زهرة سوق الشيوخ
إلى إنعام البطاط كل ما تبقى من سوق الشيوخ
لابد أنه كان يوم العشرين من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وثمانين، عندما رأيته يدخل المقبرة للمرة الأولى· بالأحرى لم أكن أنا الذي رأيته، إنما هو الذي لمحني وتوجه صوبي مباشرة، وهو ينادي:
- أيها السيد!
ما كنت حفظت تاريخ ذلك اليوم بالضبط، لو لم يكن حصل ما حصل في الأسبوع الذي طلبوا فيه مواليدي لخدمة الاحتياط· كانت قد مرت على الحرب أربعة أسابيع فقط· وقبل رحيلي إلى الجبهة في ذلك الاثنين، قررت زيارة قبر زوجتي التي ماتت بعد اندلاع الحرب بثمانية أيام، إذ نمت زهرة البيجونيا في رئتها اليسرى ليقطع نموها السريع أي صلة لها بالحياة - كما أخبرنا طبيبنا الخاص - فقد ألقت الزهرة ظلالها على كلا الرئتين وراحت تعيش من الهواء الذي كانت تتنفسه زوجتي·
كنت قلقاً جداً، ربما بسبب هاجس لم يستحوذ علي اعتباطاً، أن هذه الحرب سوف تكون حرباً طويلة، وأنني يقيناً لن أستطيع زيارتها مرة أخرى· هكذا قررت وداع رِفقة (زوجتي) للمرة الأخيرة· اشتريت زهوراً نادرة من محل يقع في مركز المدينة، كانت مفاجأتي حينما عرفت اسمها لاحقاً· لقول الحقيقة لم أختر الزهور التي لم أعرف بوجودها حتى ذلك اليوم في المدينة، إنما هي بائعة الزهور التي رأيتها للمرة الأولى· قالت لي إن كنت تبحث عن زهور غير عادية لشخص غير عادي، فليس غير الأكاسيا، فقلت لها فرحاً ياريت وفي ذهني كانت تطن قصائد بايرون التي ترجمتها قبل أيام فقط من موت رِفقة، والتي يتحدث فيها عن الأكاسيا·
كنت قد نثرت الزهور فوق قبرها للتو، منحنياً فوقه بعض الشيء وكأنني كنت أناجيها· لم أحس بخطواته التي اقتربت مني، لذا لم ألتفت إلا عندما سمعته يناديني ويؤشر على الحزمة التي انتهيت من وضعها على القبر:
- أيها السيد، من أين حصلت عليها؟
وعندما رآني أتطلع به مستفسراً، أضاف:
- أقصد زهور البيجونيا؟
اندهشت وحاولت تصحيح جملته:
- الأكاسيا عفواً·
بصراحة ليس عندي معرفة جيدة بالزهور، ولولا تسمية الطبيب للزهرة التي حفرت جذرها في قصبة رِفقة الهوائية، لما بدأت في شراء الكتب الخاصة بها· هكذا جعلني تعليقه أفكر بأمر الزهرة من جديد، ولكن الوقت كان متأخراً بالنسبة لي لجمعها من مكانها وحملها بعيداً· لم يبق لي إلا أن أهز رأسي وأعتبر تعليقه غير ذي أهمية·
كرر سؤاله:
- من أين حصلت عليها؟
في تلك اللحظة أجبته بجواب سأبقى نادماً عليه طوال حياتي، لأني بسببه لم أستطع الفكاك من ذلك الرجل منذ ذلك المساء!
- كيف من أين؟ إنها موجودة في كل مكان!
نظر لي بعيون معذبة:
- إذن ساعدني في العثور عليها·
وقبل أن أعلق على جملته، أردف:
- ربما تحصلون عليها أنتم الضباط فقط!
حينها انتبهت إلى أنني كنت أجلس هناك ببذلة الضابط· ولكن كيف لي أن أشرح له أنني ضابط احتياط لاغير، وأنني خريج كلية الآداب، وأن هذه الرتبة كفت أن تكون امتيازاً، وأنه لو كان بإمكان الدولة انتزاعها مني لفعلت· بدل ذلك حاولت لعب دور الضابط فعلاً، غامزاً بعيني، رافعاً كتفي إلى الأعلى· وقلت له جملة ندمت عليها تباعاً أيضاً:
- ممكن قول ذلك·
حتى فاجأتني دمعتان تنحدران بخفة وتتلويان مثل حية أم سليمان فوق وجنتيه· لم أفهم ماذا يجري· أعتقد أنه كان أكثر وعياً مني بالحالة· فقال لي:
- أرجوك أيها السيد، تعال معي لأريك ما حصل!
قادني الفضول أن أتبع خطواته مباشرة، فيما كنت أسمع صوت نشيجه طوال الطريق· لم يستغرق سيرنا أكثر من دقيقتين وبعض الثواني، حتى أصبحنا مباشرة عند الزاوية المقابلة التي فصلها جدار عن قبر رِفقة· أشار لي أن أقف· توقفت بمواجهة خمسة قبور، ولكن لقول الحقيقة، كان علي أن اسد أنفي بأصابعي فقد فاحت حولنا بصورة غير عادية رائحة أورين عنيفة، طوقت المكان· عندما لاحظ الرجل حركتي الأوتوماتيكية، ضحك بمرارة، فيما أخرج منديلاً من جيبه ومسح دمعاته التي لم تنقطع من الجريان، وقال:
- أعرف، رائحة البول، هكذا هم البشر، كل شيء أنفع منهم، حتى الحيوانات والأشياء· إنهم غير قابلين للإصلاح·
وعندما لاحظ صمتي، سأل:
- هل حضرتك ضابط استخبارات؟
فأجبته مرتبكاً بعض الشيء:
- كلا، كلا·
رأيته يتطلع بي وكأنه لم يصدقني، فأكملت:
- أنا هنا لوضع الزهور على قبر زوجتي!
هدأ قليلاً وأجاب:
- فظيع، وجهك يدل على أنك أحد ضباط استخبارات·
ربما عرف سبب استغرابي للتهمة، لذلك أردف:
- عدم المؤاخذة، زائداً حصولك على زهرة البيجونيا النادرة التي كانت هي سبب وفاة بناتي الخمس!
عندما قال تلك الجملة أشار بيده إلى القبور الخمسة التي اصطفت ملتصقة مع بعضها، ورُسمت فوق كل منها زهرة مختلفة، ولكن بالأسود والأبيض، لم أرها لا في حياتي ولا في الكتب التي كانت في بيتي· راحت نظراتي تجول فوق شواهد القبور، عندما شعرت بيده تمتد وتلمس كتفي برقة· التفت إليه· كان هادئاً· أشار لي بالجلوس· جلست· لبرهة ظللنا صامتين، حتى أخرج الرجل آهة كبيرة وهو يتأمل وجهي· حينها عرفت أن له قصة يريد روايتها لي، فتطلعت إليه بفضول وكأنني أقول له إبدأ، ليبدأ بالفعل في حكاية قصته·
كان عمره يقارب الستين، على أكثر تقدير، فمن الصعب التكهن بالدقة، إذ لولا القصة التي رواها لي ولولا الخطوط العميقة التي انحفرت في وجهه، ورقبته النحيفة التي يمكن رؤيتها من خلف ياقة القميص القصيرة، لمنح الانطباع بأنه تعدى الخمسين للتو، فقد خلا شعره من الشيب إلا قليلاً· ارتدى بزة جوخ لا عيب فيها وحذاء أبيض وعقدة من حرير وقبعة بحار وعصا من خيزران في يده· كان له بؤبـوا عينين شاحبان يمنحانه هيئة الملاح، وشارب من صوف سنجاب·
كان للرجل خمس بنات: الكبيرة اسمها نِعمة والصغيرة رِفقة وبينهما ثلاث أخوات، رحمة وشَفَقة ورأفة· لقد ماتت أمهنّ نَورِيّة وهن صغيرات· كانت تعاني من انغلاق تنفسها لسنين طويلة، ومنذ ليلة زواجهما·
- تصور! أننا لم نستطع النوم مع بعض حتى بعد مرور ثلاثة أشهر وعشرة أيام·
ففي الليلة الأولى قالت له نَورِيّة، إن ضيق نفسها يأتي من عدم شم زهرتها عين الطاووس، ولكنه لم يصدق ما قالته· أو لنقل إنه لم يأخذ ما قالته على محمل الجد، بل فسره بأنه مجرد غنج نساء، وكان عليه أن ينتظر سنوات أخرى ليعرف أن ذلك الغنج يحوي الكثير من الحقيقة· لم يعرف حينها أن نَورِيّة تنتمي إلى واحدة من عوائل البحارة الأوائل التي سكنت البصرة، وكان أبوها غالباً ما يجلب زهوراً نادرة من مدن ما وراء البحار· كلا لم يعرف ذلك، ويبدو أنه هو القادم من مكان اسمه كميت لم يشأ معرفة من أين جاءت زوجته عندما تقدم ليطلب يدها، فقد اكتفى بإعجابه بربلة فخذها البيضاء عندما رآها وهي تنحني لملء جرتها عند خندق نهر العشار، حيث كان يتلصص مع مجموعة من زملائه في واحدة من ظهيرات البصرة الساخنة على النساء اللواتي يأتين عند الخندق عادة ليغسلن الملابس في المَدَة كما يطلقن على ماء المد قبل أن يسحبه الجزر· تلك الظهيرة، قرر كل واحد من الزملاء الخمسة من ستكون زوجته· عندما تزوج، كان الجيش قام بانقلابه قبل شهر ضد العائلة الملكية·
- لم أنتبه إلى قصة التنفس إلا بعد سنين·
ففي إحدى الأماسي، وعندما كانوا يجلسون عند سطح البيت، وكانت نَورِيّة قد أنجبت البنات الخمس، قالت له، إنها المرة الأخيرة، إن لم تشم رائحة زهرة عين الطاووس فإنها ستموت· تلك الليلة أطلق ضحكة سيندم عليها في وقت متأخر؛ ربما لمعرفته أنه من المستحيل عليه هو الرجل القادم من مكان اسمه كميت الحصول على زهرة تحمل اسم عين الطاووس اسم غريب لم يسمع به من قبل· طبعاً لم يدر حينها أن الزهور لا علاقة لها بالأماكن، إذا ما قُيض لها أو إذا قررت هي النمو· هكذا ماتت نَورِيّة تلك الليلة مختنقة بأنفاسها، فيما مسكت البنات الخمس يدها·
لم يعرف إلا بعد وقت متأخر أن نَورِيّة أورثت بناتها الخمس الهاجس ذاته· ولكن هذه المرة باختلافات بسيطة· سأحاول ترتيب القصة كما حكاها لي، بالرغم من أن ما أريد روايته يختلف في النهاية عما حكاه هو·
- هل تعرف أن الفارق في العمر بين الواحدة والأخرى غير ذي معنى، سنتان لا أكثر· وكنت سعيداً معهن· ولكن عندما بلغت البنات الخامسة عشرة، أقصد الواحدة خلف الأخرى، بدأن بالإفصاح عن رغباتهن· من الصعب القول إنها رغبة· أعتقد أنها كانت الحاجة· ولكن كيف لي أن أعرف حينها، فحتى ذلك الحين كنت أباً سعيداً، كن يُحطن بي، لم أشكُ من نقص أي شيء، كن يقمن بكل شيء، حتى عندما أشرب كانت ثلاث منهن يهيئن صحون المزة، واحدة الجاجيك، الثانية الَسلَطَة، الثالثة الباقلاء، أما الاثنتان الأُخريان فتُعَمِّران أقداح الشرب، واحدة تصب العرق فيه والثانية تضيف له الماء والثلج· كنت أجلس، أشرب وهن يحطن بي، نِعمة تحكي النكات، رحمة تروي القصص، شَفَقة تغني، رأفة ترقص، ورِفقة تُلقي الشعر· كل شيء كان يمر بسعادة، حتى إنهن أنسينني فقداني لأمهن· ولكن اللعنة، ما إن تعدت كل منهن الخامسة عشرة حتى بدأت طلباتهن· هكذا بدأ الأمر مع نِعمة·
قد يبدو ما رواه غير معقولاً، وغرائبياً الآن، ولكن في تلك اللحظة التي جلس بها أمام القبور الخمسة، عرفت أننا نحن الاثنين مشدودان إلى الهاجس ذاته الذي يجبرنا على رواية ما حصل لنا بعد 22 أيلول 1980 أو ربما قبلها· ولكن لا يهم· المهم هو حكاية المصيبة، وبأية طريقة كانت، وبعدها ليكن ما يكون·
كانت نِعمة البنت الأولى التي جاءت وقالت له:
- أريد زهرة النرجس الأصفر·
فيما كانت البنت الثانية رحمة التي قالت له:
- أريد زهرة زنبق البحر·
أما الثالثة فقالت:
- أريد زهرة قرنفل الألم·
فيما قالت الرابعة:
- أريد زهرة الأقحوان الحيران·
ربما لم ينتبه إلى ما كان يدور حوله، لو لم يسمع بنته الصغرى، رِفقة تقول له:
- أريد زهرة عين الطاووس·
فبالذات عندما سمع طلب رِفقة، عرف بأن الأمر جدي هذه المرة، وعليه البحث عما طلبنه·
- هل تعرف، كن خمس بنات وديعات· كل من رآني آنذاك، عرف أنني أب سعيد، ولكنني أب سعيد فقط لأنني أنجبتهن، غير أنهن الآن بعيدات· لا يهم· كن عند المساء يذهبن خمستهن فوق السطح ويعاين السماء، وبعض الأحيان ينادينني ويقلن أبي تعال انظر معنا إلى النجوم طبعاً أنظر معهن· هل رأيت منظر النجوم في الصيف وأنت واقف عند السطح؟ إنه مشهد غريب، جميل··
يصمت فجأة ويسألني:
- بالله عليك ألست ضابط استخبارات؟
فأجيبه:
- كلا، ثق!
فيهز رأسه:
- فظيع، مع أن ملامحك تدل على كونك ضابط استخبارات لا محالة!
أكمل بعدها:
- لا علينا· إن حبي لهن أجبرني على البحث عن الزهور التي طلبنهن· ولكن هل تعرف، أن البنات لم يعرفن أنهن كن متفقات على الوردة ذاتها دون أن يعلمن· ما كن يبحثن عنه هو زهرة القدر، هل تعرف، ولكن بأسماء مختلفة، فكل تلك الزهور التي ذكرناها هي تنويع على زهرة واحدة لا غير، مثلما تحب امرأة واحدة في حياتك···
توقف للحظة وقال لي:
- هل أحببت امرأة في حياتك؟
لاحظ تطلعي به فقال:
- آسف، أعرف أنك عند قبر زوجتك، ولكن هل تدري هناك امرأة واحدة نحبها، لا يهم ماذا يحدث، فبعد انفصالها عنا لأي سبب كان، تصبح كل من تأتي بعدها هي تنويع عليها·
حاول أن يكون أكثر وضوحاً:
- كل من تأتي قبلها هي مبكرة، والتي تأتي بعدها متأخرة·
ثم وكأنه عثر على جواب شافٍ:
- لنقل مثل لازمة موسيقية·· كل النساء اللواتي يأتين هن تنويع على الأولى·· ألا ترى معي هو الأمر ذاته مع زهرة القدر!
عندما قال تلك الجملة، ألقاها وكأنه يُلقي لي بسر كبير، فقد مط شفتيه وكور كتفيه بصورة غريبة· حتى إنه عندما رآني أتطلع فيه باستغراب، أو لنقل بتساؤل عن معنى جملته، قال لي:
- إنها الزهور ذاتها التي وضعتها على قبر زوجتك·
من العبث أن أذكره في تلك اللحظة أن الزهور التي كانت في حوزتي، هي زهرة الأكاسيا، حصلت عليها نتيجة لعاملين لهما علاقة بي وبالبائعة التي سلمتها لي· صحيح أنني لم أعرف اسمها حتى ذلك اليوم (هل كان اسمها زهرة الأكاسيا كما أقنعتني البائعة، البيجونيا كما ادعى هو، وما علاقة هذا بزهرة القدر، أم وهذا احتمال أكثر رجحاناً أن كل القصة التي أرويها هي كذب مخربط و وهم آخر يُضاف إلى أوهامي؟)، وأنني إن لم أخطىء رأيتها في بيتنا في الأيام الأخيرة· ولسوء حظي الآن (كم أنا نادم على ذلك)، لم أسأل عن اسمها، فقد كنت أراقبها بحياد، كما لو أنها جاءت من كوكب آخر· فهي رِفقة التي جلبت في الأول صحناً ملأته بتراب أحمر وببذور ووضعته عند بالكونة الدار· لم أسألها عن ذلك، بل لم أعر انتباهاً لما يجري· فمن يوم إلى يوم، تسلقت الجدران أشنة طرية خرجت من الصحن· ثم غطت أرض الدار كلها، وما لبثت الأعشاب الرشيقة أن اندفعت من تحت إسمنت الشرفة فحطمته كما يحطم الكريستال، وخرجت من بين الشقوق زهيرات صفراء كتلك التي وصفتها جدة رِفقة لها - كما حكت لي - قبل ربع قرن· وما كانت تملك رِفقة لا الوقت ولا الوسيلة التي تكبح بهما جماح الطبيعة، فأخذت تقضي نهارها في الغرف وهي تصلي للزهرات المتفتحات تواً، التي تنكمش على نفسها بحزن متى ما لَيّل الليل· لم تدر في الأول لماذا؟، ولكنها فجأة ذات ليلة رأت الدود الأحمر يأكل أساسات البيت بعد أن قضمها، ويمر في حديقة الأزهار ثم ينزل إلى الشرفة وقد اكتست فيها أزهار الآكاسيا لوناً ترابياً، ويدخل إلى أعماق البيت· جربت أن تقضي عليه بالمكنسة وبعد ذلك بمبيد الحشرات ولجأت أخيراً إلى الدواء الكلسي، غير أنها كانت تجده في اليوم التالي في المكان نفسه، لا ينقطع دبيبه، قوياً عنيداً لا يقهر· هكذا ظلت رِفقة تكافح تلك الأعشاب الضارة، تنتزع خصل نسيج العنكبوت الذي نما فوق الأزهار، تكشط بقاياها على الخزانات· كانت تفعل ذلك ثلاث مرات في اليوم غير عابئة بطابع البؤس الذي كانت تثيره العناكب الزاحفة، حتى عرفت بعد تسعة أشهر، أن الزهرة التي أرادتها أن تتفتح هناك، مقضي عليها لا مفر، مع كل حقل السوسن المحيط بها، فقد زحف عليها حشد من جيش دود مقبرة الجنود المجاورة، والتي توسعت برعب منذ أسبوع الحرب الأول، بعد 22 أيلول 1980· لبست رِفقة ثياب الحداد العتيقة وحذاء قديماً كان لجدتها وجورباً قطنياً قدمته أمه هدية لها في ليلة العرس، ووضعت الزهرتين الوحيدتين اللتين قاومتا موتهما في دفتر صغير غلفته بعناية ودسته في صرة صغيرة· قالت لي:
- سأذهب لأموت· علي ان أجد زهرة الأكاسيا في مكان آخر· فهذه الديدان القادمة من الثكنة والمقبرة العسكرية القريبة، لن تدعاها تنمو·
كان وجهها شاحباً عندما قالت لي ذلك· لم أثنها عن عزمها، وكأنني فهمت ما كان يدور في رأسها· وفي الوقت نفسه لم أستطع منع نفسي من البكاء، عندما رأيت شحوب وجهها المريض، وهزال جسمها الذي تضاعف في ثوانٍ وهي تقف عند العتبة ويدها تمسك بأكرة الباب·
- لا تبكِ يا حبيبي·
قالت لي بصوت واهن، يحمل معه النشيج· جف كل شيء فيها دفعة واحدة وفي اللحظة ذاتها سقطت عند العتبة·
وقبل أن أقول له، إنها ماتت بعد ثمانية أيام من اندلاع الحرب في مكان ليس ببعيد عن الثكنة ولا عن المقبرة، وأني حملت جثتها على ظهري وجلبتها إلى هنا، قال لي وكأنه صاحبني في كل الكوابيس:
- هي الأخرى كانت تبحث عن زهرة القدر، مثلهن· نِعمة جاءتني ما إن أصبحت في السادسة عشرة من عمرها· لم آخذ الأمر محمل الجد في البداية· قالت لي أريد زهرة النرجس الأصفر، قلت لها حسناً، سأجلبها لك· الجواب نفسه قلته لرحمة، عندما سألتني عن زنبق البحر شَفَقة لم تسمع مني جملة مختلفة عندما طلبت زهرة قرنفل الألم، وأيضاً رأفة عندما رغبت بزهرة الأقحوان الحيران، رِفقة فقط هي التي باحت لي أن زهرة عين الطاووس التي تطلبها هي في الحقيقة زهرة القدر حينها عرفت أن علي البحث عن تلك الزهرة· كنت أدور وأدور· لا أريد لابنتي الأخيرة أن تموت· لست أباً فظاً· أنت لا تعرف مقدار حبي لهن· ولكن ما هي حيلتي إذ كان معظم الذين قابلتهم يقولون لي إن هذه الزهرة ليس لها وجود· لم أصدق· رحت أطوف المدن والقرى بحثاً عنها· وعندما رجعت، وجدت إبنتي رِفقة كبرت، تتنظرني، فيما غزا الشعر الأبيض شعرها· كانت قد مرت أكثر من سبع سنين· ليتني لم أرجع، فما إن رأتني فارغ اليدين حتى شهقت لتموت· هل تعرف؟ أنا أب بائس، أب لا يستحق كلمة الأبوة، لماذا صدقت أن زهرة القدر غير موجودة؟
عندما إنتهى من قصته، بكى بحرقة، كأنه لم يبك منذ قرون طويلة· كان من الصعب علي إيقاف دموعه في تلك اللحظة· ذلك المساء، وعندما خرجت من المقبرة، كنت أفكر في ما إذا كانت رِفقة ماتت لذلك السبب فعلاً· لم أدر· بل بقيت لا أعرف لسنين طويلة، حتى حدث ما حدث· والآن أنا آتٍ إلى جزء القصة المهم والذي أريد أن أرويه·
صحيح أنني كنت التقيت بالرجل مرة واحدة في أثناء زيارتي لقبر زوجتي، إلا أننا بالرغم من حديثنا القصير في ذلك اليوم، ظللنا أمينين لما رويناه لبعضنا، كل واحد منا للآخر، متيقنين أن لا وجود لتلك الزهرة التي يُطلقون عليها زهرة القدر، وإلا لكنا حكمنا على أنفسنا بالموت حزناً وألماً لشعورنا بالتقصير والإهمال· ليس هناك أكثر عذاباً من شعور العاشق بتقصيره إزاء حبيبه·
كانت قد مرت قرابة ثمان سنوات على لقائنا اليتيم، عندما كان علي أن أستعيد قصته وقصة زهرة القدر مرة أخرى· هكذا فقدت رؤيته لسنين طويلة، قبل أن ألتقيه في الحفلة الصغيرة التي أقامها العقيد آمر وحدتنا بمناسبة انتهاء الحرب (بالرغم من الشعار المعلن لاحتفالنا بمناسبة انتصارنا!)·
كان الثامن من أغسطس 1988، يوم توقفت الحرب، حينها عادت وحدتنا للتو من الفاو· كنت في الحقيقة أفكر في تلك الظهيرة الحارة في الذهاب إلى بائعة الزهور أولاً، لأشتري منها الزهور ذاتها التي اشتريتها منها قبل ثمان سنوات، لأذهب بعدها إلى المقبرة· من أجل قول الحقيقة كنت قد نسيت حكاية الرجل وحكاية زهرة القدر وما جرى لبناته الخمس، لولا أنني لم أعثر على العجوز بائعة الزهور· فهذه المرة واجهني رجل ضخم الجثة، كث الشاربين، لا أدري لماذا ظننته من رجال الأمن· ربما رأى الرجل تطلعي الغريب به، فقال لي:
- لا تظن أنت الآخر أنني من رجال الأمن أيضاً··ما الذي جرى لكم جميعاً·
ضحكت· فسألني:
- ما الذي يجعلك تضحك؟
أجبته، دون أن أتوقف عن الضحك:
- لا شيء·
حينها تذكرت حديث الرجل معي قبل سنوات في المقبرة، فقلت لنفسي غريب، مثلما هي المرأة تنويع على المرأة الأولى، أي رجل أمن هو تنويع على رجل الأمن الأول ذاته حاولت بعدها تصنع الجدية بالتعبير على وجهي، فسألته عن العجوز التي كانت تبيع الزهور، فقال لي:
- امرأة غريبة، طوال الوقت كانت تتحدث عن زهرة القدر!
فسألته:
- جئت أطلبها منها·
فقال لي متعجباً:
- أنت الآخر!
لبرهة تحرك من مكانه وغادرني إلى زاوية المحل، ليأتي بعدها بحزمة ورد بدا أنه كان قد أعدها سلفاً، قال لي:
- خذ زهرة المساكين، فهي آخر ما تبقى عندي قبل أن أغلق المحل·
أخذتها منه وغادرته، فيما كنت أسمع شكواه خلفي، في الأول يشكون بي كواحد من رجال الأمن، ثم يقولون إنهم يبحثون عن زهرة القدر· خره بالله·
لم أذهب إلى المقبرة· جئت مباشرة إلى الحفلة· طلبت من خادمة العقيد أن تضعها في مزهرية صغيرة· فعلت ذلك بسرعة، وحملتها لي، وقالت من الأفضل أن أضعها عند الشرفة· وضعتها في زاوية بعيدة عن زحام المحتفلين· ولقول الحقيقة كنت حاولت جهدي إخفاءها عن أنظار ضباط الوحدة، الذين أعرف سخريتهم من الورد تماماً، فكيف لي أن أروي لهم عن الموت بسبب زهرة القدر، وهم الذين اعتادوا الموت بسبب إطلاق المدافع أو قصف الطائرات أو انفلاق القنابل·
مرت الأمسية بصورتها العادية· قرأ أحد الضباط كلمة بالمناسبة، ذاكراً انتصار قواتنا في معاركها التي خاضتها، فيما ألقى الآمر قصيدة عمودية أثارت قهقهة الحاضرين، لما احتوته من غزل وتلميحات جنسية، لم تخل من حدة ومباشرة في أكثر من موضع، فيما رحت من طرفي أراقب حزمة الورد من لحظة إلى أخرى، حتى حدث الذي جعلني أروي هذه القصة·
لا أدري، ربما كانت الساعة قد قاربت الثانية عشرة، وكان أغلب المدعوين قد غادر الحفل· اتجهت مثلما كنت أفعل كل مرة، لأرى حزمة الورد بصورة روتينية· لبرهة وقفت مشدوهاً هناك· في الوهلة الأولى خمنت أنني سكران، وإلا كيف كان لتلك الحزمة التي احتوت ربما على عشرين زهرة (على الأقل) أن تختفي· كلا··كلا، ربما أكون أخطأت بالشرفة· درت مثل ثور معصوب، على طول الشرفة وعرضها، ولو كانت هناك شرفة أخرى لذهبت وبحثت عنها، ولكني كنت متيقناً، أنها الشرفة الوحيدة· لم تستغرق حيرتي وقتاً طويلاً، إذ أحسست بيد تربت فوق ظهري (عرفت بعد التفاتي بأنه كان العقيد):
- هل تبحث عن زهرة القدر؟!
فقلت له وكأن صاعقة سقطت فوق رأسي:
- أنت الآخر، تعتقد أنها زهرة القدر، وهي زهرة المساكين لا غير؟
ضحك ضحكة خفيفة· مسكني من كوعي وقادني برقة إلى وسط حافة الشرفة:
- لكنك أنت ياعزيزي من كان يحدثني في الجبهة عن هذه الزهرة·
حاولت أن أفتح فمي، فرفع كفه أمامي، وكأنه يطلب مني أن أسكت· فأضاف:
- أعرف ما ستقوله· يقيناً ستحدثني عن زهرة النرجس الأصفر، زنبق البحر، زهرة البيجونيا، زهرة قرنفل الألم، زهرة الأقحوان الحيران وعن زهرة عين الطاووس· ولكنك أنت أيضاً ستقول لي في النهاية إنها زهرة القدر·
صمتنا· تطلع بي لعشر ثوانٍ أو أكثر:
- مثل ذلك، الذي منذ 22 أيلول 1980 لم ينقطع عن ترديد ذلك·
عندما لفظ تلك الجملة، أشار بيده إلى شرفة مجاورة لنا، امتدت بشكل منحرف قليلاً، يبدو أنني لم أنتبه إليها، بل لا أدري كيف غابت عني، بعد أن تطلعت إلى المكان أكثر من مرة· لم أدوخ رأسي طويلاً، فقد كنت مقتنعاً، أن أموراً غريبة كانت تحدث لي منذ أن رفعوا جزءاً من جمجمتي، يميناً عند جبهتي·
في تلك اللحظة تذكرت حديثه معي في المقبرة، وحكايته عن بناته الخمس اللواتي كن يقفن عند الشرفة في المساء· يتطلعن إلى المشهد ذاته الذي كنا نتطلع إليه· فأمامنا، أنا والعقيد الذي وقف بجانبي، امتدت سماء حادة، زرقاء صافية، انتشرت فيها النجوم بحرية مثل كرات تقذفها أرجل خفية، مثل كرنفال من قطع فضية، بل مثل زهور خرافية لا وجود لها التمعت في ذهني تلك اللحظة، فاقت في تشكيلها فنطازية زهرة القدر··· نجوم بدت لي تلك الليلة مثل تلك الزهور التي صاحبتني صورتها المضببة طوال الأيام التي قضيتها على خطوط الجبهة أقاتل القذارة والبؤس والحيرة، منذ أن أصابتني شظية حقيرة ليلة العرس فوق الشرفة؛ تلك الزهور التي ما زلت أتذكر أسماءها: زهرة النرجس الأصفر، زنبق البحر، زهرة البيجونيا، قرنفل الألم، الأقحوان الحيران وعين الطاووس······ نجوم تسمرت فيها نظراتي وكأنها تبحث من بينها عن نجمة واحدة فقط، انطفأ ضوؤها أمامي منذ سنين ما عدت أذكر لا عددها، ولا كيف حصل ما حصل···· فلبرهة قلت لنفسي، لماذا لا تكون النجوم هي الأخرى تنويعاً على نجمة واحدة··· ففي النهاية نحن نرى نجمة واحدة فقط، والباقي هو مثل لازمة موسيقية····· بالفعل برق ضوء النجوم أمامي مثل فكرة خاطفة·· حينها رأيت تحت الضوء أن ما كنت أراه لم يكن غير شرفة ظلت مقاومة لقصف تعرضت له، يعلم الله ماذا فعل الطيار الذي مر بها والغربان التي حلقت ساعتها فوقها ماذا حدث··· شرفة لم تتزحزح من مكانها ولم تتهدم مع البيت الذي تهدم بكامله· ربما رأى العقيد فمي ينفتح دهشةً فقال:
- هل ترى تلك الشرفة الباقية الوحيدة من البيت المهدم··؟
لا أدري إذا ما كنت قد هززت رأسي له موافقاً، أم أنه استمر لوحده في سرد الحكاية التي أحكيها لكم الآن:
- في الحقيقة لم يبق من البيت غير الشرفة· ألا ترى أننا نقف الآن في مكان مرتفع قليلاً، من الأماكن المرتفعة النادرة في البصرة· بيته هو الآخر يقع على المرتفع الوحيد الذي يفصله عن بيوت الضباط الآخرين والمواجه للقاعدة البحرية، والمجاور لمقبرة الجند الضخمة، هل ترى هناك···· هناك··
لا حاجة له أن يشرح لي، فقد بعثت الليلة ما يكفي من الضياء لأرى المشهد· عند أقدام المرتفع امتد حقل مغطى بالسوسن، بحر من ثمار الأرجوان الأصفر والأحمر، يتموج في ريح شط العرب·
- هو الذي قرر أن تتزوج بناته الخمس نِعمة، رحمة، شَفَقة، رأفة ورِفقة في اليوم نفسه· لقد اختار يوم الزواج بحيث أنه يصادف اليوم نفسه الذي تتفتح فيه أول ثمار السوسن، فراش ملون، مربوط بشبكة من السدود، تنتهي بشط العرب· بناته كن يلبسن فساتين بيضاء بقَصَةٍ تشبه شكل القلب، وبرقع من نسيج التُل الذي يوضع فوق الرأس مزوداً بإكليل من الياقوت وخمارة منسوجة· ذلك اليوم طلبت كل واحدة منهن نوعاً من الزهور كهدية لعرسها· بنات غريبات، لم يطلبن الألماس ولا الذهب:
نِعمة زهرة النرجس الأصفر، رحمة زنبق البحر، شَفَقة زهرة قرنفل الألم، رأفة زهرة الأقحوان الحيران، ورِفقة زهرة عين الطاووس· ذلك المساء كن يتحركن كما لو كن يطرن، هكذا عديمات الوزن مثل غيمة بيضاء، عندما كن يدرن في البيت· لبرهة دعت البنات العرسان والضيوف للصعود إلى السطح وهن يهتفن فرحات انظروا إلى النجوم، كم هي جميلة كنت أقف معه ومع زوجته عند البالكون ومع بحار صديق له قادم من بعيد، اسمه إدواردو، نتطلع بالبنات وهن يسحبن الضيوف إلى السطح· لم يستغرق الوقت طويلاً، حتى رأيت أربعاً منهن مع أربعة من العرسان ومعظم الضيوف الذين - لحسن الحظ - لم يكونوا كثيرين حتى تلك اللحظة، ربما لم يتجاوزوا الخمسين، رأيتهن يطرن في الهواء، هذه المرة بالفعل، مثل غيمة ولكن ليس بيضاء إنما سوداء مليئة بالسخام، معهن طار كل البيت· حينها فقط تذكرنا أنه لم يكن يوم السوسن، إنما كان يوم 22 أيلول، يوم اندلعت الحرب· ألا ترى معي، أنه لم يبق من البيت غير الشرفة والنجوم التي امتدت فوقها· لكن ظل هو وزوجته التي منذ ذلك اليوم نذرت نفسها لبيع الزهور، زهور الأكاسيا فقط، معتقدةً أنها زهرة القدر لا غير·
فقلت له إنني سمعت القصة بطريقة أخرى· ضحك وقال:
- نعم ياصديقي، القصة، القصة، القصة·
ردد تلك الكلمة أكثر من مرة، قبل أن يقول لي:
- هل تعرف أننا نسمع قصة واحدة، وكل القصص الباقية هي تنويع على القصة الأولى· والأمر متروك لنا بالتالي، أية قصة نروي· تلك هي الحال مع اللازمة الموسيقية التي نكررها ومع المرأة التي نحب· ففي النهاية هناك امرأة واحدة، قصة واحدة، زهرة واحدة مثل زهرة القدر·
خرجت مباشرة بعد سماعي للحكاية· قطعت الطريق بسرعة عجيبة حتى أصبحت عند الشرفة المتوحدة في المكان· رأيت الرجل يقف عند الشرفة· هو ذاته مثلما رأيته في المقبرة· لبس بزة جوخ وحذاء أبيض وعقدة من حرير وقبعة بحار وعصا من خيزران في يده· كان له بؤبوا عينين شاحبان يمنحانه هيئة الملاح، وشارب من صوف سنجاب، فيما وقفت زوجته بجانبه، ذاتها التي باعتني الورد في المرة الأولى· ربما كان يكبرها بعشر سنوات، لكن مزاجه الذي بدا مصراً على ألا يهرم وعزمه الحي على جعلها سعيدة، بالإضافة إلى مؤهلات العاشق التي يبدو أنه تحلى بها، كل هذا كان تعويضاً عن فارق العمر· أردت أن أصيح به عندما رأيته يغادر وزوجته الشرفة· عبثاً، في تلك اللحظة رأيتهما مثل شبحين من الصعب تصور حقيقة وجودهما، يغادران المكان، وقد تأبطا ذراعيهما، وفي الوقت نفسه وصل سمعي حوار أشبه بالهمس:
- هل تتذكرين معي زوج أصغر بناتنا، البحار، ليلة العرس؟
- تقصد الضابط البحري··؟
فأجابها:
- تتذكرين أنه حدثنا عن وجود زهرة القدر·
فقالت له وهي تضع رأسها فوق كتفه:
- أتذكر أنه قال إنها تنمو عند سواحل الكاريبي، حيث مدينة قرطاجة الهنديات، في ماكوندو·
مسد شعرها الشائب بيده· حينها تهيأ لي أنني أسمع جملة وكأنها منحوتة في الهواء منذ القدم قالها هو بصوت حنون:
- نعم ويسميها الكاريبيون زهرة سوق الشيوخ·
مثلهما مثل تلك الشخصيات التي تظهر وتختفي فجأة في السينما، راحا ينسلان شيئاً فشيئاً ويختفيان من المكان الذي كنت أراقب منه هيئتهما، لأظل وحيداً عند الشرفة التي التّمت فوقها نجوم لامعة مثلما التمت تلك الزهور التي لممتها أنا قبل ساعات في حزمة·· هناك·· تلك هي الزهور، كل الزهور: زهرة المساكين·· زهرة القدر·· زهرة ماكوندو·· زهرة قرطاجة الهنديات·· زهرة سوق الشيوخ·
أريام ذات العماد على عربة البنات
سيمر زمن طويل حتى ينتهي ذلك الكابوس الذي حلمت به كل ليلة، منذ الصغر: ذلك أن امرأة تطعنني بسكين وتُلقي بي في بئر عميقة في حديقة خلف البيت· ربما تكون لهذا الكابوس علاقة بالقصة التي أرويها الآن، وربما لا؟! لكني في تلك الأيام لم أفهم الأمر أبداً، لأني ورغم حدسي بما كان يجري من حولي، لم أجد الشجاعة الكافية، كي أسأل أمي أو أبي عن السبب؛ على الأكثر لم أجد الجرأة لسؤال أمي بالذات، لأن أبي تركنا وحدنا مع ديون كبيرة قبل أن يقوم برحلته·
كان لا بد أن يمر أيضاً زمن طويل، حتى تأتي ريما أختي ذات مساء لتطلب مني النزول إلى المكان ذاته الذي نزلنا إليه قبل سنوات، لكي أعرف القصة بتفاصيلها· ولقول الحقيقة كان من الضروري أيضاً أن تأتي أزمان جديدة، كي أستطيع - لست أنا وحدي، إنما أنتم أيضاً - تقويم الأمر من زاوية نظر أخرى· كان لا بد - من ضمن أمور واجبة كثيرة - أن أنمو أكثر، ليس لأن المفاجأة كانت ممكن أن تعقد لساني وتجعلني قعيد ذهولي، مثلما أقعدت أختي الكبرى ريما لزمن لا بأس به وغيّرت من إيقاع حياتنا، ومن وضع عائلتنا·
ربما بدا الأمر غريباً للكثير منكم إذا رويت القصة، ولكن في تلك الأيام، عندما كان ما يزال عمري اثنتي عشرة سنة، وعندما كانت المدينة والناس والبلاد كلهم يعيشون وضعاً مهما اختلفنا بصدد تقويم إلا أننا نتفق في النهاية على نعته على أقل تقدير بالطبيعي·
هكذا، ولكي لا تتسرعوا بإصدار حكمكم عليّ، لم أعرف ذلك أبداً، حتى وقت قريب، ولا يعني ذلك، أنني لم أكن أرغب بمعرفة الأمر، على العكس· فإذا ما قَّلبتُ الأمر من وجوهه العديدة الآن - وأنا أقص عليكم قصتي -، فإنني ربما أكون أكثر إصراراً من كل أخواتي السبع على معرفة القصة، ناهيك عن خالاتي الثلاث عشرة اللواتي لم تهمهنَّ القصة إلا عندما بدأت أمور غريبة تحدث في بيتنا·
أتذكر الآن - وأنا أجلس أمامكم، قلة حيلتي إزاء ما حلّ بأختي ريما، أولاً لعدم معرفتي في بادئ الأمر بما حدث لها، وثانياً - أقول لنفسي الآن - هل كان بإمكاني في تلك السنين منع ما حدث؟ أو على الأقل جعل الأمور تأخذ منحى آخر، ومنع كل ما يُحزن ريما، لم تكن عندها الرغبة بالكف عن البكاء ولا العزيمة باسترداد عافيتها، رغم كل تلك السنين التي مرّت !؟ لا أدري - في أكثر من مناسبة سألت أمي وخالاتها الثلاث عشرة كلما انتقلنا من بيتنا لنعيش في بيت جديد، وكنّ يقلنّ لي:
عندما تكبر ستعرف قصصاً عديدة أخرى!·
لا أعرف في ما إذا كان إخفاؤهنّ القصة عني يعود لصغر سني، أم لأني الصبي الوحيد لعائلة من الإناث· كنت الذكر الوحيد وسط فريق من الأناث، ولقول الحقيقة مرة أخرى، إنني في تلك السنوات لم أشعر بأنني ذكر بالفعل، فلقد اعتادت أمي أن تصفف شعري، بينما كانت تُلبسني ملابس البنات، حتى أخواتي كنّ يصررن على معاملتي مثل أنثى· لم أشعر في أي يوم أبداً بأيما حرج· كنّ يخلعن ثيابهن ويمزحن بكل مزاح الإناث أمامي· كنت في الحقيقة مثل أية واحدة منهن، حتى حدث ما جعلني أشعر للمرة الأولى بأني من جنس يختلف وعندي واجبات أخرى·
كنت الأصغر - كما قلت - لسبع أخوات· كان أبي رجلاً غريباً مقارنة مع محيطه، ليس لشخصيته المتميزة فقط، إنما - هذا ما أعرفه الآن - ربما لأنه عاش ما لم يعشه أحد غيره· فهو الذي تزوج من أمي وهو في الثامنة عشرة، والذي لم يمر على زواجه أكثر من عشر سنوات حتى وجد نفسه فجأة مسؤولاً عن عائلة كبيرة - وقبل أن أولد أنا وتولد ريما التي تكبرني بسنة فقط -· لم تكبرني ريما بسنة فقط، إنما كانت مدللة أبيها أيضاً· قصة غريبة طبعاً، فربما يتساءل البعض كيف يدلل أب بنتاً له هي السادسة في تسلسل الإناث؟ ربما لأنها جاءت بعد زواج أخواتي الخمس كل واحدة من الرجل الذي تحبه - هذا ما يعتقدنه هنّ به على الأقل - أو ربما لأن أبي حدس بأن هذه البنت ستكون أكثرنا جمالاً وحساسية وستفوقنا جميعاً بشجاعتها - ربما لأنها الوحيدة التي لم تتزوج من الرجل الذي تحبه!! لا أدري، ولا أريد أن أعرف، فكلنا كنا نحب ريما، ولكن ثمة أمر أعتقد أنه أكثر منطقية: ربما كان أبي يعتقد أن ريما وحدها هي من يربطه بالمدينة والبلاد، والدليل أنه تركنا مباشرة بعد أن كبرت، وأنه زارنا للمرة الأخيرة بثلاثة أشهر وثلاثة أيام قبل اختفائها لثلاثة أيام - هو الذي كان يأتي لزيارتنا من الكويت كل عشرة أيام -! هل حدس أبي أو عرف بما حدث، لذلك اختفى غضباً؟! لا أدري·
في السنة التي وُلدت فيها ريما، كانت أخواتي الخمس -كما قلت- قد تزوجن، كل واحدة منهنّ الرجل الذي تحبه - هذا ما أصررن على الادعاء به دائماً -· ولكن قبل أن تولد ريما ثم أو أولد أنا، أقصد تلك السنة التي لم أعشها إنما روتها لي أمي بعد ذلك بسنوات، عندما أصبت بالحمى والهذيان بسبب اختفاء ريما المفاجئ لثلاثة أيام (ثلاثة أيام، لا أكثر ولا أقل!)، مضطرة لكي تبرر لي عوزها لشراء دواء لي· في تلك السنة كان على أبي أن يرحل· فذات مرة وفي صباح مفاجئ، دخل البيت مكفهر الوجه، وقال:
عليّ الرحيل، لا أستطيع تسديد ديون أبي·
كان يقصد ديون جدي الذي مات فجأة بالسكتة القلبية وترك خلفه ديناً كبيراً لبساتينه التي مرض نخيلها فجأة· ما أزال أتذكر الليلة التي رحل فيها أبوك إلى الكويت·
قالت أمي وكأنها تواسيني:
الكل كانوا يرحلون إلى الكويت·
تلك الليلة ازدادت حماي، كم كرهت الكويت! وكأن أبي قد تزوج من امرأة أخرى!
هكذا تركنا أبي لأمي مع ثلاث عشرة خالة في بيت كبير، ومع جدتي· كنا نسكن في حي التنومة في المرة الأولى· وربما كنا بقينا نسكن هناك لولا موت جدتي شهوة، فحتى وقت قريب كان سركال بساتين التنومة المجاورة لبساتين جدي يصبر على سكننا في البيت القديم احتراماً لزوجة جدي الذي كان سركالاً مثله؛ وبموت جدتي التي كان يخاف منها أكثر من خوفه من الله، فقدنا آخر دعامة لنا· هكذا جاء ذات ليلة سوداء ماطرة يطلب منا مغادرة البيت وبصحبته ضابط من حامية المدينة المجاورة - ما أزال أتذكر تقاطيع وجهه القاسية - عرفنا بعدها أنه أخذ أكبر قطعة أرض في المنطقة مقابل خدماته التي قدمها للسركال·
كان ذلك انتقالنا الأول· قد يبدو من الصعب جداً إيجاد بيت يسع عائلة كبيرة مثلنا· ولكن أبي الذي كان يشتغل آنذاك في مقبرة الإنكليز، تعلم منهم طريقة عملية للنوم: أسرة فوق بعضها لها سلالم· هكذا حتى وقبل أن تتزوج أخواتي الأخريات كنّ ينمن على سريرين بمدارج عالية· أما خالات أمي فقد كن ينمن كل ستة على جهة· كن عوانس لم يتزوجن - يعلم الله لماذا؟ - لم أرهن يفرحن مرة باستثناء ذلك اليوم الذي عرفن فيه القصة التي أروي لكم بسببها ما جرى، والتي جعلتني أحزن وأعيش منعزلاُ مع نفسي منذ ذلك اليوم، والتي تركت أختي ريما قاعدة في فراشها بعد محاولات عديدة وفاشلة في جرع السم والانتحار·
ربما كانت تلك المفارقة التي عشتها لزمن طويل مع ريما· فحتى رحيل أبي إلى الكويت كانت أسرتنا بازدحامها - ثلاث عشرة خالة وخمس أخوات - وكان من الصعب رؤية أي أمر غريب· ولكن بعد زواج أخواتي الخمس الأخريات، بقينا أنا وريما فقط من ينام فوق تلك الأسرة، حتى إننا كنا نجد لذة في الانتقال من سرير إلى آخر· لقول الحقيقة لم نكن أخاً وأختاً فقط، إنما كنا صديقين، وكانت ريما تسألني دائماً الاحتفاظ بأسرارنا لنا وحدنا· في تلك الأيام، كان لريما ثلاثة عشر عاماً وكان لها سرها·
قبل أن أعرف سر ريما الذي أريد أن أرويه لكم، كنت قد شعرت بتبدلها· من الصعب عليّ الحديث بصورة دقيقة عن السبب الذي حملني على التفكير بتغيرها، ولكن كنت متيقناً من تغير - صديقتي إن شئتم! - ريما· فبشكل عام وبحدود ما يخص عائلتنا، كانت ريما أجملنا، وأكثرنا حساسية وذكاء وتنجح في المدرسة كل سنة بتفوق، حتى إنها كانت تتبختر أمامنا بمدالية فارسة الصف ربما لهذا السبب فرضت علينا جميعاً حبها· حتى خالات أمي الثلاث عشرة - العوانس - لم يرفضن طلباً لها· على العكس، إذا ما طلبت منهن شيئاً، جئن في اليوم التالي إلى صومعتنا سوية يعطينها ما طلبته، ويسألنها بحنو في ما إذا كانت ترغب بشيء جديد· وكانت ريما تضحك في الأول، قبل أن تطلب منهن مغادرة الغرفة، وإذا ما تطلب مزاجها فتصيح بهن:
يلله، بره، واحدة وراء الأخرى·
ثم تلتفت إليّ وتقول غامزة، بينما لا تغادر الضحكة ثغرها:
تريد أصرخ بهن في المرة القادمة·
فأقول لها خائفاً:
أرجوك، اتركيهن!·
لا أدري لماذا كنت أخاف خالاتي الثلاث عشرة، خالاتي العوانس - لكن تلك قصة أخرى ـ
عندما أتحدث الآن عن القصة يحضرني كل التفسيرات المنطقية الممكنة، التي كانت تحمل خالاتي العوانس على التصرف هكذا، أقصد على الإذعان الكامل لها· ولكن في تلك الأيام، لم تتعلق المشكلة بسلوك خالاتي فقط، إنما كان كل شخص منا في العائلة يتصرف بوعي وبإرادة، يذعن لتلبية كل ما كانت ترغب به ريما: كنا مخدرين جميعاً بحب ريما·
كانت ريما الأكثر سحراً وإغراءً ولطفاً منا جميعاً، وأعتقد أن هذا يكفي لإسكات قبيلة كاملة؛ فكيف بي أنا الذي كان ما يزال صبياً آنذاك، أقصد بالذات عندما جاءتني ذات مساء وقالت لي:
لم أطلب منك أن تأتي معي في يوم آخر· أرجوك اليوم فقط!·