eKtab
EN ع
قراءات أدبية
اقرأ عينة مجانية

قراءات أدبية

بقلم د. علي حسن خواجة

صفحة 1
مقدمة
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
 
 والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين... وبعدُ؛
 
فهذا كتاب ثانٍ يجمع بين دفتيه بعضًا من دراساتٍ شاركت في مؤتمرات أدبية مُحكّمة محلّيًّا وعربيًّا. وقد أُنجزت بين 2009-2012، وقد عالج جلّها قضايا علم النص وتحليل الخطاب. بلغ عدد الدراسات المختارة تسعًا، ترد مرتبةً وفق تاريخ مشاركتها، ومحافظةً – في العموم- على شكل متنها الأصلي بعد حذف ملخصاتها العربية والإنجليزية. 
 
يمثل حضور هذه القراءات إضافة كمية ونوعية إلى مكتبة النقد الأدبي التطبيقي في فلسطين، وقد أُعطيت في المتن أرقامًا عربية من [ 1- 9 ]، وذلك على النحو الآتي:
 
القراءة الأولى: تجليات التداخل النصي في الرواية الفلسطينية: رواية " القادم من القيامة" أنموذجًا (1) 
 
[ ص8-ص23]
 
سعت إلى تبيّن أشكال التداخل النصي في رواية وليد الشرفا " القادم من القيامة" الصادرة في طبعتها الأولى عام ألفين وثمانية عن منشورات مركز أوغاريت الثقافي برام الله. أمست ظاهرة التداخل النصي ملمحًا فنيًّا له حضور جليّ في التشكيل الصياغي للخطاب الروائي الفلسطيني بعد أوسلو عامة، وانتفاضة الأقصى خاصة؛ فلا تكاد تخلو رواية من علاقات التداخل والتفاعل مع الخطابات الأخرى الشعرية والنثرية، حيث يُكتشف الماضي، ويُقرأ في هَدْي الراهن، ويُعاد بناؤه من جديد وفق أساليب تمتاح المحمولات الدلالية المختلفة، لتُظهر طزاجة التجربة القصِّية، وخصوصية منشئِها في التعبير عن الواقع في أبعاده الذاتية والحضارية والإنسانية.
 
فليس ثمة أديب يستطيع التعبير عن المعنى بمفرده؛ لأن الأجزاء المتفرّدة في أدبه هي تلك التي يؤكد خلودهم فيها بعنف الموتى من الأدباء أسلافه. ذلك أن كل نص محكوم بالتوالد مع نصوص أخرى بآليات وقوانين متعددة، يصطفي من بينها الأديب ما يناسبه للتعبير عن الرؤية الجمالية المرغوب في ملامستها في خطابه الأدبي؛ فالآخرون هم علاماتنا، ويجب علينا منادمتهم.
 
إنّ تمعنًا سابرًا الرواية الفلسطينيبة بين الأعوام ألفين وألفين وثمانية، يُنبئ أنها تتفاعل ونصوصًا كثيرة تصب في المتخيّل الروائي، فتثري سردياته، ووصوفه، وحواراته، حيث يقف المتلقي على أمثال وحكايات شعبية، وأساطير، وآيات قرآنية، وأحاديث، وأشعار، وأحداث تاريخية وسياسية، وأغانٍ شعبية، وقصائد مُغَنّاة، وأقوال مأثورة لمشاهير، فتهضم الرواية – قيد الدراسة- النص الآخر وتستوعبه؛ من أجل محاورته تآلفًا وتخالفًا؛ لأن النص المُحاوِر يهدف من خلال المحاوَرَة إلى خلق نص جديد فيه بعض القديم، وفيه بعض ما أنجبته المُحاوَرَة وابتدعه الاحتكاك. 
 
القراءة الثانية: " تجليات الملفوظ التداولي في الأدب الفلسطيني المعاصر " (2)
صفحة 2
[ ص24 – ص49]
 
سعت إلى رصد نماذج من الموروث الشفوي متنوع الأشكال، باعتباره ظاهرة فنية ذات أثر عميق في بنية الخطاب الأدبي الفلسطيني؛ حيث يعيد الأديب الفلسطيني عبره تفجير الماضي في ضوء سطوة الراهن، بأبعاده الإنسانية، ليصار إلى إعادة تشكيله حسب رؤية شعرية وقصية تمتاح المحمولات الدلالية الموروثة؛ لتظهر طزاجة التجربة الإبداعية، وخصوصية منشئها في التعبير عن واقع أناه الفردية والجمعية.
 
تتموضع أشكال الملفوظ التداولي في الأدب الفلسطيني الحديث في الأمثال، والحكايات، والأغاني، والأقوال المأثورة، والألغاز والأحاجي؛ ما يجعل الخطاب الأدبي القصي والشعري جزءًا عضويًا من كيانٍ باحث عن سيادة، وتجسيد هوية، وبما يمثل إشارات ممتصة من الحافظة الجمعية؛ للتعبير عن مرحلة مهمة في تاريخنا.
 
 
 
القراءة الثالثة: أغنية " عَ الشوملي" الشعبية
 
مقاربة نصية (3) [ص50 –ص64]
 
تعبر الأغنية الشعبية عن صورة حية دقيقة لأشكال الحياة وهمومها، ومدى امتزاج الوجدان الجماعي وأحلام الناس بعبق الأرض. فلكل أغنية حكاية مرتبطة بحال معين، وتستند في مضمونها إلى الزمن الذي يعكس من خلاله واقعًا مرتبطًا بتجربة حوله. إن اهتمام الكاتب بالتداخل من المُغَنّى يعكس أبعادًا نفسية لها علاقة بالحدث أو بتلاؤمه معها.
 
تنهض الورقة على توظيف معطيات "لسانيات النص" في مقاربة الأغنية الشعبية بعدّها نصًّا منفتحًا على فضاء التواصل، وشروط أطراف الخطاب، ومقاصده، بما هو رسالة، أو بلاغ قاصد.
 
لمّا كانت الأغنية الشعبية شكلا لسانيًا للتفاعل الاجتماعي، فإن النظر في الدائرة النصية، ومعالم النصية تقتضي تحديد البنية الكلية للأغنية، وذلك من خلال تبيان الدلالة العامة، وإظهار أثر السياق العام في ذلك، وتحديد البنى النصية الكبرى بحصر الأركان الأساسية المُشكّلة للبنية الكلية للنص، وتفكيك البنى النصية الصغرى للأغنية، وكشف الكيفية التي تتسابك بها تلك البنى.
 
القراءة الرابعة: القدس في الرواية الفلسطينية بعد أوسلو:   نماذج مختارة (4)
صفحة 3
[ ص65 – ص86]
 
سعت إلى الكشف عن موضوعة "حضور القدس في الرواية الفلسطينية بعد أوسلو" باعتبار القدس  ذاكرة وحنينًا وطموحًا ، بخصوصية تتآلف من مجاميع جغرافية وتاريخية وثقافية ودينية، حملت قيمة التقديس الوجداني والذهني والإبداعي؛ ما يعني أنها تؤلّف هاجسًا أساسيًا للروائي الفلسطيني الذي يعطيها مساحة أو رقعة بارزة في جسد خطابه.
 
في هذا الإطار ثمة أسماء كثْر أدخلت القدس في بنية أثرها المسرود مكانًا جغرافيًا بتجلياته النفسانية والوطنية والدينية والثقافية والتاريخية، وحيث ينقل الواحد نظره في المتون الإبداعية يقع على حضورٍ للقدس بشكل ما أو بآخر.
 
القراءة الخامسة: ديوان الرحيل: قراءة في تجليات المكون الثقافي (5)
 
[ ص87 – ص108]
 
سعت إلى رصد تجليات المكون الثقافي في ديوان " الرحيل" للشاعر مطلق عبد الخالق الذي عايش الانتداب البريطاني على وطنه فلسطين.
 
إن تداخلات تاريخية ، و دينية، وأدبية ، وشعبية  قد فرضت حضورًا لافتًا في جغرافيا النصوص الشعرية اعتمد عليها الشاعر في إثراء  محمولات القصائد الدلالية. 
 
قد كشفت عملية تتبع هذه التداخلات أن المنشئ  قد تعامل معها في أنماط معينة، تفاوتت في نسب شيوعها ، بحيث مثّلت ظواهر أسلوبية تجلت القصدية في استخدامها دلائل لغوية حاملة في أرحامها معاني واضحة، على مستوى أطرها الوطنية والاجتماعية والصوفية التي عبرت عن انعكاس الحالة السياسية  في تشكيل وعي الشاعر الذي أنتج أثرًا أدبيًا مثل ثقافة.
 
القراءة السادسة: ثلاث صور من غزة: قراءة نصّيَّة (6)
 
[ ص109-ص125]
 
إنّ المَقْصِدَ المُتَعَيِّنَ من هذه القراءة هو تَلَمُّسٌ تطبيقيٌّ ناهضٌ على معطياتٍ من لسانيات النص وتحليل الخطاب مضماره قصيدة صلاح عبد الصبور " ثلاث صور من غزة"  التي تتعالق لوحاتها الثلاث متسابكة لتتألّف أمام القارئ نسيجًا يشكِّل بنية كلّيّة تمثّل  حركة متواصلة، تتخلّق دلالاتها من رحم التجربة الشعرية الناهضة على عوامل مختلفة منها "نكبة فلسطين"، وأعماق النفس الإنسانية المُتَحققة في المعيش العينيّ؛ فالشاعر صلاح عبد الصبور يستند إلى تجربة شعبية تُسجِّل عدستها لحظاتٍ كانت وكائنة في حياة الإنسان الفلسطيني، وتنظمها شعرًا تُجسِّد الذات الشاعرة من خلاله مأساة العربي الفلسطيني، وعمق الجرح الغائر في وجه زمانه، حيث ضياع الوطن.
 
القراءة السابعة: الأشكال النظمية لدى عائشة الباعونية:
 
قراءة في ديوان" فيض الفضل وجمع الشمل" (7)
صفحة 4
[ ص126 – ص154]
 
إن المطلب الرئيس الذي تسعى إليه القراءة هو تبين الأشكال النظمية في ديوان عائشة الباعونية(ت922هـ) " فيض الفضل وجمع الشمل"، الذي تتجلى قيمته في كونه مصدرًا ذا أصالة أدبية؛ فهو يمكّن التعرف إلى شعر نسوي يستوي على ملامح خاصة يمكن استشرافها بأنظار متدبرة ناقدة؛ ذلك أن المرحلة تأتي أواخر عهد المماليك التي تمثل معلمًا من معالم سيرورة الأدب العربي في عصوره المتقادمة والمتطاولة.
 
يتجلى في ديوان" فيض الفضل" أن الشاعرة قد ترددت فيه بين أشكال نظمية متنوعة:
 
أولها: القصيدة العمودية، وقد سطا هذا الشكل على جلّ الديوان، وائتلف من مقطّعات صغيرة، وقصائد متوسطة، وطوال قد يزيد عدد أبيات الواحدة على مئتيْ بيت.
 
ثانيها: الموشحات، وقد ائتلف هذا الشكل من التام، والأقرع، والفصيح، والعامي الملحون، والمتردد بينَ بينَ، والدّوبَيْتيّ.
 
ثالثها: المخمّسات/ التخميسات، واحتل مساحة قليلة جدًا؛ فقد خمّستْ بعض الأبيات والقصائد القصيرة.
 
آخرها: نماذج من الشعر العاميّ الملحون، كالزجل، والمواليا الذي له وزن واحد وأربع قوافٍ.
 
تمثل الموشحات والمخمسات والشعر العامي الملحون مظاهر تجديد في الشكل الموسيقي للقصيدة القديمة. 
 
رصدت القراءة محاولة الباعونية الجادة للمزاوجة بين بحرين في القصيدة الواحدة؛ ما يمثل إرهاصًا ودورًا رياديًا للقفز فوق الشكل التقليدي للعروض الخليلي من جهة، وضربًا خاضعًا مباشرة للحالة النفسانية أو الشعورية التي تصدر عنها الشاعرة من جهة أخرى.
 
القراءة الثامنة: بنية الإنشاء الطلبي:
 
قراءة في شعر محمود درويش (8)
صفحة 5
[ ص155 – ص169]
 
سعت إلى دراسة بنية الإنشاء الطلبي من أمر ونهي واستفهام ونداء وتمن، بصفتها ظواهر أسلوبية متعددة، ومتنوعة ذات دلالة متحوِّلة، فوارقها جد دقيقة، تحمل طاقات تعبيرية عديدة، ومدهشة، تُستكشف بواسطتها جماليات الصياغة الأدبية وفنيتها في شعر محمود درويش.
 
أظهرت البنية حضورًا كثيفًا حرّك المعنى إلى أفق مستمر الانزلاق، أوجب على المتلقي ملاحقته؛ ما جعل الدلالة في وضْع تأجيلي منتظر، قد يقصر زمنه أو يطول، وجعْل النص في ديمومة الإحالة. إن عملية تأجيل المعنى سمة شعرية متأصلة وممتدة الجذور في خطاب محمود درويش الشعري.
 
تحاول القراءة الواعية إظهار بنية الإنشاء الطلبي إظهارًا كليًا أو جزئيًا، تبعًا للسياقات النصية؛ حيث تتجلى آلياتُ تعبيرٍ حيويةٌ، لجأ إليها الشاعر لتلوين أسلوب نصه، وبعْث الدينامية والجدة فيه، ودفْع المتلقي للمشاركة في فعل الإبداع، فيتلقى أوامره ونواهيه وتساؤلاته، ويشاركه في وجدانياته؛ يفرح ويحزن، ويحلم ويغضب، ويسكن ويثور، ويقبل ويرفض؛ ما أكد خصيصة خطابية للغة الشعرية.
 
إن التعامل وهذه الظاهرة التعبيرية ليؤكد حقيقة التعالي التي يتسم بها خطاب درويش تجاه المتلقي من جهة، وشده إليه من جهة أخرى؛" إذ مقتضى الأمر أو الاستفهام – مثلا- أن يكون المبدع صاحب سلطة توجيهية".
 
تنحاز القراءة إلى منهج اختيار نماذج دالة، فسّرت رغبة الشاعر في إدخال المحمولات الدلالية في دوائر التأويلات.
 
القراءة التاسعة/ الأخيرة: رواية "قصة حب مقدسية":
 
قراءة في الفضاء النصي (9)
 
[ ص170- ص189]
 
اشتغلت على غلاف رواية يوسف العيلة وعنوانها بعدّهما عتبتيْن في الفضاء النصي – أحد مكوّنات الفضاء الروائي – المتعالق بالصورة الشكلية للنص المسرود؛ حيث تتبيّن القراءة حدود ترابط العتبتين ومحتوى الرواية الداخلي/ الجواني. تهتم القراءة –كذلك- بالفضاء النصي كونه ضربًا من العلامات السيميائية التي تُمكِّن المتلقي من الإمساك بشكل أو بآخر بالمحمولات الدلالية للنص.
 
يولي يوسف العيلة الجانب التشكيلي أهمية؛ ما جعله يعلن تعالقًا مع العنوان والمتن بعدّهما نصين مكتوبين مهتمين بثقافة الكلمة، وبين اللوحة التشكيلية  بوصفها مهتمة بثقافة الصورة .
صفحة 6
(1)  المؤتمر العلمي الدّولي الأول المحكم "الخطاب الأدبي واللغوي بين الثقافة والتخصص، جامعة جدارا –إربد- 7-9/4/2009. وقد نُشرت هذه الدراسة في مجلة " علامات" ، ع 34، المملكة المغربية، 2010، ص27-40.
 
(2) مؤتمر الأدب الفلسطيني الدولي الرابع: التراث الشفوي، دائرة اللغة العربية وآدابها، جامعة بيت لحم، 4-5/6/2009. وقد شاركني هذه الدراسة الزميل د. بسام الحج.
 
(3) مؤتمر الأدب الفلسطيني الدولي الخامس، نصوص الأغنية الشعبية الفلسطينية، جامعة بيت لحم، 2010.
 
(4) مؤتمر الأدب الفلسطيني بعد أوسلو، قسم اللغة العربية وآدابها،  جامعة الخليل، 8-9/12/2010. وقد نشر في كتاب المؤتمر.
 
(5)  مؤتمر الأدب الفلسطيني الدولي السادس، الثقافة الفلسطينية قبل النكبة، جامعة بيت لحم، 2011 .
 
(6)  مؤتمر" لسانيات النص وتحليل الخطاب"  الدورة الثانية المحكمة، جامعة ابن زهر – أكادير – المملكة المغربية، 21-27/3/2011.
 
(7) مجلة كلية التربية، مجلد 19، ع2، جامعة الموصل، 2012 . خاص ببحوث المؤتمر العلمي الدولي السادس المحكّم لقسم اللغة العربية " الدرس اللساني العربي: واقع وآفاق: المحور: لسانيات النقد والبلاغة العربيين.
 
(8) مؤتمر" لسانيات النص وتحليل الخطاب"، الدورة الثالثة المحكمة، جامعة ابن زهر –أكادير – المملكة المغربية، 19-24/11/2012.
 
(9)  جـامـعـة سـوسـة، كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة، وحـدة البحث: "الدراسات الإنـشائيّة"، 6-7/12/2012.
صفحة 7
(1)
 
تجليات التداخل النصي في الرواية الفلسطينية
 
 
 
تقديمٌ:
 
  يقتضي التداخل النصي "وضع الأدب في السياق الاجتماعي، التاريخي العام، واعتبار هذا السياق نفسه بمثابة مجموعة من النصوص، تتقاطع في النص، ومع النص"(10).  وعليه، فإن إنتاج النص الجديد يتأتّى من عمليات امتياح وتشبّع وإثبات للنصوص الواقعة في مجال التداخل من جهة، وعبر هدمها ونفيها من جهة أخرى؛ فالمجال التداخلي "مجال حواري، وكل حوار ينطوي على قدر من الصراع، وهذا الجانب الصراعي جزء أساسي من آليات التناص" (11).  
 
فالرواية الفلسطينية وهي تحاور النصوص، وتتفاعل معها تثبت بعضها، حيث العلاقة بين المتحاورين توافقية، وفق باختين، وعلاقة نفي التوازي، وفق كريستيفا (12)، ونجد الرواية –أحيانًا- تنفي بعض النصوص التي تهضمها، فتكون العلاقة تضادية أو تعارضية.
 
إن استيعاب هذه النصوص -في أكثر الروايات- لا يأتي تبسيطاً للعمل الفني، ولا إخلالاً به وبقواعده؛  ذلك أن حضور نص صريح داخل النص الروائي يأتي تحقيقاً لتداعيات المعاني، فجاءت هذه النصوص- في الغالب- لتخدم الرواية وطروحاتها. ولا تقف هذه النصوص -في الغالب- موقف التعارض والمفارقة، مع الرواية، بل تنمو معها وتنميها" (13). 
صفحة 8
عرضُ:
 
للتداخلات النصية في الرواية المدروسة أشكال عدة، تنتظم أحد قالبين: التداخل النصي المباشر، حيث اتضاحٌ للمرجع والمُحال إليه، وغالبًا ما يتحقق عبر آليات الاقتباس والتضمين والاستشهاد. والتداخل النصي غير المباشر، حيث ضبابية المرجع أو المحال إليه، وغالبًا يكون في الأفكار والمعاني والأسلوب" (14)
 
يتجلى التداخل النصي في " القادم من القيامة" على النحو الآتي:
 
(أ)التداخل الديني: 
 
تغطي النصوص الدينية مساحة كبيرة في الرواية (15)، وهي تتكثف حول ثيمات تعمق أجواء الرواية وانشغالاتها الفكرية والنفسية. ترد هذه النصوص في الرواية عن طريق التضمين تارة، وفي صورة إشارات مرجعية مباشرة، كاستدعاء مفردات وتراكيب وأسماء تحيل إلى نصوص دينية معينة تارة أخرى. 
 
نهض استثمار الروائي وليد الشرفا للموروث الديني على شكلين: اقتباس مفردة أو تركيب أو آية، تضفي بعدًا علويًا على الخطاب الروائي، ويتحدد من خلالها علاقة الإنسان بالخالق، أو علاقة الإنسان بالإنسان، وفق منهج سماوي، ينهض على أسس الخير والحرية، أو يستثير الهمم للبذل والتضحية والعطاء، أو تعرية الآخر. يقول : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" (16)
 
أما الشكل الآخر، فيتمثل في استحضار شخصيات دينية كالمسيح ومحمد عليهما السلام (17) ترميزًا للعطاء بأبعاده المختلفة، وتلك الشخصيات تُستحضر" لغايات مختلفة منها: غاية الدعوة والاعتبار، أو استمداد القوة من الدين لإحداث توازن نفسي داخلي، أو جسر الهوة السحيقة التي تفصل بين الدين وتعاليمه ومعطياته من جهة، ومعطيات الواقع الممتلئ بقهر الإنسان واضطهاده، بل وقتله بدم بارد دون وازع من ضمير من جهة أخرى.
 
لقد وظف[ الروائي] هذين الشكلين بتقنيات وآليات متنوعة، ولم يجد حرجًا في الابتعاد عن دلالاتها الأصلية، أو تأويلها لبث مضامين جديدة تسري فيها روح العصر بأبعاده السلبية والإيجابية" (18). أسوق مجموعة من الشواهد المختلفة المرجعية:
 
(1) المسيح:
 
صوّر الروائي عمق الصراع الإنساني من خلال رؤيا معاصرة متعددة الأبعاد في شخصية ( المسيح)، ووقف أمام معاناة وجودية، وتجربة إنسانية شاملة لها أثرها الواضح في حياة الإنسان، ورصد من خلال آلية العَلَم معاناة الإنسان عبر الزمن. 
صفحة 9
يوظف وليد الشرفا في روايته "القادم من القيامة" شخصية المسيح ليكشف من خلالها خبايا النفس والأزمة النفسية التي فرضت عليه، ليلقى فيه عبء الخطأ الإنساني الممتد الذي ساء به اليهود إلى البشرية بملاحقة المسيح وصلبه.  إن كان المسيح-عليه السلام- حقيقة المعاناة، فلعله يعني بالنسبة للكاتب الوجود والانتماء، كما أنه يعكس لحظة تاريخية حرجة من حياة الفلسطيني، وهي قوة التلاحم بالأرض التي جبل منها، وكانت له مكان وجود، إنها معركة بقاء. والبقاء يعني أن تكون. هذا ما دفع الكاتب أن يقول لصديقته المثقفة السمراء ذات الأصل الأفريقي: هل شاهدْتِ فيلم المسيح؟ (19)
 
لقد تمثلت الفاعلية الإنتاجية للاستحضار الديني في الرواية عبر رؤية معاصرة، يمتاح فيها الكاتب قصة ملاحقة المسيح وصلبه بصفته حامل الآلام، ليحمِّلَ اليهود/ الإسرائيليين مسؤولية ما يحدث للفلسطينيين من ويلات؛ إذ مثل المسيح –عليه السلام- هذا البعد، داخل بنية التكوين، بوصفه حامل الانجراح الإنساني الموغل في زمنيته" (20). إن المسيح-هنا- ترميز إلى قتل المسيح الجديد[ الفلسطيني]. بهذا يحاول الكاتب المزج بين الماضي والراهن بما يحقق تعزيزًا لفكرة التشبث بالأرض، المكان الأصلي؛ التاريخ.
 
يمثل السيد المسيح حالة وجدانية ترتبط بالذات الكاتبة، وتتجاوزها إلى الإطار الإنساني الذي يشكل الواقع الفلسطيني الراهن جزءًا أساسيًا فيه، القائم على حراك تباحثي أفرزته أوسلو، وجعل الفلسطيني ضحية.
 
تشكل قصة الصلب حدثًا مأساويًا ذا دلالة موحية، وذات اتصال وثيق العرى براهننا على المستوى المحلي فلسطينيًا، أو على المستوى الإقليمي عربيًا وإسلاميًا، بما يعكس حالة الفلسطيني المغدور. 
 
الكاتب يعود في ظروف خاصة إلى ثقافتة الدينية بوصفها حقوقا لازمة لإغناء الفكرة نظراً للتشابه أو التخالف بين فكرة الروائي والمضمون الذي يحمله المعنى؛ فقد حملت رواية "القادم من القيامة" تداخلا دينياً عبر مفردة " القيامة". المقصود بالقيامة كمصطلح ديني:  أحداث يوم الآخر من اضطراب وهلع وخوف. لا أحد يعرف أحدًا؛ كل يذهب لشأنه. وقد وظفها وليد الشرفا ثلاث مرات في الرواية: 
صفحة 10
القيامة الأولى تصدرت العنوان الذي يدل على المنفى، وما يمثله من غربة وتشتت واضطراب، إذا ما قورنت بمصطلح القيامة الديني، لتجعل المقصد منها ملازما الرواية بكل جزئياتها وعمومياتها. والقيامة الثانية المتمثلة في الشخصيات، وخاصة شخصية المهاجر المغترب الذي وجد نفسه وحيدا يعيش اضطرابًا وقلقًا نفسيين على مستوى الذات، وعلى مستوى الحدث: " أنا هنا أمارس خداعًا مزدوجًا وقذرًا... وأوهم نفسي أنني أمارس كل اللذائذ بشكل طبيعي، كأنها فطرتي التي فطرت عليها" (21) القيامة على مستوى الشخصيات تنسجم مع المعنى الديني المتعلق بالاضطراب. ويبدو هذا جليا في شخصية الصديق المقيم الذي يظهر في حالة من التكسر النفسي ما يكفي لتغريبه عن ذاته وعن حاضره، ولعله يبوح باضطرابه وتيهه فيقول: "... وجدت أنني أمارس دورًا مزدوجا في تعميق حالة التراجع والفساد؛ لأننا نقوم بدور شهود الزور... " (22). . وقد عاش اغترابا من نوع آخر تمثل بانسلاخه عن محيطه، ومراقبته الأحداث دون محاولة الإصلاح، مكتفيا بالنقد، ومحتفظا به لذاته، وتذكُّر مرحلة ما قبل أوسلو.
 
 أما القيامة الأخيرة، فكانت رمزا للرحيل الأبدي المتمثل في لاوعي الكاتب في التعبير عن حالته النفسية خصيصى بعد استشهاد صديقه، وخراب البلاد؛ فكانت نوعا من الصدمة التي عكست أثرا في نفسية الشخصية والقارئ. القادم من القيامة تعادل القادم من المنفى، وتعادل –أيضا- القادم من القيامة إلى قيامة، بدلالة أن القادم من اغتراب وجد نفسه في اغتراب آخر، يظهر الواقع أكثر تعبيرا، ويعود ذلك إلى أن الكاتب رحل إلى أعماق الذات بمكنوناتها الفردية، وارتباطاتها الجماعية؛ ليعبر عن مأساة الفلسطيني في ظروف جديدة، ويلجأ أثناء ذلك إلى الرمز. 
 
شكل اتفاق أوسلو انقلابا على مستوى الحياة المعيشة؛ حيث بان الفساد، واختفت القيمة، ومات الضمير، وغاب الوطن عن الأروقة السياسية، كأن قيامة قامت أحدثت بعثا وتجديدا في الأفكار، والمعتقدات القديمة التي سادت فترة ما قبل أوسلو.
 
  يؤوِّل الكاتب الواقع الفلسطيني بأبعاده الآنية والآتية على نحو يريدها عمقاً وإنارة؛ حينما يوجه أنظاره نحو الواقع الديني المنصهر في تاريخه، ويستدعى شخصياته، لا يقف عند تلك الرموز وقوفا سطحيا، بل يستوفي أبرز ملامحها، وأشد تفاصيل حياتها ثراء.