eKtab
EN ع
قراءات في الأدب العربي قبل الإسلام
اقرأ عينة مجانية

قراءات في الأدب العربي قبل الإسلام

بقلم د. بتول حمدي البستاني

صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
المقدمة
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
 
فإنَّ هذا الكتاب محاولة لقراءة دراسات للدكتور مصطفى ناصف لشعر ما قبل الإسلام للكشف عن رؤيته وقراءته لشعر ذلك العصر. وقراءة نصوص لشعراء تلك الفترة.
 
تضمن الكتاب فصلين، تناولت في الفصل الأول قراءة لدراسات الدكتور مصطفى ناصف في شعر ما قبل الإسلام، وتضمن دراستين، الأولى: الشعر العربي قبل الإسلام في دراسات الدكتور مصطفى ناصف، والأخرى، أثر الدكتور مصطفى ناصف في دارسي شعر ما قبل الإسلام. فبعد ظهور المناهج الأدبية وتبلورها في الوطن العربي، ظهر الكثير من النقاد الذين دعوا إلى قراءة شعر ما قبل الإسلام قراءة ثانية على وفق هذه المناهج، فكان د. مصطفى في مقدمة هؤلاء، إذ اعتمد في قراءاته للنص الجاهلي المنهج النفسي وطبق نظرية يونج في اللاشعور الجمعي. وقد تناولت الدراستان إظهار دوره في الكشف عن دلالات الأطلال والمرأة والفرس والناقة والمطر والليل... الرمزية والأسطورية، والبحث عن أصولها الميثولوجية، ثم بيان أثره في قراءات الدارسين بعده، الذين وظفوا منهج يونج في قراءاتهم فكان اتفاقهم معه أو اختلافهم عنه كل حسب رؤيته وقراءته الخاصة.
 
أما الفصل الثاني فكان قراءة لنماذج من قصائد ذلك الشعر، من خلال ثلاث دراسات. كانت الدراسة الأولى والثانية لظاهرتين إيقاعيتين، وإجراءين أسلوبيين، ينوعان الإيقاع، ويكسران رتابته، ويعبران عن التجربة الشعورية للشاعر ورؤاه في الحياة والموت، الحب والكراهية، الهزيمة والانتصار، الاتصال والانفصال، الخوف والأمان، الشك واليقين، الواقع والحلم، والحركة والسكون... وهاتان الظاهرتان هما: التدوير في شعر الأعشى قصيدة (ما بكاء الكبير في الأطلال) مثالا– دراسة الدلالي في الإيقاعي، وجمالية التضمين العروضي في نماذج من شعر ما قبل الإسلام، وقفت فيه عند التضمين الخارجي الذي عدّه الكثير من النقاد القدماء والمحدثين عيباً من عيوب القافية، وكشفت عن جمالياته ووظائفه في نماذج من النصوص الشعرية عند امرئ القيس والأعشى وأوس بن حجر والخنساء.
 
وكانت مقاربتي لشعر هاتين الدراستين منطلقة من ثراء شعر ما قبل الإسلام ونابعة من إعجابي بروعته وعمقه على الرغم من صعوبة الحفر فيه ومن ثمّ تأويله. وقاربت في الدراسة الثالثة دالية دريد بن الصمة في رثاء أخيه مقاربة أسلوبية، فوقفت عند مستوياتها الدلالية والتركيبية والبلاغية والإيقاعية. ولم أفصل المستوى الدلالي عن المستوى التركيبي وذلك للعلاقة المتواشجة بينهما، فليس النظم كما يقول عبد القاهر الجرجاني "إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها..".
 
ولا بدّ هنا أن أذكر أن هذه الدراسات قد كتبت في أوقات ومناسبات مختلفة، وأنّني لم أدخل كتاب صوت الشاعر القديم للدكتور مصطفى ناصف في الفصل الأول لعدم حصولي عليه في أثناء كتابتي للدراستين بسبب الحصار الذي فرض على بلدي العراق في التسعينيات وقد حصلت عليه مؤخراً وسأفرد له دراسة خاصة إن شاء الله.
 
أيـار 2011
صفحة 2
الشعر العربي قبل الإسلام في دراسات
الدكتور مصطفى ناصف
 
درس د. مصطفى ناصف الشعر العربي قبل الإسلام ودعا إلى قراءته قراءة ثانية تزيل الحواجز النفسية والعقلية القائمة بيننا وبينه(1)، إذ إن الأدب العربي، نشأ من الأدب العربي قبل الإسلام، ولا يمكننا معرفة ثقافة وفكر الشاعر العربي في أي عصر من العصور دون الرجوع إلى ثقافة الشاعر العربي قبل الإسلام. وإنّ التطور الذي نطمح إليه يكمن في إعادة تشكيل الماضي، وليس الماضي إلا الأدب الجاهلي(2).
 
وذكر الكثير من الأمور التي تدل على أنّ العرب في ذلك العصر كانوا على قدر من الفهم والثقافة والمعرفة، وما قصة تعليق الأشعار على أركان الكعبة إلا دليل على أنّ مجتمع ما قبل الإسلام كان متمكناً من التمييز بين ما هو شخصي وما هو اجتماعي، كما كانت له القدرة على البحث عن مقومات أفضل للحياة. ولو اعتمدنا على القرآن الكريم فسنجد صورة جديدة لذلك العصر تختلف عن الصورة القائمة التي رسمها الكثير من الباحثين له.
 
إذن، لا بد لنا من أنْ نعيد النظر في عصر ما قبل الإسلام وشعره، ونثبت خطأ النظرية التي ترى أنّ الشعر كان بدوياً وساذجاً، لا عمق فيه ولا ثراء(3).
 
رأى ناصف أنّ النقاد الذين اهتموا بالمواقف الاجتماعية والاقتصادية تصوروا الشعر ضرباً من التزيين والتمجيد(4)، و ((تجاهلوا أثر العوامل الثقافية التي تسهم في تكوين القوالب الاجتماعية والاقتصادية ذاتها)) (5). وخلطوا بين سيرة الشعراء وشعرهم، بسبب عدم تفريقهم بين البواعث والفن أو طبيعة القصيدة نفسها. كما أنّ اهتمامهم بالوسط الاجتماعي – وهو وسط غير مباشر – جعلهم يهملون البيئة المباشرة وهي تراث الشعراء الذين يستمد الشاعر الفن منهم أكثر مما يستمد من الطبيعة والمجتمع(6).
 
لقد أضرّ التفكير الاجتماعي بعقول النقاد ومنعهم من الوصول إلى دقائق الفن، ومن هنا كان حثه على دراسة ((إمكانيات الخيال التي لا تنتهي)) (7)، فالشعر خلق خيالي قد يعبر عن عاطفة أو شيء أو فكرة(8)... وإنّ فهم النص الشعري لا يتم بإرجاعه إلى نظريات وأصول أو عوامل حضارية واجتماعية الآن ((النص – دائماً – ذو كيان فردي، وإضافة جديدة وكثيراً ما لا ينتهي إلى نقطة حاسمة)) (9).
 
رفض ناصف تقسيم القصيدة العربية في عصر ما قبل الإسلام على موضوعات(10)، ورأى أنَّ فكرة هذا التقسيم رديئة ومتداخلة، وغير منبثقة من الشعر نفسه وإنّما من خارجه، لغرض تسلية المجتمع بفني الوصف والنسيب، أو سدّ حاجاته بفنون الحماسة والمدح والفخر ... وأكد وحدة الشعر وفساد فكرة الموضوعات، إذ إنّ ((الشاعر يتحدث من خلال العرضي عن الجوهري، ومن خلال المديح والهجاء والرثاء عن مشكلات الإنسان التي يواجهها باستمرار على الرغم من اختلاف الزمن والثقافة)) (11). وقرر أنّ النقاد مزقوا القصيدة حينما قسموها أغراضاً منها، الغزل، والوصف، والمدح، والفخر، والاعتذار ... وقد بدا عقل الشاعر – بسبب ذلك – سطحياً ومفككاً، فالشاعر ليست لديه القدرة على الربط والوحدة، لذا وقف عند الظواهر والعوالم الحسية ولم يتجاوزها.
 
ومن هنا كانت أهمية دراسة الشعر بمعزل عن فكرة الموضوعات التقليدية، والسذاجة العقلية التي تمليها البيئة الخارجية على عقول الباحثين(12) و ((الاعتماد على مفهوم الرمز من أجل دحض فكرة الأغراض، ودحض السخافات المتعلقة بوحدة القصيدة. وبدلاً من أنْ يُدرس الشعر العربي دراسة أغراض علينا أنْ ندرسه دراسة رموز)) (13).
 
ودعا ناصف إلى قراءة الأساطير لفهم الشعر(14). واعتمد في تحليله للنص العربي قبل الإسلام على فكرة كون الرمز أداة التعبير في الفن، وهو كما يقول يونج: ((وسيلة إدراك ما لا يستطاع التعبير عنه بغيره، فهو أفضل طريقة ممكنة للتعبير عن شيء لا يوجد له أي معادل لفظي، هو بديل من شيء يصعب أو يستحيل تناوله في ذاته))(15). ومن هنا كانت دراسة ناصف للأطلال، والمرأة، والفرس، والناقة، والمطر، والليل، بوصفهم رموزاً لها دلالات معينة سنبينها لاحقاً.
 
وقد استند في تفسيره لهذه الرموز إلى نظرية يونج في اللاشعور الجمعي وهو يعد من أوائل الذين عالجوا النص الشعري معالجة تعتمد على هذه النظرية لاعتقاده أننا حينما نقرأ الشعر العربي قبل الإسلام نكون بإزاء ضرب من الطقوس أو الشعائر التي تصدر عن عقل جماعي، لا عن عقل فردي(16).
 
يحوي اللاشعور الجمعي – مصدر الرموز ومنبع الإبداع الفني – خبرات الأسلاف، وذكريات الإنسان، وأوهامه، وأحلامه، وأساطيره، وعباداته، وأنماطه السلوكية، والأحداث الطبيعية التي تراكمت آثارها وتكررت منذ ظهوره. وهو يرث هذه الرموز، وتخزن في لا شعوره الجمعي، ولا تظهر عنده – إذا ظهرت – إلا في حالة النوم. أمّا عند الشعراء فتظهر في حالات اليقظة بوصفها مواقف تكييفية وتعويضية عن الحياة الشعورية (17).
صفحة 3
الأطلال:
 
رأى ناصف أنَّ شاعر ما قبل الإسلام قد وكل من قبل مجتمعه بالاحتفال المستمر ببعث الماضي، ففن الأطلال كغيره من فنون ذلك العصر ينبع من إلزام جماعي، يأتي الشاعر من ارتباط غامض بحاجات المجتمع العليا، إذ كان ((لا يتصور الفن عملاً فردياً بل يتصوره نوعاً من النبوغ في تمثل أحلام المجتمع ومخاوفه وآماله)) (1).
 
حاول الشاعر إضفاء الحياة على الطلل – رمز الموت – من خلال مجموعة من الرموز تتمثل في الوشم المجدد الذي يقترن ببعث الحياة، فهو ((تعويذة مجسمة تحفظ الحياة والأمن ونجح المقاصد)) (2). وتتمثل أيضاً في الكتابة، والظباء والحيوانات الأخرى المنتشرة في الطلل، والأمطار والريح، والنؤى والأثافي(3). وحفل الشعر بذكر أسماء الأماكن المختلفة للجزيرة العربية، إذ إنّ الشعراء عمدوا إلى استيعاب تلك الأماكن واحتضانها وتوحيدها، فضلاً عن أنَّهم هدفوا إلى تعويذها من الشر بذكرها ، وهذا الذكر ضرب من الرقى في سبيل مواجهة العزلة والوحشة(4).
 
أمّا الظعائن فتعد جزءاً من تأويل فكرة الطلل، وتبدو كأنها ولدت من الطلل نفسه، والطلل أشبه بالأم للأبقار والظباء والظعائن، والشاعر أمامها يحتاج إلى التبصر، قال زهير بن أبي سلمى:
 
تبصّر، خليلي، هل ترى من ظعائنٍ
 
تحملن، بالعلياء، من فوق جرثُم ؟
 
فالظعائن روح غريبة وعظيمة، ولا يمكن أنْ نؤيد الشراح الذين يقولون في قول زهير:
 
وفيهنّ ملهى، للطيف، ومنظرٌ
 
أنيقٌ، لعين الناظر، المتوسم
 
بكرن بكوراً واستحرن بسُحرةٍ
 
فهنّ، ووادي الرّسّ كاليد للفم
 
إن النساء قصدن وادي الرس كاليد القاصدة للفم لا تخطئه، إذ إنهن يغبن في وادي الرس، ويعم الغموض روح الشاعر فيحتاج إلى التأمل، لأنه مقتنع بوجودهنّ على الرغم من عدم رؤيته لهنّ(5).
 
وما تشبيه الظعائن بالنخيل إلا رمز للبشرى والنبوءة والطيبة. وقد شبه الشاعر الهوادج بالسفن، والسفن رمز للتحول الكبير في الشخصية. والظعائن روح مهاجرة تكمن في داخلها الرغبة في النمو. وإنّ تخيل الظعائن في سفن ضرب منبثق من رؤى جماعية تدل على مخاوف الجماعة وآمالها حين تفكر في الانتقال من طور إلى آخر في الحياة.
 
وما مناوشة الطير للظعائن إلا صورة للمخاوف والوساوس، ورمز للصراع والعدوان والموت والعقبات التي تعترض الظعائن(6) في أثناء رحلتها.
صفحة 4
المـرأة:
 
قرر ناصف أنّ معاملة الشعر بوصفه ضرباً من التشبيه تقصير لا مبرر له(1). ورفض مصطلح التشبيه، وأكد حاجتنا ((إلى مصطلح جديد ينبه بصورة متكررة إلى خطأ هذا المصطلح. ولو قلنا أننا في كثير من الأحيان إزاء عملية يمكن أنْ نسميها الرمز من خلال التشبيه لكان هذا أولى بالقبول)) (2). وبما أننا بصدد أفكار وعواطف ومواقف إنسانية فعلينا أنْ نعامل الشعر الذي يؤلف ظاهرة التشبيه معاملة الرمز. من هنا رفض ناصف تفسير قول امرئ القيس القائم على أساس التشبيه كما فعل الشراح:
 
إذا ما الثريا في السماء تعرضت
 
تعرض أثناء الوشاح المفصلِ
 
ورأى أنَّ الثريا صورة رمزية للمرأة تبدو صغيرة للعيان، إلا أنّها متقاربة بعضها من بعض بحيث توحي بضعف المرأة وقوتها. فالمرأة هنا عزيزة المنال كالثريا في السماء(3).
 
ومن هنا أيضاً يمكننا أنْ نعد السحابة في قول الأعشى:
 
كأن مشيتها من بيت جارتها
 
مرّ السحابة لا ريث ولا عجل
 
رمزاً للمرأة الخفرة، فالسحابة تلتقى مع المرأة بكونها دثاراً والسحابة بيضاء كثيفة، تلد الماء أو المطر، والمرأة ذات صباحة وبدانة، تلد البنين والبنات، وكلتاهما تمشيان بدلال. إذن... ليس هناك مسافة بين الطبيعة وذهن الشاعر، فالطبيعة دائماً عقل الإنسان(4).
 
ويرى ناصف أنَّ امرأ القيس لم يكن سعيداً في علاقاته ومغامراته مع النساء، ويقرر أهمية الربط بين الفرس والليل، والمغامرات التي تعد ضرباً من الهرب من شعوره بالخوف من الموت، قارن قوله:
 
فأصبحت معشوقاً وأصبح بعلها
 
عليه القتامُ سيّئ الظنِ والبالِ
 
يغط غطيط البكر شد خناقهُ
 
ليقتلني والمرءُ ليسَ بقتالِ
 
أيقتلني والمشرفيّ مُضاجعي
 
ومسنونة زرق كأنيابِ أغوالِ
صفحة 5
فنحن هنا يمكننا أن نربط بين أنياب الأغوال والبعير الذي تمطى بصلبه... وهذا الربط يكشف عن خوف امرئ القيس ذي الملامح الأسطورية، والرابض في عقله الذي روع بأشباح ورؤى مخيفة، وإحساس بالدمار لم يتمكن من التخلص منه(5). وقد تجسد هذا الإحساس من خلال تجارب الجنس، إذ بدا الشاعر منتصراً، وهذا الانتصار ناتج عن مرارة ((التفكير في مسألة العدم)) (6)، وهو بالتالي ((هارب من الموت إلى الجنس ولا بدّ أنْ يعود من الجنس إلى الموت)) (7).
 
أمّا في قصيدة الحادرة (العينية) التي يقول فيها:
 
بكرت سميةُ عَدوةً فتمتّع
 
وغدتْ غدوّ مفارقٍ لم يرجعِ
 
وتزودت عيني غداة لقيتُها
 
بلوى عنيزة نظرة لم تنفعِ
 
وتصدفت حتى استبتكَ بواضحٍ
 
صلت كمنتصب الغزال الأتلعِ
 
وبمقلتي حوراء تحسب طرفها
 
وسنان حُرة مستهل الأدمعِ
 
وإذا تنازعك الحديث رأيتها
 
حسناً تبسّمها لذيذ المكرع
 
كغريض ساريةٍ أدرّته الصّبا
 
من ماءِ أسبر طيب المستنقعِ
 
فقد توحدت المرأة (سمية) بالغزال والسحابة، ولعل السحابة وهبت سمية الدمع والوجه الحر، والجلال والجمال، فغدت (حرة مستهل: الأدمع). ومن ناحية أخرى منحت سمية الأرض، الحياة، حينما انهمرت مطراً غزيراً عليها(8).
 
وينادي الشاعر حبيبته باسم سمية مرة، وسمي مرة أخرى، فيقول:
 
فسمي ، ويحكِ ! هل سمعتِ بغدرةٍ
 
رفع اللواء بها لنا في مجمعِ
صفحة 6
ويرمز تحريف الاسم إلى ((التقديس وخشية الاقتراب منه)) (9).
 
وما الخمرة التي شربها الفتيان والتي شبهها الشاعر بعد مزجها بالماء بدم الغزال، إلا محاولة بدائية لشرب دم الغزال، دم سمية، أو هي محاولة لتقمص روحها وأخذ شيء من قوتها السحرية ، أو هي محاولة الارتداد إلى وعيه الباطن بوجود سمية ليكون أكثر وعياً بالحياة(10).
 
قسمي ما يُدريك أن رُبَ فتية
 
باكرتُ لذتهم بأدكن مترعِ
 
محمرة عقب الصبوح عيونهم
 
بِمِرىً هناك من الحياة ومسمعِ
 
متبطحين على الكنيف كأنهم
 
يبكون حول جنازة لم ترفعِ
 
بكروا عليّ بسُحْرةٍ فصبحتهم
 
من عاتقٍ كدمِ الذبيحِ مشعشعِ
 
ويمكننا القول بأن ناصفاً لم يوضح لنا ماذا يمثل الغزال والخمرة بالنسبة للاشعور الجمعي عند الشاعر العربي في عصر ما قبل الإسلام، ومن أين أتى تقديسهما...؟
 
وقد جعل د. نصرت عبد الرحمن من سمية ربة للخصب تجود بالماء، وكانت ناقمة على قوم الشاعر إذْ أجدبت أراضيهم، وقررت الرحيل، فتقدم إليها الشاعر بقصيدته متذللاً وضارعاً(11).
 
ولكننا نتساءل هنا أيضاً، من أين انطلق د. نصرت في جعله سمية ربة للخصب؟ وعلى ماذا استند؟ وما هي أدلته؟ ونحن لا نجد الجواب..!
 
وبين د. إبراهيم عبد الرحمن فيما بعد، أنّ الغزال كان طوطماً مقدساً في عبادة الوثنيين، ثم تطورت هذه العبادة فأصبح رمزاً للشمس التي عبدها أكثر العرب في عصر ما قبل الإسلام، وكانت بالتالي رمزاً للمرأة الجميلة عندهم. ونجد ذلك أيضاً في الديانات السومرية والمصرية والشرق القديم(12).