المقدمة
إن العقلاء لا ينتجون إبداعا "جيمس جوس"
لم يكن هناك إلا مدن غادرتنا برمادها لتنبت على أجنحتها هذا النزف من جمر الجنون ،حين كان الصحو سيد الدروب التي عبرناها ونحن نبحث عن المرايا التي استفاق البحر بين أحضانها، فلم يبق من صورها غير الجفاء في تنفس الماء للشواطئ العامرة بالنسيان ، والبحث في دفاتر الجنون كي نقلب ما بقى منها ، حين تعزف الروح اللحن الأخير من عزاء الفصول في غابات الهمس التي تحولت إلى طقوس البرد و الارتجاف عند رقصة الريح في أضلاع الخواء والتيه الأبدي .
وكانت هذه أوراق الجنون رتقنا بها نوافذ الغياب قبل أن يأتي المطر من حافات الأخيرة من الشتاء ليس فيها إهداءً ، لأنها غائبة في أنامل الأقدار كاللوح المثبت في قراطيس الأبد .
وكانت هذه الأوراق رحلة الروح دون دليل في أقاليم الأمس الذي غادرنا دون كفوف الماء كي يغسل وجه السماء من شيخوخة المطر عند أرخبيلات المجهول .
1 - الغياب إليك
ليس لي اختيار بقدري
فإما أعشق بجنون وإما لا أعشق!
لأن روحي تحمل روح شغف الانتماء
فلا أركن إلى الصمت
إلا عندما تعاندني ذاكرتي في حواري مع الهواء
حين يمر بي وهو لا يحمل عطر أزهارك
عندها أشعر بالاختناق وتراوح تنفسي شهقات احتضار
أغيب في حاضري لأبحث عن زمنك وسط عزاء الروح بمغادرة فصولي إلى دروبك
أبقى أداري وجعي بانتظار مواسم حنينك كي أعيد إلى قلبي وهج نبضه
أعيد إلى روحي الحياة
أرمي توبتي إلى أبواب المطر
وأغسل وثنية دروب الأيمان بك حد التشرد بين ثنايا روحك
وأتلبس جنوني وأغيب إليك !
2- نعاس الضوء
يأتي رحيل الندى من أصابع الشجر
وقت نعاس الضوء على أغصان أول النهار !
تأتي العصافير محملة بباقة الزهور إلى أبواب النسيم
لتفتح الممرات الصاعدة إلى نوافذ العطش
وقت ازدهار الشاهقات بأريج أغاني الأرض المسورة بالسحر والجمال
لتسكب أرواحها كأضواء تطارد ظلها على شرفات الحنين إلى الغائبين
في الزمن المتكسر على وجوههم
وقت اقتراب النهار من نهايته
تبحث عن مطارات الغيم التي سكنت وسادة أرواحهم الغائبة
في مدن التيه وقرى الشتاء !
نبض الدفء بقى عند حدود الشرق
القصور التي تغسل شعرها في كل يوم بالبحر
ليأتي الصباح محملا بأبواب الندى
وتستيقظ العصافير باكرا !
3- مركز الحياة
أنا هي وهي أنا حد اليقين والارتقاء إلى مكنون الروح
وتباشيرها الموحدة مع خطى الأيمان والحياة
أفتش في الجهات الأربع
وأقف وسط دائرة التحليق
أجدها قد تربعت على عرش الروح
أبعثر الجهات فتعيد تجمعها صوب مدينتها
كأنها جاذبية حدود القلب إلى مركز الحياة
ومنها تعلمت كيف أصادق الحلم كثيرا في كل أزماني
وأقيس نبضي على مشارف لهاث الروح
عندما يأتيه صوتها عبر المدى
يخترق ويمتزج مع وجداني
كأنه اختراق الضوء لحجب الفضاء
فتزدحم كل النجوم على أبواب روحي فأنتشي
تفتح كل مغاليق الروح بالفرح المجنون
وتنهار كل المسافات والحدود فألمسها
إنها تسير مع نبض القلب في أوردتي وشراييني
عندها أدرك ما أنا إلا هي وما هي إلا أنا
4 - كل عام وأنت بحب
أنا وكم أنتِ سأخرج من الأنا كي أراكِ أكثر
لم أفعل شيئا غير أني لونت الأيقونة بلون الماء والغابات
وتحكمت بلون السماء وقت انحدار الروح إلى فجوة غارقة بالعزلة
أنا وكم أنت لم أفعل شيئا سوى أني طرزت الافتراض بحبال الحلم
وجذبت الواقع من حدائق العطر خارج بكارة الندى في أول النهار
توقفت الدروب عند شفة الريح لتأشير حريتنا المستحيلة
حيث يصعد المطلق العارم إلى جبين السماء كطائر من الجمر
فيأتينا سادة القمر بآخر بشارة هلال العيد
أصنع من المدن التائهة في محطات الأقفال والمفاتيح مدى للبرتقال والحجارة
فقد جاء الفجر بآخر ترتيل الفيافي الغائبة بمسار الخريف البعيد
فأؤشر على سارية الموج تأشيرة حنين
إلى فراديس القوافل أضجرها الخطى في قرى الروح
فقد انطفأت النجوم ليأتي الهلال أول العيد
أبحث عن العائدين من جنازة طفولتي
من عالم يكتنفه ارتجاف البرد من دروب النار
وأنقل شاخصة الروح إلى النفس الأخير
من أسوار المدن التي احتضنت شواطئ يتسول فيها البحر قطرة ماء من خرير الغيم
أتحول إلى جدول تعب من الصيف وقت احتراق الماء بدمه
أبقى أراقب العيد
أنا المتهم بجنون الشعر والحنين
أعلق فرحتي على طفولة الشجر
وأغادر بآخر إغفاءة إلى أفق المدينة الساكنة في حلمي
كي أراك يا سيدة الروح
لأجمع أصداف حروف العشق من شواطئ غسلت روحها بالفجر النقي
لأعود إلى قاع الضلوع وأجمع لغة المسافات
لأغسل هلال الغيم من الصدأ
وكل عام وأنت بحب
وكل بحر وأنت بموج
وكل عشق وأنت بجنون
وكل قمر وأنت مدينة حلم
عذرا أنا لم أمتلك بطاقة سفر عبر الزمان
سأفكر بانتظارها فقد كلفت نوح أن يحملها في سفنه لهذا سأنتظرها
5- لغة الدروب
أنا أحمل اللعنة في دروبي لأن العصافير ولجت في دمي
والتصقت فيﱠ الطيبة والصدق
هذا هو وجعي الدائم في زمن لا نعرف أين نصل معه
قطارات الماء توقفت فينا ونحن على حافة الموج
الفنارات فقدت زيت ضوئها
طريقنا صخري نحو الشروع إلى الأمل الآتي
هل ننتظر غودو؟
أم ننتظر كلكامش وجدران أوروك تهدمت ؟
والبرابرة يداهمون روحنا بالزيف والخديعة
فقد أكون في مكان قريب إلى روحي
ولكن لا أرى الأشجار حولي
فأين أكون أنا يا أيها الجنون ؟؟؟؟
6- أقداس اليقين
عيناك هي كل مساحاتي
وحين أراك تنزل كل أقمار المواسم إلى صدري
وأكون أقرب إلى السماء من أرض المدن
فأحرقي كل أسماء البحار
لأني إليك نهر أكثر عذوبة من كل ماء العالم
وإذا جفت منابعي فلن تجدي أصدق وأعذب من روحي
أحبك بكل روحي فيزدحم فيها
أو يتوحد معها لهاث الحنين المشدود إلى أقداس اليقين والأيمان
حيت تسقمني المسافات بالبعد
وتجاذبات الرؤيا إلى وجهك
أتحسس كياني المبعثر في خطاي
فأكون كخرائط الريح في بيادر القمح
أجمع همسي وتوحدي
لأسبق خطوات الأشجار في ربيع القيامة إلى فردوسك
فلا يسعني كل المدى في الشوق
أفقد قدرتي و أتبع غبار الوحدة
لأبني أهراماتي من هموم الروح
كعلامة في الطرق المسافرة
إلى أغوار خطاك في طرق البحر
أغسل أوثاني وألغي كفري بالحنين والمسافات
وأظل أحدق في السماء
وأنتظر الملائكة أن تخرج من أجنحتها
كي أعبد طرق السماء الغافية في حدود جدران همسك
أمسك جمر النجوم وأعيد ترتيبها
كي أسابق القمر من صحوته لأنتمي إلى السماء التي تراك في كل حين
فأكون كالنجمة بلا سماء إلا سماء عينيك
وفي نهارك المضيء وأغيب في روحك
وأعد خطاك في دروبي
لأعلق الفصول في حدائق همسك
يداهمني الجنون في كل اندهاش فيك ومنك
7- فطام الشمس
آه من روحي الغائرة في العمق
لسفر الحنين والوجد في نهارات غائبة في رؤاي عند أحراش الجنون
حيث هناك تكون جدران الحلم كأغنية البدو
تختلط ذاكرة الصحراء مع تاريخ النجوم
وتكون للجغرافية طقوس الغرباء
حين تصنع الأرض تاريخ الماء في وطن ينزف دما
وأنكدو ما زال ينتظر عشبه الحياة من بحار لم يؤلفها الجسد
فتأتي طقوس المعابد في وهج عشق عشتار إلى الحنين المجهول
حينما تسافر الغابات خارج ذاكرة الحطاب في زمن فقدت النار عشقها
في مدن غادر فيها الدفء طوق أسوار تهجد الانتماء إلى الروح
في مساء تلبس بعشق الماء وسافر كقامة جرح الأرض
ينزف في الخليج أجذب سنيني من شهقة السماء في موج البحار
وأتعلم فطام الشمس من نور الفراديس
يكون عمري كذرة الرمال حين كان القمر يدلني على الشجر الباسق بالخضرة
فتنزل الشمس من خدرها إلى سعف النخيل
تكون كلجة العصافير في أول الضوء
قبل أن تفقد الشمس حمرتها في غفلة الليل الأكيد في ليل الجنون
تبقين أنت ضوءً يمدني بكل نهارات الغابات الزاحفة باتجاه الفراديس
حين تعطش الروح إلى اليقين
8- رماد الماء
أغزل من المطر حبائل صوت حين يسقط على سطح الصفيح
وأترك نعاسي في كبد السماء كغيمة فارقت رماد الماء هربا من الرعد
أتكور كقطرة ثلج لأعاشر بياض نافذتك المرتفعة فوق جبروت البحر
أنت مرافئ روحي حين تغيب الدنيا
وتزحف الفراديس إلى روحك النقية
كثلج الغيم في أول أيام العيد عند سماء تعرف أين يقف الطهر
مهما أرتقت الأشياء بقممها تبقى دون مستوى الحنين إليك
قد لونت أكفي بأصابع الشجر كي تمر كل مواسمك في روحي
وتعلم القمم أن بهجتي بك هو تحليق النوارس
في مخاضات البحر حين تسكن ضلوعه على وسائد الشواطئ
أنتظر النهارات القادمة منك
كي أغسل المسافات بجمر أضلعي
وأحقق نبوة الروح ألّا فردوس في الدنيا
غير الفردوس الذي يحمل ظلال مرورك بالفصول
والفصول عرفت لون بهجتها عندما مرت بقناديل ضوء روحك النقية
وتعلمت كيف تلون الفضاء بسحر عينيك
كأنها سحر الفصول العامرة بالنوارس القادمة
من خطانا التي تركناها على الشواطئ
بلا موعد مع القمر
9- خرائط الذاكرة
أرسم خرائط الذاكرة وأنت حدود كل خرائطي
كعلامة نور أتوضأ به كلما داهمتني وثنية الروح أن الأتي
أكثر انتظارا لامرأة تحملني في عينيها كنهايات المحطات المسافرة إلى عمق روحها
حيث أجد السماء موشحه بالحنين وأرغفة الفردوس المعلوم
فأنتشي كثيرا وأشعر أنك تحملين روحي منذ الأزل
كي نسافر معا إلى الأبد لنغسل ذاكرة البحر
بالماء القادم من النبع و لنسافر معا إلى الفردوس الأبدي
أتحسس قدري كهوية عبور إلى الأفق الذي ينشد إلى محرابك
لهذا سأترك كل أحلامي عند سماء عينيك
لأني ما حلمت يوما إلا أن أجدك
كنت عند حدود حلمي توغلين في روحي فتكونت كل أحلامي فيك
كنت أمتنع عن العشق في قلبي
لأن روحي تعلم أني سأجدك
وكانت الأيام طريق نور إليك فانتظرت عشقك في كل سنيني
وجدتك ترحلين في أمسي ويومي وغدي
سأحترق فيك كي أتطهر من رماد زمن خسارات انتظاري إليك
سأحترق فيك كي أولد من صباحاتك وأعيد إلى روحي مجدها الأرضي
وأغرق كل تفاصيلي في عينيك
أبتدئ رسم خرائط عمري القادم من أنفاسك وفيك أغيب
10- هشيم الأفق
مررت كثيرا من هنا
وفي كل مرة أكتشف شيئا جديدا
وبقيت هذه الدروب في ذاكرتي وتسربت في روحي
شعرت بهشيم الأفق فسكنت زرازير المساء أشجار غروبي
احترقت أصابع نهاري بغيوم لا تمطر سوى جمرا
تهت في صمت رمادي
أرشح ماء الغروب فتهطل الملوحة بجرح كفي
ويثير الدخان حريق دمعي فأورثه للبحر
أتعلق بخرائط اشتياق رسمتها بدمي المحترق بلون مساء الافتراض
أني هنا منعت الآلهة من أن تشرب من نبع أصابعي
خوفا أن تأتي القيامة ويذهب جنون الحب إلى شجرٍ في الصحراء
لا يسكنها إلا سنونو الفراغ في سراب الرمل
فلا عزاء لي سوى أن أسكن في روح النعامة
لأدفن جرحي في رمال الحرائق
وأترك هذا الحوار
وأذهب نحو نزيفي
لعلي أجد بعض عزاء
لأني كنت يوما نبيا صغيرا في زمن لا يعترف بالتوبة
ولا شيء غير الجنون