النقد الأدبي الخلاّق
النقد الأدبي عمل فني إبداعي قائم بذاته ومواز للإبداع الأدبي، وليس تابعاً له ولا متقدماً
عليه، وهذه الخصوصية أعطته قيمة عالية وضعته في مصاف الفنون المبتكرة الخلاقة ذات الغايات والمضامين الإنسانية والجمالية النبيلة .
والنقد الذي يحمل هذه الخصائص يعتبر نقداً جيداً له قيمة أدبية مبدعة يمارسه الناقد في ساحة النص الأدبي بحثاً وتنقيباً وتفصيلاً، ويكشف خفاياه وأسرار تكوينه ويبين إيجابياته وسلبياته، ويبرز ما خفي منه على القارئ العادي، ولم يخطر على باله في القراءة الأولى للنص .
عندها يحقق النقد هدفين أساسيين :
أولاً: يزيد متعة القارئ ومعرفته للنص .
وثانيا:ً يعمق إحساس القاريء بحرارة النص ويحرك الحياة الكامنة بين سطوره وكلماته ...
وحتى عندما يقوم النقد بعرض الجوانب السلبية للنص أمام القارئ والكاتب فإنه يؤدي بهذا رسالة خلاقة ونبيلة غايتها الفعل الإيجابي لرفع سوية الكاتب، وتطويره فنياً وتقنياً وترميم ما غفل عنه في لحظة سهو أو ذهول غالباً تحدث للكاتب المبدع في أي فن كان ...
أما عندما ينحرف النقد عن مساره الصحيح وأهدافه السامية، فإنه يسيء بقصد أو غير قصد للكاتب وللنص معاً، ويمارس الناقد هذا الانحراف بعدة أشكال:
عن طريق التهجم والعدوان الفاضح المتعمد لدوافع نفسية مرضية حاقدة بإظهار العمل على أنه تافه ليس له قيمة ولا يستحق القراءة ولا حتى التقييم، فيغتال النص الأدبي بمجزرة دموية رهيبة تقتل نفسية الكاتب وترديه في وهدة الإحباط واليأس والقهر، وتكون نتيجتها غالباً التخلي عن الكتابة وتحطيم القلم وتمزيق الأوراق ...
وهذا غالباً ما يحدث للكاتب الشاب الناشئ الذي يطمح بتواضع أن يجد موطئاً لقدميه الصغيرتين في ساحة الأدب الكبيرة .
وفي هذه الحالة يكون الناقد الكبير وليس العظيم ـ ربما من أهم مؤسسه أدبية كما اتحاد كتاب العرب مثلاً ـ شأنه شأن من تربع في قصر مشيد أو على أعلى قمة جبلية وينظر إلى كاتب صغير يتقدم ببطء نحو سفح الجبل، فلا يراه وينفي وجوده أصلاً، ولا يكلف نفسه عناء النظر عليه بمنظار ما .
أما الناقد العظيم فهو الناقد الحكيم المعلم المرشد الذي يضع على عينيه نظارات مكبرة يبحث فيها عن الكاتب الصغير النامي، فيراه ويرعاه ويأخذ بيده على الطريق القويم، ويفسح لقدميه الصغيرتين مكاناً ضيقاً في ساحة الأدب ليكون قاعدته للانطلاق بهدوء إلى عالم الأدب المترامي ...
الصورة الأخرى التي يسيء الناقد فيها إلى العمل الأدبي، فهي مناقضة تماماً أو غير المقصود كما يحصل بالضبط للعرب عند الاعتداءات الصهيونية مثلاً على جنوب لبنان أو بلد عربي آخر، فتموت أمامها دوافعه للكتابة والإبداع ويتجاهل الموضوع، وكأن شيئاً لم يحدث. والخسارة هنا تكون اجمالاً فادحة يتكبدها الكاتب نتيجة تلبسه بمشاعر الإحباط والغبن والظلم، ويدفع ثمنها العمل والنص الأدبي، وذلك بدفنه نصوصا ابداعية في زوايا الإهمال، ويحرم الجمهور من الانتباه والوعي والإطلاع عليه، وربما يكون عملا ذا قيمة وأهمية معقولة أو مضمون معرفي جديد أو قيمة جمالية سامية أو تقنية فنية تزيد متعتنا، وتشبع فضولنا النفسي ووعينا الفكري ونزوعنا لحياة أفضل ...
ووجود التناقضات الكبيرة بين بين الناقد والكاتب تعود اجمالا إلى وجود فروق نفسية أساسية وجوهرية بينهما ...
فالناقد يتعامل مع النصوص التجريبية بهدوء وروية وبرودة ولا مبالاة، وتأني في البحث والدراسة وقلة الحماس في تحري والتوصل وعرض نتائج دراسته للنص.
بالمقابل نرى الكاتب الناشيء متسرعاً يتحرق نفسياً وعاطفياً، ويلتهب وجدانه لدرجة الذهول والتوتر الانفعالي وهو يصيغ عمله الأدبي .
هذا الذهول أحياناً يؤدي به للخروج عن بعض القواعد الأدبية والفنية وعدم الانتباه إلى بعض السلبيات التي تحدث في بناء النص وقواعده ومضامينه .
في هذه الحالة يحتاج هذا الكاتب إلى النقد الخلاق المبدع، والناقد المعلم الحكيم الخالي من التحيز الذاتي لانفعالاته النفسية المرضية، فيعمل بجدية واهتمام على قراءة النص ويبين سلبياته ويشير إلى الشوائب الطارئة التي علقت بعمله ليتم إزالتها وتصحيحها، فيتابع بهذا الجهد الكاتب الناشئ الصغير طريقهالإبداعي باندفاع وحماسة وجدية يحدوه الأمل والرغبة في تطوير قدراته الإبداعية الارتقاء نحو مستوى أدبي أفضل في المستقبل....
المرأة والجمال
( تطور مفهوم الجمال عبر التاريخ )
عندما تكون هذه الكلمات عنواناً لمقالة أو محاضرة فإننا نتوقع سلفاً أن نقرأ أو نسمع كلاماً متألقاً ...مثيراً ... جذاباً، يشد انتباهنا وعواطفنا على مدار ساعة ونصف .
فالمرأة موضع اهتمام الرجل وإعجابه وتشغل المساحة الأكبر من فكره وحديثه وسلوكه وتحرك عواطفه وانفعالاته بما يتضمنه تكوينها الجسمي والنفسي من ملامح الجمال ومعاني الحسن والصفات الرائعة، وهذا ليس غريباً، أليست المرأة النصف الآخر ؟ الذي يكون مع الرجل وجهين لعملة واحدة كما قال الأستاذ المحاضر ...
رغم كل هذا نستغرب من المحاضر الأستاذ كمال الجابي أن يسمعنا على مدار ساعة ونصف مقالة تقليدية جافة خالية من الحيوية والجاذبية والإثارة فيتحفنا بمقدمة طويلة عن تاريخ المرأة عبر العصور وتطور وضعها الاجتماعي والاقتصادي ودورها في عملية الإنتاج والرعاية في المجتمعات البدائية إلى المجتمع الصناعي الحديث ليشير من خلال هذا العرض بأصابع الاتهام إلى مسؤولية الرجل في تسوير هذا الدور وتهمشه لتصبح المرأة تابعاً تحت وصايته واستبداده الذكري وجارية في مملكة الرجل السلطوية الجنسية فيدعوها إلى أن تثور وتتحرر من هذا الظلم والاستبداد .
وهذه الدعوة عندما تصدر من رجل ترسم علامات استفهام كثيرة وتساؤلات مريبة ... وبعد هذه الإطالة المملة يبدأ بعرض أكوام يصعب إحصائها أو متابعتها من المصطلحات والمفردات اللغوية التي استخدمها الرجل في إطلاق الصفات الحسنة أو القبيحة على المرأة من خلال نظرته الذاتية تاريخياً للمرأة...
ولا شك في أن الأستاذ المحاضر بذل جهداً كبيراً في الرجوع إلى قواميس اللغة وكتب الأدب العربي لتجميع هذه المفردات التي من خلالها شبه الرجل المرأة بمظاهر الطبيعة من نباتات وأزهار ونجوم وكواكب وأقمار وأطيار وغيرها وهذا لا يخفى عن من لديه حد أدنى من الثقافة والإطلاع رجل كان أم امرأة . فكل الشعراء الذين تغزلوا في المرأة زانوها بالغزال والريم والمها والحمامة والذين هجوها قرنوها بالعقرب والأفعى .
وكتب الأدب غنية بهذه الأمثال .
وتنتهي المحاضرة فيسود جو من الاستغراب وخيبة الأمل على الحضور خاصة النساء لأنهم لم يسمعوا ما خمنوا سماعه من المحاضرة واستخلصوا نتيجة المحاضرة كانت غنية بأشياء كثيرة وطويلة لكنها خالية من مفاهيم الحسن والجمال عند المرأة وتطوره عبر التاريخ وجافة من الخصوبة والحيوية والإثارة ...
لا شك في أن الجمال مفهوم نفسي ذاتي لدى الإنسان تختلف معانيه من شخص لآخر . وعندما ينظر مجموعة من الأشخاص إلى امرأة ما يرى كل منهم فيها موطناً من الجمال مختلفاً عن الآخر وهذا المفهوم الذاتي للجمال ما زال معمولاً به حتى وقتنا المعاصر .
والحقيقة الأخرى أن هناك مفهوماً مادياً للجمال ومفهوماً معنوياً مختلفاً عنه ومتناقضاً معه . فالمفهوم المادي متعلق بجمال المرأة الخارجي شكلاً : قوامها رشاقتها مفاتن وجهها ...
أما المفهوم المعنوي فمتعلق بجمال المرأة الداخلي من حيث المضمون فيشمل جمال الروح وجمال النفس والأدب ...
وقد لعب المفهوم الأخير دوراً أساسياً في التعبير عن قيمة المرأة وجمالها وجاذبيتها فكم من امرأة فاتنة الملامح رشيقة القوام تشدك إليها فإذا تكلمت أو تصرفت تنفر منها ولا تتحمل مجالستها .
وكم من امرأة بسيطة الجمال لكنها تتحلى بروح المرح وحسن الأخلاق والأدب تتعلق بها وتنجذب إلى حديثها ومجالستها ...
وهذا المقياس للجمال أصبح أساسياً في عالمنا المعاصر في مسابقات ملكات الجمال وخصص له أكثر من نصف العلامات في اختيار علم المرأة وثقافتها وذكائها وأدبها وهذا ليس غريباً بل موافق لقول الشاعر العربي:
ليس الجمال بأثواب تزيننا إن الجمال جمال العلم والأدب .
أزمة الثقافة ... هل هي أزمة مثقفين ؟أم أزمة مؤسسات ثقافية ؟
عندما نتجاوز الجدل الحاصل منذ مدة طويلة حول المفاهيم المتعددة لمصطلح الثقافة وتعريفاتها فإننا بهذا نتجاوز إحدى أزمات الثقافة الأكاديمية وجدلياتها, فننحو منحى التبسيط والتسهيل والتقريب إلى الفهم الجماهيري العام لنصبح الثقافة عملياتية وارتباطاً بالواقع والحياة اليومية للأفراد والمجتمع,
وعندما نعتبر الثقافة أفقاً واسعاً بلا حدود ليشمل بعض الشيء من كل شيء فإننا بهذا نجعل الثقافة موقفاً وسلوكاً مرتبطاً بخدمة قضايا المجتمع والجماهير والأمة هذا الارتباط يصبح مقياساً لالتزام المثقف العربي وانتماؤه,
ومن هذا المنطلق تجاوز الدكتور عبد الله أبو هيف في محاضراته في نادي دوحة الميماس للموسيقا والفن الأدب بعنوان ( مستقبل الثقافة الجماهيرية) تجاوز عقدة التعريفات والجدلية النظرية غير المجدية أمام تحديات العصر وتقنياته الحديثة لينشل المثقف العربي من الدهاليز والمتاهات التي تشغله عن قضايا وطنه الأساسية, أهمها الثقافة وآفاقها المستقبلية, في هذه القضية يتجاوز الدكتور أبو هيف أسباب وجذور أزمة الثقافة التقليدية التي باتت معروفة لدى الجميع من الفقر والأمية والجهل والتخلف ...وغيره, وهو تجاوز العارف العالم بأهميتها لكن لم يعد من المفيد الإعادة والتكرار الذي أصبح مملاً فيتعرض إلى ما هو أهم من المفاهيم الجديدة والمصطلحات كالثقافة الشعبية أو الجماهيرية والثقافة النخبوية والثقافة العليا والدنيا وعرض آراء بعض المفكرين عنها .
عندما تعرض الدكتور أبو هيف إلى أزمة الثقافة وأسبابها وآفاقها المستقبلية وضعنا أمام أهم قضايا العصر خطورة, والتي عمقت أزمة الثقافة وزادت من مشكلاتها ، كالتقنية الحديثة العلمية والاتصالات ووسائل الإعلام المتطورة والإنترنت والعولمة, فكشف بها مدى تخلفها عن مواكبة التقدم الحضاري والتطور العلمي,
لكن الموضوع أثار لدى الحضور كثيراً من التساؤلات أكثر مما سمعوا من الإجابات, أهمها حساسية : هل يمكن أن يكون الرجل السلطة محايداً بين قضايا الجماهير والسلطة ؟ وهل يملك الجرأة لأن يشير بكل صراحة ووضوح إلى مكمن المشكلة وأسبابها ؟ .
طبعاً أثبتت التجارب حتى الآن أن الإجابة بالنفي, وأهم مثل على ذلك في مجتمعنا ( الإعلام ) فالإعلام أهم المؤسسات الثقافية وأهم المسببات للأزمة الثقافية ولن يستطيع وزير الإعلام أو الدكتور أبو هيف أن يصرح بوضوح بأن المؤسسات الثقافية الرسمية للسلطة تعيش أزمة الثقافة وليس المثقفين, رغم الحالات الفردية التي تدل إلى انشغال بعض المثقفين بالثقافة المأجورة والدعوة إلى فكر مشبوه أو تسويق سياسة عولمية أو تطبيعية تخدم العدو الصهيوني, فإن هذه الحالات الفردية لن تسبب أزمة ثقافة في مجتمعنا, عندما تعجز وسائل الإعلام عن مواجهة قضايا الجماهير والأحداث اليومية الطارئة على قضايا الأمة كانتفاضة الأقصى للشعب الفلسطيني مثلاً فإن هذا يشكل أزمة ثقافية حتماً, فيفرض السؤال نفسه علينا : لماذا لا تواكب أجهزتنا الإعلامية / تلفزيون _ إذاعة _ صحف / مسار الانتفاضة منذ الساعة الأولى بالعرض والتحليل والدعاية والموقف ؟
بينما تقوم بذلك المحطات الخاصة بفاعلية ممتازة مثل : ( المنار _الجزيرة _ LBC ... وغيرها ) تواكب الحدث وتتفاعل معه لحظة بلحظة ساعة بساعة ...
ألا يدل هذا على فشل المؤسسات الرسمية وعدم قدرتها على الفعل والتفاعل الخلاق وانعدام المبادرة والإبداع والفعل الخلاق المتطور, لتحقق إشباع رغبات الجماهير وشد انتباهها وعواطفها وتسويرها الفكري والسياسي لمتابعة الحدث بقوة والتفاعل معه, ليس من الغريب أن تنتهي محاضرة الدكتور أبو هيف بنظرة تشاؤمية لخصها بالنتيجة التالية: ( إننا ثقافياً مهزومون على كل الأحوال )
ربما يكون هذا صحيحاً إلى حد بعيد لكن لماذا ؟, ليته أشار بوضوح وجرأة إلى من هو المهزوم؟ هل هو المثقف العربي أم الأجهزة الثقافية الرسمية ومؤسساتها ؟ .
وهو أدرى الناس بأن المثقف العربي لم ولن ينهزم أبداً, فقلمه مقيد بل مكسور, وتفكيره مكبل بالتوجيهات الرسمية ولا يملك الفرصة على الإبداع والعطاء الخلاق, فالجماهير العربية وخاصة فئة المثقفين لديهم القدرات على المواجهة والتصدي بكافة أشكاله ويملكون العزيمة على خوض المعارك والتضحية بكل شيء لتحقيق أهداف الأمة في التحرير ونيل الحقوق والنصر بكل الطرق والأساليب .
المقاومة الإسلامية في لبنان استطاعت أن تحقق النصر العسكري ودحرت الجيش الصهيوني ( الأسطورة ), لكنها أيضاً خاضت معركة سياسية وثقافية فعالة, وأيضاً حرباً على الصعيد التقني الحديث والالكتروني, عندما شنّت مؤسسات المقاومة وبعض المواقع الخاصة حرباً على المواقع الصهيونية على شبكة الإنترنت وشلّتها, فالدكتور أبو هيف وهو المثقف الكبير والمفكر المنافح العتيد عن ثقافة الأمة وتراثها وهويتها, يعلم تماماً أنه ليس مهزوماً وعلى منواله أيضاً المثقفين العرب الملتزمين بقضايا الأمة,
فالمطلوب أن تتيح المؤسسات الثقافية الخاصة وشبه الرسمية يمكن أن تقوم بمهماتها في مواجهة الغزو الثقافي الغربي والعولمة الأمريكية ومحاولات تشويه الهوية القومية وتراث الأمة العربية التي تستهدف كيانها ووجودها .
وأخيراً جاءت المناقشات والآراء التي طرحها الأدباء والمثقفين في نهاية المحاضرة تدور في إطار هذه الطروحات والمواقف, مما يدل وعي المثقف العربي لأزمته وأزمة الثقافة في مجتمعنا وطبيعتها وأسبابها, وأسس معالجتها التي تتلخص بكلمتين هما: (الحرية والديمقراطية) اللتان تفجران الطاقات المبدعة والمبادلات الخلاقة الكامنة في أعماق مثقفينا التي لن تكون إلا على مستوى المسؤولية القومية وقضاياها الكبرى .
تألق محمد الدرة في الانتفاضة فاستهلكه الشعراء
ربما هي المصادفة التي جعلت الطفل محمد الدرة نجم الشهداء في انتفاضة الأقصى وربما هي المصادفة أيضا زجت الطفل وأبيه في أتون المذبحة الصهيونية والقتل المتعمد الذي يمارسه جنود الاحتلال ...
يغتالون الطفولة والبراءة ويخنقون مشاعر الحب والعواطف الإنسانية السامية...
يقول الصهاينة : الفلسطينيون يمارسون العنف ضدهم ويقضون مضاجعهم ويقلقون راحتهم بالصراخ والحجارة . وهم أي الصهاينة يدافعون عن أنفسهم ووجودهم وأمانهم . فيقاتلون الأيدي العارية إلا من الحجارة والصدور المفتوحة على بشرة سمراء ، بالرصاص فيقتلون ويذبحون ويجرحون بكل وحشية .
يرد عليهم محمد : أنا طفل لم أكن في صفوف المنتفضين ويدي لم تكن تقبض على حجر والصدفة أأوقعتني في فخ المذبحة مع والدي ... خفت ارتعشت صرخت ... لجأت إلى حضن والدي المختبئ وراء صخرة ... حاول حمايتي بجسده وروحه ...
لكن بنادق الاحتلال أبت إلا أن تسفك دمي لتخطف حياتي قبل الأوان لأكون في عداد الشهداء الأطهار ... وأنا لم أكن أأحمل حجر ولم أكن أتمنى أن أموت أريد أن أكبر لأمسك بوجهكم البندقية ولم أكن أتمنى أن أتحول إلى شهيد في هذا الوقت المبكر ....
أثارت مشاهد اغتيال الطفولة البريئة بهذه الوحشية غضب العالم أججت العواطف وأطلقت صرخة سؤال حزين من أعماق وجدان الإنسانية : هل كان من الضروري أن تقتلوا الطفل يا عسكر النازية ...؟
والصدفة وحدها جعلت محمد الدرة ووالده يقعان أمام عدسة الكاميرا لتكون شاهداً على الجريمة بينما غابت الكاميرا عن بقية الأطفال الذين اغتالهم رصاص الغدر ....
هكذا اجتمعت ظروف الجريمة لتجعل محمد الدرة متألقاً في سماء الانتفاضة وشاهداً على المذبحة العنصرية التي تستهدف الشعب الفلسطيني رجالاً وشيوخاً وأطفالاً لا فرق لديهم يشاركن في الانتفاضة أم لا يشاركون يرمون بحجر أم لا يرمون فهم في النهاية عرباً وهذا هو المهم .
ليس غريباً أن تتأجج عواطف الشعراء وتلتهب مشاعرهم ويتشظى وجدانهم أمام القهر والذل الصامت فيتحول الطفل محمد الدرة إلى قصائد يتغنون بها على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة ومنابر الأمسيات ليعبروا عن حزنهم وغضبهم من أمة لا تحفظ طفولة أبناءها من اللصوص وقطاع الطرق والمجرمين ...
تحول محمد الدرة في مهرجان الشعر الرابع عشر إلى قصيدة شعر جميلة كهاجس في ظلمة الليل ألقاها الشعراء أمام الحضور كأنهم يشعلون شمعة تنير الدرب أمام هذه الأمة المتقاعسة عن نصرة نفسها ...
كلما صعد شاعر على المنبر كنا نتوقع منه زفة أنين على محمد ...
أجاد الشعراء وتألق محمد الطفل الشهيد معهم .
سأل البعض باستغراب عن هذه الظاهرة وتساءل آخرون لماذا لم يخبئ بعض الشعراء قصائدهم عن محمد لمناسبة أخرى ؟
وصرح غيرهم بقوله : لم استهلك الشعراء محمد إلى هذا الحد ؟.
لم يكن هذا غريباً على جمهور شعبنا العاطفية والانفعالية وعطشها للفعل والتفاعل مع الحدث الأليم .
لكن الغريب والملفت للنظر بدهشة أن يظلم بعض الشعراء محمد لسبب ما فيزوّرون صورته العفوية وطفولته البريئة التي جعلت عملية اغتياله أوقع في النفس وأقوى أثراً . جعله البعض ( يضرب وجه جلاد بجلمود حجر ) و( يقذف بحجر) و( المشاغب القتيل ) وهو لم يمسك بحجر ولم يشاغب ولم يشارك في الانتفاضة .
لماذا نعطي الجنود القتلة وهم المبرر لجرائمهم ...؟
لكن محمد لم يمسك يده بحجر ،
مات بسيل من الرصاص ومضى الألم ،
كان يمشي مع والده بأمان ،
رغم الرصاص الأصم ،
ما كان يعرف أنه هدفاً لهم ،
وما كان يعلم أنه حمام دم ،
كان واثقاً أنه طفل تقدسه الأمم ،
ومقدس مثل المحرم ،
لكن المفاهيم والقيم انقلبت ،
فتباً لميثاق الأمم ...
فتباً لميثاق الأمم .
بناء الشخصيات في القصة القصيرة وتقنياتها عند"حسن حميد"
ـ المكان أهم الشخصيات القصصية في السرد عند حسن حميد
يدهشنا حسن حميد في فنياته وتقنياته القصصية, كما يدهشنا أكثر بصوته وحركاته وتعبيراته وأسلوبه في إلقاء النص القصصي، التي يرسم بها قصصه أمام الحضور، وكأنك تراها كما تسمعها وهو يشكّلها لوحة فنية رائعة جزءاً جزءاً, بكل هدوء وبساطة وثقة ودون انقطاع أو ملل...
وأهم ما يلفت النظر في تقنيات حسن القصصية ويثير في النفس كمٍّ كثيرٍ من إشارات التعجب والغرابة, هو عملية بناء الشخصيات وتكوين ملامحها على مراحل لبنة لبنة, حتى تكتمل وتنضج في نهاية القصة وكأنها عملية تكوينية، تتم بين يدي القارئ وأمام عينيه، فيشهد مولدها وتطورها وتكاملها حتى آخر كلمة في القصة.
شخصيات القص عند حميد, تتوزع بين النماذج الحيّة المختلفة وبين المكان, فيمكن للشخصية الرئيسية أن تكون إنساناً أو طائراً أو شارعاً أو بيتاً, لكن نلاحظ أن جميعها دون اسم ودون هوية, لكنها ذات صفات وملامح موضوعية، تنطبق غالباً على فئة أو شريحة اجتماعية، فهي شخصيات اعتبارية جمْعيّة وليست شخصية فردية ذاتية, وهذا يندرج ضمن سياقات القص الأخرى عند حميد, التي يتفادى فيها الإغراق في الذاتية الشخصية ويتهرب من التغلغل إلى أعماق الشخصية وعرض انفعالاتها الداخلية، إلاّ ضمن حدود معينة, فيبقى في سياقات سطح الحياة وصورها اليومية والعلاقات الإنسانية والهم الاجتماعي, الذي يتقدّم عند حميد على المعاناة الذاتية والمضامين الأخرى للقص,
كما نرى في ( آخر الأصدقاء ) وهي قصة قصيرة من مجموعة(حمى الكلام ), قصيرة جداً كما يقولون ؟! لكنها غنية بالتقنية العالية التي تدل على مهارة وخبرة وتمكن فائق الجودة, في فن القصة القصيرة .
منذ بداية القص يعرض حسن حميد الشخصية الرئيسية في القصة وهو ( المكان ) الذي يرسم ملامحه من الشارع ثم البناء ثم الغرفة، في تشكيل فنّي غني بالحيوية, يضجّ بالحياة والمشاعر واللقطات الواقعية أحياناً والرومانسية أحياناً أخرى :
" في الشارع المزدحم ، ذي الممرات المعتمة ، والمبلل بمطر البارحة ، رائحة ... زاكمه للأنوف , ضجة صخّابة ..." , هو شارع ككل الشوارع في الأحياء الشعبية أيام الشتاء والمطر والطين , ليس له اسم ولا عنوان ولا مدينة, في تلك اللحظة ( زمن اللقطة ), تمرّ فيه شخصية إنسانية عابرة مجهولة : " امرأة طويلة , جميلة ، تمشي ببطء شديد ، كي لا يتسخ حذاؤها.." , يلتقطها منظار حميد عن بعد, فلا يرى بوضوح من ملامحها, سوى قامتها ومشيتها التي لم تتعود المشي في تلك الشوارع القذرة الموحلة,
وكالعادة يعرض لنا ملامح الشخصية على مراحل في السرد القصصي، فيرسم لنا شخصية المكان جزءاً جزءاً: " في ذلك الشارع ، الضاج ، ذي الطوابق العديدة ، والبيوت العتيقة ..