eKtab
EN ع
قصب كله نايات
اقرأ عينة مجانية

قصب كله نايات

بقلم مؤيد الشيباني

صفحة 1
طائر البرق 
 
إلى سليم زيني 
 
طائرٌ 
 
لستُ أدري أنا الغيبُ  أم نجمة ٌ 
 
أم جناحُ 
 
طائرٌ ·· ليس لي في اتساعِ الأماكنِ ساحُ 
 
ليس لي في الشمالِ ولا في الجنوبِ 
 
ولا الشرقِ والغربِ 
 
لا خطواتٌ تدلّ عليَّ 
 
ولا في نوايايَ أشرعةٌ للوصولِ 
 
أنا نقطةُ الروحِ أتلو نقاءَ دمي 
 
وأصلّي على منبع اللهِ من أول الخلقِ 
 
حتى يقومَ الفلاحُ 
 
طائرٌ
 
أتبعُ البرقَ أنّى يُتاحُ 
 
ولماذا أحط ُّ على صغرٍ ؟
 
كلّ رفةِ جنحٍ يجيءُ المدى طائعاً 
 
ويريني الذي لا يباحُ 
 
طائرٌ 
 
ليس يعجبني غصنُ هذي البلادِ ·· وتلك 
صفحة 2
وهذي وتلك ·· 
 
فإني أخافُ أذى الغصنِ عندَ الحصادِ 
 
وذاكرةً ملؤها وهَنٌ ورؤوسٌ مقطعةٌ 
 
طائرُ 
 
بين صحوٍ ونومٍ أرى حلما كالذي لا يجيءُ 
 
ولكنه من بعيدٍ  يشير إليّ ·· وأكتمهُ 
 
كلّ يومٍ أراه وأكتمهُ 
 
خوفَ أن يستثارَ النُباحُ
 
طائرٌ
 
في فضاء السؤالِ  تَفوّحُ من ورد سجادتي 
 
نفحةٌ من جواب ابن رشدٍ 
 
كأني أنا الآن في بدَءً أندلسٍ
 
واقفٌ وابنُ رشدٍ تغطيهِ فوضى الكتابِ 
 
وأسأله : نعَمٌ ؟ 
 
فيردّ على الفور  : لا، ونعَمْ 
 
طائرُ 
 
لستُ وحدي، معي الكلماتُ وأشواقُهنّ 
 
إذا ما تعبتُ، أحطُّ قليلا على كتِفِ الحرف كي لا أكونَ ثقيلا 
 
ومعي عزلةٌ، تؤنسُ القلبَ وحشتُها 
 
كلما قلتُ أهجرها 
 
خفت ألا أُلاقي بديلا  
 
ومعي القلبُ حين ينادي 
 
أفزُّ كمن أيقظتهُ الرماحُ 
 
ومعي الأغنياتُ وبصريةُ اللهِ 
 
والملتقى والسماحُ 
 
رأى البرقَ شرقياً فحنّ إلى الشــرقِ
 
ولو لاحَ غربيا لحنَّ إلى الغربِ 
 
فإنّ غرامـــــي بالـــبروق  ولمحـها
 
وليسَ غرامي بالأماكنِ والتُّرْبِ 
 
محيي الدين بن عربي
صفحة 3
الليلُ منذ صباحه يهذي 
 
الليلُ منذ صباحهِ يهذي ـ عسى خيراً ـ 
 
وقلتُ لعلَّها الحمّى 
 
فهذا الطقسُ منقلبٌ 
 
وأحيانا يجيءُ الصيفُ في البرد الشديدِ 
 
وتختفي في الصيفِ شمسُ الظهرِ أحيانا 
 
وأحيانا يحدّثُ نفسَه من غيرِ أن يدري 
 
وقد يتذكرُ الأيامَ ثم يعيدها ويرتبُ الأحداثَ ثانية ً 
 
ويخرجُها ويجلسُ ضاحكا 
 
هذا الممثلُ ليس يعجبني  
 
ويطفىءُ شاشةَ الأيامِ، لكنَّ الممثلَ ينطوي خلفَ الستارةِ 
 
وهو يبكي : لم يكنْ ذنبي ! 
 
وأحيانا تباغتهُ وجوهٌ لم يكن في البالِ أن تأتي 
 
فيدنيها ويبعدها، ويدنيها ويبعدها 
 
مضى عمرٌ طويلٌ، كيف يعرفها ؟ 
 
ويبكي، تضحكُ المرآةُ 
 
يضحكُ مثلَ مجنونِ
 
أنا مجنونُ ؟ يسألُ حالَهُ 
 
ويعودُ متزناً على الكرسيِّ، 
صفحة 4
يغفو فرط َ محتفلِ الضجيجِ برأسهِ 
 
ويرى كمن بين التيقُّظِ والمنامِ يطيرُ فوقَ الماءِ  
 
مزهواً بخفَّتهِ ومرتعباً من الأفواهِ تطلعُ من عُبابِ البحرِ 
 
أسنانٌ مدببة النهاياتِ، المسافةُ لم تعد تكفي 
 
وريحُ البحرِ، من بحرٍ إلى بحرٍ 
 
ويصحو ليس يدري، كان يسكنُ ذاتَه ؟ 
 
أم كان ذلك غيرهُ ؟ 
 
يمشي قليلا ً، ضاحكاً، حيناً       
 
وأحيانا يفتشُ عن مكانٍ كي يخبىءَ قلبه ولسانهُ وخطاهُ 
 
لا يقوى على حمْلِ التفاصيلِ المملةِ 
 
كم ستبقى هذه الأشياءُ عالقة ً به ؟ 
 
بين اشتباكٍ واضطرابٍ وارتحالاتٍ 
 
وأحيانا يتمتمُ بانزعاجٍ من غدٍ لايستريحُ له 
 
فيلغي الوقتَ كي يبقى كسولا 
 
راحلاً في هَدْأَةِ الفوضى الرحيبةِ أو يخططُ لانفعالاتٍ  
 
وأحياناً يؤجلها فتغدو مثلَ كابوسِ   
 
وأحيانا يفتشُ في الكلامِ عن القصيدة 
صفحة 5
ثمة َ شمس ٌ تطلّ من النافذة
 
أنا الآنَ في دبلنَ، الوقتُ في أول البردِ 
 
من أينَ تدخلُ موجتُها الأطلسيةُ
 
كلَّ النوافذِ أغلقُتها 
 
وضعتُ على البابِ منشفة ً 
 
حين يدفعُها البردُ أعرفُ أن شقوقاً تمررُ بعضَ الهواءِ 
 
وضعتُ يدي 
 
ووضعتُ قميصي 
 
ولكنها الموجةُ الأطلسية  أنّا أدورُ تدورُ 
 
وضعتُ لحافي 
 
وما زالت الريحُ تهدرُ 
 
حتى وضعتُ على البابِ قلبي 
 
فزادَ ارتجافي 
 
أنا الآن في دبلنَ، الوقتُ مرتبكٌ مثلَ حزنِ المسافرِ 
 
هل جئتُ أبحثُ عني هنا ؟ 
 
ياإلهي 
 
إلهَ المسافاتِ أقطعها وتطولُ 
 
إلهَ العراقِ الذي لا يملُّ دما أو يميلُ
صفحة 6
إلهَ الحكاياتِ نروي تفاصيلها 
 
ونئنُّ بها 
 
ونوزعها في المحطاتِ كي نستريحَ ونمضي 
 
فتتبعنا 
 
هيَ عالقة ٌ في مساماتِ أجسادنا 
 
هيَ في حيرةِ الصمتِ 
 
في حُرقةِ الصوتِ 
 
في حركاتِ اليدينِ   
 
إلهَ الحنينِ الذي فاضَ عن ضفّتيهِ وأغرقَنا
 
يا إلهي 
 
أنا الآن في دبلنَ الوقتُ من تعبٍ ليس وقتاً
 
وأسألُ هذي المدينة َ عن شمسِها 
 
نحن لا تغربُ الشمسُ فينا 
 
وضعنا 
 
وهذي المدينةُ تعرف مطلعَها والغروبَ 
 
وأعمدةَ الوقتِ 
 
والصلواتِ 
 
وتعرف أبناءها والحدودَ 
 
وكلَّ الذين يجيؤون من مدنِ الشمسِ منطفئينَ 
 
أنا الآن في دبلن، الوقتُ يحملني ويطيرُ 
 
أرى طائراً مثل خيمةِ نخلٍ 
 
يقاسمني قُوتَهُ 
 
ويشيرُ إليَّ وأتبعهُ 
 
قال لي لا تخف 
 
وغفوتُ 
 
أنا الآن في دبلنَ، الموجةُ الأطلسيةُ نائمة ٌ في سريري 
 
وثمة َ شمس ٌ تطلُّ من النافذة 
صفحة 7
قطعة ٌمن رصيف 
 
رصيفٌ بباريسَ
 
أشرعة ٌ من نبيذٍ معبأة ٌ برياحِ اللغاتْ 
 
سؤالُ التأملِ في الضوءِ
 
هذي المقاعدُ تشبهُ تلك التي في الوعودِ
 
وتلك المضيفةُ مثلَ ارتعاشةِ عطرٍ 
 
ترشُّ على الجالسينَ التفاتتها وتسجلُ ما يطلبونَ 
 
هي الآنَ تدنو 
 
 ولكنها فجأة ً ذهبتْ وهي تضحكُ 
 
ما قلتُ شيئاً سوى 
 
هاتِ لي قطعة ً من رصيفٍ 
 
وبيتاً صغيرا على طرفِ الحيِّ  
 
هل ثَمَّ ما يُضحِكُ ؟ الطلباتُ الكثيرةُ تكتبها دونَ ريبٍ 
 
تحينتُ عودتها 
 
هات لي ثورة ً من حريرٍ 
 
ورشّي عليها القصائدَ، لا تضحكي هذه المرةَ، 
 
الساعةُ الانَ منتصفَ الليلِ،
 
والظمأُ المتوارثُ متقدٌ مثل أضواء باريسَ  
صفحة 8
لكنها ··· ضحكت ! 
 
هل أقولُ لها إنني قادمٌ من كهوفِ الممالحِ 
 
أحملُ موتي معي مثلَ طفلٍ مضى في انتظارِ ولادتهِ الفُ عامٍ 
 
ستضحكُ ثانية ً 
 
سأقولُ، إذن، هات لي قطعة ً من مطارٍ 
 
مسيجة ً بالزجاجِ 
 
ورشي عليها وروداً ومستقبلينَ 
 
بحيث أرى من جميع الجهاتِ بلادي  
 
المضيفةُ لم تتمالكْ وأطلقت الضحكاتِ  
 
الحضورُ استداروا 
 
إذن، ما الذي سوف أطلبه ؟ 
 
حائرٌ والمضيفة حائرة ٌ 
 
قلتُ طاولةً حولها مقعدان  
 
ومنفضةً لرمادِ حنيني 
صفحة 9
ضيفٌ وسربُ دخان  
 
يطرقُ البابَ في كلّ يومٍ وأفتحهُ 
 
قبلَ أن يطرقَ البابَ أفتحهُ  
 
جبلٌ من رمادٍ وقامتُهُ 
 
مثلُ صوتِ الخرافةِ ·· أسألهُ 
 
كيفَ كان الطريقُ ؟ 
 
ُأعدّ له الشايَ، لكنه مثل عادته لا يجيبُ 
 
ولايتلفتُ من حوله كي يضيفَ إلى اللحظاتِ الطمأنينة َ 
 
الوقتُ مرتبكٌ، والمسافةُ مثلُ المسافةِ لا أحدٌ مرَّ 
 
أو عابرٌ يسألُ العابرينَ 
 
ولا سامرٌ يُذهِبُ الوحشة َ، الجبلُ الآنَ يجلسُ فوق المقاعدِ 
 
ينفض كفيهِ مثل الذي يتهيأ كي يبدأَ الرحلة َ الثانية 
 
قلتُ لو ينتهي الوقتُ حتى نكونَ معاً في الكلامِ الأخير 
 
أو تجيبُ على نارٍ أسئلتي 
 
ما كفاكَ بروداً ؟ كأنك لست الذي أتحدثُ عنه 
 
ولست الذي يدخلُ الآن بيتي 
 
ويعبثُ دونَ اكتراثٍ بصمتي 
 
ومكتبتي وغيابي ووقتي 
 
قلتُ لو تتبرأ، تلك التواريخ مقلقة ٌ 
صفحة 10
وجميع الحدود المحيطة تكرهها 
 
هل سنبقى على النطع ؟ أنت ترى السيفَ متقداً  
 
لو تترجلُ فالساعةُ الآن موغلةٌ في الظلام 
 
وأنت احترقت كثيرا ولم يبق إلا شرارةُ نسلٍ 
 
أخافُ من الريحِ تطفؤها 
 
ويغيبُ الوجودُ 
 
غضبتَ ؟ الكلامُ المحبُّ خفيفٌ على القلبِ 
 
أنت ترى 
 
هل ترى ؟  
 
ليس ثمة  متسعٌ في الطريقِ 
 
المدى انغلقَ الآن لا لغة ٌ، أو أصابعُ، أو جهة ٌ 
 
وحده الصمتُ ينفثُ عزلتهُ  
 
والدوائر في الريحِ  تلتفُّ، يلتفُّ، ألتفُّ 
 
عن جبلٍ من رمادٍ ثقيلٍ وسربِ دخان !