eKtab
EN ع
قصص لأوقات الحاجة
اقرأ عينة مجانية

قصص لأوقات الحاجة

بقلم علاء حليحل

صفحة 1
كاتب قصة
 
ليس من السهل على أحد اليوم أن يستعيد ما جرى بالتحديد. حتى محاولات محطة التلفزة الأمريكية الشهيرة باءت بالفشل. فالحديث لم يكن يدور عن جمع شهادات أو وثائق أو أي شيء يمكن أن يؤدي الى طرف خيط ولو بسيط، وعندها تبدأ الحقيقة بالتكشّف؛ والأمر لا يقتصر على هذا الغموض فحسب؛ فالمكان الذي وقعت فيه هذه الواقعة لا يعرفه أحد. كانت هنا وهناك بعض التخمينات والافتراضات حوله، ولكن أحدًا لم يجرؤ على الوقوف والإشارة بسبابته الى جهة معينة والاعلان: هنا!.. لا أحد. لا أحد بتاتًا.
 
وإذا اعتقدتم لوهلة أن الوضع بالنسبة للزمان أفضل فقد أخطأتم. لا أحد، أيضًا، يستطيع الوقوف والاعلان: حدث هذا قبل إكس من الزمن.. لا أحد يملك الجرأة على مثل هذه المجازفة، لا أحد.. وحتى الذين يُحسبون شهود عيان على ما حصل لا أحد يعرفهم ولم يسمع بإسمهم أحد. مرةً راجت شائعةٌ بأن شاهد عيان قد خرج الى النور، وبأنه سيدلي بشهادته قريبًا. ولكن أحدًا لم يسمع مثل هذه الشهادة يومًا. وبعد مدةٍ لم يعاود أحد السؤال.
 
وكنتُ أنا أجلس كثيرًا عند عتبة بيت الحاج محمد، جارنا وصديق والدي المقرب، وكان الكثير من جيراننا وأهل البلد يجلسون عند عتبة جارنا الحاج محمد. وكنتُ أتعاطى الأرغيلة عنده وكان هو يتستر علي. فوالدي لم يكن ينظر الى هوايتي المفضلة بعين الرضى. وكنت وأنا أتعاطى الأرغيلة وأراقب دق الطاولة الذي يقترب من قمة التوتر، أستمع يوميًا الى القصة ذاتها مع بعض التغييرات والتلميح والتبهير هنا وهناك. الوحيد الذي لم يكن يتعاطى الأخذ والرد فيما يتعلق بهذه القصة هو الحاج محمد الذي كان يتجاهل الحديث عادةً ويستحث أحد اللاعبين الذي يندمج أكثر من اللازم في رواية القصة، على الاستمرار في اللعب.
 
وذات يوم، وبينما نحن على حالتنا اليومية المذكورة، توقفتْ أمام العتبة سيارة غريبة عن الحي. مرت بضع دقائق ولم يحدث شيء. لم يخرج أحد من السيارة ولم يدخل اليها أحد. وبعد بضعة دقائق أخرى علت صيحة مدوية: "إنهم هم.. إنهم هم..".
 
وفجأة انطلقت السيارة بسرعة رهيبة.
 
"إنهم هم، إنهم هم!"، استمر الصوت في المناداة.
 
"سجل الرقم"- نهرني الحاج محمد.
 
خرجت بسرعة الى الشارع وكنت أرقب السيارة وهي تبتعد بسرعة. بحثت في جيوبي منذهلاً وبحثت أكثر وأكثر ولكنني لم أعثر على قلم. ثم اختفت السيارة.
 
"هل سجلت الرقم؟"، سألني الحاج محمد وهو يعرف الجواب. ربما أراد معاقبتي. كنت مطأطئًا صامتًا.
 
"لا يصح ذلك"، جاء صوته معاتبًا، قاسيًا...
 
رفعت رأسي إليه وعيناي مغرورقتان بالدمع. أردت أن أسأله عن الشيء الذي لا يصح ولكنني لم أستطع.
 
"لا يصح أن تكون إبن ثانوية ولا تحمل قلمًا".
 
عاد الى الداخل وركضتُ أنا بعيدًا. انقضى عليّ أسبوع من الحزن والشعور بالخزي، ولكنني تدريجيًا عدت الى العتبة والى قعدات العتبة. واهتممتُ منذ اليوم الأول لعودتي بأن أحمل قلمًا في جيب قميصي. وكنتُ أهتم بأن يكون مشكولاً في جيب القميص أو البلوزة، بارزًا للعيان. فإذا جاءت السيارة مرةً أخرى، فانه سيكون بامكاني تسجيل رقمها. ولكن السيارة لم تأتِ. ولأنني أخذت أعتاد على حمل القلم، فإنني صرتُ في البيت أعيد كتابة القصص التي أسمعها عند عتبة الحاج محمد، ثم صرت أتخيل قصصًا بيني وبين نفسي وأكتبها. وهكذا صرتُ كاتب قصةٍ.
صفحة 2
الحمار
 
"هل يمكن ألا يكون الحمارُ حمارًا؟"، سألتُها بطمأنينة.
 
"كيف؟"، ردت بطمأنينة أكبر.
 
"يعني أن يكون حمارًا في التكوين الجسدي والحيواني، وألا يكون حمارًا في الممارسة"، قلتُ بتأهبٍ.
 
"كيف؟"، ردت بتَحدٍ.
 
"مثلاً: حمار إبن حمار وأتان، له ذيل، وأذنان كبيرتان، وبطن متدلية وقوائم غبية، وصوت أجش وعيون حمقاء وأسنان صفراء؛ هل يمكن له أن يكون كلبًا في رؤيته وتصوره وإسقاطاته على الحياة؟"... قلتُ مُسهبًا.
 
"وضح أكثر"، قالت مستخفةً.
 
"سأوضح: عند جدي الذي يسكن تحت التراب اليوم، كان حمار كما وصفتُ الان. وكنتُ وأنا صغير أحب أن أطعمه من أكوام القش التي كان يجمعها جدي له تباعًا. وعندما كنتُ أقدم له بالة القش ليمضغها، كان يتطلع اليّ مستسخفًا براءتي الطفولية، ويعزف عن الطعام. في المرات الأولى تعاملتُ معه بتسامح لأنني لست مالكه، وإنما حفيد مالكه. بعد المرات الأولى صرتُ أغضب. كنتُ أجمع القش وأكوّمه أمامه وأنظر اليه بتحدٍ: كُل، كنتُ أتمتم ببعض من الأمر وبالكثير من الرجاء، كُلْ! وكان لا يأكل.."
 
"هذا لأنه عنيد"، قالت باستحقار لشخصي الكريم، "وليس لأنه كلب."
 
"هذا جزء من الصورة فقط. أنا فكرت مثلك، حتى ذلك اليوم الذي كنتُ أقف فيه أمامه آمرًا إياه برجاء أن يأكل من يدي، وكان يرفض باستخفاف. في ذلك اليوم انتبهتُ الى جدي يقف ورائي ويبتسم. اقترب جدي منا، الحمار وأنا، وحرّك القش بيديه ليقربه قليلاً أكثر من الحمار، فانقض الحمار على القش ملتهمًا إياه بشراهة"، شرحتُ منذهلاً.
 
"هذا طبيعي"، ردت باستعلاء، "فهو معتاد على أن يطعمه جدك."
 
"أحسنتِ"، صرختُ بحرارة، "أحسنتِ. ولكن هذا من صفة الكلاب أن تخلص لأصحابها... الحمار هَمُه أن يأكل ولو كان من يدي جزاره.."
صفحة 3
"أنت تبالغ"، قالت متأففة، "أنت غاضب على الحمار لأنه رفض أن يأكل من يديك.."
 
"كلا"، قلتُ معترضًا، "وهناك قصة أخرى."
 
"ما هي"، سألتْ بأقل ما يمكن من الاهتمام...
 
"في أحد الأيام كنتُ أمارس هوايتي الطفولية المفضلة، وهي إشعال النيران. في ذلك اليوم أذكر أنني كنتُ متحمسًا جدًا لنجاحي في إبقاء النار الصغيرة التي أشعلتها، مشتعلةً. حتى أنني صرت آخذ من أكوام القش المعدة لمعدة الحمار، وألقيها على النار الصغيرة. في البداية كان همي أن تبقى النار مشتعلةً. ولكن بعد أن تعلمت بأم أذني عن روعة صوت القش المحترق، وبأم عيني عن لون لهبه وسرعة انهراقه أمام تفاعلات الأكسجين مع الصلب، تحوّل همي الى زيادة الاشتعال. كنتُ كمن يزيد من جرعة الكوكايين اليومية ليرتفع أكثر مما اعتاد أن يرتفع. وهكذا صرتُ ألقي بأكوام القش على النار، متنقلاً كالمكوك بين أكوام القش وبين النار الآخذة في الاشتداد... لم أنتبه في خضم حماستي الى أن النار خرجت عن سيطرتي وتسلقت الى شجرة اللوز المجاورة. ولم تمضِ أكثر من دقيقتين حتى سمعت أخي عنان الذي يصغرني بأحد عشر شهرًا، يصرخ بهستيرية ممجوجة بالفرحة: ‘علاء ولّع نال زغيلة زغيلة وصالت كبيلة كبيلة‘. وبعد ترداد سمفونيته التاسعة، هرع الى المنزل يصرخ: ‘ولك يما ولك يما... علاء ولّع نال زغيلة زغيلة وصالت كبيلة كبيلة..‘. وقفتُ عندها بين كومة القش التي اختفت عمليًا، وبين النار التي تسلقت متن الريح وسخّرتها لاحتلال حاكورتنا مترامية الأطراف. وقفتُ ونظرتُ الى النار وأحسستُ برغبةٍ حارقةٍ في التبوّل. وفجأة تذكرتُ الحمار. كان يقف بهدوء، يسلط عينيه اللتين ما عادتا غبيتين، صوب النار، ويمضغ القش على مهلٍ. ‘الله يشحرك‘، جاء صوت والدتي المهرولة من داخل المنزل. كانت عندها حبلى بقريد العش، عامر، وكان عنان يصفق وهو يهرول وراءها: ‘نال كبيلة كبيلة..‘. لم أحر صنعًا، أنا البكر إبن الخامسة، فانفجرتُ بالبكاء. وما هي إلا ثوان حتى أثمر مفعول صراخ أمي الجهور، فدفق القوم من كل صوب وحدب، كلٌ بمعوله وطوريته وسطله ليطفأوا الحريق. عندما رأيت الجميع في ذُهلٍ وحيرةٍ، زادت حدة بكائي، ودون أن أعرف لماذا، نظرتُ الى الحمار. كانت نظرته ما زالت مسلطة نحو النار وعدم الاكتراث يتملكه. وفجأة رأيتُه ينتفض ملذوعًا، شادًا المرسة الملفوفة على رقبته فيقطعها، فيركض جافلاً صوب... جدي! كان جدي الذي يسكن تحت التراب اليوم يحفر بطوريته فاصلاً بين النار وبين الجهة غير المحترقة من الحاكورة. ودون أن يتوقع أحدٌ دَفَشَ الحمارُ جدي بكل قواه فرماه بعيدًا الى الأمام. وفي نفس الثانية تهاوى غصن شجرة اللوز الكبير المشتعل على ظهر الحمار، فارتمى الحمار على الأرض دفعةً واحدةً، ولم تمهله النار فلسعته حارقةً، فنهق نباحًا عاليًا، ككلب صيد كبير، وزهق روحه...."
 
"أنت تهذي"، قالت غاضبةً. "من أجل أن تروي قصةً جذابةً يمكنك أن تختلق أية أكذوبة وأية مبالغة. وأنت ستقول الآن بكل صلافة إنه يحق لك الارتكان الى المبالغات الأدبية لبناء الدراما الجيدة..."
 
"كلا حبيبتي"، قلتُ بصدق، "أقسم لك أن الحمار نهق نباحًا خالصًا."
 
"دعك من هذه الترهات. أنت تحاول إضفاء الرومانسية وبعضًا من الفلسفة على طفولتك العادية حتى الملل."
 
"إسألي أمي، قلتُ مغتاظًا.
 
"وشهد شاهدٌ من أهله"، ردت مُغيظةً.
 
"حسنًا. لا يهمني أنك لا تصدقينني، ولكنني وددتُ أن أروي لك سر الحمار الذي كان كلبًا في حياته، وفي مماته أيضًا."
 
"ليَكُنْ"، قالت محايدة، ثم أخذت تبتسم ناظرةً اليّ ببعض الدلع الممزوج بالحب: "ولكنني أعرف قصةً عن كلبٍ وفيٍ أحبه جدًا، ولكنه حمار في نفس الوقت..."
صفحة 4
تراب الولي الطاهر
 
أشجار التين التي نمت بالقرب من مزار الولي في قريتنا لم تُضاهِها أشجار تين أخرى في كل المنطقة. حتى والدي، الذي لم يؤمن للحظة بقدسية المزار أو جدواه، لم يستطع يومًا أيجاد تفسير آخر لتميّز الأشجار تلك، غير التفسير المقتضب الكافي الذي تناقله أهل القرية بأيمان راسخ وتأكيد مفهوم ضمنًا: "تراب الولي الطاهر". حتى أهالي القرى المجاورة اعتادوا القدوم للمزار في أواخر الصيف والأكل من تين الولي، الذي لا يضاهيه تين.
 
الزيارات هذه، من القرية وخارجها، حدَتْ برئيس المجلس الى الاعتناء بالمزار وبنائه. فاقيمت حول القبر غرفة صغيرة دُهنت بالكلس الأبيض وسُيّجت منعًا للحيوانات البرية من الاقتراب منها. حتى أن رئيس المجلس، قبل الانتخابات بشهرين، خصص ميزانية خاصة للمزار واقام عليه مسنًا تقيًا، الشيخ حسن، يزرع الورود بجانبه ويزيل من حوله الأعشاب الضارة الكثيرة، ويقلّم اشجار التين المحيطة ويرعاها.
 
وفي سنين خلتْ، ازدهر المزار لدرجة اعتاد الناس فيها قضاء نهار العيد بزيارته وذبح الخراف والماعز نذورًا عليهم إذا طاب طفل رضيع من حمّاه أو حملت إحدى نساء القرية. والسعيد السعيد من يستطيع الحصول على بعض ثمار التين، بعد أن يغدق على الشيخ حسن العطايا والمجاملات. لا زلت اذكر حتى اليوم الظهيرة التي دخلت فيها جدتي بيتنا مغرورقة العينين، شاهقةً، مولولةً، فرحةً، حاملةً خمس ثمرات تين بين يديها عاليًا وهي تتمتم: "تراب الولي الطاهر".
 
جدتي، التي وُلدت بالقرب من المزار، قبل ترحيل سكان قرية "الشيخ" وهدمها، اعتادت زيارة الولي أسبوعيًا، واهتمت اسبوعيًا بغسل ملابس جدي الداخلية ونشرها على حائط المزار، لعله (جدي) يُشفى من علل الشيخوخة التي أخذت تتراكم عليه باستمرار ودون انقطاع، والتي وضعت حدًا نهائيًا لبقايا رجولته؛ وهذه المعلومة سمعتها بالصدفة من جدتي التي كانت تشرح لأمي وضع الجد. عندما بلغتُ الثانية عشرة أخذت أرافق الجدة في زياراتها الأسبوعية مرارًا، حتى استحالت الى أسبوعية دائمية، لم يُعطّلها حتى حبي الجديد الفتيّ الذي داهمني فجأةً وأحالني الى اضطراب ملتهب لا ينطفئ.
صفحة 5
لم أجرؤ، خلال سنة كاملة، على التحدث الى هند أو التعرف اليها. كنت أقضي ساعات ما بعد الظهر وأمسياتي الطويلة جالسًا في الشرفة الكبيرة، التي اتخذها والدي منذ زمن مُضطَجَعًا لأمسيات الصيف، أرقب بيت هند المقابل لبيتنا وأغوص في كرسيّ عميقًا لدرجة الاستلقاء إذا ما رأيتها خارجةً أو تنشر الغسيل!.. فيما بعد، ودون أن ألاحظ، أخذت أعتاد الجلوس غائصًا في الكرسي حتى استحال ذلك الى عادةٍ دائمةٍ. كان الجلوس هكذا يمنحني شعورًا بالأمان والتورية ويبعث والدتي على القلق. فقد أخذت ترقبني بشك وريبة، وأنا غائص في كرسيّ على الشرفة، وتحاول دائمًا أن تحثني على الجلوس "مثل الخلق" لئلا أتحول مع الزمن الى أحدب بائس. ولأنني لم أعِرْ ملاحظات أمي المتزايدة اهتمامًا لائقًا، ولم أكف عن الغوص في كرسيّ، فإن أمي لم تجد بُدًا من الاستعانة بجدتي.
 
فعندما حان يوم الزيارة الأسبوعية اصطحبتْ جدتي الكرسي الذي أجلس فيه في الشرفة، معها. ولم أجرؤ طوال الطريق على سؤالها عن كُنهِ فعلتها أو الدافع اليها. طوال الطريق الى المزار اعتقدت أن والدتي علمت بحبي الملتهب لهند فعزمت على محاربته مستعينةً بالجدة. طوال الطريق سرتُ خلفَ الجدة على غير عادةٍ، الصامتة على غير عادةٍ. قبل وصولنا الى المزار، وعندما أصبح على مرأىً منا، أخذتْ الجدة تتمتم بكلماتها المعتادة التي لم أستطع يومًا فهمها، وتختتم التمتمة القصيرة في كل مرة بتفسير أهل القرية المقتضب: "تراب الولي الطاهر". الاقتراب من المزار وازدياد التمتمة والهمهمة أدخلا في نفسي الرعب لدرجةٍ عزمتُ معها على الهرب. وكأن جدتي درَتْ بما يشغل خلدي فالتفتت اليّ بغتةً وقالت دون أن تكف عن تمتمتها:
 
"أقرأ الفاتحةّ!"
 
فتحة يديّ لقراءة الفاتحة كانت الأكبر في حياتي. اعتقدتُ أن فتح يديّ ما استطعت يمكنه إرضاء جدتي وربما إرضاء الولي. وللتأكيد، قرأتُ الفاتحةَ مرتين. بعد انتهائها من الصلاة، جذبت الجدة الكرسي اليها ووضعتها أمام مدخل المزار. ثم اقتربت نحوي وشدتني من يدي، دون أن تكلمني، حتى أجلستني فوق الكرسي. كان القبر مقابلي أسودَ وقديمًا بالاضافة الى كونه مرعبًا. وبدا لي أكثر رعبًا حين شعرتُ بيدي جدتي تلفان حولي شريط قماشٍ طويلاً ومن ثم تربطه الى الكرسي باحكام. ولما اطمأنت الى إحكام الوثاق واعتدال جلوسي في الكرسي، قبّلتْ الجدار الأبيض، ثم انحنتْ جامعةً حفنةً من التراب ورشتها فوقي.
صفحة 6
حين استدارت جدتي وهمّت بالذهاب نظرت اليّ بحياد غريب لم أعهده فيها من قبل وقالت وأنا أرتعش خوفًا:
 
"لا تقلق يا حبيبي... تراب الولي الطاهر.."
 
قبل المساء بقليل عادت جدتي. ودون أن تعيرني أي اهتمام، اتجهتْ رأسًا نحو الحائط فقبلته بحرارة وهي تشكر الولي على نعمته. ثم اقتربت مني وفكت رباطي واحتضنتني. وبعد أن تطلعتْ مدهوشةً الى التراب المنثور فوق العتبة والدرجات الثلاث سألتني:
 
"هل خفت يا حبيبي؟"
 
"كلا."
 
"الحمد لله. فأنت إنسان مؤمن وطاهر. شكرًا لله ولوليه."
 
بعد يومين من تلك الزيارة قصصت على هند سبب تلك الزيارة الغريبة. فجدتي اعتقدت أن الولي وحده هو القادر على ردي عن عادتي المشؤومة: غوْصي في الكرسي. فعقدتِ العزمَ على أخذ الكرسي معنا الى الزيارة وربطي اليه وتركنا نحن الثلاثة، الولي والكرسي وأنا. وكانت متأكدة، وهي تقص على أمي هذه الوصفة، من أن الولي الذي حملها وهي صغيرة وبالت عليه وهو يلاعبها ("سامحني يا رب.. سامحني أيها الولي الطاهر") لا بد سيستجيب لطلبها ويعدّل من جلستي. بعد تلك الزيارة عدّلت من جلستي نهائيًا وبتُّ لا أجلس إلا منتصب الظهر.
 
"ولكن كيف عرفت إنني هنا؟".. سألتُ هندَ وهي تخرج من غرفة المزار، بينما أنا مقيد الى الكرسي، مرتعبًا.
 
"كنت أسبقك أنت وجدتك يوم زيارتكما وأختبئ داخل المزار."
 
"ولماذا؟.."
 
"لكي أراك عن قرب"، قالت وهي تفك رباطي، "فأنت أجبن إنسان رأيته في حياتي."
 
ثم سحبتني الى داخل المزار وجلسنا حوالي الساعات الثلاث نتعارف ونتحادث، وبالأحرى تتحادث. وكانت القبلة الأولى. ولما أعادت ربطي الى الكرسي قبل مقدم الجدة، رشّت عليّ التراب ثانيةً واندست خلف القبر، ليس قبل أن ترش التراب على العتبة والدرجات الثلاث.
 
والدي لم يصدق رواية جدتي التي انتشرت في القرية والجوار، وكان يتطلع اليّ مستعطفًا إياي أن أقص عليه ما جرى. في لحظات غضبه وحيرته كنت أكاد أعترف أمامه بما حصل. ولكن قبلة هند تلك، والقبلات وتوابعها فيما بعد، أخرستني في اللحظة الأخيرة. فلم أكن مستعدًا بأي شكلٍ من الأشكال لإفشاء سرنا وضياع القبلات وتوابعها الى الأبد. وما زاد من حنق أبي هو زيارات الحاجات الى بيتنا، باشراف وحماس جدتي، وتقبيلهنّ إيايَ وسؤالهنّ عن حالي وأحوالي.
 
"تراب الولي الطاهر"، كنتُ أجيبُ مختصِرًا، ككل أهالي القرية