eKtab
EN ع
كتاب الحرية
اقرأ عينة مجانية

كتاب الحرية

بقلم بروفيسور كمال أبو ديب

صفحة 1
غواية الاكتناه
 
منذ أن كتب عبد الرحمن الكواكبي كتابه الرائد ((طبائع الاستبداد)) في القرن التاسع عشر، والعالم العربي يتحرك في اتجاهين متناقضين تماما من جهة يزداد استبداداً وخنقاً للحريات، واستغلالاً، وطغياناً لمؤسسة الحكم على كل جانب من جوانب حياة الفرد والمجتمع، تركيزاً للسطلة في يد فرد متألّه طاغية، وفئة ضالّة مضللة متجبّرة، ويسطع فيه نمط مختلف من الاستبداد والقمع متمثّل في التيارات الدينية المتعصّبة والمسلّحة بوسائل تدمير مرعبة، ومن جهة ثانية يزداد حرية، ووعياً للأهمية الحاسمة للحرية في حياة الفرد وحياة المجتمع سواء بسواء، وصراعاً من أجل الحرية والعدالة والحكم الشعبي الممثل للتيارات المتعددة في المجتمع، وإصراراً على تحرير الفئات المستعدة تاريخيا، وبشكل خاص المرأة والمهمّشين والأقلاّت، وتنشأ فيه تيارات حداثية تقدّس حرية الرأي والاعتقاد والفكر وتحترم الحوار وحق الآخر في كل ما للنفس حقّ فيه. وقد ازدره نمط من الكتابة الابداعية النقدية في الثقافة العربية خلال قرن ونصف من الزمان لا مثيل له في تاريخنا الحضاري، ولا يقلّ عمقاً وجمالاً ونبلاً وطموحاً عن مثله في الثقافات العالمية.
 
وقبل أن يهجم عينا المفترس الامبراطوري الوحشي، في سعيه المحموم لبناء الامبراطورية الامريكية، ولاستنزاف مواردنا الطبيعية ومقدراتنا السياسية والفكرية، ولسحق ما يراه نهوضا للاسلام في العالم المعاصر، ولتأبيد اغتصاب اسرائيل لاوطاننا وتشريدها لاهلنا، وقبل ان يحتل السماء والارض باسلحته الآثمة، متقنعاً في ذلك كلّه بكهنوت نشر الحرية والديمقراطية في عالمنا، وفرضها بجحيم السلاح علينا، وتلقيننا معناها وأهميتها، وهو بريء من الحرص على الحرية والديمقراطية براءة يعقوب من دم الذئب، كانت قد تشكّلت في العالم العربي مجموعات ونوادٍ وتيارات فكرية وسياسية أعمق وعياً، ومعرفة مخبرة، وإخلاصاً للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بمائة مرّة من الكلام الساذج العبيط - بلغة أهلنا في مصر- الذي انهمر كالحجارة الصوّانية الميتة من أفواه جورج بوش وعصبة الادنيين الامريكيين المتمسيحين، وأشداق البيعاوات من العرب الناسخين لهم والمنتعظين ببلاغاتهم الجوفاء. وللحقيقة والتاريخ أشير إلى واحد أو اثنين من مثل هذه التجمعات. اولهما تجمع محدود تنادينا إلى تشكيلة في أوائل الثمانينات، وكنّا ثلاثين مفكّراً ومثقفاً عربياً ممن يعيشون ويعملون داخل العالم العربي وخارجه. فعقدنا اجتماعات على مدى أربعة أيام في الحمامات في تونس قدمت فيه اوراق وتم تحليل نقدي للحياة العربية بكل جوانبه، كانت بين أروع وأعمق ما يمكن لبشر أن يقدّموه في أي مجتمع وأي بيئة ثقافية سياسية. وشكلّنا لجنة سباعية - يشرفني أنني كنت أحد أعضائها- لتطوير فكرة التجمّع ودعوة آخرين إليه. ونشأ عن نشاطنا مؤتمر ضمّ حوالي مائة شخص، من تيارات فكرية وسياسية متعددة ومتباينة، من الدينيّ المتطرف إلى اليساري المتطرف، عقد في قبرص بحماية العسكر القبرصي لأن بعض الأنظمة العربية هدّدت قبرص بأكثر من ويلٍ إذا سمحت لنا باللقاء (ولم يسمح لنا بعقد المؤتمر في أي بلد عربي). وعن هذا المؤتمر العظيم صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت أهم كتاب في الفكر النقدي السياسي الثقافي الاجتماعي الاقتصادي في التاريخ العربي (منعته معظم الدول العربية)، سجّل بأمانة كل ما قيل في المؤتمر، بعنوان أزمة الديمقراطية في الوطن العربي. ونشأ عن المؤتمر أيضاً تشكيل المنظمة العربية للدفاع عن الحرية وحقوق الانسان. وفي تجمع تالٍ عام 1999 أصدرنا بياناً كانت فيه أول 
صفحة 2
 دعوة جماعية كبيرة لمثقفين عرب لمجابهة التيارات الدينية المتطرفة التي تمارس الاغتيال، وإبرازاً لخطرها على المجتمع ولعلاقتها بالسياسة الأمريكية. وقد نشر البيان في صحف أجنبية وعربية (ومنع من النشر في معظم البلدان)، لكنه لم يلق من يضغي إليه لدى السادة الغربيين لأنهم حينها كانوا يربّون معظم هذه التيارات على أحصانهم لخدمة أغراضهم الخاصة ودعم الأنظمة التي يريدون لها انا تحتل مكانة الصدارة في المنطقة.
 
يومها كان جورج بوش يغرق في ضباب غرفته الزرقاء في جامعة ييل منتشياً بما انتشى به الكثيرون من أبناء جيله الأمريكي من مخدّرات أفغانستان الطالبانية الملائكية. ولم يكن يعرف هل بغداد إسم لدجاجة برّية ملونة تعيش في القطب الجنوبيّ، أو راقصة من راقصات هزّ القعر في تمبكتو، أو حجر تذكاريّ لرجل أسود اغتاله عصابات البيض في هارلم. وقبل أن يستيقظ جورج بوش من رحلاته العلوية في ضباب غرفته على وهج انفجارات الصواريخ التي أطلقها أبوه على بغداد، فيعرف أنها مدينة في صحراء شاسعة لم تنبت فيها شجرة منذ ألف عام لأن ((تربتها)) بحر من النفط، كما وصفها له أبوه، ويعرف أن شركاء أبيه التجاريين لهم إسم غريب كأن في أصواته دِنْ دِنْ دِنْ، كان الكثيرون منا قد سُجنوا وطوردوا وخربت حيواتهم وشُرّدوا من قبل الحكّام والأنظمة العربية التي تّوجها أبوه وغيره من الرؤساء وبناة الأمبراطورية الأمريكية، ودعموها وسلّحوها ومكّنوا لها من أعنة الحكم والسلطة والاستبداد على شعوبها. وكان الكثيرون منّا أيضاً قد كتبوا عن الحرية والديمقراطية والعدالة والتقدّم والتخلّف ما لم يحلم بمثله حتى الآن لا جورج بوش ولا أعضاء عصبته التي تسعى إلى التهام العالم بنهم دبٍّ قطبي للّحم الطري لأفراخ الفقمة المتألقة في شمس ساطعة تنهمر على بياض الثلوج.
 
من مثل هذه الكتابات كتاب منذور للحرية، كتبه بين عام 1990 وأنا أعيش في نيويورك، و1996 وأنا أعيش حيث أنا في إكسفورد. ولم يتح لي نشره لأنني كنت أعلم أن الأنظمة العربية التي يغّذيها ويحميها النظام الأمريكي ستمنعه منع القوّامين على البكارات لرائحة الرجال من النفاذ عبر الزجاج المصفّح إلى خدورهن الحليبيّة، ومنع أصحاب المزارع لجراثيم مرض ((جنون البقر)) المتطايرة الآن في الريف البريطاني من غزو مزارعهم.
 
والكتاب كما أصفه في نبذة أولى منه:
 
((... مقالة الحرية، هي لباب عمر، وعصارة روح، وخلاصة معرفة، كان لها جميعاً وما يزال هدفٌ واحد، وطموح لألاء، خلق عالم أكثر جمالاً، ونبلاً، وفيضاً بالإنسانية، والعطاء، والحرية، والغبطة بالوجود. ولقد تعمدّت أن تكون هذه المقالة قولاً مباشراً، وبوحا شخصيّاً. لم أشأ لها أن تكون بحثاً علمياً، محشوّاً بالاقتباسات والشواهد، والحجج المضادّة. إنها شهادة على تاريخ، وزمن، ومصير. وهي نذير بصيرورة، وحلم بكينونة قد لا تكون. غير أن شهوة الحلم، والقدرة عليه، أعظم نِعَم الإنسان. لا شيء يضارعهما في نبل أثرهما في النفس البشرية سوى نعمة الحرية كما أحددهما في هذه المقالة، إن تحققت.
 
وهي قول لم يكتب لهذا الزمان وحسب، بل لكلّ زمان. ولا يختصّ بمكان، بل ينتمي إلى كل مكان، مع أن هاجسه الأساسي الزمان والمكان العربيان.
 
وإنني لأدرك أن معضلتها الأولى هي أنها قد لا ترى النور، بل قد تخنق قبل أن تعلن، وأنها إذا أعلنت قد تقمع. لكن، رغم كلّ شيء، لا بد من أن تقال)).
 
إكسفورد 31 آب 1996
صفحة 3
ومن هذا الكتاب أقتطع الفقرات التالية فيما أعده للنشر أخيراً وبعد طول انتظار.
 
1-
 
الحرية ليست هبة ينعم بها لاسادة على رعيتهم حين يشاؤوون، ويضنّون بها حين يشاؤوون.
 
والحرية ليست ترفاً يملك الأسياد حقّ أن يقرروا متى يجوز للبشر أن يصبوا إلى امتلاكه، ومتى لا يجوز لهم إن يصبوا. كأن يدّعي الأسياد أن البشر ينبغي أولاً أن يشبعوا الحاجات الأولية لحياتهم قبل أن يطمحوا إلى نعمة الحرية والتمتع بجنانها.
 
والحرية ليست قصدية عصماء، أو نصّاً في دستور معلّق، أو شعاراً يتشدّق به الذين يعتقلون كرامة الإنسان في رؤوس حرابهم، وجنازير دبّاباتهم (بإسم عقائدية إنسانية المنشأ أو إلهيتها) فيما يتظاهرون، برياء المرابين،أنهم أبطال الحرية وسدنة هياكلها.
 
الحرية ليست في أن يردّد حاكم دجّال، ببغائية أو بمكر، مقولة العظيم الذي قال ((متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً))، وعلى أمهاتهم أن يجرؤن أن يلدن أبناءهن أحراراً.
 
الحرية ليست هذه ولا تلك ولا ذينك.
 
بل إن الحرية لحقّ يكتسبه الإنسان لحظة ولادته واحتكاكه بفضاء الوجود ولا يدين الإنسان بهذا الحقّ إلا لشيء واحد هو إنسانيته ذاتها، ولا لقوّة واهبة سوى قوّة الخلق التي تقمّصت رحِماً حملته شهوراً ثم قذفته إلى معترك الوجود. والحق إنه لا يهب الحرية إلا فعل الخلق الأول، وليس من حقّ قوّة في الكون أن تسلبها إلا فعل العدم الأخير. ولقد عبّر عمر بن الخطاب عن إدراكه الحدسي لهذه الحقيقة الجليّة الخفيّة بقولته العظيمة التي اقتبسها قبل قليل في سياق مغاير.
 
2-
 
وكما أن الحرية ليست هبة توهب، فإنها ليست سلعة تباع وتشرى. ثم إن الحرية كلّ لا يتجزّأ ولا ينقسم، فهي إما أن تكون أولا تكون. فلا معنى لأن تكون الحرية ثم تكون ناقصة مجزأة نُتَفيّة. ويتمثل معنى الكليّة على أصعدة وجود الأنسان كلّها. أولاً، على صعيد تكوينه الفردي، لا تتجزّأ الحرية.
 
فهي حرية للفكر والروح والجسد. لا معنى لأن يكون الفكر حراً والجسد مستعبداً. ولا معنى لأن يكون الجسد حراً والروح مستعبداً. ولا معنى لأن يكون الروح حرّاً والفكر والجسد مستعبدين. ثم إنه لا معنى لحرية المرء إذا كان حرأ في أن يعتقد ما يشاء، لكنه ليس حراً في أن يعبّر عن اعتقاده، أو كان حراً في أن يعبّر عن اعتقاده بالكلام، لكنه ليس حرّاً في أن ينقل تعبيره إلى مستوى الممارسة في سلوكه اليومي.
صفحة 4
ثانياً، يتمثل معنى كليّة الحرية على صعيد وجود الإنسان الجمعي. فلا معنى لأن يكون المرء حراً سياسيّاً ومستعبداً إقتصادياً، ولا معنى لأن يكون حراً إقتصادياً ومستعبداً إجتماعياً، ولا معنى لأن يكون حراً إجتماعياً ومستعبداً سياسياً وإقتصادياً. ثم إنه لا معنى لأن يكون المرء حراً أمام القوانين التي تحتويها النصوص، لكنه مستعبد في الواقع الفعلي أمام أعراف الناس من أسرته إلى عشيرته إلى طائفته فإلى مجتمعه. ولا معنى للحرية إذا كان المرء حراّ في السياسة مستعبداً في الدين، أو حرلً في الدين ومستعبداً لسلطة الدولة، أو حراً في السياسة والدين لكنّه عبد لسلطة التقاليد.
 
3-
 
إما أن تكون الحرية كاملة جذرية شاملة أو لا تكون. وذلك ما لم يدركه، إلا في لمحات شاذة نادرة، وفي بيئات محدودة، عصر من عصور الحياة العربية، أو تيار فكري فيها، لقرون طويلات عديدات. فلقد كان العربي في جلّ سعيه على الأرض عبداً لشيئ أو آخر، لهذا الإله أو ذاك، لهذه العقيدة أو تلك، ولتنيك الطاغية أو ذينك.
 
4-
 
والحرية مقولة شاملة، بمعنى أنها حق إنساني عام يكتسبه الإنسان من صفة إنسانيته، وليست حقّا مخصّصاً. وكما أن إنسانا لا يمكن أن يكون أكثر إنسانية من إنسان آخر ( إلا بالمعنى المجازي المحض للإنسانية )، فلا يمكن أن يكون إنسان أحقّ بالحرية من آخر. الحرية لا تختصّ بعرق دون عرق، أو قوم دون قوم، أو طبقة دون طبقة، أو فئة دون فئة، أو دين دون دين، أو عقيدة دون عقيدة، لا فرق في ذلك بين عربي وأعجمي حتى بالتقوى. ولا فرق في ذلك بين مسلم وغير مسلم، أو بين مسيحي ويهودي، أو بوذي وهندوسي، أو متدين وغر متدين. ولا فرق في ذلك بين غربي وشرقي، أو شمالي وجنوبي. ولا فرق في ذلك بين غني وفقير، أو كبير وصغير، أو قادر وعاجز، أو ذكر وأنثى.
 
والحرية ليست قضية تخصّ الرجل دون المرأة، بل إنها لقضيتهما معاً بالتساوي. فلا معنى لحرية يمتلكها الرجل إن لم تكن المرأة تملك الدرجة ذاتها من الحرية. كذلك لا معنى لحرية تمتلكها المرأة إذا لم يكن الرجل يتمتع بقدر مكافيء من الحرية.
 
5-
 
والحرية هي من حقّ الآخر عليّ وحقّي على الآخر، إنها إحدى السمات القليلة لكينونة الإنسان التي ترتبط بالآخر ارتباطاً وجودياً يحيل العلاقة بين الذات والآخر إلى ضرورة تعاطف مشترك وواجب حماية متبادلة. أنا لست حراّ بمعنى حقيقي إلا حين يكون الآخر الذي يشاركني فضاء الوجود الإنساني حراً. والآخر ليس حراّ بمعنى حقيقي إلا حين أكون أنا الذي أشاركه فضاء الوجود الإنساني حراً بمعنى حقيقي.
 
6-
 
والحرية ليست حقّاً فقط، بل إنها لضرورة أيضاً، إنها ضرورة وجود من أجل أن يحقق الفرد ذاته الفردية ويغني الذات الاجتماعية، ومن أجل أن يحقق المجتمع ذاته الاجتماعية ويخصب الذات الفردية، ومن أجل أن تنشأ وتسود بين هاتين الذاتين المتناسجتين المتداغمتين علاقة جدلية إخصابية دائمة تولّد، حتى في لحظات اصطدامها ونزاعمهما الحقيقيين، العطاء المتبادل والمساندة والتعاضد المثريين.
 
أوكسفورد آب / أغسطس 2007
صفحة 5
كمال أبو ديب
 
كتاب الحرية
 
بيان من أجل الحرية
 
في السياسة، والثقافة، والأدب، والتأويل
 
وفي الجسد، والفكر، وممارسة الحضور في العالم
 
هي ذي ((... مقالة الحرية، هي لباب عمر، وعصارة روح، وخلاصة معرفة، كان لها جميعاً وما يزال هدفٌ واحد، وطموح لألاء، خلق عالم أكثر جمالاً، ونبلاً، وفيضاً بالإنسانية، والعطاء، والحرية، والغبطة بالوجود. ولقد تعمدّت أن تكون هذه المقالة قولاً مباشراً، وبوحا شخصيّاً. لم أشأ لها أن تكون بحثاً علمياً، محشوّاً بالاقتباسات والشواهد، والحجج والحجج المضادّة. إنها شهادة على تاريخ، وزمن، ومصير. وهي نذير بصيرورة، وحلم بكينونة قد لا تكون. غير أن شهوة الحلم، والقدرة عليه، أعظم نِعَم الإنسان. لا شيء يضارعهما في نبل أثرهما في النفس البشرية سوى نعمة الحرية كما أحددهما في هذه المقالة، إن تحققت.
 
وهي قول لم يكتب لهذا الزمان وحسب، بل لكلّ زمان. ولا يختصّ بمكان، بل ينتمي إلى كل مكان، مع أن هاجسه الأساسي الزمان والمكان العربيان.
 
وإنني لأدرك أن معضلتها الأولى هي أنها قد لا ترى النور، بل قد تخنق قبل أن تعلن، وأنها إذا أعلنت قد تقمع. لكن، رغم كلّ شيء، لا بد من أن تقال)).
 
إكسفورد 31 آب 1996
صفحة 6
1-
 
الحرية ليست هبة ينعم بها لاسادة على رعيتهم حين يشاؤوون، ويضنّون بها حين يشاؤوون.
 
والحرية ليست ترفاً يملك الأسياد حقّ أن يقرروا متى يجوز للبشر أن يصبوا إلى امتلاكه، ومتى لا يجوز لهم إن يصبوا. كأن يدّعي الأسياد أن البشر ينبغي أولاً أن يشبعوا الحاجات الأولية لحياتهم قبل أن يطمحوا إلى نعمة الحرية والتمتع بجنانها.
 
والحرية ليست قصدية عصماء، أو نصّاً في دستور معلّق، أو شعاراً يتشدّق به الذين يعتقلون كرامة الإنسان في رؤوس حرابهم، وجنازير دبّاباتهم (بإسم عقائدية إنسانية المنشأ أو إلهيتها) فيما يتظاهرون، برياء المرابين،أنهم أبطال الحرية وسدنة هياكلها.
 
الحرية ليست في أن يردّد حاكم دجّال، ببغائية أو بمكر، مقولة العظيم الذي قال ((متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وعلى أمهاتهم أن يجرؤن أن يلدن أبناءهن أحراراً)).
 
الحرّية ليست هذه ولا تلك ولا ذينك.
 
بل إن الحرية لحقّ يكتسبه الإنسان لحظة ولادته واحتكاكه بفضاء الوجود ولا يدين الإنسان بهذا الحقّ إلا لشيء واحد هو إنسانيته ذاتها، ولا لقوّة واهبة سوى قوّة الخلق التي تقمّصت رحِماً حملته شهوراً ثم قذفته إلى معترك الوجود. والحق إنه لا يهب الحرية إلا فعل الخلق الأول، وليس من حقّ قوّة في الكون أن تسلبها إلا فعل العدم الأخير. ولقد عبّر عمر بن الخطاب عن إدراكه الحدسي لهذه الحقيقة الجليّة الخفيّة بمقولته العظيمة التي اقتبسها قبل قليل في سياق مغاير: ((متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)).
صفحة 7
2-
 
وكما أن الحرية ليست هبة توهب، فإنها ليست سلعة تباع وتشرى. ثم إن الحرية كلّ لا يتجزّأ ولا ينقسم، فهي إما أن تكون أولا تكون. فلا معنى لأن تكون الحرية ثم تكون ناقصة مجزأة نُتَفيّة. ويتمثل معنى الكليّة على أصعدة وجود الأنسان كلّها. أولاً، على صعيد تكوينه الفردي، لا تتجزّأ الحرية؛ فهي حرية للفكر والروح والجسد. لا معنى لأن يكون الفكر حراً والجسد مستعبداً. ولا معنى لأن يكون الجسد حراً والروح مستعبداً. ولا معنى لأن يكون الروح حرّاً والفكر والجسد مستعبدين. ثم إنه لا معنى لحرية المرء إذا كان حرأ في أن يعتقد ما يشاء، لكنه ليس حراً في أن يعبّر عن اعتقاده، أو كان حراً في أن يعبّر عن اعتقاده بالكلام، لكنه ليس حرّاً في أن ينقل تعبيره إلى مستوى الممارسة في سلوكه اليومي.
 
ثانياً، يتمثل معنى كليّة الحرية على صعيد وجود الإنسان الجمعي. فلا معنى لأن يكون المرء حراً سياسيّاً ومستعبداً إقتصادياً، ولا معنى لأن يكون حراً إقتصادياً ومستعبداً إجتماعياً، ولا معنى لأن يكون حراً إجتماعياً ومستعبداً سياسياً وإقتصادياً. ثم إنه لا معنى لأن يكون المرء حراً أمام القوانين التي تحتويها النصوص، لكنه مستعبد في الواقع الفعلي أمام أعراف الناس من أسرته إلى عشيرته إلى طائفته فإلى مجتمعه. ولا معنى للحرية إذا كان المرء حراّ في السياسة مستعبداً في الدين، أو حراً في الدين ومستعبداً لسلطة الدولة، أو حراً في السياسة والدين لكنّه عبد لسلطة التقاليد.
 
إما أن تكون الحرية كاملة جذرية شاملة أو لا تكون. وذلك ما لم يدركه، إلا في لمحات شاذة نادرة، وفي بيئات محدودة عصر من عصور الحياة العربية، أو تيار فكري فيها، لقرون طويلات عديدات. فلقد كان العربي في جلّ سعيه على الأرض عبداً لشيئ أو آخر، لهذا الإله أو ذاك، لهذه العقيدة أو تلك، ولتنيك الطاغية أو ذينك.
صفحة 8
2-1
 
إن تجزئة الحرية وتقنينها من سمات الأنظمة الشمولية الدكتاتورية كلها: النظام الشمولي يسلّح نفسه بفرض مفهوم جزئي للحرية. فهو يزعم أنه يوفر للإنسان الحرية الإقتصادية، مثلاً فيما يسلبه الحرية السياسية، مدّعياً أن ذلك ضرورة من ضرورات تنظيم المجتمع بطريقة تضمن لأفراده العدالة والفرص المتكافئة والرخاء المادي؛ أو يحرم الإنسان من حركة الفكر ويمنحه درجة أعلى من حرية الجسد؛ أو يحجب عن الإنسان حريته بإسم تحريره من طبقة مستغلّة، أو عدوّ مهدّد، أو غاضب مستعمر يسعى إلى السيطرة على بلاده والتحكم بمصيرها ونهب مواردها، إلى آخر ذلك مما ألفناه ألفة فاجعة في الحياة العربية المعاصرة بشكل خاص، لكن في غيرها من الحيوات أيضاً.
 
وما هذه كلها سوى أقنعة يتستّر وراءها أدعياء كلّ ما يصبون إليه هو السيطرة والحكم والهيمنة وتأبيد الأنظمة الفكرية والسياسية التي يملكون عن طريق فرضها أعنّة القوة والتحكّم والاستغلال في المجتمع.
صفحة 9
3-
 
والحرية مقولة شاملة، بمعنى أنها حق إنساني عام يكتسبه الإنسان من صفة إنسانيته، وليست حقّا مخصّصاً. وكما أن إنسانا لا يمكن أن يكون أكثر إنسانية من إنسان آخر ( إلا بالمعنى المجازي المحض للإنسانية )، فلا يمكن أن يكون إنسان أحقّ بالحرية من آخر. الحرية لا تختصّ بعرق دون عرق، أو قوم دون قوم، أو طبقة دون طبقة، أو فئة دون فئة، أو دين دون دين، أو عقيدة دون عقيدة، لا فرق في ذلك بين عربي وأعجمي حتى بالتقوى. ولا فرق في ذلك بين مسلم وغير مسلم، أو بين مسيحي ويهودي، أو بوذي وهندوسي، أو متدين وغر متدين. ولا فرق في ذلك بين غربي وشرقي، أو شمالي وجنوبي. ولا فرق في ذلك بين غني وفقير، أو كبير وصغير، أو قادر وعاجز، أو ذكر وأنثى.
 
والحرية ليست قضية تخصّ الرجل دون المرأة، بل إنها لقضيتهما معاً بالتساوي. فلا معنى لحرية يمتلكها الرجل إن لم تكن المرأة تملك الدرجة ذاتها من الحرية. كذلك لا معنى لحرية تمتلكها المرأة إذا لم يكن الرجل يتمتع بقدر مكافيء من الحرية.
 
3-1
 
لئن كانت الأنظمة الشمولية الدكتاتورية تمارس تجزئة الحرية، فإن الأنظمة الحصرية؛ الإقصائية تمارس مالا يقل عن التجزئة تدميراً للحرية والإنسان. وهذه الأخيرة تزعم لنفسها الحق في تخصيص الحرية بفئة دون فئة، وتمارس عملية حصر وإقصاء عصبيّة (بالمعنى الذي يستخدمه إبن خلدون للعصبيّة) متحيزة؛ إذ تحصر الحرية في أتباعها والمنتمين إليها وتقصي جميع الفئات الأخرى وتحرمها من الحرية أو تنفيها من فضائها. وتتنوع هذه الأنظمة الحصرية الإقصائية في منطلقاتها ومقوّماتها ومستنداتها، بعضها يمارس الحصر والإقصاء بإسم القبيلة أو العشيرة أو العرق، أي على أساس وحدة الإنتماء الدموي، الفيزيائي؛ وبعضها يمارس الحصر والإقصاء بإسم الطائفة أو المذهب الديني أو الفكري، أي على أساس وحدة الإنتماء العقائدي. وبعضها يمارس الحصر باسم تفوق جنس على جنس، أي على أساس الانتماء الجنسي (ذكورة أو أنوثة)، لكنها جميعاً في الجوهر متطابقة في موقفها من حق الإنسان في الحرية، ولا يقل أي منهما خطراً على الإنسان والحرية عن أي آخر. إن إتباع دين ما؛ يدّعون لأنفسهم الحق في حصر الحرية في أبناء دينهم، وأصحاب إتجاه سياسي يدّعون الحق لأنفسهم في حصر الحرية في من ينتمون إلى مذهبهم السياسي. وهكذا تتعالى صيحة المسلم والمسيحي واليهودي والماركسي باللغة نفسها والشعارات الحصرية الإقصائية عينها. ويلتقي معهم في الصيحة القومي العربي والقومي البربري والقومي الكردي والقومي الألماني والقومي الإيطالي والقومي الصربي والقومي الروسي والقومي الأمريكي إلخ... وعلى مستوى آخر يلتقون جميعاً بالذكر، مجسداً تاريخياً لسلطة الرجل على المرأة ولسلبها مقوّمات حريتها. وفي نهاية المطاف لا يتميز واحد عن آخر إلا في أمر واحد هو: هل يملك القوة أو لا يملكها لفرض رؤيته الخاصة الحصرية الإقصائية على الآخرين. وندرك من ذلك ببساطة مرعبة أن القضية في النهاية - في مسألة الحرية كما في كل شيء غيرها في الوجود الإنساني- هي قضية إمتلاك القوة أو عدم امتلاكها، وأن السؤال الجوهري هو: من يملك القوة على فرض رؤيته للأشياء ومذهبه الخاص في صياغة العالم والمجتمع على هواه. ونبلغ النقطة ذاتها التي نبلغها في الفقرة (8) من منطلق مختلف، ويتشرنق السؤال حول أدوات القوة والهيمنة والتحكم وموقع الإبداع الفني والأدب من ذلك كلّه. وسأعود إلى هذه النقطة فيما بعد بتركيز أشد.
صفحة 10
4-
 
والحرية هي حقّ الآخر عليّ وحقّي على الآخر، إنها إحدى السمات القليلة لكينونة الإنسان التي ترتبط بالآخر ارتباطاً وجودياً يحيل العلاقة بين الذات والآخر إلى ضرورة تعاطف مشترك وواجب حماية متبادلة. أنا لست حراّ بمعنى حقيقي إلا حين يكون الآخر الذي يشاركني فضاء الوجود الإنساني حراً. والآخر ليس حراّ بمعنى حقيقي إلا حين أكون أنا الذي أشاركه فضاء الوجود الإنساني حراً بمعنى حقيقي.