eKtab
EN ع
كورون .. أو الماء باتجاهين
اقرأ عينة مجانية

كورون .. أو الماء باتجاهين

بقلم علي الصوافي

صفحة 1
تاكسي وغرفتان وصالة
 
فخرية بنت لال مراد، المعبيلة الجنوبية، شقة رقم (4)، أقصى الجانب الأيسر من الطابق العلوي بمحاذاة الشارع القريب من الشعبية·
 
كانت فخرية تقف على النافذة الوحيدة في الغرفة، والمشدود عليها ستارة معلقة بحبل نايلون أزرق عبارة عن شرشف قديم بلون أصفر تتوزع عليه أشكال مختلفة لأغصان ورود كبيرة، كانت فخرية تقف بعمودها الجاف وعينيها المشدودتين لترى (التاكسي)؛ لقد تأخر (التاكسي)·
 
حركت فخرية الستارة نحو الجهة اليمنى بعد أن ركبت على فتحة النافذة، واضعة مقدمة رجلها اليمنى على الجزء السفلي من مستطيل النافذة، بينما تتأرجح الرجل الأخرى في الهواء، معتمدة على قبضة يدها اليسرى التي تشدها إلى حديدة النافذة، سحبت فخرية الستارة عن آخرها وفتحت نصف النافذة، (لقد تأخر التاكسي اليوم)·
 
وقفت فخرية بجانب باب الغرفة وقد بدأ ضوء الصباح ينعكس من الفتحات الجانبية للتكييف على السلسال الفضي الدقيق على صدرها المكتنز، والمشدود بحمالات من المخمل·
 
اليوم في بيت فخرية يبدأ في الخامسة، حيث تصحو أم فخرية لتحضر ما قد يتصادف في المطبخ من قطع الخبز المتبقية من عشاء البارحة، والمصرورة جدا في أكياس النايلون الشفافة، ثم تضع قطع الخبز وبعضا من الجبن أو بيضا مغليا حسب الجدول على صحن بلاستيكي عريض، تضعه على بساط وسط الصالة، والمفصولة بحاجز خشبي عن غرفة النوم التي تنحشر فيها أخوات فخرية الثلاث، أما فخرية الموظفة بمكتب النجمة للعقارات بالمنطقة التجارية بروي؛ فتنام مع أمها وأخيها الصغير في الغرفة الرئيسية·
 
الشقة تتكون من غرفتين وصالة، الغرفة الأولى على الجانب الأيمن بها سرير حديدي، مرايا، مخدة واحدة، دولاب بلاستيكي بخطوط كاروهات، تكييف، لمبة واحدة، نافذة مغطاه بأوراق الجرائد، وأخرى بستار مشدود على حبل كحبل الغسيل· أما الغرفة الثانية، والتي هي في الأساس جزء من الصالة، يوجد بها ثلاث مراتب، غطاء واحد، حقيبة كبيرة، أو خزانة لملابس على شكل مندوس، مروحة سقف وفتحة دائرية لزوم الإضاءة والهواء القادمين من نافذة الغرفة المجاورة باتجاه الصالة، ومن ثم الغرفة التي تأخذ شكلا عموديا مع الصالة، وإضاءه صفراء من اللمبة المثبتة أعلى باب الغرفة·
صفحة 2
يجلس الجميع في السادسة على صحن الإفطار، ثم يتوزعون إلى مدارسهم، نجما التي تلي فخرية مباشرة في المرحلة الإعدادية، مال الله في الصف السادس وبتول في الثالث، فيما يترك الأخ الأصغر نائما في الغرفة التي تحتفظ بما تبقى من برودة المكيف، الذي يعمل لساعتين ونصف في اليوم، عند الدخول الى الفراش في العاشرة وحتى الثانية عشرة والنصف، حينما تقفز الأم لإيقافه بعد أن يبدأ بالهدير وإلقاء قطع الفلين في الغرفة، ولتخفيض ريالين أو ثلاثة من فاتورة الكهرباء التي تقتطع مع الفواتير الأخرى ما يعادل ربع راتب فخرية، الذي يغطي نصف الالتزامات الشهرية، أما النصف الآخر فتدبره علب البخور التي تبيعها بتول في محطات البنزين، والعربة التي يطوف بها مال الله مداخل ومخارج سوق الخضار وقت العصاري أحيانا وأيام العطل دائما· يلبد مال الله أمام محل الخضار بعينيه المنكسرتين وعموده المتغضن بجانب السلال الخارجية لمحلات الخضار، وعندما يرى الزبون محملا بالأكياس ويقترب من السلال الخارجية على بوابة المحل يدفع هو عربته باتجاهه؛ فيرمي الزبون الأكياس في حفرة العربانة ثم يدفعها بسرعة اندفاع الزبون للخارج نحو سيارته؛ فيفرغ مال الله الأكياس في حقيبة السيارة ثم ينصرف الى محل آخر بعينين منكسرتين ويدين محمرتين من مقبض العربانةأما بتول فتباغت أصحاب السيارات من نافذة السائق مادة يدها الصغيرة بعلب البخور الصفراء، بخور·· مال خظار إذا·· عمو رخيص·· خالوه يالله يالله يالله خالووووه مال بيتكيتضع فخرية رشة من العطر الذي تخبئه بالدولاب قبل أن تندفع من باب الشقة لتنزل الدرج سلمتين، سلمتين وقلبها ينبض في يدها (لقد جاء التاكسي)·
 
تبدو أشكال اللوحات على جانب الشارع وعلى رؤوس المحلات لفخرية متشابهة، الطرقات بكل مسارتها متشابهة، حتى السيارات تبدو كما لو أنها تحمل لونا واحدا وشكلا واحدا، والبشر أيضا بدشاديشهم البيضاء كما لو أنهم نسخ متكررة، فخرية بالمسافة بين المعبيلة والحي التجاري لا تلتفت إلى ملامح ما يكون على اليمين وعلى اليسار كثيرا، فقط ومنذ أن ترمي بقوامها الرشيق على الكرسي الخلفي للسيارة، سائق التاكسي وحده بنظارته الشمسية وشاربه الدقيق وذراعه الطويلة التي يطوق بها الكرسي الجانبي، هي ما تلتفت إليه فخرية طيلة الطريق، إذا ازدحم الشارع أو لم يزدحم، إذا توقفت السيارة أمام انعطافة أو إشارة أو دوار أو لم تتوقف، إذا حدث أحيانا وركب شخص آخر بالسيارة أو لم يحدث فلا شيء يشغل فخرية غير سائق التاكسي·
 
كانت فخرية تسترخي على المقعد الخلفي بميلان ناحية الوسط، وعيناها باتجاه العينين الواسعتين خلف النظارة الشمسية لسائق التاكسي، حيث تلتقي العينان العسليتان الناعستان بمقلة بدوية طافحة في السواد، وعينين مشدودتين كعيني النسر، فينفتح قلب فخرية وتنفتح معه أشياء أخرى·
صفحة 3
بدءا من دوار المعبيلة الداخلي، وعلى امتداد مدينة الموالح فالمطار، مرورا بالازدحام الطويل من منتصف الخوير إلى بداية القرم، ثم المطار القديم، وسائق التاكسي يمسح الشارع يمينا ويسارا ويرفع نظره نحو السقف، ثم يرفع عينيه نحو المرايا الصغيرة وهو يفكر في جملة يفتتح بها حديثه، وقبل الالتفاف على منارة الاتصالات على مدخل الحي التجاري، وبحوالي ثلاث دقائق عن النجمة للعقارات على الزاوية اليمنى المقابلة لبنك الإسكان، قال السائق بصوت منخفض ضاع مع صوت الهواء من النافذة التي بجواره:
 
(كيف حال أمك)، ثم خمن أن فخرية لم تسمع؛ فأعاد (جلت كيف··· حالهي؟)·
 
(مو·· من ؟) (أمك)، وهي تبتسم وتقترب من عمود الكرسي الذي بجانبه واضعة جبينها على مسند الرأس الطالع من فوق الكرسي (أمي··· زينة) ثم نزلت·
 
وضعت فخرية المفتاح على باب المكتب، لوحت لسائق التاكسي فلوح لها بيده فارشا عينيه الغزيرتين على اتساعهما، إلى أن دخلت فخرية المكتب بكامل محتواها، ثم غاب هو في زحمة الشوارع ذارعا مسقط بكل مداخلها ليعود في السابعة، موعد ذهاب فخرية إلى المنزل·
 
***
 
على الرغم من صغر مساحة المكتب، إلا أن الضابط المتقاعد صاحب مكتب النجمة للعقارات قسم وبخبث عسكري المكتب إلى ثلاثة أقسام، قسم داخلي لمكتبه الخاص مفصول بمرايا عاكسة، وقسم خارجي لمكتب السكرتيرة، وقسم آخر أضافه في الأعلى موصول بدرج خشبي لإعداد الشاي والبخور ولأشياء أخرى·
 
يصل صاحب المكتب في وقته تمام العاشرة حيث يكون كل شيء قد أعد : الشاي، البخور، أرقام الزبائن، وخرائط الأراضي والمباني الجديدة، وإعلانات البيع والشراء، والراديو بصوت منخفض على قناة الموسيقى·
 
وصل سائق التاكسي في السابعة، جاء في اليوم التالي في السادسة والنصف قبل موعده، مرت أيام وأسابيع· قبل سائق التاكسي فخرية قبلتين على عنقها ودلك ثدييها الصغيرين بأصابعه الجافة، انقطع سائق التاكسي عن المجيئ، مرت شهور تأتي فخرية مع سائق آخر في الموعد نفسه وتعود في الموعد نفسه· أدخلها صاحب المكتب عدة مرات تحت طاولة إعداد الشاي في الجزء العلوي من المكتب، ودفن مهمازه العسكري وسط فخذيها المتعبين، وبعد أسبوعين تزوجها ثم طلقها·
 
مرت سنوات كانت فخرية تقف بجانب محطة البنزين وبيدها علب بخور صغيرة، وكان ثمة سائق بعينين مشدودتين كعيني النسر يمر على سيارة أجرة بجانب الشارع·
صفحة 4
تلويحة الرّصيف
 
عند منتصف الليل أو قبله بقليل
 
بعد أن هدأت الشوارع من ضجيج المارة ودوران عجلات السيارات ومباغتات رجال الشرطة، وبعد أن طوى أصحاب المحلات دكاكينهم المَفروشة طوال النهار، وأوصِدت الأبواب والنوافذ وفتحات المنازل، وصحت الأسرة في مشاكساتها الليلية، في ذلك الوقت خرج الرجل من منزله بعد نهار طويلٍ مليء بالسجائر والركض والأرصفة والاشتباكات، خرج الرجل من منزله في الشقة رقم (8) بالدور الخامس للبناية التي خلف الشارع الرئيسي تماما، والمقابلة للمجمع التجاري الأكثر شهرة في المدينة···
 
في ذلك الوقت يبدو كل شيء منظما وهادئا عدا بعض الأصوات الليلية العابرة، التي كانت تتكاثر ببطء أو تختفي بسرعة في الحانات والأزقة الضيقةِ ومواقف السيارات، في هذه المدينة المطفأة كل يمارس وحشته وأحاديثه وقهقهاته كما يكره أو كما يكره·
 
كان الرجل قد تجاوز الشارع الفاصل بين منزله ومحل البقالة، الملاصق لمواقف السيارات الخاصة بالبناية، وكان الشارع مطفأ بأكمله، وكان كما لو أنّ ماسًا ما قد عطّلَ الإنارة، فالشّوارعُ والمَساراتُ الجانبيةُ على امتدَادِها بَدت مُظلمةً، وكان الرّجلُ يَمشي على الرّصيفِ، وكان أن قَفز إلى الضِّفَّةِ الأُخرى من الشّارعِ، ولم يَمكُث الرّجلُ في دَورانهِ كثيرًا حولَ البِنايةِ، فأدارَ ظهرهُ للمَدخلِ الرّئيسي وَمسحَ المَدى بِنظرةٍ سَريعةٍ تجَاوزت سُمكَ الظّلمةِ الى الشّارع العام الّذي يضُحُّ بالإنارة·ومَا كان من أمرِ الرّجُلِ أنَّهُ كان يَبرحُِ مَنزِلهُ في التّوقيتِ نفسه، يَمشي ملوحًا بيديهِ حَاملاً حَقيبةً مُعلقةً على ظَهرهِ مُنتصفَ النّهارِ، حَيثُ تَفرشُ الشّمسُ أشِعّتها على الأشجَارِ ورؤوسِ المَارّة وأسطحِ البِناياتِ، وعَلى صَلعةِ الرّّّجلِ المَلساءَ الّتي تَعكسُ خَرائطَ المَدينةِ بكل انحِناءاتِها وخَباياهَا، يَمشي الرّجلُ ذَارعًا الأرصِفةَ والمَحلاتِ والمَطاعمَ وَمواقفَ البَاصاتِ، وسَياراتِ الأجرَةِ، لا يَتكلّمُ أبدًا إلا عن الوَقتِ أو السّاعةِ أو البَوصلةِ، وهوَ في كُلِّ هذا لا يَتحدثُ إلا مع نَفسهِ، وإذا تَصادفَ وكَلّمهُ أحدٌ يَرفعُ ثَوبهُ الى نِصفِ سَاقَيهِ، ويَجري تَاركًا غُبارًا من الأسئِلةِ وعُيونًا تَركضُ وَراءَهُ، وضَحكاتٍ تَتداخلُ مع ضَرباتِ نِعالهِ على اسمَنتِ الشّارعِ، حيثُ ينَحني الرّجلُ أحيانًا فاتحًا ذِراعيهِ كالطّائرِ، ثم يَركضُ على خَطّ التّشجيرِ بِمحاذاةِ الشّارع ِمُلوحًا للسّياراتِ والمَارّةِ بِحديدةٍ طَويلةٍ تُشبهُ حَديدةَ الحَفرِ، يَقضي الرّجلُ نهَارهُ مُشاكسًا المَارةَ بِحديدتهِ ولا يَعودُ الى مَنزلهِ إلا عند الغُروبِ، حيث يَلبدُ على مَدخلِ البِنايةِ وبَعدها الى مَنزلهِ في الدّور الخَامسِ·· كانت هذه المَرّةَ الأولَى الّتي يَخرجُ فيها الرّجلُ في مُنتصفِ اللّيلِ··
 
خَرجَ الرّجلُ لَيلاً···
صفحة 5
المَساءُ في المَدينةِ الليلة أطولُ من المُعتادِ، وعلى الرُّغمِ من هُدوءِ الطُرقاتِ والمِساحاتِ الشّاسعةِ للظُّلمةِ إلا أن الرّجلَ الذي كان يَبرمُ الرّصيفَ بِقدميهِ، كان يَشعرُ بِجَلبةِ خُطواتٍ تتدافع وراءه·
 
تَوقفَ الرّجلُ قَليلاً وانتصَبَ فَاردًا طُولَهُ، ثُمَّ التفتَ وَراءهِ، تفوو وأدارَ ظَهرهُ الّذي كان مُتنملاً نحو الخَلفِ ثمّ نَحوَ الأمَامِ، ثُمّ وَاصلَ مِشيتهُ بِخطواتٍ مُتأرجِحةٍ وهو يُغنِّي أو يَضحكُ أو يَبصق، حتى انتهى الى الشَّارعِ الرئيسي ومن ثَمّّ الى مَواقف سَيّاراتِ الأجرةِ على الخَطِّ المُقابلِ، بعد أن عَبرَ الجِهةَ اليُمنى من الشّارعِ العَامِ، والَّذي بدا على امتِدادهِ نَاصعًا كمَا لو أنّهُ غُسلَ لِلتَّوِّ، حيث كانت الشّاحناتُ الكَبيرةُ الّتي مَسحت الشّارعَ ولمّعتهُ كمَا يُلمّعُ الحِذاءُ قد مرّت لتوّهَا، مُواصلةً سَيرهَا البَطيءَ وَتنظيفَها المُتقنَ باتِّجاهِ النُّقطةِ الأخرى من الشّارعِ العَامِ، تاركةً الشّارعَ يتلألأ كَصفحةِ المَاءِ، حيث سيمر المراقب في بِدايةِ الصّباحِ فَاحصًا الإسمنت والمساحاتِ الجَانبيّة المُبلطة أو المُعشّبة؛ لِيرفعَ تَقريرهُ لرئيسٍ البَلديّةِ·
 
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بكثير هذهِ المرة، وذلك كما أشارت دَقات السّاعةِ المثبتة على تمثال إسمنتي وسط باحة الحي التجاري المُجاورِ، كانت السّاعةُ الثَالثةَ والرّبع صَباحًا عندما انتَصبَ الرّجلُ بِمحاذاةِ الشّارعِ، بعد أن أخرجَ من مَلابسهِ عَمودَهُ الحَديديّّ غَيرَ عابئ بِطولهِ وَلا بِغلظتهِ، وَلا حتّى بِجانبيهِ الحَادّينِ، وبدأ كَعادتهِ في السّاعاتِ النّهاريةِ أيضا التَلويحَ بِيدهِ تَارةً، وبالعَمودِ الحَديديّ تارةً أخرَى·
 
وبعدَ فَترةٍ من التّلويحِ ومن اللّيلِ ومن الرّكضِ، نَجحَ الرّجلُ هذه المَرّة على الرّغمِ من الهُدوءِ الُذي يَعمُّ المَكان في تِلكَ السَّاعةِ، من إيقاف مَجموعةٍ من سَياراتِ الأجرةِ، وخَمسةِ أشخاصٍ آخرين تَصادفَ خُروجُهم من حَانةٍ بإحدى الفَنادقِ المُجاورةِ كانوا يَمشونَ باتجاه مَحطّةِ البَاصاتِ وَسطَ ضَجّةٍ من الانتشاء والسُّّعالِ والضّحكِ، حيث وَقفوا أمَامَ الرّجلِ الّذي كان مُنتصبًا على أحدِ الكراسي المَوجودةِ باستراحةِ المَواقف:
 
(هيه اس سسسسسسسس··· اجلسوا جَميعُكم··· لا اقتربوا أنتم سَأخبركم اللّيلةَ سرًّا ولكن تفو··· أنتم لاتفهمون)، كان أحَدُ سَائقي سَياراتِ الأجرةِ يَلعبُ بِميداليةِ سَيّارتهِ الّتي كانت على شَكلِ تِمساحٍ زُجاجيٍ، بِداخلهِ سَائلٌ زِئبقيٌّ وَكراتٌ مُلونةٌ وفُقاعاتٌ تَسبحُ في فَضاءِ الزّجاجِ، قَذفَ السّائقُ الميداليةَ في الهَواءِ ثُمّ التَقطها بِحركةٍ بَهلوانيةٍ من خَلفِ ظَهرهِ، بينما كان الآخرُ قد بدأ يُشعلُ سيجارةً سَحبها من أُذُنهِ اليُمنى، حَاولَ السّائقُ إشعال السّيجارةِ بَعد أن كَشطَ بِعودِ الثقاب على عُلبةِ كِبريتٍ صَغيرة من نوع المقص، ولَم تَشتعِل ولكِنّهُ عَاودَ مَرّة أخرى بِكشطةٍ مُعاكسةٍ للاتجاه فاشتعَلَ عودُ الثّقابِ حتى كاد الفَتيلُ أن يُلامسَ شَعرَهُ المَتروك بإهمال على مُقدّمةِ رأسِهِ، وبدأ يَنفِثُها باتجاهِ الرّجلِ الّذي صَرخَ:
صفحة 6
(أقول لكم إن الملك سيموت الليلة في الدقيقة الأخيرة من هذا المساء···· اييه·· لا تقلقوا أبدا سيأتيكم ملك آخر)
 
كان الرّجلُ يَتكلمُ وَعيناه للأعلى، كمَا لو أنّه كان يُشيرُ الى شَيءٍ ما في الأدوارِ العُليا للبناياتِ المُجاورةِ، وكان يَصرخُ على سائقي الأجرَةِ الّذين كانو مُتشاغلينَ عنه، والأشخاصِ المُترنحين، والذينَ تكوموا على المِقعدِ المُقابلِ للرّجلِ تحديدًا، قريبًا من صَفيحةِ االقمامة المُعلّقةِ على الحَائطِ الجَانبيّ لاستراحةِ المَواقفِ، والّتي كانّت بِلونٍ يَتناسبُ تمامًا مع اللّونِ الأصفرِ الّذي صُبغت به مِظلّة الاستراحةِ· قَفزَ الرّجلُ من المِقعدِ الّذي كان يَقفُ عَليهِ، وبصق ثم صرخ:
 
(أنتم أيها العاطلون، ستكونون رعايا الملك الجديد، أما أنتم هناك سائقو الأجرة قد يبصق الملك على رقابكم تفو·· قلت·· سيموت الملك الليلة بعد آخر مضاجعة له هذا المساء)·
 
انتفَضَ الجَميعُ بعد أن شَاهدوا دَوريّةً للشُرطةِ قَادمةً تُلوِّحُ من بَعيدٍ، وقَفزوا فَوقَ السّياراتِ الّتي اختفَت في لَمحِ البَصرِ، تاركينَ الرّجلَ يَصرخُ وَيلوِّحُ في الهَواءِ بِعمودهِ الحَديديِّ الّذي يُشبهُ أداةَ الحَفرِ·
 
***
 
(لَم تَكن مَلامحهُ دَقيقةً تمَامًا، جَبينهُ كان مُلتويًا ومَليئًا بالخُطوطِ والنّدوبِ الجِلديّةِ، يَدهُ اليُسرى أصبحَت بِثلاثِ أصابعٍ فَقط، كمَا أنّ شَعرهُ الّذي كان طويلاً صارَ أطول، لكنّني استطعت مُؤخرًا معرفةَ أنّ المَجنونَ الّذي يَمشي دونِ صِبيةٍ يَركضونَ وَراءهُ بِمحاذاةِ الشّارعِ، ذارعًا الأرصِفةَ على امتدادِ المَدينةِ طيلةَ النُهارِ، كان حامد)·
 
خليفة أحمد الصديق الأقرب لحامد حمد في الفترة من (1972-1976)
 
(··· كُنتُ عَائدةً الى المَنزلِ حينما لاحظتُ أن شيئًا ما يُشبهُ الشّبح قد قَفزَ نحو الشُارع العام وكانَ بِيدهِ عَمودٌ حَديديٌ· ولأنه كانَ دائمًا يَلبسُ نَعالاً أشبهُ بالقبقاب، وكان خَفيفًا كمَا لو أنّه كان دائمًا يَستعِدّ للرّكضِ، وكان يُلوِّحُ بِيديهِ الضّئيلتينِ اللّتينِ عرَفتُهما جَيّدًا، حيثُ لا يَزالُ الخَاتَمُ بِيدهِ اليُمنى، و···)
 
زينب سليمان خطيبة حامد التي عادت معه من الدراسة عام 1971
 
(كنت أنتظر أن يغرس آلته الحديدية في جبيني، حيث كان قد صوبها بين عيني عندما كنت أمر وحيدا في الرابعة عصرا بمحاذاة الرصيف الجديد، الذي كان مفروشا بالبلاط ثم أصبح مقسما الى أحواض زراعية، وكان ذلك باتجاه جسر المشاة، ولكنه أنزل حديدته وضرب بها على مفترق قدميه ثم رفع ثوبه وركض)·
 
أحد المارة عام 1996 بالقرب من جسر عبور المشاة
 
في الشارع المنتهي إلى لسان البحر ومن ثم إلى الحي التجاري·
صفحة 7
اليوم الأول
 
يتوزعون مع بداية الليل ويختبئون في الجيوب الخلفية للحارة، حيث المزارع المطلة على المنازل بنخيلها الجافة المسلوخة· كانوا يتناولون زجاجات العطر على الطريقة التقليدية بدلا من علب البيرة المثلجة، ثم ينامون وسط المسيبلو ليزحفوا بعد ذلك كالسحالي باتجاه الحارة، وعلى صوت المؤذن في مسجد العجم يكون كل واحد منهم في فراشه بعد أن يدخلوا من الأبواب الجانبية للمنازل·
 
مع بداية الصباح يترك الصيادون الشاطئ بعد أن ينتهوا من مصائدهم الليلية، محملين بشوادر السمك· الأزقة مليئة بروائح المزابل وأصوات العجائز والخادمات، حيث تفيض المشاجرات وأصوات المواعين من فتحات المطابخ· الصبية بسكاكينهم الطويلة وملابسهم القديمة المتسخة يركضون خلف الصيادين باتجاه سوق السمك على مدخل كورون·
 
كان ذلك يحدث والكحالي ما زال يدفن رأسه تحت المخدة، محاولا الهروب من خليط الأصوات وزحمة المشاهد، بينما تنادي زوجته من وسط الصالة (لا تنسى فسحة الخميس الفريخات بيكونو جاهزين بعد الريوق)·
 
نهض الكحالي متثاقلا من تحت المخدة، ولف مصره القطني أبو كراكيش على رقبته، مدليا طرفيه على ظهره أسفل الكتفين تماما وخرج مترنحا من المنزل· دخل المحل الذي على الواجهة، خرج وركب سيارته، عبر الشارع المتجه نحو سوق الجمعة، تجاوز إشارة المرور الأولى، انعطف يمينا، فتح مذياع السيارة، أغلق المذياع، أوقف السيارة ثم دخل إلى أحد المقاهي المطلة على سوق الخضار، كان المقهى خاليا تماما، طلب قهوة، أحضر الهندي القهوة، صبها على كوب بلاستيكي ووضعها أمامه على الطاولة، شرب الكحالي القهوة، طلب كوبا آخر، أحضره الهندي، شرب الكحالي نصفه ودلق نصفه الآخر تحت قدميه، خرج من داخل المقهى وجلس على الكراسي المفروشة على فم البوابة، تابع جلوسه حتى الثانية عشرة، بدأ المارة ينتشرون كالملاريا على الأرصفة ويندلقون كمياه المجاري على أروقة المحلات والمنازل المجاورة، قام الكحالي وأدار السيارة باتجاه أحد المحلات الكبيرة بالقرب من سوق الحرفيين، دخل المحل، توجه مسرعا نحو الزاوية المخصصة للصحف، والتي كانت مخبئة في آخر المحل· وعند نهاية الحاجز المؤدي إلى ركن الصحف، اصطدم بفتاة كانت تنعطف بجانب الرَّف المقابل؛ فسقطت السلة التي كانت بيدها فتطايرت كل القطع التي تحملها في السلة على أرضية المحل (مقابص شعر، إصبع شفاه ماركة ديور، بطاقة تهنئة بحجم طابع بريدي، علبة ديوركس لون وردي، زوائد أظافر، محلول عدسات لاصقة)·