم في الوقت ذاته أن يدخل لغة جديدة للقصة العربية.. بجملها وصورها وحوارها.. قرّبها ولدرجة كبيرة من اللغة العالمية للأدب الحديث.. لغة الحواس الخمس.. التي تجتذب كل حواس القارئ فيحيا ضمن أبعادها الخمسة..
محمد آل رضوان- (الفجر)