صفحة 1
الفصل الأول
في مركز القلب المغني عاش كل الاحداث التي لها علاقة بياسمين· ويستطيع وضعها بأكثر من صيغة وشكل· يمكن ان يجعل بعضها يتوالد من بعض، تنتهي حكاية او قصة او مشهد فيسلم القياد الى الذي يليه· تستمر الاحداث وتدوّم، متواترة متلاحقة، او متوازية دون الخضوع لتسلسل الزمن· الا تكون الحياة هكذا احيانا؟ اذ ان تسلسل الزمن مفهوم غامض، فكثير من الوقائع التي تجري في الحياة، تتقاطع او تتوازى او تتداخل· كيف اذن والامر يتعلق بتدوين كتاب عن امور وقعت منذ فترة ماضية، ويصعب ايجاد تسلسل صحيح لها؟
قد تفقد صيغة مثل تلك الكتاب بؤرته التي يجب توفرها، او الخيط الرفيع الذي ينتظم فيه كل شيء·عندها يصبح كتاب ياسمين للمتعة فقط: احداث شائقة مكتملة بنفسها، ليس بالضرورة ان تترابط فيما بينها· تعرض لوحات مبهمة او واضحة، لحظات سعيدة وغريبة وجوهرية، في حياة شخص يعيش اليوم في هذه المدينة التي ابرز تفاصيلها القباب بشبابيكها المربعة المنورة باللون السماوي، والمآذن التي تنتهي بأهلة، الكنائس والحمامات والأسواق المسقوفة والقباب التي تخفي مراياها وحروفها وأهلتها·
فكر في استعارة الموسيقى كنموذج لبناء الكتاب، رغم خبرته الضئيلة في فضائها الشاسع الغني· آلات متنوعة، يقوم عليها اشخاص مختلفون، وكل آلة تعزف لحنها الخاص· تتآلف الالحان لتكوّن، في نقطة غير مرئية، قطعة موسيقية واحدة· ترتفع وتنخفض، تسيل وتلتم، تتبعثر وتتجمع· يوحدها ذلك القائد الفذ، العارف في كل آلة، الموجه لكل نغمة مهما خفتت· انه قائد الاوركسترا······هكذا ينبغي للوعي ان يكون· قالت ياسمين:الوعي قائد اوركسترا الروح والجسد، يوحدهما في كل واحد، ثم يمضي الى مبتغاه مثل حدس·
يضع الاحداث التي عاشها في مركز القلب المغني دون تخطيط مسبق· كل حدث يروي جزءا من التجربة، التي اعتبرها مهمة في حياته، وجعلته يصل الى ما هو عليه·الى مرحلة الصفاء الروحي، وهي وان لم تكن دائمة، ومستقرة، الا انه وصلها ذات يوم ويستطيع الوصول اليها اذا ما استجمع قواه، وجعل من وعيه قائد اوركسترا الروح والجسد·
صفحة 2
وهو لا يستطيع رواية التجربة كما عاشها، او كما جرت في الواقع، لذلك فضل ان يرويها كما ترد الى ذهنه، يدونها على جهاز الكتابة الذي يمتلكه· لقد اشتراه لهذا الغرض· ولانه سيدون ما يحتويه ذهنه عن تجربته مع ياسمين، فلابد ان ما سيكتب سيكون خلطة عجيبة· فيها الوقائع كما جرت، وفيها الخيالات التي صاحبتها· فيها الاحلام والتداعيات· يختلط الواقع بالمتخيل فيصبح الفصل بينهما مستحيلا· الاحلام ايضا جزء من الاحداث طالما كانت ذات يوم، على علاقة قريبة بها ، وسيكون كتاب ياسمين خلاصة لكل ذلك· انه في ذهنه، يتحين الفرص لتدوينه على شاشة الكتابة· صار يملك عددا من الملاحظات ورؤوس الاقلام والمشاهد مكتوبة على اوراق وضعها في ملف ذي غلاف كارتوني· وهي الخواطر التي كانت تجيؤه اثناء تفكيره بالكتاب· امام المرآة، او تحت دش الحمام، او اثناء غسل بيته بالماء والصابون المعطر· وقت استقبال مرام ، او حين يكون مستلقيا في الفراش، متفكرا بتاريخ حياته الطويل·
***
لا يظن انه سينسى اللقاء الأول له بياسمين·
بعد ان اجتاز الغابة ذات الأشجار الكثيفة والبحيرة المليئة بالطيور، وجد نفسه سائرا في شارع مسفلت على جانبيه اشجار كثة الورق، وبيوت خفيضة تشبه لعـب الاطفال· انتهى به الشارع الى باب من الخشب، دعائمه متصالبة، مد يـده وازاح الرتــاج ثم مشى في ممر اسمنتـي ، وسـط حديقة لطيفـة، منسقـة، فثمـة ورود وازاهيـر واعشاب للزينـ، واشجـار قزمة لابـد انها قد جلبـت مـن جـزر بعيـدة، وتليلات مغطاة بالصبار· قاده الممر الى باب البيت، ووجد الباب مواربا فدخل·
شلح حذاءه في المدخل، وضعه جنب احذية الزائرين، واجتاز الممر الطويل· على يمينه حمام البيت، وثمة صور معلقة لأناس مروا هنا، ملتحين ومرد، نساء ورجال، من كافة الاعمار·صورة كبيرة لياسمين مؤطرة بعقد من الورد ذابل، شعرها قصير، عيناها متوهجتان، وتلك الابتسامة الساحرة تسفر عن نفسها على شفتين مليئتين·عينا ياسمين واسعتان، جيدها طويل، لكن شيئا خاصا فيها لفت نظره فتوقف قبل ان يدخل الصالة الواسعة· هناك ملامح خافية تشبه ملامح شخص مر في حياته· الهدوء العميق، تلك النظرة النافذة، هالة الحكمة حول الرأس؟ خطر في باله وجه الحكيم الذي التقاه في الطائرة· هل حلّ في هذه المرأة؟ هل كان يمتلك قدرة التحول الى انثى؟
في جو البيت روائح تفتح النفس، خليطة من اعشاب وبخور ويانسون تخيل ان قسما منها صادر من الحديقة المحيطة بالبيت، من ازهارها المتفتحة واعشابها العطرية واشجارها الوارفة· او ربما من انفاس الاشخاص الموجودين واجسادهم ·
صفحة 3
الصالة التي دخلها واسعة، تتألف من قسمين، الاول منخفض الارضية فيه شبابيك صغيرة تطل على الحديقة الخلفية· الشبابيك مفتوحة وضوء الشمس يدخل باعمدة مستقيمة ثم ينسكب على السجاد، وفي النوافذ رتبت اصص لطيفة مزهرة وغير مزهرة:لسان الثور، قلب العاشق، دماء الثور، اقحوانة صغيرة، لبلاب مقزم، وشجرة سرو في اول نموها· كان الهدوء عميقا، والصالة الاولى خالية من البشر، وهناك كراس ومقاعد واطئة من الخشب وشراشف مكومة في زاوية الصالة· واجهته السجادة الممتدة من السقف حتى الارضية المكسوة بموكيت رمادي· السجادة مصنوعة من خيوط غامقة اللون، تبرز فيها مثلثات تتحدر منها سلاسل تنتهي بخرز ملون، تجاورها عقود من العقيق الاخضر والاحمر، مرصعة بليرات واقواس مذهبة تشبه حلق الاذن، ذكرته احدى تلك الحلقات بما كانت ترتديه امه ايام شبابها· وسط السجادة زخارف نباتية تنتأ من ساق طويلة صفراء، الازهار الحمر تتعنقد من الاغصان، فيها الوردي والاحمر النبيذي والاصفر المشرب بخضرة خفيفة·لاتحتاج تلك الورود الا نسيمة هواء كي تنتثر في الصالة وتجمل المكان بروحها الفذة· اما الاطار الاعلى فخيط اصفر غليظ يتدلى منه الودع من كافة الالوان، شكلت مظلة احالت ذهنه الى هوادج البدو ايام زمان· لا يحتاج المخدع سوى عروس ذات وجه صبوح، وحاجبين مقوسين يمكنان الرموش من تسديد سهامهما· كيف وصلت هذه السجادة الى هنا؟ لابد ان ياسمين جلبتها في واحدة من رحلاتها الى بلاد الهند وسيلان، او التيبت أوافغانستان· قال مع نفسه بوركت الاصابع التي سوّتها، والايادي التي حملتها عبر البحار والصحارى لتحط في صالة البهاء هذه· تمتع ابصار القادمين الى كشف اسرار الروح، المحمولين على اجنحة الرقص والتأملات·
تخلص من سحر السجادة، وارتقى درجتين عاليتين، وولج الباب الفاصل بين الصالتين· وجدهم ساكنين· ياسمين تجلس على الارض، ببنطالها الاخضر الخفيف وعليها كنزة خضراء وقميص اخضر وترتدي حذاء بيتيا خفيفا اخضر هو الآخر· الكل جالس على مقاعد خفيضة من الخشب، جلسة تأمل· كانوا مغمضي العيون ايديهم في احضانهم ورؤوسهم تحدق الى الامام دون تعابير، دون حركة· اتخذ مكانه بينهم وجلس على الخشبة· اطرق مغمضا عينيه، وتوغل في داخله، وكان ذهنه بياضا شاسعا· قالت ياسمين بملامح هادئة: امحوا كل شيء في الذهن، كل صورة او وجه او فكرة· حدقوا في اللاشيء، واغلقوا حواسكم عن العالم الخارجي····
صفحة 4
انه موجود وكفى، جزء من كون كبير، لافرق بينه وبين النخلة المعمرة والحصاة على تلة وذرة التراب المختبئة في اعماق حقل اللفت· ابن هذه اللحظة ، لاشيء قبلها ولاشيء بعدها· هامد صانت لا يسمع حتى انفاس الجالسين قربه· صحيح انه يسمع بين حين وآخر صوت كلب في الغابة المجاورة او صوت عجلات في شارع بعيد، لكنه سرعان ما يستعيد تركيزه ويعود الى حقل البياض· حتى زخارف السجادة الغاها من رأسه، واغلق انفه عن الروائح الانثوية الطاغية في الهواء· تخطر في رأسه بلمحة، صور فاضحة واعضاء جنسية سرعان ماتزول، لان زمام الافكار في يده، كلما انفلت يعيده الى مكانه· كان عقله مثل حصان جامح، وهو فارسه، يهرب الى الهاوية فيعيده الى الطريق· يروم القفز الى جنة الوهم المزركشة بالاطيار النارية والغناء الساحر والفواكه المحرمة والنساء العاريات فيطبق على رسنه ويضغط عليه بفخذيه ليستوي تحته، يوجهه نحو مبتغاه، نحو ذلك الهدف البعيد الذي وضعه امامه· سيتعلم كيف يصبح قائد اوركسترا الروح والجسد·
شعر بعينين تسقطان على وجهه· نظرات تحتويه، فلم يستطع المقاومة وفتح عينيه كي يرى ما امامه· وجد ياسمين تحدق فيه مباشرة، وابتسامة خفيفة ترفرف على شفتيها الورديتين· قالت بصوت هادئ: افتحوا عيونكم · واذا الصالة تستعيد حيويتها، البعض يتململ والبعض يتنفس بعمق ويطلق آهة راحة عميقة· مازال هنا، ستائر الصالة من الموسولين الشفاف، تنسدل على شباك عريض من الزجاج، يشف النور عبرها حتى يصبح مثل الكرستال السائل· للمكان سمة حلمية، تنقل الشخص الى حيز خارج هذه الحياة· يتأمل في وجوه الاشخاص الجالسين، مشدودين كلهم الى معلمة المكان، ياسمين الفاتنة ذات الصفاء· بعد ان وزعت ابتسامتها على الجميع، رجالا ونساء، صمتت برهة ثم قالت: هذا المكان يسمى، كما يعرف البعض، مركز القلب المغني· جاء الاسم من حقيقة بسيطة هي ان الحياة لاتحتاج الا الى الغناء، الا الى القلوب المغنية، الا الى الناس الذين اندمجت فيهم الروح بالجسد، في كل واحد· وهذا امر لايوهب للشخص، عليه ان يصنعه في رحلة طويلة شاقة مع النفس· رحلته هو ولا احد غيره· رحلة قوامها التأمل في الاشياء والرقص والبوح، ليصبح الانسان بلورة تشف عن ابسط الانوار· عملنا في القلب المغني على مراحل، الاولى مرحلة التأريض، وعلاقتنا بالاشياء المحسوسة، بما نعيشه يوميا، في العمل والشارع ومع الاصدقاء· الاشجار التي نحسها والهواء الذي نتنفسه والطعام الذي نتغذى عليه· اي بأختصار علاقة الجسد بالارض التي يقف عليها· اننا منها واليها، عليها نقف بقدمينا وبها نستعين حين نرفع الاثقال· نحن اشجارها المفكرة نربطها بالكون التي هي ذرة منه وخيط في نسيجه· دمج الجسد مع الروح معناه الحب الذي تمنحه الروح للجسد·
صفحة 5
كانت تلك قصاصة من ملف ياسمين·
***
فكرة تدوين الكتاب قادته الى مقارنات غير مألوفة، تجمع بين الكتب والكائنات التي يلاحظها في الحياة، ومن ذلك الاشجار·ان لكل شجرة شكلها الخاص بها· النخلة ذات هوية متفردة· ساق واحد يمتد الى البؤرة، انساغ تصب في تاج شاسع اخضر يتكون من سعف وليف وعذوق· ثمة كتب تشبه النخلة· احداثها ساق يغذي بؤرة تعطي الثمار·
عريشة العنب شيء مختلف· ما ان ترتفع عن الارض حتى تتفرع الى اغصان واوراق، الثمار في كل موضع· قرب الارض، في الوسط، عند الاطراف· بعض الكتب مشغولة على هذا النمط· لكن الفراولة لها سيقان لاتعد، تنطلق كلها من الارض دفعة واحدة ثم تتوازى حتى النهاية· احداث بعض الكتب تظل على امتداد الصفحات متوازية، لكن ثمة تشابك غير محسوس يضفي شيئا من الهارمونية عليها·
كان طوال اشهر من اقامته في مدينة الحلم هذه، المدينة التي هجر كل ما يملك للأستقرار فيها، ما ان ترتعش فكرة ناعمة، وامضة، في رأسه، حتى يسرع مثل من لسعته بعوضة، الى اوراق موضوعة في جوار الطابعة، ليمسك اقرب قلم ويكتب تلك الفكرة· يثبتها على الورقة كما تثبت فراشة بدبوس على مفرش مخملي· او كما ثبت فراشته العملاقة على الجدار· ويحدث ان يفيق من النوم، منتصف ليلة من الليالي بسبب كابوس، واحيانا بسبب نضوب الخمرة التي شربها اثناء سهرة مع الاصدقاء، واذا حوار يرن في ذهنه كما كان جرس ياسمين يرن في مركز القلب المغني· وبما ان الحوارات، حتى المهمة منها، يمكن ان تنسى، او تخترم بفراغ الذاكرة الابيض، يسارع لاضاءة المصباح وكتابة الحوار على قصاصة من ورق يسمّره في الملف الاسود، الذي سماه كتاب ياسمين·
حوارات ووصف امكنة وملاحقة مصائر لاشخاص اختفوا وتعاليم، كان يعتبرها مادة اولية لا غنى عنها، مثلها مثل الطين للمثّال والحجر للنحات والتخطيطات للرسام· وجد هذا الأسلوب افضل للتدوين، ولا يعرف مقدار نجاحه، لكن بوصلته هدته الى هذه الطريقة بحساسية عالية· فالانسان لايستطيع بناء بيت دون حجر وملاط وحديد وحصى واخشاب ومواسير، يضعها جنبا الى جنب، حتى يحين أوان استخدامها· طبعا كل مادة الى مكانها الصحيح وفي وقتها الملائم· اعد ثبتا باسماء الازهار والحوارات والروائح والمشاعر والوجوه والقصص التي قيلت والتعاليم النيرة ولحظات الرقص، دون ان يعير كبير اهتمام الى تسلسلها ومواضعها، سينتظر ما يخرج من بين يديه في النهاية·
صفحة 6
وجد في واحدة من تلك الاوراق شرحا حول تمرين اللغة غير المفهومة·
كيف يمكن التكلم نصف ساعة كاملة دون تركيب جملة ذات معنى؟ هذا ما كانت ياسمين تطلبه منهم في مركز القلب المغني· نصف ساعة من الالفاظ والجمل كانت سبعة السن تهدر بها في الصالة ، ولا تعني اي شيء· لابد لمراقب يشهد ما كانوا يؤدونه ان يصفهم بالمجانين· مجانين فقدوا صوابهم ، عقولهم لم تعد مسيطرة على مايتفوهون به· كان الغرض من التمرين هو ان يتحكم العقل باللسان بشكل صارم فلا يطلق اي جملة، مدة نصف ساعة· كان تمرينا على قوة الارادة والتحكم بالذهن····مرة وهو واقف مع صديقته مرام تحت دوش المياه بدأ يتكلم تلك اللغة لمدة خمس دقائق·لاحظ الدهشة والخوف في عينيها، ظنته مجنونا او رجلا غريب الاطوار، يمتلك شيئا ما غير عادي في داخله·
في ورقة اخرى كتب ملخصا عن ليلة الولادة، وكانت اعجب ليلة مرت في حياته· شعر خلالها انه ولد من جديد· تقشر جلده عنه وخرج طازجا، بريئا كما لو كان خارجا من رحم امه· فبعد تنفس متواصل من الفم، وكانوا مستلقين على ظهورهم، وكانت هناك موسيقى عجائبية تنطلق من آلة التسجيل، والصالة معتمة وياسمين تقودهم بالكلام، تخشبت اطرافه في البداية وفقد الأحساس بها· ثم مع مضي التنفس متواترا عميقا، من الفم فقط، اخذ التنمل يدب في رأسه وراح يكبر ويكبر حتى اوشك على الأنفجار· تحول جسده الى فرن ملتهب، صدره ضاق وبلغت روحه البرزخ· وياسمين تدعوهم الى التحمل، فعليهم ان يعيشوا لحظة البدء، لحظة الخروج من رحم الأم التي اختزنوها في مكان ما من اللاوعي· ان يعيشوا لحظة مجابهة مع الألم· لم يرغب بالهزيمة، فواصل الشهيق والزفير بأقصى عمق ممكن· ثم بدأ جلده كأنه ينسلخ عنه، وشعر بأنه كائن آخر يختبئ وراء جلد قديم ينبغي الخلاص منه· لم يع وقتها متى اوقفت الموسيقى وكيف خرج من أهابه القديم، من ايقاع حياة ماضية كانت مليئة بالقسوة والتشتت وضياع الهدف· فتح عينيه على وجه ياسمين تنظر اليه بود وعطف، ماسكة يده مداعبة جبهته· فما كان منه الا ان طبع قبلة على جبينها وقال بصوت خافت: - لقد فعلتها، استطعت ان اولد من جديد·
***
امام النافذة، ناظرا الى شجرة الفلفل البري المكتظة بالعصافير والاعشاش والديدان وانسجة العنكبوت والنحل، خطرت يوم امس في ذهنه فكرة شائقة· اذا باشر بالكتاب، وكرس روحه له، فهل سيكتب التجربة التي عاشها في مركز القلب المغني كما حصلت فعلا؟ هل يمكنه اقتناص وجه ياسمين الحقيقي وتعابير المريدين واضواء البلور التي كانت تنعكس على نبتة المطاط، ونبرات الحوارات التي دارت والضحكات والاحزان والدموع والنغمات؟ ثم ذلك الصديق كث اللحية الذي ساعده ذات يوم في الخروج من سجنه كي يبدأ رحلته في هذا العالم، هل له ان يستثنيه من الكتاب؟ هو الذي كان يرتسم في ذاكرته عشرات، بل مئات المرات، وجهه ولفافته المشتعلة دائما وكتل المرجان التي غيبته بين مخالبها؟ هل يمكنه تجاهل مؤثراته عليه؟
صفحة 7
جدته بوجهها المدور المسالم وجده الذي كان حكاء وأبوه واخوته واصدقاؤه وزوجته ، صديقاته الحنونات اللواتي كن ينفذن ادق ما يعتلج في قلبه من رغبات···· شواهد القبور المشمورة في اطراف المدن، الكرنفالات التي رأتها عيناه· الغابات، وقد نام فيها ليلا، حالما باضواء البيوت الخافتة، الجبال وقد تسلقها قبل طلوع الشمس· الانهار الخابطة الماء ذات الضفاف الطينية ، الحروب والكوارث والفيضانات والانفجارات الكونية واحلام العناكب في بيته الذي صار مرتعا لها، وغير ذلك من مشاهد وأحداث وقصص· هل يمكنه حقا استبعادها من كتاب ياسمين؟
في هذه الحالة الا يكتب نفسه ايضا، هو وعاء تلك التجربة كلها؟
لا يمكن الفصل اذن بين ما سيكتبه وبين ماحدث فعلا، ما شعر به في تلك الايام وما يشعر به اليوم وهو يتأهب لتدوين الكتاب· لا يظن انه يمكنه استبعاد البيت الذي يعيش فيه الآن، ولا الهواجس التي في صدره والكوابيس التي يراها والاشخاص الذين يلتقيهم او يحدثهم عن فكرة الكتاب، والاحداث التي تجري في حياته الحاضرة او التي جرت من قبل · ليس هناك فصل بين ما يكتبه وبينه· وهذا سيعقد الامور بعض الشيء، حيث تصبح التجربة كلا واحدا، اي الكاتب والكتاب······
***
الكتاب لن يكون محايدا، فالامر يتعلق بتجربة ، يرغب ان يستعيدها كتابة· ويعرف ايضا ان الكتاب لن يكون كتاب ياسمين فقط، بل هو كتابه ايضا· لكنه بعد ان اقتنع بهذه اللاأمانة، وازدواج الادوار، وتشابك الاهواء والذكريات، واجهته معضلة تتعلق به وحده، الا وهي متى يتخذ قرار البدء؟
كل مرة يقول لنفسه سأبدأ اليوم· يجهز آلة الكتابة ويستخرج القصاصات المليئة بالملاحظات والافكار والهواجس· يحضر الشاي او القهوة ويجلس متطلعا في الشجرة الجرداء، المبتلة بالمطر، ثم فجأة تهرب الكلمات الاولى الجديرة في ان تكون البداية· تكرر هذا الامر معه عدة مرات· الى ان ايقن ان لحظة البدء لم يحن أوانها بعد، خاصة وأن كتاب ياسمين هو كتابه بمعنى ما· الامر يتطلب شجاعة كبيرة دون شك· شجاعة ان يكتب نفسه و احلامه وذكرياته واوهامه وكوابيسه· المكان الذي عاش فيه واصدقاءه وصديقاته· وتلك اشياء ليس من السهولة البوح بها، فضلا عن نشرها ·
صفحة 8
الفصل الثاني
انا ياسمين، اقودكم الى عالمكم الداخلي، لتروا كنوزه وتعرفوا مافيه· عليكم امتلاك الشجاعة للسفر، والتزود بالصبر والقوة والوضوح· ليكن الحب الكوني دليلنا كلنا· الحب للباب والسجادة والنور المنسكب من الستارة وزهرة اللوتس والانسان القريب منا والنجوم البعيدة والغيوم الماطرة وديدان الحديقة واعشاب الغابة· الحب للبحيرة واستدارة الخدين وزغب العارضين وشعر البنت وذيل القطة واطار النافذة وعروق الغابة الساقطة والفطر السام وسنجاب الكرز·
التأريض هو ان يكون الشخص هنا في اللحظة داخل الجسد· الوقوف داخل النفس والعيش بانسجام مع الذات· الاحساس بالذات والثقة في مواجهة الحياة· اين انتم الآن؟هل انتم في اجسادكم؟ الشخص المتأرض هو من يمتلك صورة صادقة عن نفسه، يخلق دائرة من الانسجام حوله· قال لي ذات يوم واحد من المشتركين في القلب المغني، ان الانسان المؤرض عليه ان يدفع ثمنا لذلك· ثمن ان يعيش في الواقع، هنا والآن، دون اية اوهام · الانسان المحبط صار محبطا لانه وضع هدفا غير واقعي لنفسه سرعان ما تلاشى بعيدا في عالم الواقع· الامان يكمن في الرجلين، انظروا الى شخص ما وشاهدوا رجليه ولاحظوا اذا كان قويا يشعر بالامان ام لا· القدمان اللتان تلامسان الارض هما جذور الانسان، الساقان النحيفان المشدودان بحاجة الى طاقة، هناك سوء في العلاقة بينهما وبين الارض، كما لو كانا لايتغذيان جيدا من عالم المحسوسات· البعض يمتلك رجلين ضخمتين كما لو يمتلك طاقة اكثر مما يجب تربطه بالعالم الواقعي، عالم المادة· يثرثر اكثر ممايجب، يمارس الجنس بافراط، يخاف التطلع الى داخله، اذا لم يعمل شيئا يشعر بالاختناق· انهم اناس خارجيون اكثر ممايجب·
كان ذلك الكلام جديدا على معارفه، فكيف استطاعت هذه المرأة المتألقة العينين ان تلخص تجارب الحياة بهذه الحكمة البسيطة، وبهذه الأفكار الواضحة دون ان يتطرق اليها ولو بقعة صغيرة من الشك؟ حسب نفسه متفوقا على باقي البشر لانه بدأ يمتلك حقائق لم يصلوا اليها بعد· شعر بالقوة، بالحب لياسمين، بالنشوة لوجوده في ذلك المكان العابق باليانسون الذي تسللت اليه روح الطاقة الكونية فأنارته بالحب والفهم والارادة والوعي· اضاءت شجرة المطاط، وتألق صحن الكرستال بشمعته المضيئة، وشف الجالسون حتى تحولوا الى كائنات مسالمة مليئة بالغبطة· اختفت اصوات الغابة البعيدة وتناءى صوت البط خارج المكان وغابت حركة البشر في الشوارع والحمامات والمدارس والبيوت· وكانت ياسمين تتكلم:
صفحة 9
اساسنا هو الذي يقرر تطورنا، والزهرة في ارض سيئة، او النبتة المزروعة في اناء ضيق يصبح من الصعوبة عليها التفتح والنمو لابراز جمالها· من الضروري جدا ان نعرف حقيقة حاجتنا· حين نشتغل مع الارجل نستطيع معرفة عمق ما يستطيعه الانسان للعمل مع نفسه· لا نستطيع العمل اعمق مما يستطيع الاساس تحمله· وقديما قال ذلك الفيلسوف الحكيم: اعرف نفسك تعرف الوجود· لكن كيف نعرف انفسنا؟ هذا هو السؤال·
كانوا ينصتون بخشوع، والهدوء مسيطر على البيت والحديقة، الاشعة الكرستالية تسيل من النوافذ· تحسس قدمه اليمنى خلسة، الشعر خشن، العضلات هادئة، تنبض بدم يغذي الخلايا والعظام والاعصاب وذلك النسيج الداخلي الذي لا يعرف مايجري فيه· سيروي غدا ماسمعه وماشاهده الى مدير المسرح الذي يعمل فيه، اذ كان له الفضل في ارشاده الى ياسمين· انه مدير حكيم ايضا، ويبدو ان الحياة فيها عدد كثير من الحكماء·
ثم ما المقصود من ان يعيش الواحد في جسده؟ او من ان يعرف نفسه او ان يعيش هنا والآن؟ هذه مفاهيم غير مألوفة لخبرته· كانت مغرية جدا له في مرحلة الركود التي عاشها في تلك المدينة الباردة·
الموكيت الرمادي مفروش على الارضية، والفسقية الكبيرة موضوعة في زاوية الصالة · نمت فيها شجيرة مطاط ثخين الورق، اخضر، تتفرع في الفضاء وتتدلى على الزجاج· الموجودون يجلسون على شكل دائرة، وياسمين تجلس قرب الباب· في الوسط اناء من الزجاج وضعت فيه شمعة كبيرة مطفأة· في بيت ياسمين كل غرض موضوع في محله، لايلاحظ المرء اية فوضى· ملابسها متناغمة الالوان، وربما هذا ماتقصده في الهارمونية التي يجب على المرء خلقها مع نفسه ومحيطه· انها بقدر ماهي اليفة بقدر ماهي محايدة، وضعت مسافة ثابتة حول نفسها، لايستطيع احد تجاوزها· تبتسم لك وللآخر بالمقدار نفسه، فيما عيناها تمنحان الجميع ضمة حنو وحب وتقبل ·
في صورة مثبتة فوق الباب ، وهي صورة فوتوغرافية، قديمة بعض الشيء ، بدت ياسمين شبه عارية، وثمة رجل ممدد على اريكة من الخشب· الرجل نائم على بطنه وهي تنحني عليه، يداها الاثنتان تمسان كتفيه مسا خفيفا· كانت تتطلع الى المصور بثبات، والصورة مأخوذة في الصالة السفلى بلا شك· اذ ظهرت اطراف السجادة العجيبة والنوافذ الضيقة في الخلفية، تطل على تلال الصبار وشجرة الجوز الضخمة· كان الضوء في الصورة يشع كما لو انه يلاحق وجه ياسمين المدور كاشفا اثيريتها وخفة روحها· لايمكن ان تكون في طقس جنسي، فتعابير وجهها تسامت فوق رغباتها الارضية بوضوح· ثمة علاقة سرية بينها وبين الرجل، وشيجة مكونة من لمس بريء ودفق روحي ·
صفحة 10
وذات ليلة اطفأ الضوء ونام· هل نام حقا؟ رأى عينين في الظلام، لوجه انثوي غير محدد السمات· عينان مكحولتان، عميقتا السواد، رموشهما طوال ، على كل عين حاجب اسود مجرور من منتصف الجبهة الى الصدغ· وكانتا تتأملانه بعمق· تعابيرهما حزينة، ومع الوجه القمري المضمخ بحمرة فاقعة كانتا تنسحبان الى الخلف· الى فضاء ملون، بالاحمر والازرق، لون السماء، الحاوي على شموس حمر عديدة، في كل شمس بقعة من نور· غابتا عن بصره، كما لو جذبتهما يد خفية الى بحر الغياب·
- هل أنت ياسمين؟
- كلا·
- من انت اذا؟
- أنا الأنثى التي يحلم بها الجميع·
ثم فتح عينيه· فتحهما على الم في ساقه اليمنى، الم مألوف له، جعله، طوال سنوات، يخاف السرير· كان ضوء الشارع يتسلل من الشباك وينير غرفته· المزهرية على الطاولة· ست زهرات تتدلى من عنقها الطويل· على فخار المزهرية نقوش من الارابسك، ذات لون ابيض· بتلات ثلاث منتثرات، اسقطتهن ريح مجهولة المصدر· لايحط على المزهرية طير ولا يفوح منها اريج· خلف الطاولة عتمة خفيفة وشباك غير ظاهر، لاترى منه سوى ستائر بيض حلمية ، وارجل الطاولة اقواس تنتهي بتكويرات لطيفة·
فتح عينيه على الجدار المقابل، فتش عن البنت الملونة الوجه فلم يجدها· ركز بصره الى حيث ينتصب الرجل، بوجهه المتعب، ولحيته الخفيفة التي تفاقم تعابير الالم في داخله· على رأسه لمايزل ذلك التاج المصنوع من شوك· جسده عار، نظراته تتجه الى الارض، يطلب منها عونا غامضا· يداه لاتبرزان، جروحه خافية، والشوك على الرأس· هو والالم معجونان سوية، في خلاياه رحمة على الذين نسوا اسماءهم وكيف اتوا الى هذه الارض·
على العمود مايزال عقد المرجان معلقا، بحباته غير المنتظمة الحجم والوانه الزهرية والبيضاء والسوداء· بخطوطه وبقعه وتخاريمه، ونمنمه الصغير الذي يفصل بين حبة واخرى· لقد سافر معه بين المدن، وعاش برودة الشتاءات، وحرارة الاصياف · قرأ بحباته حظوظ عدد لايحصى من الناس، حتى اصبح مخزناً لعشرات القصص والخيالات والتوهمات التي كان رأسه يكتظ بها· زوج وطلق بحباته، استمطر الثراء وكشف اسرار القلوب· فتح باب الجنان لاشخاص ظامئين لمعرفة مصائرهم· مرجانه اقتطع من بحيرة تقع بين الجبال، مات فيها اعز صديق له هو سعيد· مات من تشنج اصاب فخذه كما قيل له فيما بعد·