eKtab
EN ع
كراهية الديموقراطية
اقرأ عينة مجانية

كراهية الديموقراطية

بقلم جاك رانسيير

صفحة 1

إهداء المترجم

إلى خالد السرجاني، بحر العلوم والأخوية

إلى محمد عبد الخالق، بحر السخاء والأريحية

صفحة 2

مقـدمة

امرأةٌ شابّة تجعل فرنسا تحبس أنفاسَها بحكايةٍ عن اعتداءٍ خيالي؛ مراهقاتٌ ترفضن نزع حجابهن في المدرسة؛ عجزُ الضمان الاجتماعي؛ مونتسكيو، وﭬولتير، وبودلير يزيحون راسين وكورنيي عن العرش في النصوص المُقدَّمة في الثانوية العامّة؛ عاملون بالأجر يتظاهرون للحفاظ على أنظمة تقاعدهم؛ مدرسةٌ كبرى تقيم شبكةً موازية لإلحاق الطلبة؛ صعودُ تلفزيون ـ الواقع(أ)، زواج المثليين والإنجاب الصناعي. من العبثِ البحثُ عمّا يجمع بين أحداثٍ ذات طبيعةٍ بكلّ هذا التنافر. وبالفعل قدّم لنا الإجابة مائة فيلسوفٍ أو عالم اجتماع، عالمِ سياسة أو محلّلٍ نفسي، صحفيٍ أو كاتبٍ، كتابًا إثر كتاب، ومقالا تلو مقال، وبرنامجا بعد برنامج. كل تلك الأعراض، كما يقولون، تترجم نفسَ المرض كل تلك النتائج لها سببٌ وحيد. هذا السبب يُدعى الديموقراطية، أي سيطرة الرغبات اللامحدودة لأفراد المجتمع الجماهيريّ الحديث.

يجب أن نرى جيدًا ما يُشكِّل تفرُّد هذا الشجب. ليست كراهيةُ الديموقراطيّة جديدةً بالتأكيد. إنّها قديمةٌ قِدم الديموقراطيّة لسببِ بسيط: أنّ الكلمةَ ذاتها تعبيرٌ عن كراهية. فقد كانت، أوّلًا، شتيمةً اخترعها، في بلاد الإغريق القديمة، مَن رأوا في الحكم الشائن للدهماء خرابَ كل نظامٍ مشروع. وظلّت مرادفةً للبُغضِ بالنسبة لكلّ مَن يعتقدون أنّ السلطةَ من حقِّ مَن تكونُ مقدورةً لهم بحكم الميلاد أو تستدعيهم بحكم كفاءاتهم. وما زالت كذلك اليومَ بالنسبة لمن يجعلون من قانون الوحي الإلهيّ الأساسَ الشرعيّ الوحيد لتنظيم المجتمعات البشريّة. إن عنفَ هذه الكراهية راهنٌ بالتأكيد. لكنّه ليس، برغم ذلك، موضوع هذا الكتاب، لسببٍ بسيط: فما من شيءٍ مشترك بيني وبين مَن يقولون به، ومن ثَم، لا شيء لأناقشه معهم.

إلى جانب هذه الكراهية للديموقراطية، عرفَ التاريخُ أشكالَ نقدها. للنقد الحقُ في الوجود، لكن يجب تحديد حدوده. عرف نقدُ الديموقراطية شكلينِ تاريخيينِ كبيرينِ. فقد وُجِد فنُ المشرِّعين الأرستوقراطيّين والمتفقّهين الذين أرادوا التحالف مع الديموقراطية باعتبارها واقعًا لا يمكن الالتفاف عليه. وكتابة دستور الولايات المتحدة هو المثال الكلاسيكيّ لهذا الجهد لتوفيق القُوى وتوازُن الآليّات المؤسسيّة الذي يهدف إلى استخلاص أفضل ما يمكن استخلاصه من الواقع الديموقراطيّ، مع احتوائه بصرامةٍ من أجل الحفاظ على منفعتينِ تعتبرانِ مترادفتينِ: حُكم مَن هم الأفضل، والدفاعُ عن نظام المِلكية. وبالطبع غذّى نجاحُ هذا النقد على الفور نجاحَ نقيضه. فلم يجد ماركس الشاب أية صعوبةٍ في كشف النقاب عن سيطرة المِلكية في أساس الدستور الجمهوري. لم يُخفِ المشرِّعون الجمهوريّون أيّ سرٍّ. لكنّه استطاع تحديدَ معيارٍ للفكر لم يتم استنفاده حتّى الآن: أن قوانينَ ومؤسّسات الديموقراطيّة الشكليّة هي التبدّيّاتُ التي خلّفها، والأدواتُ التي بواسطتها، تتم ممارسةُ سلطةِ الطبقة البورجوازية. ومن ثَم، يصبح النضال ضدَّ تلك التبدّيات هو الطريق صوب ديموقراطية «حقيقية»، ديموقراطيةٍ لا تعود فيها الحرية والمساواة ممثّلتين في مؤسّسات القانون والدولة بل متجسّدتينِ في ذات أشكال الحياة الماديّة والخبرة المحسوسة.

صفحة 3

الكراهيةُ الجديدة للديموقراطيّة التي تشكّل موضوعَ هذا الكتاب لا تتعلّق بالضبط بأيٍّ من تلك النماذج، حتى لو جمعت بين عناصر مستعارةٍ من هذا النموذج أو ذاك. والناطقون باسمها يحيَون جميعًا في بلدان تعلن ليس فحسب أنها دول ديموقراطية، بل كذلك أنها ديموقراطيّات بالمعنى الدقيق. ولا يطالب أيٌ منهم بديموقراطيةٍ أكثر حقيقيةً. بل على النقيض يقولون لنا جميعا أنها أكثر مما يجب. لا يشكو أيُّ واحدٍ منهم من المؤسّسات التي تتظاهر بأنها تجسِّد سلطة الشعب ولا يقترح أيَّ إجراءٍ لتضييق هذه السلطة. لا تعنيهم آليّة المؤسّسات التي أثارت حماسَ معاصري مونتسكيو، أو ماديسون، أو توكڤيل. إنهم يشكون من الشعب ومن عاداته، لا من مؤسسات سلطته. ليست الديموقراطية بالنسبة لهم شكلًا فاسدًا للحكم، بل إنها أزمةُ حضارةٍ تؤثّر في المجتمع وفي الدولة من خلاله. ومن هنا تلك المراوغات التي قد تبدو مذهلةً للوهلة الأولى. إذ أن نفس النقاد الذين يشجبون بلا هوادة أمريكا الديموقراطية هذه التي أتت لنا منها كلُّ شرور احترام الاختلافات، وحق الأقليّات، والفعل الإيجابي [affirmative action] التي تقوّض نزعتنا الكونيّة الجمهورية، هم أول من يصفّق حين تشرع أمريكا هذه ذاتها في نَشْر ديموقراطيتها عبر العالم بقوة السلاح.

الخطاب المزدوج حول الديموقراطية ليس جديدًا، بالتأكيد. فقد تعوّدنا على سماع أنّ الديموقراطية هي أسوأ أشكال الحكم باستثناء كلّ ما عداها. لكنّ العاطفة الجديدة المناهضة للديموقراطية تُقدّم لهذه الصيغة طبعةً أكثر إثارةً للقلق. تقول لنا أن الحكمَ الديموقراطيّ سيّءٌ حين يستسلمُ للإفساد من جانب المجتمع الديموقراطيّ الذي يرغب في أن يكون الجميعُ متساوين وأن تُحتَرم كلّ الاختلافات. لكنّه، على العكس، جيدٌ حين يستنفرُ أفرادَ المجتمع الديموقراطيّ المترهلين بطاقة الحرب دفاعًا عن قيم الحضارة التي هي قيم صراع الحضارات. يمكن، إذن، تلخيص الكراهية الجديدة للديموقراطيّة في أطروحةٍ واحدة بسيطة: ليس ثمةَ سوى ديموقراطيّة جيّدة وحيدة، هي تلك التي تكبحُ كارثةَ الحضارة الديموقراطيّة. وسوف تسعى الصفحاتُ التالية إلى تحليل تَشكُّل، وإبراز رَهانات، هذه الأطروحة. لا يتعلّق الأمرُ فحسب بوصف شكلٍ من الإيديولوجيا المعاصرة. فهذه الأطروحة توضّح لنا كذلك حالة عالمنا وكيف يتمّ فيه فهمُ السياسة. وهكذا، يمكنها أن تساعدنا على أن نفهم إيجابيًّا تلك الفضيحة التي تنطوي عليها كلمة الديموقراطيّة وعلى أن نعاود العثور على ما هو جوهري في فكرتها.

صفحة 4

من الديموقراطية المنتصرة إلى الديموقراطية المجرمة

«الديموقراطية تنبعث في الشرق الأوسط» تحت هذا العنوان، احتفلت صحيفةٌ ترفع مِشعل الليبراليّة الاقتصاديّة، منذ بضعة أشهر، بنجاح الانتخابات في العراق وبالمظاهرات المناهضة لسوريا في بيروت(1). ولم يصحب هذا الثناء على الديموقراطية المنتصرة سوى تعليقاتٍ تحدّد طبيعة وحدود هذه الديموقراطيّة. أوضحوا لنا أولًا أنّها انتصرت، برغم احتجاجات أولئك المثاليّين الذين تُعدّ الديموقراطية بالنسبة لهم حكمَ الشعب لنفسه ومن ثم، لا يمكن جلبها من الخارج بقوة السلاح. انتصرت الديموقراطية إذن لو عرفنا كيف ننظر لها من وجهة نظرٍ واقعيّة، تفصل بين منافعها العمليّة وبين يوتوبيا حكم الشعب لنفسه. لكنّ الدرس الذي تم تلقينه للمثاليّين التزم أيضًا بأن يكون واقعيًّا حتّى النهاية. انتصرت الديموقراطيّة، لكن كان يجب معرفة كلّ ما يعنيه انتصارها: أن منح الديموقراطيّة لشعب آخر لايعني فحسب منحه منافعَ الدولة الدستورية، والانتخابات الحرة، والصحافة الحرة. إذ يعني، أيضًا، منحه الفوضى.

نتذكّر تصريحَ وزير الدفاع الأمريكيّ بصدد عمليّات النهب التي أعقبت سقوط صدام حسين. قال ما جوهره إننا منحنا الحرية للعراقيّين. والحرية الآن هي، أيضًا، حرية فعل الشرّ. ليس هذا التصريح مجرد دعابة مصادفات. بل هو جزء من منطقٍ يمكن إعادة تركيبه انطلاقًا من أشلائه الممزّقة: فلأن الديموقراطية ليست الأنشودةَ الرعوية لحكم الشعب لنفسه، لأنها فوضى العواطف التوّاقة للإشباع، يمكن بل ويجب منحُها من الخارج بقوّة سلاح قوةٍ عظمى، مع فهم أنّ القوة العظمى ليست مجرد دولةٍ تملك قوةً عسكرية مفرطة بل تملك، بشكلٍ أعمَّ، قوة السيطرة على الفوضى الديموقراطيّة.

تُذكّرنا التصريحات المصاحبة للحملات التي تستهدف نشر الديموقراطيّة في العالم إذن بحججٍ أقدمَ كانت تستحضر بدورها التوسعَ الذي لا يُقهر للديموقراطيّة، لكن على نحوٍ أقلَّ حماسيّة بكثير. إنها تُعيد بالفعل صياغة التحليلات المقدَّمة قبل ثلاثين عامًا أمام مؤتمر اللجنة الثلاثيّة، لتوضيح ما كان يُطلق عليه عندئذٍ أزمة الديموقراطية(2).

الديموقراطية تنبعث في أعقاب الجيوش الأمريكية، برغم أولئك المثاليّين الذين يحتجّون باسم حقّ الشعوب في امتلاك ذاتها. منذ ثلاثين عامًا، اتهم التقرير نفس النوع من المثاليّين، أولئك «المثقفين الذين توجهّهم القيم» [Value-oriented intellectuals] الذين يقتاتون على ثقافة معارضةٍ ويُغذّون نشاطًا ديموقراطيًّا مفرطًا، مشئومًا بالنسبة لسلطة الشأن العامّ مثلما بالنسبة للعمل البراجماتي لـ«المثقفين الذين توجههم السياسة» [Policy-oriented intellectuals]. تنبعث الديموقراطيّة، لكن الفوضي تنبعث معها: يتذكر ناهبو بغداد، الذين ينتهزون الحرية الديموقراطية الجديدة لزيادة ممتلكاتهم على حساب الملكيّة العامّة، بطريقتهم البدائيّة بعض الشيء، إحدى الحجج الكبرى التي كانت تشكّل، قبل ثلاثين عامًا، «أزمة» الديموقراطية: فالديموقراطية، فيما يقول كاتبو التقرير، تعني الزيادة التي لا تُقهر للمطالب التي تضغط على الحكومات، وتتسبّب في تدهور السلطة وتجعل الأفراد والجماعات عصيّةً على الانضباط وعلى التضحيّات التي يتطلّبها الصالح العامّ.

صفحة 5

هكذا، فإنّ الحجج التي ترفعها الحملات العسكريّة الهادفة إلى التوسع العالميّ للديموقراطيّة تكشف عن المفارقة التي ينطوي عليها اليوم الاستخدامُ السائد لهذه الكلمة. يبدو أنّ الديموقراطيّة لها خَصمان. إذ تواجه، من ناحية، عدوًّا محدّدًا بوضوح، هو حكم التعسّف، الحكم بلا حدود، الذي يُطلق عليه، حسب الفترة الزمنيّة، الاستبداد، أو الدكتاتورية، أو الشموليّة. لكن هذه المواجهة الواضحة تخفي مواجهةً أخرى، أشدَّ حميميّة. فالحكم الديموقراطيّ الجيّد هو ذلك القادر على السيطرة على شرٍّ اسمه ببساطة الحياة الديموقراطيّة.

هذا هو التوضيح الذي جرى عرضه على طول أزمة الديموقراطيّة [The Crisis of Democracy]: أن ما يثير أزمة الحكم الديموقراطيّ ليس سوى كثافة الحياة الديموقراطيّة. إلّا أن هذه الكثافة والتهديد الناشئ عنها قدّما نفسهما في جانبين. فمن جهة، تماهت «الحياة الديموقراطيّة» مع المبدأ الفوضوي الذي يؤكّد سلطةً للشعب، من قبيل تلك التي عرفت الولاياتُ المتّحدة ودولٍ غربية أخرى خلال عقدي 1960 و1970 عواقبَها المتطرفة: دوامَ ردٍّ نضاليّ يتدخّل في كلّ مناحي نشاط الدول ويتحدّى كلَّ مبادئ الحكم الرشيد: سطوةَ السلطات العامّة، ومعرفةَ الخبراء، والمعرفةَ التقنية للبراجماتيين.

ولا شكّ أنّ دواء فرط الحيويّة الديموقراطيّة هذا معروفٌ منذ بيزيستراتوس، لو صدقنا أرسطو(3). ويتلخّص في توجيه الطاقات المحمومة التي تنشط في المشهد العامّ صوب أهدافٍ أخرى، في تحويلها صوب البحث عن الرفاهية الماديّة، وعن أشكال السعادة الخاصّة والروابط الاجتماعيّة. وللأسف، سرعان ما كشف الحلُّ الجيّد عن وجهه الآخر: إذ إن تقليلَ الطاقات السياسيّة المفرطة، وتحبيذَ البحث عن السعادة الفرديّة والعَلاقات الاجتماعية، كان يَعني تحبيذ حيوية الحياةٍ الخاصة وأشكالِ التفاعل الاجتماعي التي يترتب عليها تضاعفُ التطلعات والمطالب. وكان لهذا، بالتأكيد، تأثيرٌ مزدوج: فقد جعل المواطنين غير عابئين بالصالح العامّ وقوَّض سطوة الحكومات المكلّفة بالاستجابة لهذه الدوامة من المطالب المنبعثة من المجتمع.

هكذا، اتخذت مواجهة الحيوية الديموقراطية شكل قيدٍ مزدوج [double bind] يسهل تلخيصُه: فإمّا أن تعني الحياة الديموقراطية مشاركةً شعبيّةً كبيرة في مناقشة الشئون العامّة، وهذا شيءٌ سيّء. وإمّا أن تعني شكلًا من الحياة الاجتماعية يحوّل الطاقات صوب أوجه الإشباع الفردية، وهذا، أيضًا، شيءٌ سيّء. ومن ثَم، يجب أن تكون الديموقراطيةُ الجيّدة شكلَ الحكم والحياة الاجتماعية القادرَ على السيطرة على الإفراط المزدوج لكلٍّ من النشاط الجماعي أو الانسحاب الفردي المتأصّل في الحياة الديموقراطية.

ذلك هو الشكلُ الاعتيادي الذي يصوّغ فيه الخبراءُ المفارقةَ الديموقراطيّة، الديموقراطية، بوصفها شكلًا للحياة السياسية والاجتماعية، هي سيطرةُ الإفراطِ. وهذا الإفراطُ يعني دمارَ الحكم الديموقراطيّ ويجب من ثم أن يقمعه هذا الحكم. وقد استثار تربيعُ الدائرةِ هذا بالأمس براعةَ فناني الدساتير. لكن هذا النوع من الفن لم يعد اليوم يلقى التقدير. فالحكومات تدبّر أمورها جيّدًا بدونه. فكون الديموقراطيات «غير قابلةٍ للحكم» يثبتُ بصورةٍ ضافية احتياجها لأن تُحكم، ويُعدُّ هذا بالنسبة للحكومات مشروعيّةً كافية للعناية التي تبذلها في حكمها على وجه الدّقة. لكن فضائل الإمبيريقية [الوضعية التجريبية] الحكوميّة لا تكاد تُقنع سوى مَن يحكمون. أمّا المثقفون فيحتاجون إلى عُملةٍ أخرى، خصوصًا على هذا الجانب من الأطلنطيّ وبالأخصّ في بلدنا الذي يجدون فيه أنفسهم في آنٍ واحد بالغي القرب من السلطة ومستبعَدين من ممارستها. بالنسبة لهم، لا يمكن التعامل مع مفارقةٍ إمبيريقية بأسلحة الترقيع الحكوميّ المتعجّل. إنهم يرون في ذلك عاقبةَ خطيئةٍ أصليّةٍ ما، عاقبة شذوذٍ ما في ذات قلب الحضارة، يحاولون تعقُّبه إلي مبدئه. الأمر بالنسبة لهم، إذن، هو حلّ عقدة التباس الاسم، أن يجعلوا «الديموقراطية» لا الاسمَ الشائع لشرٍّ ولا لخيرٍ يداويه، بل الاسمَ الوحيد للشرّ الذي يفسدنا

صفحة 6

بينما كانت الجيوش الأمريكيّة تعمل على نشر الديموقراطية في العراق، ظهر في فرنسا كتابٌ يضع مسألة الديموقراطية في الشرق الأوسط في ضوءٍ مختلف تمامًا. حمل الكتاب عنوان الميول الإجرامية لأوروبا الديموقراطية. طوّر فيه المؤلف، ﭼان كلود ميلنر(ب)، من خلال تحليل بارع ومحكم، أطروحةً بسيطة بقدر جذريتها. الجريمة الحالية للديموقراطية الأوروبيّة هي المطالبة بالسلام في الشرق الأوسط، أي بحلٍّ سلميّ للنزاع الإسرائيليّ ـ الفلسطيني. فهذا السلام لا يمكن أن يعني سوى شيءٍ واحد، هو دمار إسرائيل. طرحت الديموقراطيات الأوروبيّة سلامها لحلّ المشكلة الإسرائيلية. لكنّ السلام الديموقراطيّ الأوروبي ليس سوى نتيجة إبادة يهود أوروبا. لقد أصبحت أوروبا الموحّدة في السلام والديموقراطيّة ممكنةً بعد عام 1945 لسببٍ وحيد: لأن الأرض الأوروبيّة، بنجاح الإبادة النازية، قد تخلّصت من الشعب الذي شكّل وحدهُ عقبةً أمام تحقيق حُلمها، ألا وهو اليهود. إنّ أوروبا التي بلا حدود، هي، فعلًا، انحلال السياسة، التي ارتبطت دومًا بكيانات محدودة، في المجتمع الذي مبدؤه على النقيض هو اللامحدودية. الديموقراطية الحديثة تعني تحطيم الحدّ السياسي بواسطة قانون اللامحدودية الخاصّ بالمجتمع الحديث. هذه الإرادةُ لتجاوزِ كلِّ حدّ خدمها وجعلها شعارًا في آنٍ الاختراعُ الحديث بامتياز، ألا وهو التقنية. وتبلغ هذه ذروتها اليوم بالرغبة في التخلّص، بواسطة تقنية التلاعب الجينيّ والتلقيح الصناعيّ، من نفس قوانين التقسيم الجنسي، والإنجاب المرتبط بجنس، والنسب. الديموقراطية الأوروبيّة هي نمط المجتمع الذي يجلب هذه الإرادة. ومن أجل بلوغ غاياته، توجّب عليه، طبقا لميلنر، أن يتخلّص من الشعب الذي مبدأ وجوده ذاته هو مبدأ النسب والتوريث، الشعب الذي يحمل اسمًا يعني هذا المبدأ، أي الشعب الذي يحمل اسم اليهودي. هذا على وجه الدّقة، كما يقول، هو ما جلبته عليه الإبادة بواسطة اختراعٍ متجانس مع مبدأ المجتمع الديموقراطيّ، هو الاختراع التقنيّ لغرف الغاز. واستخلص أن أوروبا الديموقراطيّة قد وُلدت من الإبادة، وأنها تتابع مهمّتها برغبتها في إخضاع الدولة اليهودية لشروط سلامها التي هي شروط إبادة اليهود.

ثمة طرقٌ عديدة لتفحّص هذا الحِجاج. إذ يمكن للمرء أن يُعارض جذريتَهُ بأسبابٍ تتعلّق بالحسّ المشترك أو الدقة التاريخيّة، بأن يتساءل، مثلًا إن كان يمكن اعتبار النظام النازيّ بهذه السهولة فاعلًا في الانتصار الأوروبي للديموقراطية، وكذلك إن كان يمكن اللجوء إلى حيلةٍ ذهنية أو غائيةٍ إلهية للتاريخ. ويمكن، على العكس، تحليل تماسكه الداخلي انطلاقًا من نواة فكر مؤلفه، أي من نظريةٍ في الاسم، متمفصّلةٍ على الثالوث اللاكاني للرمزي، والخياليّ، والواقعيّ(4). لكنّني سأنتهج هنا طريقًا ثالثًا: النظر إلى الحِجاج ليس على أساس شططه بالنسبة للحسّ المشترك أو انتمائه إلى الشبكة المفاهيمية لفكر المؤلف، بل من وجهة نظر المشهد العامّ الذي يتيح هذا الحجاجُ الفريد إعادةَ بنائه، انطلاقًا ممّا يُتيحه لنا من إدراك التحوّل الذي طرأ، خلال عقدينِ، على كلمة الديموقراطيّة في رأي المثقّفين السائد.

يتلخّص هذا التحوّل، في كتاب ميلنر، في اقتران أطروحتين: تضع الأولى تعارضًا جذريًّا بين اسم اليهودي وبين اسم الديموقراطيّة؛ وتجعل الثانية من هذا التعارض انقسامًا بين إنسانيتينِ: إنسانيةٍ وفيّةٍ لمبدأ النسب والتوريث، وإنسانيةٍ متناسيةٍ لهذا المبدأ، تقتفي مثلًا أعلى للتولُّد ـ الذاتي هو، بنفس القدر، مثلٌ أعلى للتدمير ـ الذاتي. اليهودي والديموقراطي هما في تعارُض جذريّ. تحدِّد هذه الأطروحةُ الإطاحةَ بما كان لا يزال يُشكِّل، زمن حرب الأيام الستة أو حرب سيناء، بنية الإدراكَ السائد للديموقراطيّة. كان يجري حينها تمجيد إسرائيل لكونها ديموقراطيّة. وكان المفهوم من ذلك مجتمعًا تحكمه دولةٌ تضمن في آنٍ واحد حريةَ الأفراد ومشاركةَ أكبر عدد في الحياة العامّة. ومثّلت إعلانات حقوق الإنسان ميثاق عَلاقة التوازن تلك بين القوّة المُعتَرفِ بها للجماعة وبين الحريةِ المضمونة للأفراد. وكان نقيض الديموقراطية يسمّي حينذاك الشموليّة. وكانت اللغة السائدة تسمِّي بالشموليّة تلك الدول التي ترفض في آنٍ واحد، باسم قوة الجماعة، حقوقَ الأفراد والأشكالَ الدستورية للتعبير الجماعي: الانتخابات الحرّة، وحريّات التعبير والتجمع. كان اسم الشموليّة يعني ذاتَ مبدأ هذا الرفض المزدوج. كانت الدولةُ الشموليّة هي التي تُلغي ازدواجيةَ الدولة والمجتمع، بتوسيعها دائرة ممارستها لتشمل مجملَ حياةِ الجماعة. كانت النازيةُ والشيوعيّة تُفهمان باعتبارهما نموذجَي تلك الشموليّة، وتقومانِ على أساس مفهومينِ يحاولان التسامي على الانفصال بين الدولة وبين المجتمع، هما مفهوما العِرق والطبقة. كانت الدولة النازية تُعتبر، وَفقًا لوجهة النظر التي أكدتها هي ذاتها، الدولةَ القائمة على أساس العِرق. جرت الإبادة اليهوديّة إذن لتحقيق الإرادة التي أعلنتها تلك الدولة للقضاء على عِرقٍ منحط وحامل للانحطاط.

صفحة 7

يقدّم كتابُ ميلنر العكسَ تمامًا لهذا الاعتقاد السائد من قبلُ، ففضيلةُ إسرائيل من الآنَ فصاعدًا هي أن تعني نقيضَ المبدأ الديموقراطي؛ وفقَد مفهومُ الشموليّة كلّ معنى، وفقَد النظامُ النازي وسياستُه العنصريّةُ كلَّ خصوصيّة نوعيّة. وثمة سببٌ بالغُ البساطة لذلك، فالخصائص التي كانت بالأمس تُنسب للشموليّة، المفهومة باعتبارها دولةً تلتهم المجتمع، قد أصبحت بكلّ بساطة خصائصَ الديموقراطيّة، المفهومةِ باعتبارها مجتمعًا يلتهم الدولة. وإذا كان هتلر، الذي لم يكن همّه الأكبر هو نشر الديموقراطية، يمكن فهمُه باعتباره الفاعلَ الإلهي لهذا النشر، فذلك لأن المناهضين للديموقراطية اليوم يسمّون ديموقراطيةً نفس الشيء الذي كان المتحمّسون لـ«الديموقراطيّة الليبراليّة» بالأمس يسمونه شموليّةً: نفس الشيء بالمقلوب. ما كان يجري شجبُه منذ عهد قريب على أنه المبدأ الدولتي للشموليّة المغلقة يجري شجبه اليوم على أنّه المبدأ الاجتماعيّ للامحدودية. يصبح هذا المبدأ المسمّى ديموقراطيةً هو المبدأُ الذي يضمّ الحداثة المأخوذة ككلّيةٍ تاريخيّة وعالميّة، لا يعارضها سوى اسم اليهودي كمبدأٍ للتقاليد الإنسانيّة المُصَانة. مازال يمكن لمفكر «أزمة الديموقراطية» الأمريكي أن يقيم تعارضًا، باسم «صدام الحضارات»، بين الديموقراطية الغربية والمسيحية وبين إسلامٍ مرادفٍ للشرق الاستبدادي(5). أمّا مفكّرُ الجريمة الديموقراطية الفرنسي فيقترح طبعةً أشد جذرية من الحرب بين الحضارات بأن يقيم تعارضًا بين الديموقراطية، والمسيحية، والإسلام مختلطين، وبين الاستثناء اليهودي الوحيد.

يمكن إذن، في تحليلٍ أولي، تحديدُ نطاق مبدأ الخطاب الجديد المناهض للديموقراطية. فالوجه الذي يرسمه للديموقراطية يتشكّل من ملامح كانت تُنسب للشموليّة من قبلُ. إنه يمرّ إذن بعملية تشويه ملامح، فكأن مفهوم الشمولية، الذي جرى نحتُه وفق احتياجات الحرب الباردة، بعد أن صار بلا فائدة، أمكن لملامحه أن يتمّ تفكيكها وإعادة تركيبها لتُعيدَ تشكيلَ وجهِ ما كان نقيضَها المفترض، الديموقراطية. ويمكن تتبّع مراحل هذه العملية لتشويه الملامح وإعادة التركيب. لقد بدأت عند منعطف أعوام عِقد 1980 بعمليةٍ أولى تطرحُ للتساؤل التعارضَ بين مصطلحين. وكانت الأرضيةُ هي إعادةُ بحثِ التراث الثوريّ للديموقراطية. وقد تمّ التشديدُ بالضبط على الدور الذي لعبه عملُ فرنسوا فوريه(ت) بعنوان، التفكير في الثورة الفرنسية، المنشور عام 1978. لكن لم يكد يتم إدراكُ المجال المزدوج للعملية التي أحدثها. فإعادةُ وضع الإرهابِ في قلب الثورة الديموقراطية، كان، على المستوى الأوضح، بمثابة تحطيمِ التعارُضِ الذي شكّل بنيةَ الرأيِ السائد. الشمولية والديموقراطية، كما أشار فوريه، ليستا تعارضينِ حقيقيين. فقد كانت سيطرةُ الإرهاب الستاليني متوقعةً في سيطرة الإرهابِ الثوري. لم يكن الإرهاب الستاليني انزلاقًا للثورة، بل كان متماهيًا مع مشروعها؛ كان ضرورةً كامنة في ذات جوهرِ الثورة الديموقراطية.

لم يكن استنباطُ الإرهابِ الستاليني من الإرهاب الثوريّ الفرنسيّ شيئًا جديدًا في ذاته. إذ كان يمكنُ لهذا التحليل أن يندرج ضمن التعارضِ الكلاسيكيّ بين الديموقراطية البرلمانية والليبرالية، القائمةِ على أساس تقييد الدولة والدفاع عن الحريّات الشخصيّة، وبين الديموقراطية الراديكاليّة والمساواتية، التي تضحي بحقوق الأفراد من أجل ديانة المجموع والسخط الأعمى للجماهير. بدا إذن أن الشجبَ المتجدّد للديموقراطية الإرهابية يقودُ إلى إعادة تأسيس ديموقراطيةٍ ليبرالية وبراجماتية متخلِّصة أخيرًا من الأشباح الثورية للجسد الجمعي.

لكن هذه القراءة البسيطة تنسي المجالَ المزدوج للعملية. لأنّ نقد الإرهاب له قاعٌ مزدوج. فالنقد المسمّى ليبراليًّا، الذي يستدعي أوجهَ صرامةٍ مساواتيةٍ شموليّة إلى الجمهورية العاقلة للحريات الفردية والتمثيل البرلماني، كان في الأصل خاضعًا لنقدٍ آخر تمامًا، لا تكون خطيئةُ الثورة بالنسبة له هي نزعتُها الجماعية، بل على العكس، نزعتها الفردية. طبقًا لهذا المنظور، كانت الثورةُ الفرنسيّة إرهابيةً ليس لأنها تجاهلت حقوقَ الأفراد بل على العكس لأنها كـرّستها. هذه القراءةُ السائدة، التي بدأها منظِّرو الثورةِ المضادة غداة الثورة الفرنسية، وتناوب عليها الاشتراكيون الطوباويون في النصف الأول للقرن التاسع عشر، وكـرّسها، في نهاية نفس القرن، العلمُ الاجتماعيُ الفتيّ، تجري كالتالي: الثورة هي نتيجةُ فكرِ الأنوار ومبدئه الأول، المذهبِ «البروتستانتي» الذي يرفعُ حُكمَ الأفراد المعزولين إلى مرتبة البنياتِ والمعتقدات الجماعية. وبتحطيمها للتضامنات العتيقة التي كانت قد نسجتها ببطءٍ المَلَكيةُ، والنبالةُ، والكنيسةُ، فإن الثورة البروتستانتية قد حلَّت الرابطةَ الاجتماعية وحوّلت الأفرادَ إلى ذرات. والإرهابُ هو النتيجة الضروريّة لهذا الانحلال ولإرادتها أن تخلق من جديدٍ، بالقوانين والمؤسسات المصطنعة، رابطةً لا يمكن أن تنسجَها سوى التضامنات الطبيعية والتاريخية.

صفحة 8

هذا هو المذهب الذي يكرِّمهُ كتابُ فوريه. فقد أظهر أن الإرهابَ الثوري يتماهى مع الثورة ذاتها، لأنّ كلّ التتابع الدراميّ الثوري كان قائمًا على أساس الجهل بالحقائق التاريخية العميقة التي جعلتها ممكنةً. فقد كانت تجهل أنّ الثورةَ الحقيقية، ثورةَ المؤسسات والعادات، كانت قد أُنجِزت فعلًا في أعماق المجتمع وفي دواليب الآلة المَلَكية. ومن ثمّ، ما كان للثورة إلّا أن تكون وهمَ البدءِ من جديد، على طريقة الإرادة الواعية، ثورةً متحقّقة فعلًا. لم يكن باستطاعتها أن تصبح سوى اصطناعٍ للإرهاب، تجهدُ لتمنح جسدًا متخيّلًا لمجتمعٍ متفسِّخ. استند تحليل فوريه على أطروحات كلود لوفور(ث) حول الديموقراطية باعتبارها سلطةً غير مُتجسدةٍ(6). لكنّه ارتكز بدرجةٍ أكبر على العمل الذي زوَّده بموادّ تعليله، أعني أطروحة أوجوستان كوشان(ج) التي تشجب دور «جمعيات الفكر» في أصل الثورة الفرنسيّة(7). وقد شدَّد فوريه على أنّ أوجوستان كوشان لم يكن مجرد مَلَكي مؤيد للآكسيون فرانسيز(ح)، بل كان كذلك روحًا تغذّت على العلم الاجتماعي الدوركهايمي. لقد كان، بالفعل، الوريثَ الأمثل لهذا النقد للثورة «الفردية النزعة»، الذي نقلته الثورةُ المضادّة إلى الفكر «الليبرالي» وإلى السوسيولوجيا الجمهورية، التي هي الأساسُ الحقيقي لأوجهِ شجبِ «الشمولية» الثورية. النزعة الليبرالية التي حدَّدت معالمها الانتليچنسيا الفرنسية منذ ثمانينات القرن العشرين هي مذهبٌ مزدوج القاع. فخلف تبجيل التنوير والتقاليد الأنجلو ـ أمريكية للديموقراطية الليبرالية وحقوق الفرد، يمكن أن نتبيّن الشجبَ الفرنسي جدًّا للثورة الفرديةِ النزعة التي تمزِّق الجسد الاجتماعي.

يتيح هذا المجالُ المزدوج لنقد الثورة فهمَ تشكُّل النزعةِ المعاصرة المعادية للديموقراطية. يتيح فهمَ قلبِ الخطابِ حول الديموقراطية في أعقاب انهيار الإمبراطورية السوفيتية. فمن جهة، كان سقوط هذه الإمبراطورية، لوقتٍ بالغ القِصر، مُرحّبًا به باعتباره انتصارَ الديموقراطيةِ على الشمولية، انتصارَ الحريات الفردية على القمع الدولتي، وترمز له حقوقُ الإنسان تلك التي تمّت نسبةُ المنشقين السوفيتيين أو العُمّالِ البولنديين لها. كانت تلك الحقوقُ «الشكليّة» الهدفَ الأولَ للنقد الماركسي، وبدا أن انهيارَ الأنظمةِ المبنيّة على التظاهر بتشجيع «ديموقراطيةٍ حقيقية» يُشير إلى انتقام تلك الحقوق. لكن خلف الترحيب الإجباري بحقوق الإنسان المنتصرة وبالديموقراطية المُستعادة، كان ما يتم إنتاجُه هو العكس. فمنذ أصبح مفهوم الشمولية عديم الفائدة، سقط التعارضُ بين ديموقراطيةٍ جيدة لحقوق الإنسان والحريات الفردية مقابل الديموقراطيةِ السيئة المساواتية والجماعية النزعة، بدوره، في ثنايا الإهمال. وسرعان ما استعاد نقدُ حقوقِ الإنسان كلَّ حقوقه. أمكنه أن يتدهور على طريقة حنا أرندت: حقوقُ الإنسان هي وهمٌ؛ لأنها حقوق ذلك الإنسانِ العاري الذي بلا حقوق. إنها الحقوقُ الوهميّة لأُناس طردتهم أنظمةٌ استبداديةٌ من بيوتهم، ومن بلادهم، ومن كلّ مواطنة. والحظوة التي استعادها هذا التحليل مؤخّرًا أمرٌ معروف. فقد جاء في أوانه، من جهةٍ، ليدعم الحملات الإنسانية والتحريرية للدول منتهجًا، لحساب الديموقراطية المناضلة والعسكرية، نهجَ الدفاع عن حقوقِ مَن ليس لهم حقوقٌ. ومن جهة أخرى، أَلهَمَ تحليلَ چورچيو أجامبين، الذي يجعلُ من «حالة الاستثناء» المحتوى الحقيقي لديموقراطيتنا(8). لكن أمكن كذلك للنقد أن ينحطّ على طريقة تلك الماركسية التي جعلها سقوطُ الإمبراطورية السوفيتية وضعفُ حركات الانعتاق في الغرب في متناول كلّ استخدام، حقوقُ الإنسان هي حقوق الأفراد الأنانيّين للمجتمع البورجوازي.

يتلخّص الأمر كلّه في معرفة مَن هم أولئك الأفراد الأنانيّون. فهِم ماركس من ذلك أنهم حائزو وسائل الإنتاج، أي الطبقةُ السائدة التي تعدُّ دولةُ حقوق الإنسان، بالنسبة له، أداتَها. أمّا الحكمةُ المعاصرة فتفهم الأمورَ بشكل مختلف. وبالفعل، تكفي سلسلةٌ من الانزلاقات المتناهية الصغر ليكتسب الأفرادُ الأنانيّون وجهًا آخر تمامًا. فلنستبدل أولًا، وهو ما سيلقى الترحاب، «الأفرادَ الأنانيّين» بـ«المستهلكين الشرهين». ولنماهي بين هؤلاء المستهلكين الشرهين وبين نوعٍ اجتماعيّ تاريخيّ، هو «الإنسان الديموقراطيّ». ولنتذكّر أخيرًا أن الديموقراطية هي نظامُ المساواة وسوف يمكننا أن نستنتج أن الأفرادَ الأنانيّين هم الناسُ الديموقراطيون. وأن تعميمَ العَلاقات التجارية، التي شعارها حقوقُ الإنسان، ليست سوى تحقّق المطلب الجيّاش للمساواة الذي يثيرُ الأفرادَ الديموقراطيين ويُدمِّر السعيَ إلى الصالح العامّ المتجسِّد في الدولة.

لنُنصت، مثلًا، إلى موسيقى تلك العبارات التي تصف لنا الحالةَ الحزينة التي تضعنا فيها سيادةُ ما تسمّيه المؤلفة، دومينيك شناپر، ديموقراطية العناية الإلهية: «العَلاقات بين المريض والطبيب، بين المحامي وزبونه، بين القسيس والمؤمن، بين المعلم والطالب، بين العامل ومن ينال المساعدة، تتطابق باضطرادٍ مع نموذج العَلاقات التعاقدية بين أفرادٍ متساوين، حسب نموذج العَلاقات المساواتية من الناحية الأساسية، التي تقوم بين مُقدِّم خدمةٍ وبين زبونه. يفرغ صبرُ الإنسان الديموقراطي إزاء كلّ منافسةٍ، بما في ذلك منافسةِ الطبيب أو المحامي، التي تطرحُ للتساؤل سيادَته الخاصة. تفقدُ العَلاقاتُ التي يعقدها مع الآخرين أفقَها السياسي أو الميتافيزيقي. تميلُ كلّ الممارسات المهنية إلى الابتذال. [...] يصبح الطبيبُ باضطرادٍ أجيرًا لدى الضمان الاجتماعي؛ والقسيسُ أخصائيًّا اجتماعيًّا وموزِّعًا لبركات الكنيسة [...] ويضعفُ بعدُ المُقدَّس بعدُ الإيمان الديني، بعدُ الحياة والموت، بعدُ القيم الإنسانية أو السياسية. والمهن التي كانت تؤسِّس شكلًا، ولو غير مباشر أو متواضعٍ، من القيم الجماعية، تتأثر بنضوب التسامي الجمعي، سواءٌ كان دينيًّا أم سياسيًّا»(9)(خ).

صفحة 9

هذا الرثاءُ الطويل يحاول أن يصف لنا حالةَ عالمنا كما صاغها الإنسانُ الديموقراطي في أشكاله المتنوّعة: المستهلكُ اللامبالي للدواء أو للبركات الكنسيّة؛ النقابيُ الساعي إلى الحصول دومًا على قدرٍ أكبر من دولة الرعاية؛ ممثلُ الأقلِّية العرقية المُطالبُ بالاعتراف بهُويّته؛ الداعيةُ النسوية المناضلة من أجل حِصص المرأة؛ التلميذُ الذي يعتبر المدرسة سوبر ماركت يكون فيه الزبونُ ملكًا. لكن، من الواضح تمامًا أن هذه العبارات التي تقول إنها تصفُ عالمَنا المعاصر في زمن متاجر الهايبرماركت وتلفزيون الواقع، تأتي من مكان أبعد. فهذا «الوصف» لواقعنا اليوميّ في العام 2002 كان قد كُتِبَ، كما هو، منذ مائة وخمسين عامًا، في صفحات البيان الشيوعي: فالبورجوازية «قد أغرقت ارتجافاتِ النشوة المقدسة، وحماسةَ الفرسان، وعاطفيةَ البورجوازيةِ الصغيرة في المياه الثلجية للحساب الأنانيّ. جعلت من الكرامةِ الشخصيّة مجردَ قيمةِ تبادل؛ واستبدلت الحرياتِ العديدة المكتسبة بثمن فادحٍ بحريةٍ وحيدة لا ترحم، هي حريةُ التجارة». لقد «نزعت الهالةَ عن كل الأنشطةِ التي كانت حتى ذلك الحين تعتبرُ مُوقَّرةً ويُنظر إليها بتبجيلٍ مقدّس. وجعلت من الطبيب، ورجل القانون، والشاعر، والحكيم، أُجراءَ في خدمتها».

وصفُ الظواهر هو نفسُه. وما تُسهمُ به عالمةُ السوسيولوجيا المعاصرة من عندها ليست حقائقَ جديدة، بل تفسيرًا جديدًا. فمجموعُ تلك الحقائق له بالنسبة لها سببٌ وحيد: نفادُ صبر الإنسانِ الديموقراطيّ الذي يعامِلُ كلّ الصلات حسب نموذجٍ واحدٍ وحيد: «العلاقات المساواتية من الناحية الأساسية، التي تقوم بين مُقدِّم خدمةٍ وبين زبونه»(10). كان النصّ الأصليّ يقول لنا إن البورجوازية قد «استبدلت الحريات العديدة المكتسبة بثمن فادحٍ بحريّة وحيدة لا ترحم، هي حريّة التجارة»: المساواة الوحيدة التي تعرفها هي المساواةُ التجارية، وهذه ترتكز على الاستغلالِ الوحشي والوقح، على انعدام المساواةِ الجوهري للعلاقة بين «مُقدِّم» خدمة العمل وبين «الزبون» الذي يشتري قوةَ عمله. أمّا النصُّ المُعدَّلُ فقد وضع بدل «البورجوازية» ذاتًا أخرى، هي «الإنسانُ الديموقراطي». وبدءًا من هنا، يمكن تحويلُ مملكةِ الاستغلال إلى مملكةٍ للمساواة، والمماهاةُ دون تحفّظ بين المساواة الديموقراطية وبين «التبادل المتكافئ» للأداء التجاري. بإيجاز يقول لنا نصُ ماركس الذي تمّت مراجعته وتصحيحه إنّ: المساواة في حقوق الإنسان تترجمُ «التكافؤ» في عَلاقة الاستغلال التي هي المثلُ الأعلى المتحققُ لأحلام الإنسان الديموقراطي.

إن معادلة «الديموقراطية = اللامحدوديّة = مجتمع يدعم شجب «جرائم» الديموقراطية»، تفترضُ سلفًا إذن عمليةً ثلاثية: يجب، أوّلًا، أن نُرجِع الديموقراطيةَ إلى شكلٍ للمجتمع؛ وثانيًا، أن نُماهي هذا الشكلَ للمجتمع مع سيادة الفردِ المساواتي، مُدرجين تحت هذا المفهوم كلَّ أنواع السمات المتنافرة، بدءًا من الاستهلاك الكبير وحتى مطالبِ حقوق الأقليات مرورًا بالنضالات النقابية؛ وأخيرًا، أن نصُبّ في حساب «المجتمع الجماهيري الفردي النزعة» المتماهي على هذ النحو مع الديموقراطية، السعيَ إلى نموٍ لامتناهٍ كامنٍ في منطق الاقتصاد الرأسمالي.

هذا الحصرُ للسياسي، والاجتماعي، والاقتصادي في مستوىً واحد، عادةً ما يُنسبُ إلى تحليل توكڤيل للديموقراطية باعتبارها مساواةً في الشروط. لكن هذه الإحالة تفترضُ هي ذاتُها إعادةَ تفسيرٍ بالغةِ التبسيطية لكتاب الديموقراطية في أمريكا. فقد كان توكڤيل يفهم من «المساواة في الشروط» نهايةَ المجتمعات العتيقة المُقسَّمة إلى مراتب وليس سيادة فردٍ شرهٍ لأن يستهلكَ أكثرَ باستمرار. وكانت مسألةُ الديموقراطيّة بالنسبة له هي أوّلًا مسألةَ الأشكالِ المؤسّسيّة المناسبة لتنظيم هذا التجسُّد الجديد. من أجل جعْلِ توكڤيل نبيَّ الاستبداد الديموقراطي ومفكّر مجتمعِ الاستهلاك، يجب اختزالُ كتابيه السميكينِ إلى فقرتين أو ثلاثٍ من فصلٍ واحد من الكتاب الثاني يستحضرُ خطرَ استبدادٍ جديد. كما يجب أن ننسى أن توكڤيل كان يخشى السلطةَ المطلقة لسيدٍ يتحكّم في دولة مركزيّة، على جمهورٍ غير مُسيَّس، وليس استبدادَ الرأي الديموقراطيّ هذا الذي يُصدِّعون به رؤوسنا اليوم. أمكن لاختزال تحليله للديموقراطية إلى نقدٍ لمجتمع الاستهلاك أن يمرّ ببعض المراحل التفسيريّة المتميِّزة(11). لكنّه بالدرجة الأولى محصلةَ عمليّةٍ كاملةٍ لمحوِ الوجه السياسي للديموقراطية، تجري عبر تبادلٍ مُنظّم بين الوصف السوسيولوجيّ والحكم الفلسفي.

يمكن بوضوحٍ تام تبيُّن مراحل هذه العملية. فمن جهة، شهدت أعوامُ عِقد 1980 في فرنسا تطوّر أدبياتٍ سوسيولوجيةٍ معينة، عادةً ما كان يضعها فلاسفة، تحيّي التحالفَ المُبرم بواسطة الأشكال الجديدة للاستهلاك وللسلوك الفردي بين المجتمع الديموقراطي ودولته. وتُلخّص القصدَ من ذلك جيّدًا جدّا كتبُ ومقالات ﭼيل ليپوڤيتسكي(د). كان ذلك هو الوقتُ الذي بدأت تنتشرُ فيه في فرنسا التحليلاتُ المتشائمة القادمةُ من الجانب الآخر من الأطلنطي: تحليلاتُ المؤلّفين المرتبطين باللجنة الثلاثية أو تحليلات السوسيولوجيين من أمثال كريستوفر لاش(ذ) أو دانييل بل(ر). وقد طرح هذا الأخيرُ للتساؤلِ الطلاقَ بين مجالات الاقتصاد، والسياسة، والثقافة. ومع نمو الاستهلاك الجماهيري، وجد هذا الاستهلاكُ نفسَه محكومًا بقيمةٍ عليا، هي «تحقيق الذات». وأحدثت هذه النزعةُ اللذّية قطيعةً مع التقاليد البيوريتانية التي دعمت كلًّا من ازدهار الصناعة الرأسمالية والمساواة السياسية. دخلت الشهيةُ المطلقة العَنان المولودةُ من هذه الثقافة في نزاع مباشرٍ مع قيود الجهد الإنتاجي وكذلك مع التضحيات التي يتطلّبها الصالحُ العامّ للأمّة الديموقراطية(12). وقصدت تحليلات ليپوڤيتسكي وبعض الآخرين معارضةَ ذلك التشاؤم. لا يجب الخشيةُ، كما قالوا، من طلاقٍ بين أشكال الاستهلاك الجماهيري، القائمة على أساس السعي إلى اللّذة الفردية، وبين مؤسسات الديموقراطية القائمة على أساس القاعدة العموميّة. فعلى النقيض، وضَع النمو نفسه للنرجسية الاستهلاكية الاشباعَ الفردي والقاعدةَ الجماعية في تناغم تامّ. أنتجَ التصاقًا أوثق، التصاقًا وجوديًّا للأفراد بديموقراطيةٍ لم يعودوا يحيَونها فقط باعتبارها مسألةَ أشكالٍ مؤسسيّة مُقيِّدةٍ بل باعتبارها «طبيعةً ثانية، بيئةً، مزاجًا عامًّا». «بقدر ما تنمو النرجسيةُ، كتبليپوڤيتسكي، بقدر ما تتغلّبُ عليها الشرعيةُ الديموقراطية، ولو بطريقة لطيفة. الأنظمةُ الديموقراطية، بتعدّديتها الحزبية، وانتخاباتها، وحقها في المعلومات تصبحُ أوثق قرابةً باضطرادٍ مع المجتمع المُشخصَنِ للخدمات الحرّة، والاختبار، والحرية التوليفية. [...] وحتى أولئك الذين لا يهتمون سوى بالبُعدِ الخاصّ لحياتهم يظلّون مرتبطين بالروابط التي نسجتها عملياتُ الشخصنة في الأداء الديموقراطي للمجتمعات»(13).

صفحة 10

لكن إعادةَ الاعتبارِ على هذا النحو لـ«النزعة الفردية الديموقراطيّة» ضد أوجهِ النقدِ القادمة من أمريكا، كان يعني في الحقيقة عمليةً مزدوجة. كان يعني، من جهةٍ، إهالةَ الترابِ على نقدٍ سابقٍ لمجتمع الاستهلاك، ذلك الذي كان يجري خلال عقدي 1960 1970، حين قام چان بودريّار بتجذيرٍ من نوع ماركسي للتحليلات المتشائمة أو النقديّة لـ«حقبة الازدهار»، التي قام بها فرانك جالبريث أو ديفيد ريزمان(ز). شجب بودريّار أوهامَ «شخصنةٍ» خاضعة تمامًا للمتطلبات التجارية ورأى في وعود الاستهلاكِ المساواةَ الزائفة التي تخفي «الديموقراطيةَ الغائبة والمساواةَ العصيَّةِ البلوغ»(14). كانت السوسيولوجيا الجديدة للمستهلك النرجسيّ تكبتُ، هي ذاتها، هذا التعارضَ بين المساواة المُمثَّلة وبين المساواة الغائبة. كانت تؤكّد إيجابيةَ «عمليةِ الشخصنة» تلك التي حلّلها بودريّار باعتبارها إغواءً. وبتحويلها لمستهلِكِ الأمس المُستَلَبِ إلى نرجسيٍّ يلعب بحريةٍ بأشياء وعلامات العالم التجاري، فإنها أقامت تماهيًا إيجابيًّا بين الديموقراطية وبين الاستهلاك. وفي نفس الوقت، كانت تقدِّمُ، برضا عن النفس، هذه الديموقراطية «التي أُعيدَ إليها الاعتبارُ» لنقدٍ أشدَّ جذريةً. إذ أنّ نفيَ التنافر بين النزعة الفردية الجماهيرية وبين الحكم الديموقراطي، كان يعني إظهارَ عيبٍ أعمقَ بكثير. كان يعني التأكيدَ إيجابيًّا أنّ الديموقراطيةَ لم تكن سوى سيادةِ المستهلكِ النرجسيّ الذي يُنوِّع خياراته الانتخابية مثلما يُنوِّع لذاته الحميمة. حينها ردّ الفلاسفة المتجهِّمون من الطراز القديم على السوسيولوجيين المرحين ما بعد الحداثيين. ذكَّر الفلاسفةُ بأن السياسة، كما عرّفها القدماء، هي فنُ العيش معًا والسعي إلى الصالح العامّ؛ بأنّ ذاتَ مبدأِ هذا السعي وهذا الفنّ هو التمييزُ الواضح بين مجال الشؤون العامّة وبين المملكة الأنانيّة والبائسة للحياة الخاصّة والمصالح المنزليّة. أشارت الصورةُ «السوسيولوجيّة» للديموقراطية المرحةِ ما بعد الحداثية إذن إلى دمارِ السياسة، المُستعبَدةِ من الآنَ فصاعدًا لشكلٍ من المجتمع يحكمه القانونُ الأوحد للفرديّة الاستهلاكيّة. وضدّ هذا، توجَّب أن نستعيد، مع أرسطو، وحنا أرندت، وليو شتراوس، المعنى الخالصَ لسياسةٍ متخلِّصة من اعتداءات المستهلك الديموقراطي. وفي الممارسة، وجد ذلك الفردُ المستهلِكُ هُويّتَه بكل طبيعيةٍ في شخص الأجير الذي يدافعُ بأنانيةٍ عن امتيازاته العتيقة. ولا شكّ أننا نتذكّر فيضَ الأدبيّات التي تدفّقت لحظةَ إضراباتِ ومظاهرات خريف عام 1995 لتذكير أولئك المحظوظين بالوعي بالعيش معًا وبروعةِ الحياة العامّة التي أخذوا يلطّخونها بمصالحهم الأنانيّة. لكن ما يهمُّ، أكثرَ من تلك الاستخدامات الظرفيّة، هو التماهي المحدَّدُ بصلابة بين الإنسان الديموقراطي والفردِ المستهلك. ويتضحُ النزاعُ بين السوسيولوجيين ما بعد الحداثيين وبين الفلاسفة من الطراز القديم بصورةٍ أكثرَ بساطةً من حقيقةِ أنّ الخَصمين لم يفعلا سوى أن قدّما، في ثنائيٍ محكومٍ جيّدًا بواسطة مجلة عنوانها للمفارقة هو النقاش(س)، نفس وجهَي العملة، نفس المعادلة مقروءةً في اتجاهين متعاكسين.

على هذا النحو جرى، في لحظةٍ أولى، اختزالُ الديموقراطية إلى حالةٍ مجتمعية. ويبقى أن نفهم اللحظةَ الثانية من العملية، تلك التي تجعلُ من الديموقراطيةِ المُعرَّفةِ بهذه الطريقة، ليس مجرّد حالةٍ اجتماعية تتعدّى بدون وجه حقٍ على المجال السياسي، بل كارثةً أنثروبولوجية، تدميرًا ذاتيًّا للبشرية. تلك الخطوةُ الإضافية تم اتخاذُها عن طريق لعبةٍ أخرى منسَّقةٍ بين الفلسفة وبين السوسيولوجيا، أقلَّ سلميةً في تطوُّرها لكنها تستهدفُ نفسَ النتيجة. وكان مسرحُها النزاعُ حول المدرسة. كان السياقُ الأوّلي لهذا النزاع يتعلقُ بمسألة الإخفاقِ المدرسي، أي إخفاقُ المؤسسة المدرسية في إعطاء فرصٍ متكافئةٍ للأطفال المنحدرين من الطبقات الأشد تواضعا. كان الأمرُ يتعلَّقُ إذن بمعرفة كيف يجب فهمُ المساواةِ في المدرسة أو بواسطة المدرسة. ارتكزت الأطروحةُ المسمّاةُ اجتماعيةً على أعمال بورديو وپاسرون، أي على توضيح أوجهِ عدم المساواةِ الاجتماعية التي تخفيها الأشكالُ المحايدةُ ظاهريًا لنقل المعرفةِ المدرسية. اقترحَت من ثم جعلُ المدرسة أكثر مساواتيةً بإخراجها من الحصن التي تمترسَت فيه منعزلةً عن المجتمع: بتغيير أشكالِ المجتمع المدرسي، وبتكييفِ مضامين التعليم لاحتياجات التلاميذ الأشد حرمانا من الميراث الثقافي. أمّا الأطروحةُ المسمّاة جمهوريةً فاتخذت الموقفَ النقيض تمامًا: جعلَ المدرسة أكثر قربًا من المجتمع، أي جعلها أكثرَ تجانُسًا مع عدم التكافؤ الاجتماعي. على المدرسة أن تعملَ من أجل المساواةِ بالقدر الدقيق الذي يمكّنها من أن تُكرِّس نفسها، في حماية الأسوار التي تفصلها عن المجتمع، لمَهمَّتها الخاصّة: أن توزّعَ بشكلٍ متساوٍ على الجميع، دون اعتبارٍ للأصل أو المصير الاجتماعي، الجانبَ العامّ للمعارف، مستخدمةً لهذه الغاية المساواتيةِ شكلَ العَلاقة غير المساواتيةِ بالضرورة بين من يعرفُ ومن يتعلّم. كان يتوجّبُ عليها إذن أن تُعيد التأكيدَ على هذه الوظيفة التي تجسّدت تاريخيًّا في مدرسة چول فيرّي(ش) الجمهورية.

بدا إذن أنّ السجالَ يدورُ حول أشكالِ اللامساواة وطرق المساواة. إلاّ أنّ المصطلحاتِ كانت خاطئةً تمامًا. ويشهدُ على هذا الالتباسِ أنّ الكتابَ الرئيسي لهذا الاتجاه هو عن المدرسة لچان كلود ميلنر. إذ إنّ كتابَ ميلنر كان يقولُ شيئًا مختلفًا تمامًا عمّا كان الناسُ يودّون قراءته في تلك الفترة. فلم ينشغل إلّا قليلًا جدًا بوضع ما هو عامٌّ في خدمة المساواة. لكنّه انشغل أكثر بالعَلاقة بين المعارف، والحريّات، والنُخب. واستلهمَ، أكثر من چول فيرّي، رينانَ ورؤيتَه للنخبِ العارِفةِ الضامنةِ للحريّات في بلدٍ يتهدّدهُ الاستبدادُ الكامنُ في الكاثوليكية(15). كان التعارضُ بين المذهب الجمهوري والمذهب «السوسيولوجيّ» في الحقيقة تعارضًا بين سوسيولوجيا وأخرى. إلّا أنّ مفهومَ «النخبويّة الجمهورية» يتيحُ إخفاءَ الالتباس. وتمّت استعادةُ النواةِ الصلبة للأطروحة تحت الاختلافِ البسيط بين الكلِّيّ الجمهوريّ وبين الخصوصيّات والتفاوتات الاجتماعيّة. بدا أنّ الجدالَ ينصبُّ على ما تستطيع السلطةُ العامّة وما يجبُ عليها فعلُه كي تعالجَ بطرقِها الخاصّة أوجهَ التفاوت الاجتماعية. لكن سرعان ما اتّضح أنّ المنظورَ يجري تصحيحُه، والمشهدُ يتمّ تعديلُه. فعلى هامش الإداناتِ للتعاظم المحتوم لانعدام الثقافة المرتبطِ بانفجار ثقافة السوبر ماركت، جرى تحديدُ جِذرِ الشرّ: إنه النزعةُ الفردية الديموقراطية بالتأكيد. لم يعد العدوُ الذي تواجههُ المدرسةُ الجمهورية، إذن، هو المجتمعُ غير المتكافئ الذي يجب أن تنتزعَ التلميذَ منه، بل صار التلميذَ ذاته، الذي أصبح المُمثّلَ بامتياز للإنسان الديموقراطي، الكائنَ غير الناضج، المستهلكَ الفتيّ النشوانَ بالمساواة، الذي ميثاقه حقوقُ الإنسان. وسرعان ما سيقالُ أن المدرسة تعاني من داءٍ واحد ووحيد، هو المساواةُ المتجسِّدةُ بالضبط فيما يجب أن تُعلِّمه. وما يتحقّقُ من خلال سلطةِ المُعلّم لم يعد هو الوجهُ الكلّي للمعرفة بل التفاوتِ ذاته، مأخوذًا بوصفه تبدّيًا لـ«تسامٍ»: «لم يعد ثمة مكانٌ لتسامٍ من أي نوع، فالفردُ هو من انتصبَ كقيمةٍ مطلقةٍ، وإذا كان ثمةَ شيءٌ مقدسٌ لا يزال، فإنه تقديسُ الفرد، من خلال حقوق الإنسان والديموقراطية [...] وهذا هو السبب، إذن، في دمار سلطة المُعلّم: فمن خلال هذه الصدارةِ الممنوحةِ للمساواة، لم يعد سوى عاملٍ عادي يواجه مُستخدِمين ويجد نفسَهُ مضطّرًا إلى النقاش ندًّا لندٍّ مع التلميذ، الذي ينتهي بأن يضع نفسَهُ حكَمًا لأستاذه»(16).