eKtab
EN ع
قتل الملاك في بابل _ المفكر والناقد قاسم عبد الأمير
اقرأ عينة مجانية

قتل الملاك في بابل _ المفكر والناقد قاسم عبد الأمير

بقلم علي عبد الأمير عجام

صفحة 1

مقدمة

هذا كتاب عرفان، كتاب ثناء وكتاب غضب واحتجاج أيضاً·· عرفان لكل من كتب كلمة بحق الكاتب والناقد والمفكر والعالم قاسم عبد الأمير عجام، وأدار ندوة ونظم أمسية عن سيرته وإنجازه وفكره، عرفان بجهد زملاء من كتاب ومثقفين شهقوا ألما على اغتيال قاسم وصاحوا غاضبين إن الطلقة التي حفرت ثقبا في جبهته كانت إشارة إلى حملة للنيل من رأس العراق وعقله، فالاثنين الأسود السابع عشر من أيار (مايو) 2004 كان إعلانا عن حملة لتصفية علماء العراق ومثقفيه وكتابه وصحافييه، حملة تصفية لحراس الضمير العراقي، عرفان بجهد أصدقاء سعوا إلى بيت قاسم وأحاطوا أهله بفيض من محبة ورعاية، عرفان بوفائهم لمن كان سندا لهم ومعلما وباذلا وحلو معشر يأنسون بعذب كلامه وصافي حكمته، عرفان بجهد كريم لأصدقاء الراحل وزملائه في اتحاد أدباء بابل الذين أصدروا عنه كتابا خاصا النور المذبوح في وقت قياسي كان توثيقا لشهقاتهم الغاضبة ومواقفهم الصريحة في تعزيز الانتماء إلى كل ما التزمه قاسم عجام في الثقافة والحياة، وعرفان خاص هنا للروائي والباحث الأخ الكريم ناجح المعموري لا في جهده الوفي لصاحب الذكرى وحسب، بل في إسهامه في تحرير كتاب اتحاد أدباء بابل وطبعه وإعداده أيضاً ملفا خاصا في الذكرى الأولى للاغتيال، وكتابته الشخصية التي عنت بملامح من النتاج الفكري والأثر الإنساني لأخي ومعلمي وقدوتي الحسنة، وهي تحية أوجهها هنا لوفاء نادر قدمه ابن مدينة المسيب الأستاذ جواد عبد الكاظم، عبر استذكاراته للراحل ونشره مخطوطة في صحيفة الفرات (منشورة في هذا الكتاب) هي تمرين على كتابة مذكرات بدأه الراحل قاسم، وعرفان لجهد فكري عميق ومؤثر للناقدة والباحثة الدكتورة نادية العزاوي التي درست في الراحل بعضا من آثاره وتتولى بوفاء قل نظيره مشروع كتاب نقدي عنه بصفته صاحب مشروع ثقافي لم يكتمل، ومما كتبته عنه أقتبس هنا:

في 17/5/2004 رحل قاسم عجام اغتيالاً· نهاية فجائعية لحياة قامت على أربع ركائز متلازمة لم تعرف يوما انفصاما أو ازدواجية : وعي سياسيّ وانتماء يساريّ لم يتخل عن منطلقاته وثوابته أبداً، وأحلام شاسعة بوسع الوطن الذي أحبّه من الأعماق وآمن بتاريخه وحضارته وعطاء ناسه، وخيبات لاذعة على المستويين الشخصيّ والوطنيّ، وقلم مثابر ناضج مستوف لأدواته لم يكفّ عن الكتابة إلاّ لحظة اخترقت الرصاصة رأسه·

لكأنّه آل على نفسه أن يحوّل الخيبة إلى فعل إبداعيّ يهب وجوده مغزىً معيناً، فظل يكتب في نقد القصة والرواية والشعر والمقالة والتلفزيون والمسرح والسينما، ويتابع - عرضاً وتحليلاً - آخر الإصدارات المحلية والعربية في العمارة والدين واللغة والتاريخ والبحث العلميّ، ويشارك في المنتديات والأماسي والحلقات الثقافية المختلفة· كان دائما على موعد مع الوطن، ومعه في خضمّ المعمعة طوعاً أو اضطراراً، فعرف السجون مبكراً وعاش لعبة الموت في الحروب المريرة في الخنادق والمواضع، ولم يتهرّب قطّ من مسؤولية وضع أمامها أو فرضت عليه، وظلّ ينزف بصمت وجعاً وحباً ·

وهو أيضاً عرفان بجهد صحيفة المدى إدارة وتحريرا، وبالأخص الزميل المفكر والباحث قاسم محمد عباس، الذي حرص على نشر مقالات ودراسات لقاسم عجام حتى بعد مرور فترة طويلةعلى اغتياله، وعرفان بجهد صحيفة بغداد إدارة وتحريرا، وبالأخص الزميل مسؤول القسم الثقافي الكاتب والناقد والصحافي محمد غازي الأخرس، الذي حرص ما أمكنه على نشر عدد من النصوص والمقالات التي قرأت اغتيال قاسم عجام فضلا عن نصوص له، وعرفان بجهد الكاتب والصحافي في جريدة الصباح توفيق التميمي، الذي لم تكن تفوته مناسبة تدل على قاسم إلا وقال كلمة حق نادرة في صخب الكلام هذه الأيام، هي كلمة عرفان لكتاب ومثقفين عراقيين أطلقوا من أقصى المنفى صرخات غضب مثلما سكبوا دمعا نبيلا، وعرفان لنظرائهم داخل الوطن ممن قالوا في الراحل كلمة حق، وهم في كل ذلك انتموا إلى أنفسهم وثقافتهم الوطنية ودافعوا عن حريتها، ونددوا بكل أشكال القمع التي أرادت وتريد أن تحجر عليهم مرة أخرى، ومن هنا نجد أن عددا ممن استذكروا قاسم وكتبوا عنه اغتيلوا بطريقة ليست بعيدة عن الطريقة التي اغتيل بها·

وهذا كتاب ثناء على سيرة عطرة وشخصية تحتذى، ليس لأن صاحبها هو أخي وحسب، بل لأنها سيرة نقاء وسط أجواء آسنة، سيرة محبة وسط أجواء متدفقة من الكراهية، سيرة عطاء ونكران للذات في زمن شيوع قيم الأنانية، سيرة حرية رغم جدران العبودية، سيرة علم ومعرفة، سيرة بناء في وقت منذور بالكامل للهدم، سيرة صبر ومجالدة، سيرة من ظل ينتمي لأفق فكري فسيح رغم عزلته المكانية والزمنية القسرية، سيرة من اجتمع الناس، وهم المتفرقون والمختلفون حد البلبلة، على محبته ونقائه وعفة لسانه ويده، سيرة شخصية تكاد تختصر في نهايتها سيرة العراق في سعيه إلى حريته·

وهو كتاب غضب واحتجاج على كل مؤسسة ونظام ومجموعة عملت وخططت وسعت ونفذت مشروع اغتيال العراق الحر الآمن، عبر قتل عقله وضميره وفكره وحراس روحه، عبر اغتيال المفكرين والكتاب والصحافيين والعلماء والمهندسين والأطباء في حملة دونها كل أوصاف الظلام والهمجية، مثلما هو كتاب غضب على كل جهة مسؤولة في العراق ممن قصّرت وتوانت وغضت النظر لا عن قتلة قاسم وحسب، بل عن عدم وقفها أو عملها على وقف دولاب موت وقتل وحشي ما انفك يدور ويدور على مفكرين وعلماء وأدباء وأصحاب ضمير، حتى قارب ضحاياه الألف منذ أن لاحت بشائر حرية في بلاد الفكر والعلم والأدب في ربيع العام 2003·

ولأن الراحل فكرة وسيرة تنتميان بقوة إلى قيم الحياة المفتوحة على الأمل، آثرت البدء به سيرة شخصية عبر مذكرات أو شبه ، وفيها نتعرف على نبض حي ومتدفق، أردته ان يكون دالا على قاسم وعمله في إعلاء قيم الخير والجمال، انطلاقا من تجاربه الشخصية التي ليس جزافا القول إنها قاربت تطلعات العراق المعاصر وانكفاءاته أيضاً·

وفيما خص نتاجه النقدي والفكري، فقد اخترت نماذج منه، أحسب أنها تمثل ملامح من ذلك النتاج الوافر والغني، فالفصل الثاني ضم بعض النتاج النقدي والفكري لقاسم عبدالأمير عجام، عبر مقالات تظهر تنوعاً معرفياً ثرّا كان درج عليه الراحل وبرز فيه، وهو تقارب بدرجة ما بات يعرف اليوم بـالنقد الثقافي وفي الفصل الثالث نتعرف على جوانب من نشاطه ناقداً أديباً، على أن شيئاً من حصيلته في النقد السينمائي كان محوراً للفصل الرابع، فيما كانت هناك مختارات من عمله ناقداً للنتاج التلفزيوني، ضمن الفصل الخامس·

وفي الفصل السادس نتعرف على شهادات ورثاءات واستذكارات استحضرت الراحل، وتوقفت عند آثاره الفكرية والعلمية والإنسانية، وهي خضعت في اختيارها لدواع تحريرية محض، فيما الفصل السابع سيكون مخصصا لما كتبته أنا عن الراحل وتأثيراته أكانت مباشرة أم غير مباشرة، فضلا عن رسائل من قاسم إليّ أثناء وجودي خارج العراق، وفيه أيضاً ثلاث صور شخصية توليت رسمها بحروف الوفاء والمحبة، الأولى لحيدر ابن قاسم الذي خرج من مجزرة اغتيال أبيه بجروح دامية في الجسد والروح سترافقه إلى آخر العمر، وثانية للراحل الوسيم المهندس الأنيق في كل شيء، باسل نادر الذي لطالما عرفته مقترنا بحوادث إنسانية طيبة، عرفانا له ولبقائه صديقا ورفيق طريق لقاسم حتى الموت، وثمة رسالة هي لقاسم الصغير: ابن ربيع ابن قاسم الذي آثر أن يبقي اسم ابيه حيا في البيت والأرجاء، مثلما هو حي وحاضر في الروح والعقل والإرث الفكري العراقي المعاصر·

هذا الكتاب الاستذكاري سأواصله لاحقا في مجموعة من الكتب توثق الأعمال الكاملة لابن العراق الجميل: قاسم عبد الأمير عجام·

المحرر

صفحة 2

الفصل الأول
قاسم عبد الأمير عجام··· مذكرات أو أشبه
دعوة للتذكر
(1)
منذ شهرين تنام رسالته على مكتبي بعد أن التقيته في المسيب عند أحد الأصدقاء، وكان فرحه بي يخجلني حقيقة إذ يشعرني بكل خجل المتواضعين الذي في·· إذ عبر عن اعتزازه بي وبأهمية لقائي بالنسبة له مشيرا إلى سمعتي الثقافية والأخلاقية·· الخ· ثم حدثني عن مشروعه في تأليف كتاب عن مدينتنا، المسيب، اجتماعيا، وهو يريدني، وقد لمس تشجيعي بل حماستي لمشروعه، أن أكتب له شيئا عن أسرتنا فيها·· ودور بعض أفرادها ودوري أنا·· ها أنا أحاول أن أجيب طلبه، بل إنني أجيب طلبا مماثلا لصديق آخر هو السيد أحمد زكي الأنباري، الذي يكتب هو الآخر عن المسيب وقد هاتفني منها يرجوني الكتابة بمثل ما أراد الأخ جواد عبد الكاظم·
فيا للطلب العزيز، ويا لإغراء السباحة في بحيرات الذاكرة وأنهار الذكريات ! يا للعنة متاعب حياتنا التي تستهلكنا حتى لنتأخر عن مثل هذا الإغراء كما فعلت لحد الآن، فإلى العزيزين جواد وأحمد اعتذاري العميق لتأخري، وإليهما تحياتي وشكري لثقتهما وعساني أن أكون في سطوري التالية مفيدا لمشروعهما·
كثيرون يكذبون، أو يشككون في أحسن الأحوال، تاريخ ولادتنا المدون في دفاتر النفوس، كما كنا نسمي ما يعرف اليوم ببطاقة أو هوية الأحوال المدنية، إذ لم يعتد أهلنا يومها إلا القليل منهم، أن يوثقوا حياتهم حتى لو كان يوما ولد لهم فيه خلف يجدد صلتهم بالحياة، وحين يضطرون إلى ذلك، لأمر رسمي مثلا فإنهم يلجأون إلى الذاكرة ويستشهدون بالحوادث البارزة، فهذا ولد مع (دكة) والمقصود ثورة رشيد عالي الكيلاني ! وتلك ولدت في سنة فيضان دجلة و·· و· الخ، وحين يسجل تاريخ الميلاد فكثيرا ما تطرح منه سنة أو أكثر سعيا لتأجيل سوق (الأولاد) إلى الخدمة العسكرية ! وهكذا سألت والدتي ذات يوم إذا كان تاريخ ولادتي المثبت في دفتر النفوس، وهو عام 1945، صحيحا فراحت تسرد لي، وهي تحب القص وتجيده، ذكرياتها عن يوم مولدي وبعده الزمني عن (دكة) رشيد عالي· وبعد الكثير من التفاصيل والمقارنات أشعرتني أن ذلك التاريخ كان صحيحا على الأرجح· وجدتني مع أولى بدايات اشتغال ذاكرتي محاطا بحب سخي يقرب من الدلال؛ فقد كنت الولد الذكر الوحيد لأسرتي بعد خمس بنات أدركت منهن ثلاثا إذ توفيت اثنتان منهن طفلتين، ولم يكن ذلك الحب مقصورا على أهل بيتي، إذ كان يغمرني به جيراننا حتى إن إحدى فتيات الجيران احتالت ذات يوم لتحتفظ بي في بيتها من الصباح إلى الغداء دون علم أسرتي، مما أصاب أهلي برعب عاصف خوفا من أن أكون قد غرقت في الشط أو قد جرى لي مكروه، وكان الصبية أو الصبايا الذين يتعلمون قراءة القرآن على والدتي في بيتنا يغمرونني هم الآخرون بمحبة تنافسية أتذكر منها خيوطا تتراوح بين الوضوح الكامل وبين ما حدثتني به والدتي ذاتها، ومن بين ما حدثته تلك المحبة الفائقة التي كان يغدقها عليّ أحد تلاميذ أمي المتفوقين ذكاء، والمتفوق نشاطا وحركة ولباقة، إذ لم يكتف بملاعبتي ومنحي ما يتيسر له من حلوى، بل كان يحملني على كتفيه أو ظهره، وأحيانا يختطفني على غفلة من أستاذته (الملة) أمي ليطوف بي في الأسواق، بل وقد يذهب بي إلى خان الدواب حيث تربط الحمير والخيل التي كان الريفيون يأتون عليها إلى المدينة، مما كان يعرض ذلك (التلميذ) المشاكس إلى عقاب أو حساب والدتي وتقريع أمه أيضا·· خوفا عليّ· لكنه استمر في محبته تلك، وحين كنا نلتقي وأنا طالب متفوق في الدراسة الثانوية وهو جامعي متفوق ثم مدرسا للفيزياء يشار له بالبنان، كان يصر على تذكيري بتربيته لي كما يقول·· كان ذلك هو حمزة خضير الدجيلي·· الدكتور العالم بالفيزياء حاليا· أو كما تعرفه المسيب منسوبا إلى أمه الصابرة المثابرة التي صنعته بالكد وماء العيون حد العمى (حمزة قايه) ! والمرحومة (قاية) هي أمه التي أتذكرها تبيع النفط الأبيض، حاملة براميله وصفائحه على رأسها، وقطراته المتتالية تأكل في عيونها ووجهها، لتنفق على حمزة ابنها الوحيد وعلى بناتها·· حتى نال درجة الشرف من جامعة بغداد ومنها ارتقى إلى درجة الدكتوراه من أمريكا في أحد فروع الفيزياء (لعلها الفيزياء النووية)، ليعود أستاذا وعالما مرموقا لم ينس أستاذته الأولى·· أمي· أجل·· إذ قال لي يوما وأنا أبلغه بحصولي على شهادة الماجستير بدرجة امتياز إن الأم التي أنجبتك قد سبقتك بتعليمي أنا، ويشير إلى نفسه باعتزاز، وشهادتي ثمرة غرسها المبكر وصبرها على تعليمي وتحفيظي وضبط النطق وقراءة القرآن الكريم·· وبالتالي كل قراءة ! وهذا مجرد مثل واحد لتلاميذ أمي· ومثل جيران البيت كان جيران الدكان·· دكان والدي العطار، يغمرونني هم الآخرون بمحبتهم حينما أحمل إليه، وحتى حين كبرت وصرت أذهب إليه بنفسي فأتلمس تلك المحبة·· وكان والدي رحمه الله يكثر من ترديد الصلاة على محمد وآل محمد (ص) بصوته العريض كلما رآني بين يديه حتى لقب ب (أبي الصلوات) لعلني وأنا أتوقف عند هذه المحبة السخية المتدفقة من أكثر من نبع أجدني قادرا على أن أفسر بها متانة علاقتي الاجتماعية بالناس، ونزوعي المبكر نحو التضامن مع الآخرين في أفراحهم وأعمالهم·· وهذا ما كان في أساس اختياراتي الفكرية وأعمالهم· وهذا ما كان في أساس اختياراتي الفكرية والأدبية اللاحقة·· إذ نشأت في جو علاقة حميمة بالناس أساسها التآلف والمحبة··
 

صفحة 3

على أن ذلك (الدلال) إن صحت التسمية·· لم يمنع الأهل من فرض الواجبات مبكرا على ابنهم المحبوب·· وكان أول الواجبات تعلم القرآن الكريم·· وهكذا كان ! على أن والدتي، وقد ورثت عن أبيها قدرتها على تعليم وتحفيظ القرآن الكريم، وكان بيتنا في محلة النزيزة (أم الصخول) يمتلئ بالأولاد والبنات الذين أودعهم ذووهم لدى أمي لتلك الغاية·· أقول إن والدتي وهي تنغمر بذلك المشروع الذي تحبه، لم تشأ أن تضمني إلى تلاميذها خوفا من أن أعتمد على موقعها فأهمل الواجب·· فارتأت أن تلحقني بالصف (الكتاب) الذي تديره خالتي شقيقتها الكبرى هي الأخرى، بل واشترطت عليها أن تحاسبني كما تحاسب المتعلمين الآخرين تماما·· ولقد فعلت خالتي رحمها الله ذلك تماما، حتى إني كنت أرى فيها صرامة وتجهما أجدهما أكثر مما يجب وانا ابن شقيقتها· غير أنها أثابها الله علمتني فعلا ومكنتني أن أنجح في اختبارات المراجعة التي تجريها لي أمي بعد عودتي إلى البيت للتأكد من مدى استفادتي مما أتعلمه لدى خالتي· وهكذا حتى أكملت، بإتقان، قراءة القرآن الكريم بنجاح وفزت بحفلة ختمة مازلت أتذكرها تفصيلا ! ونالت خالتي هدية ثمينة من والدي وأخرى من والدتي·

ثم تولتني والدتي مجددا لإعادة ختم القرآن تحت إشرافها هي هذه المرة·· وقد أنجزت ذلك فعلا، وكنت في الخامسة أو السادسة من العمر·

هنا لابد من معلومة أو معلومات·· فإن خالتي إذ تدبر صفا لتعليم القرآن كما تفعل والدتي فإنها لم تكن ترث ذلك عن أبيها فقط، وكان يدير كتابا في الجامع تتلمذ عليه كثير إن لم أقل أكثر من وجوه المسيب منهم كاظم السلمان، وأحمد العباس المحمد المعموري، وعبد المحسن الجاسم، وعدد من آل مظلوم، ومكاوي عبد الأمير مكاوي، وتوفيق وسلمان مكاوي، وآل علي السلمان الأنباري، وعبد الرزاق حمزة الخليل وكثيرون غيرهم· وإذا أذكر هؤلاء دون غيرهم فلأنهم حدثوني بطريقة أو بأخرى عن أثر جدي فيهم وحسن تعليمه لهم، وكان رحمه الله يعرف بلقبه (الشيخ الشريف) أكثر مما يعرف باسمه، بل إنني حتى وأنا في المدرسة الابتدائية أحسب أن ذاك هو اسمه الحقيقي، حتى رأيت (دفتر نفوس) والدتي فإذا اسمه (محمد حسن) وهو ابن الشيخ عبد المهدي عجام الذي كان قارئا منبريا وحدادا في الحلة، ولما سألت عن لقب (الشيخ شريف) علمت من والدتي أن الناس التزموا به اعتزازا به وبشرفه ومكانته لديهم واعترافا بفضله ونقاء سيرته· غير أنني عرفت أن أصل اسم (شريف) و(محمد حسن) نفسه يعود لحكاية أخرى ليس هذا مجالها وقد حدثني بها أحد أولاد عم أمي قبل شهور فقط ! أقول لم ترث خالتي عن جدي قدرتها تلك فقط وإنما كانت تتواصل بكتابها المنزلي مع زوجها المرحوم الشيخ محمد علي الشيخ كاظم عجام، وهو والد حسن الخياط وحسين الخياط اللذين ما يزال دكان كل منهما مفتوحا للخياطة في المسيب، وهو أيضاً عم والدي فقد كان الشيخ محمد علي يدير كتابا في جامع السعداوي (الفرات فيما بعد) وحتى عجزه قبل وفاته رحمه الله بسنوات·

على أني لم أدرك أياماً من جدي (الشيخ شريف) الذي توفي قبل زواج أمي، (ومما تحدثت به أمي عنه أقدر أنه توفي بحدود 1920-1923، إذ تحدثت عن موقف له مع أحد جنود الاحتلال الإنكليز) ولا الشيخ محمد علي في كتابه·· وإنما أدركت الأخير رحمه الله شيخا متعبا يرتدي زي الشيوخ المعممين·· الجبة والسترة والعمامة البيضاء· وقد توفي في أوائل الخمسينات فاستمرت خالتي زوجته وابنة عمه تواصل شوطه حيث قرأت عليها وختمت القرآن الكريم·

وبينما لم يترك عمي الشيخ محمد علي سوى سمعته التعليمية وتلاميذه، ترك جدي الشيخ شريف عدداً من المخطوطات بخطه الجميل الذي يكتبه على ورق سميك المسمى (الورق المعشر) بالحبر الصيني بخط الثلث والنسخ· وتضم هذه المخطوطات قصصاً عن الأنبياء (ع) ووفيات الأئمة المعصومين (ع) وعدداً من الحكايات التاريخية، وتضم أخرى أدعية متنوعة تتخللها هي الأخرى قصص دينية أو بعض الإرشادات الدينية، ومخطوطات تضم شعراً في مدح آل البيت (ع) أو رثائهم (ع)، ولا أعتقد أنها من شعره بل هي مختارات مما كان يحفظ، ويبدو أنه رحمه الله كان شخصية متفتحة تجمع التدين ووقاره وانبساطه؛ ولذا كان يحرص على أناقته كما تقول والدتي، وكان يردد شعراً منغماً حفظت أمي عنه أبياتاً من شعر (وضاح اليمن)·· (قالت ألا لا تلجن دارنا··) دون علمه، بل حفظتها منه على السماع، ومع أنه ساعدها على أن تحفظ الكثير من القصص الديني والأدعية والمراثي الحسينية إلا أنه لم يعلمها الكتابة ! أجل، ورأيه، حسب قولها رحمها الله : أن ليس للمرأة أن تتعلم الكتابة خوفاً من استغلالها في كتابة خطط السحر !! وهكذا بقيت أمي قارئة جيدة وحافظة ممتازة ولكن أمية في الكتابة ! وقد حاولت أنا تعليمها الكتابة فسخرت من محاولتي بالمثل المعروف ((عكب ما شاب ودوا للكتاب))· وإذا كان جدي لأمي وابنتاه فاطمة (خالتي) وخديجة (أمي) وعم والدي (الشيخ محمد علي) قد تولوا تعليم أهالي المسيب أو كثيراً جداً منهم القرآن والكتابة، فإن المقام يتطلب مني وقفتين أخريين : الأولى : عند جدي الأكبر (الشيخ كاظم الشيخ عبد المهدي عجام) فإنه جاء إلى المسيب من الحلة، موطن عائلتنا الأساس، كممثل للمرجعية الدينية، ويقال إن لحلوله في المدينة أثراً ملموساً في إشاعة الالتزام الديني وترسيخه وسط ظرف أوجد حاجة لمثل ذلك العمل· وإذا علمنا أن ابنه حسون عجام وهو جدي لوالدي ثم والدي من مواليد المسيب، وكان جدي الحاج حسون الشيخ كاظم قد توفي أواسط الخمسينات عن عمر جاوز السبعين، فهذا يعني أن حلول الشيخ كاظم عجام (جد والدي) وجدي الثاني قد تم في الربع الأخير من القرن التاسع عشر· ولذلك ونسبة لدور الشيخ كاظم، ما زلت أجد من يسمينا بآل الشيخ كاظم·· والشيخ كاظم رحمه الله هو شقيق جدي لأمي الشيخ شريف·

الثانية : عند شخصية أخرى من شخصيات أسرتي (وأنا هنا أجيب عن أحد أسئلتكم دون مراعاة تسلسلها في طلبكم) التي ساهمت في توعية وتعليم الناس في مدينتنا العزيزة، وهو الشيخ مهدي الشيخ محمد جواد الشيخ كاظم عجام· والشيخ مهدي هذا هو ابن عم والدي، كما ترون، وخال أولاد عمي الحاج نعمة الخياط، خال رسول، سلمان، كريم، ومكي وأشقائهم، وقد وعيت عليه شيخاً معمماً يسكن داراً على شاطئ الفرات قريباً من خزان المياه القديم في محلة النزيزة، وله طريقة متميزة في إحياء الشعائر الحسينية في شهري محرم وصفر ورمضان أيضاً· ولولا بحة أو حشرجة في صدره لكان له شأن في هذا المجال، ربما فاق شأن ابن عمه، وهذا هو الآخر ابن عم أمي وابن عم أبي الشيخ هادي الشيخ صالح عجام، الذي غادر المسيب وسكن كربلاء وفيها مارس الوعظ الديني وإحياء المجالس الحسينية حتى اشتهر شهرة واسعة، ترك منها بعد وفاته تسجيلات ما تزال متداولة إلى الآن، وأولاده في كربلاء هم الآخرون، وما يزال بعضهم شيوخاً على طريقته· كان الشيخ مهدي متفتحاً هو الآخر حتى إنني أدركته رحمه الله يجادل مدافعاً عن شرعية ثورة 14 تموز 1958 كوسيلة لرد مظالم الناس وتعويض الفقراء والمحرومين قبلها، وقد كان أحد ولديه (هادي وحسون) عبقرية مبكرة، إذ كان طالباً مدهشاً في ذكائه وحافظته وقدرته على الرسم وتكوين الأشكال بالطين ! غير أن (حسون) هذا لمحدودية أو ضيق حياته وانغماره في أفكاره التي سبقت عمره قد تدهور إلى انفصام في الشخصية ثم إلى الوفاة وهو في الصف الخامس العلمي، وكان ذلك أواخر الخمسينات أو أوائل الستينات على الأكثر، وقد توفي الشيخ مهدي نفسه أواسط الستينات على ما أتذكر عن عمر جاوز السبعين·

صفحة 4

عالم المدرسة المدهش

ملأتني قدرتي على قراءة القرآن الكريم بطلاقة، بالرغبة في قراءة كل ما تقع عليه عيني من كتابة، فكنت أقرأ اللوحات المعلقة على المحلات أو عيادات الأطباء؛ فأفوز بإعجاب ودهشة الأهل والأقارب، وهكذا كنت أتطلع إلى عالم المدرسة الذي أسمع عنه بتوق ولهفة·

لكنني أحسست أن دخولي المدرسة يتجاذبه رأيان·· فثمة حماسة أمي وحسمها للموضوع باتجاه دخولي المدرسة في مواجهة تردد والدي أو حتى بروده إن لم يكن رفضه لهذه الفكرة تحت ذرائع مختلفة متعددة، أتذكر منها : أن المدارس لا تعلم الديانة وأنها ربما تعلم أشياء لا يقرها الدين، أو أنها الطريق إلى الوظائف الحكومية وهذه مصدر لأموال ليست حلالاً وأشياء أخرى في هذه الدائرة·

واشتدت المنافسة في صيف عام 1951 أو 1952 بينهما رحمهما الله بانتظار السنة الدراسية الجديدة حيث يسمح عمري بالتسجيل فيها· وحين حل موعد تقديم أو تسجيل التلاميذ الجدد حسمت الوالدة أمرها بالاتفاق مع أحد (تلاميذها) المقربين عائلياً، والذي كان متخرجاً من دار المعلمين الابتدائية لتوه أو هو في السنة الأخيرة منها· كان ذلك هو مهدي عباس الأنباري (المحامي حالياً) وكان جارنا، حيث يلتصق جانب بيتنا بخلفية بيتهم في محلة النزيزة·

وبالفعل جاءني مهدي أو (الأستاذ هداوي) كما كنا نسميه في المحلة ضحى أحد الأيام وأنا ألعب في زقاقنا وسألني باسماً إن كانت (الملة) - يشير إلى أمي- في البيت· ثم طلب مني بعد أن تأكد منها أن أذهب لتبديل ملابسي وإحضار دفتر النفوس لنذهب إلى المدرسة !! وأسرعت الوالدة بإنجاز متطلباتي مع دعواتها للعزيز هداوي بالتوفيق، وسلمتني إليه وديعة غالية وسط فرحتي الغامرة· وقادني فرحاً هو الآخر إلى (مدرسة المسيب الابتدائية الأولى)، حيث قدمني إلى مديرها الأستاذ محمد فاضل بابان، وكان إلى جانبه الأستاذ منصور حسين القرطاني، وأكد لهما أنني سأكون التلميذ المتفوق حتماً، وطلب منهما أن يختبراني للتو في قراءة أي شيء· وكان بذلك يرد على اعتراض المدير بأن عمري ينقصه شهور للتسجيل، ولكنه ألح عليهما بقبولي ولو بصفة مؤقتة ريثما أثبت صحة ظنه بتفوقي، فاختبراني وما زال بهما حتى تم تسجيلي·(راجع الهامش حيث كتب السيد الأنباري في رسالة خاصة إلى المحرر، موضحا هذه الحادثة)·(2)

على أن تأثير مهدي الأنباري لم ينته هنا وإنما استمر فعالاً خارج المدرسة كقدوة ثقافية وسياسية، وكمرشد لي للعديد من القراءات، وسأتوقف عند بعض ذلك التأثير فيما بعد·

وهنا أعتقد بضرورة وقفتين لا بد منهما لضرورتهما وأهميتهما بالنسبة لمؤرخ المدينة··· أو مؤلف كتاب عن المسيب: الأولى: عند معلمي وإدارة هذه المدرسة ودورهم في تنشئة جيل من أبناء المسيب· الثانية: عند المدرسة نفسها وكمؤسسة ومكانتها لدى الناس في المدينة·

فبالنسبة لمعلمي المدرسة أجدني الآن أطوف بمباراة من الجدية والإخلاص لمهام المعلم المعلم· ولكنني مع شدة وفائي ومحبتي لذكراهم جميعاً أميز بعضهم بما أحسه من تأثيرهم الخاص بي· بل وأشعر بكثير من الثقة أن تأثيرهم لم يقتصر على مجموعة قليلة من تلاميذهم، بل أزعم أنهم أصبحوا القاسم المشترك للتأثير في جيل كامل ممن درس عليهم وأصبحت أسماؤهم دليلاً على النموذج الحي للمعلم المربي، ولنقف عند قسم منهم·

1· منصور حسين القرطاني :

اختص بتعليم الصف الأول بكل ما في تعليمه من خصوصية وصعوبة· وكانت طريقته في تعليم الحروف وأصواتها تقوم على اندماجه وتلاميذه بما يجعل الموضوع مسألة حياتية بالنسبة إليهم، فبالتكرار والاستفهام والإعادة والرسوم الإيضاحية والتمثيل، وبالترديد بعده وتشجيع من أتقن الدرس بالقيام لأدائه أمام زملائه·· كان يحفر فينا صوراً للحروف والكلمات، وبإكثاره من تكليفنا بالواجبات المدرسية وتشجيع من يكتب أفضل يدفعنا في دنيا الكتابة دفعاً· وكان تفتيشه الدقيق في دفاترنا الصفية والبيتية وتدقيقه المثابر في صحة الإملاء واستقامة السطور ونظافة الصفحة مما لا يحتمله تلميذ كسول، خاصة وأنه يحسن توقيت العقوبة بمختلف درجاتها ابتداءاً بالتنبيه ثم التوبيخ اللفظي إلى السخرية إلى الزجر وصولاً للضرب·

ولأن معلمنا العزيز هذا كان معلماً للرياضة لفترة من الفترات فإننا كنا نباهي بقية الصفوف بحيويته وتألقه، إذ نراه بالقميص والبنطرون وفي الشتاء بهما و(اليلك) دون السترة في ساحة كرة الطائرة أو كرة السلة في المدرسة، يمارس اللعبة مع فريق المدرسة أو مع المعلمين فيزداد إعجابنا به، وتمنحه مكانته الرياضية تأثيراً متزايداً فينا· وكانت المدرسة حين تفوز في المباراة مع مدارس أخرى كان الجمهور العائد من اللعب يهتف هازجاً، من بين ما يهتف به بشروا أبو ليلى··· ترة الكاس ألنه وأبو ليلى هو معلمنا منصور·

ولقد كتبت ذات يوم أواسط الثمانينات مقالة عن التدريس وشجونه فاستذكرت دور هذا المعلم المربي، وكان هناك وقتها من أخبرني (بوفاته) ولذا أعقبت اسمه ب (يرحمه الله) حتى لقيته بعد أكثر من سنة على نشر المقال في مجلة الثقافة الشهرية في بغداد وحدثته عن المقال· وفي المقال أشياء أخرى عنه·

2· عبد العزيز عبد اللطيف:

وهل من تلميذ من جيلي في مدرستي هذه لم يؤثر فيه (أبو سعود) كما كان يكنى رحمه الله ؟! كان (أبو سعود) معلم اللغة العربية في الصف الخامس والسادس· وكانت شدته في التصحيح ومنح الدرجات تصلنا أخبارها ونحن في الصف الثالث والرابع بشكل خاص· وحين أسعد في الحظ فعلاً بطريقته في شرح قواعد اللغة ابتداء من الصف الخامس، شعرت أنه يستفز في داخلي قدرتي على التجويد في كل شيء·· في الخط، في جدولة المادة، في تنظيم الدفتر، في ضبط الإملاء·· إلخ· وكانت السبورة بالنسبة له أكثر وسائله تأثيراً يقسمها إلى جداول، يؤكد على تجديد صبغتها، يكتب عليها بكلمات صغيرة لتتسع لأكثر ما يريده من مادة، يستعمل أكثر من لون من الطباشير لإظهار الحركات أو ما يريد التركيز عليه، يحل الواجب مع التلاميذ عليها ولا ينسى أن يكتب عنوان الموضوع والتاريخ في حاشيتها العليا·

ويؤكد على تلاميذه أهمية الوقوف على السبورة وكتابة الحل أمام زملائهم ليناقشهم في دقة رسم الحروف وصحة الإملاء· الواجبات البيتية عنده مقدسة ولا مجال للتهاون فيها، فالعقوبة والتوبيخ حصة كل مهمل·· والإنشاء عنده مهمة لا بد من إعطائها حقها· وكذلك التشجيع على الخطابة، فهناك منه درجات إضافية لمن يلقي محفوظات شعرية في الاصطفاف الصباحي، شرط أن يضبط النطق· ولقد أدهشت المدرسة مراراً في الاصطفاف الصباحي بمحفوظات شعرية حفظتها من خارج المقرر المدرسي، مستنداً إلى قدرتي على القراءة الصحيحة التي منحني إياها نطق القرآن الكريم·

وحين حصلت عنده على درجة 25/25 في قواعد اللغة، ثم مثلها في الإملاء والإنشاء، أعلن رحمه الله أمام الطلبة والأساتذة أن هذا حدث كبير إذ لم يحصل عليها قبلي إلا نادراً ودون تتابع !!

ولأنه كان يعلمنا الديانة فإنه كان دائم التأييد على إتقان تجويد التلاوة· وكان يخصص هدية لمن يفوز بالتلاوة الأجود، وكنت في هذا وفي الحصول على درجة 25/25 في مباراة ودية ساخنة، تفرح أستاذنا بشكل خاص، مع زميلي المتفوق جبار إبراهيم رسولي، رئيس مهندسين حالياً وخبير في اختصاصه، الذي كان يسبقني بسنة دراسية واحدة·

وكان لشدة تأثير هذا المربي الحنون في تلاميذه أنه إذا مر في نزهته المسائية المعتادة كل يوم في الطريق إلى مقهاه المفضل على شاطئ الفرات بمحلة النزيزة، حيث مجلسه تحت شجرة توت ضخمة·· إذا مر اختفى جميع التلاميذ اللاعبين في الطريق تاركين أدوات اللعب حيث هي، واختفى السابحون في الشط بالغوص تحت الماء حتى يبتعد عنهم، وكان يمضي بأناة مشيته مداعباً مسبحته ويراقب كل ذلك ويبتسم !!

لم يكن (أبو سعود) معلماً متميزاً فقط بل قارئاً جيداً أيضاً، وكثيراً ما كان يدخل الصف وبيده كتاب مما يقرأ أو مجلة دورية، ومنه تعرفت لأول مرة على سلسلة كتاب الهلال ·· ورغبة في الاقتداء به اشتريت عدداً من كتاب الهلال، وكان ذلك هو العدد 89 لسنة 1958 وما يزال لدي وهو كتاب إبليس لعباس محمود العقاد، وعليه تاريخ الشراء وهو أيلول 1958 وهذا يعني أنني اشتريته بعد انتهاء المرحلة الابتدائية·

ولقد كان من القلة من المعلمين الذين يقدمون هدايا للمتفوقين في الدراسة أو النشاط المدرسي من ماله الخاص، وكانت دائماً قلماً فاخراً أو كتابا· وكان قلم الحبر ماركة (تيكو) حلم أي تلميذ يحسن الكتابة· وقد نلت من هداياه قلمه الشخصي العزيز لديه ماركة (الدب الأسود)، وكنت أحتفظ به وأستعمله صالحاً حتى دخولي كلية الزراعة عام 1962· ومما كان يزيد هيبته فينا أنه أستاذ للعديد من معلمي مدرستنا الذين صاروا زملاء له وكانوا يحدثوننا عنه بفخر·

صفحة 5

3- أحمد جميل عبد القادر :

لهذا المعلم المتألق محبة باقية في نفسي وربما في نفوس كثيرين· إذا قدم لنا حين باشر عمله معلما للاجتماعيات دما جديدا لا في طريقة التدريس فقط وإنما في ربط التاريخ بقضايا الحاضر، وكذا الجغرافية والواجبات الوطنية والتربوية، ولم يلبث أن أصبح نقطة جذب للطلبة الكبار في المدرسة، خصوصا أولئك الذين يميلون للحديث في أخبار سياسية، كما كان يدهشنا بجمال خطه وقدرته على الرسم بيده اليسرى·· إذ كان أعسر· وقد علمنا، رحمه الله، الرسم أيضا وشجع على تشغيل مرسم المدرسة ونفذ ذلك مشجعا على مشاركة مدرستنا، معلمين وطلاباً، في المعرض السنوي الفني لمدارس اللواء (المحافظة)· وأدهش المدرسة بتكنيك جديد هو الرسم بالبوية على الزجاج مباشرة، حيث كان يختار لوحة، منظراً طبيعياً غالبا، ويضعها تحت الزجاج ويلون الزجاج بألوانها·· وبمثل ذلك يرسم لوحته الخاصة مبرهنا على إتقانه مزج الألوان والسيطرة عليها، وكثيرا ما كان يرسم على مرأى التلاميذ والمعلمين في المرسم أو في قاعة المدرسة فيحبب لنا نحن تلاميذه الفن وممارسته·

وإلى ذلك كانت حماسته لإقامة مباريات رياضية في كرة الطائرة خاصة بين فريق المدرسة الطلابي وفريق من المعلمين، فكانت تلك المباريات مبعث دهشتنا وانفعالنا وفرحنا وسببا لمزيد من حبنا لمعلمينا· أستطيع أن أضيف لقدراته التعليمية والتربوية أناقته المتميزة، وما زلت أعتقد أنها كانت من حوافزي المستمرة إلى الآن للحرص على النظافة والأناقة الأفضل· وحين صرت ألتقيه، رحمه الله، في بغداد وأنا في الصف الأول بكلية الزراعة - في مقهى ياسين بشارع أبي نؤاس غالبا - كان يحدثني كصديق في موضوعات ثقافية وفنية عامة تدل على ثقافته وتفتحه حتى فجعت بوفاته المفاجئة وهو في عز تألقه، وكان ذلك عام 63 أو 1964·

4- زكي جاسم :

كان اسما مخيفا فعلا، لأنه شديد العقاب، ولأنه معلم الحساب الصعب· وحين بدأت شوطي معه كان حين بدأ درسه معنا في الصف الخامس، ولكني سرعان ما اكتشفت بعد أول امتحان شهري أن ذلك الخوف لا معنى له، وأن هذا المعلم لا يريد أكثر من الدقة التامة في الإجابة، ولا يريد أكثر من واجب يومي منجز ودفتر نظيف ومشاركة نشيطة في الصف·· بل إنه يشدد على هذا النشاط، وإلا !!

وحين يتوفر أي تلميذ على ذلك فله من معلمنا المهاب هذا كل التشجيع بل والمداعبة أيضا، وقد نلتهما منه بسخاء، وما زالت دقته في عرض المسائل الحسابية وطريقته في تقسيم وتبويب الحل تفعل فعلها في كثير من حساباتي الآن· وكان مثل زميله الأستاذ أحمد جميل نشطا في المرسم·· جميل الخط، يتبارى وإياه في الرسم على الزجاج وينافسه في كرة الطائرة، ومثله حريصا على متابعة تلاميذه تربويا، ومما أذكره أنه أسس صندوقا لطلاب الصف السادس من (كفاراتهم) عن أي يمين يحلفون بها أثناء الحديث في الصف مع المعلم أو مع الزملاء· فقد فرض على كل من يقسم يمينا في حديثه أن يدفع فلسا واحدا لأمين الصندوق وقد كلفني بهذه المهمة·· وكلفني أن أنتبه لمن يتحدث فإذا غفل هو عن ضبط يمينه نبهته أنا !! ومن مدخرات هذا الصندوق وفرنا العديد من احتياجات الصف كبعض ألواح الزجاج للشبابيك وقماشا للستائر وغيرها، وأهم من ذلك أشعرنا أن الإكثار من الأيمان عادة ليست محمودة، كان يفخر بتتلمذه على أستاذه عبد العزيز عبد اللطيف (أبو سعود)·

5- فاضل محمد بابان· المدير :

لم يكن الشيب الذي يتوج رأس مدير مدرستنا هذا عائقاً عن نشاطه الدائب في متابعة كل صغيرة وكبيرة من شؤون المدرسة، ولحزمه وصرامته في محاسبة المقصرين· كان التهديد برفع الأمر إليه يثير الهلع في نفس كل من يتلقى ذلك التهديد، خاصة وأنه يصر على معاقبة ذوي الذنوب الكبيرة كالغش أو الهروب من المدرسة عبر سياجها، معاقبتهم علناً أمام جميع طلبة المدرسة في الاصطفاف الصباحي، بعد أن يقرأ الأمر الإداري بمعاقبتهم، بنبرة خاصة تنم عن الخطورة، ويشرح خطورة ما اقترفوه من خطايا· ولذلك كان إذا مر في القاعة خلال الدروس، يتهامس التلاميذ الجالسون إلى الشباك··· بأن المدير يفتش ! فتسري الهمسات إلى الصف كله··· المدير يفتش! وكانت متابعته للصفوف وعملية التعليم، ونظافة الساحة والحدائق والقاعة ومرافق المدرسة كافة من يومياته الثابتة دونما وقت محدد لها·

ومع أن المدير لا يدخل الصف للتعليم إلا نادراً إلا أنه يعرف تلاميذ المدرسة المتفوقين في كل صف، ويهتم بشكل خاص بمتفوقي الصف الخامس والسادس· أما حين يدخل في بعض الحصص لتعليمنا الخط فتلك كانت متعتي الخاصة، إذ كان خطه في منتهى الأناقة، وكان يقطع الطباشير بطريقة معينة تجعل لإتقانه الخط جمالاً خاصاً، وحينما ينتهي من خط الجملة التي يريدها كانت تطوف على وجهه المغضن ابتسامة حالمة، ويتراجع عن السبورة متأملاً لها متقدماً نحوها (مرتّشاً) لبعض أطراف حروفها والابتسامة ما تزال عالقة بثغره، ثم يشرح لنا قواعد رسم الحروف والصف هادئ كأن على رؤوسنا الطير·

ومن يدخل مكتبه يستطيع أن يقرأ الكثير من مفردات أسلوب هذا المدير، ففي ذلك المكتب المطل على حديقة المدرسة الصغرى كل ما يحرص عليه من أناقة وتنظيم وهيبة·

وأعتقد أن كثيراً من مدراس اليوم تفتقر إلى الكثير مما كان في مكتبه من مستلزمات وأثاث وإشراق وتنظيم·

بعد أن انتقل وأسرته إلى بغداد لسنوات عديدة لمحته ذات يوم في أحد مواقف باصات مصلحة نقل الركاب في محلة الشواكة (القديمة) وكنت حديث عهد بحصولي على شهادة الماجستير عام 1977·.· كنت في عجلة من أمري عندما لمحته عن بعد بشيبته وقامته المديدة التي دب فيها الانحناء، فترددت بين المضي في طريقي وبين السلام عليه، كما تلزمني أخلاقياتي، وما يتطلبه ذلك من تذكيره بي، إذ كيف سيتعرف علي بعد سنوات لم نلتق خلالها، ولعلها زادت على عشر سنوات من آخر لقاء لي به ؟! لكنه فاجأني وقطع ترددي بإقباله نحوي فاتحاً ذراعيه أمام الناس مردداً على مسمع منهم هلة·· هلة بوليدي العزيز فأسرعت إلى أحضانه أقبل كتفيه ووجهه وأردت تقبيل يديه فلم يسمح لي وإنما أمسك بيدي ليقدمني إلى المنتظرين في موقف الباص وهم يتابعون لقاءنا مبتسمين : هذا تلميذي··· أي نعم تلميذي··· شوفوا شلون مهيوب ! متفوق دائماً··· ماجستير بدرجة امتياز بالزراعة لكنه أديب ! أي نعم··· أديب هل قرأتم مقالاته··· إنه فلان تلميذي لكنه كان أحلى ! كان أبيضَ حلواً وعاد يحتضنني وتركني أمسح دمعاً (كما أفعل اللحظة وأنا أكتب هذا)، ثم انفرد بي يسألني عن عائلتي وشؤوني وأنا ما زلت تحت مفاجأة معرفته بمعظم أخباري، وأنه يتابع ما أكتب· ثم راح يحدثني عن آخر قراءاته الثقافية وكأنني لست تلميذه الذي ما يزال يقف بين يديه خجلاً متردداً·

رحم الله أبا سعد فقد كانت إدارته لمدرستنا حديث المدينة، وكانت قوة شخصيته تمنح مدرستنا هيبة خاصة·

صفحة 6

6· السيد توفيق الكرخي :

أدركته وقد أصبح شيخاً يبدو وكأنه أبو كل المعلمين، ثم علمت أنه كذلك فعلاً إذ تتلمذ عليه أغلب معلمينا·

كانت قصصه الدينية والتاريخية ذات العبرة الدينية في درس الديانة نوعاً من سحر الكلام، رغم أن حصته العادية (القراءة ومعاني الكلمات) لم تكن تخلو من شغب بعض التلاميذ، لكن ذلك (الشغب) يختفي حالما يباشر (أبو سمير) قصته عن نبيِ أو حدث أو معركة تاريخية·

وكان خلال تلك القصص مدرسة قائمة بذاتها من المواعظ والدروس تنساب إلى المتلقي بأسلوب قصٍ ساحر· وكثيراً ما تناوب مع المدير في حصة الخط، وخطه يمثل مباراة ساخنة مع خط مدير المدرسة في الجمال والأناقة، كان (سمير) ابنه زميلاً لنا لكنه لم يكن يتميز علينا بشيء، بل كان لا يسلم من العقاب وعقاب أبيه بالذات كلما قصر في واجب مدرسي أو في قاعدة من قواعد السلوك· وبعد فالسيد توفيق الكرخي رحمه الله هو ابن عم الشاعر الشعبي المعروف عبود الكرخي·

7· محمد حسين عبد الزبيدي:

هو الأستاذ الدكتور محمد حسين الزبيدي أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة بغداد إلى فترة قريبة، وأمين مكتبة المتحف العراقي لفترة أخرى، والباحث المؤلف في شؤون عراقية معاصرة، مؤلفاته معروفة وأغلبها منشور عن وزارة الإعلام· حين ابتدأ شوطه التعليمي في مدرستنا كان يعلمنا مادة التاريخ القديم للصف الثالث الابتدائي حيث كان الإنسان القديم·· إنسان ما قبل التاريخ موضوعا للكتاب المقرر، وكان أبرز ما فيه تركيزه على مشاركة التلميذ في تحضير الدرس· غير أن تميزه الحقيقي على صعيد المدرسة جاء حين أشرف على النشاط الرياضي فيها، لا سيما وأن هيئته الجسمية كانت تشير إلى رياضي ممارس، وقد منح التدريب واكتشاف المواهب الرياضية بين التلاميذ ورعايتها اهتمامه الأكبر، وسرعان ما ظهرت آثار ذلك الاهتمام والتدريب بتصدر مدرستنا للعديد من بطولات الألعاب في اللواء (المحافظة)، وعلى يديه برز العديد من أبطالنا الذين تطورت بطولاتهم فيما بعد على مستوى اللواء، ثم على مستوى القطر، فقد برز وليد أحمد البرزنجي في ركض 100م والقفز العريض والقفزة الثلاثية، وبرز الأخوان حسن وفاضل حسيني الحداد اللذان سجلا بطولات في الركض والقفز العريض أيضا، وكان هنالك أيضا نايف كصب الجنديل وسلمان المحاويلي في القفز العالي والقفز بالزانة، وحمزة سعود والعديد غيرهم، وامتد اهتمامه الرياضي إلى المدينة خارج المدرسة، من خلال برنامج للتدريب المفتوح خارج وقت الدوام، لكنه لم يتخل عن درس التاريخ· وأذكر أن الأٍستاذ الزبيدي أجرى لي اختبارا خاصا لمعرفة ما إذا كنت أفهم معنى ما أقرأ أم أحفظه (درخا) بعد أن لاحظ أنني ألقي الدرس على السبورة فيما يكاد يكون حرفيا·· وذلك بأن جعلني أقرأ أمامه من رواية عالمية ثم سألني ماذا فهمت منها ؟ وأعترف أنني لم أستوعب ما قرأت أمامه لكنه لم يعلق بشيء، غير أنه لم يتخل عن اهتمامه بي كتلميذ متفوق·

وقد تعاون معه في الشأن الرياضي لفترة الأستاذ إسماعيل خليل الذي كان يعلمنا مادة (الأشياء والصحة العلوم حاليا) وإليه آلت شؤون الرياضة المدرسية بعد التحاق الزبيدي في الدراسة الجامعية، ليعود ويدرسني مادة الاقتصاد السياسي في الصف الرابع العلمي بثانوية المسيب·

8· عباس الحمداني:

على خلاف أغلب الطلبة في الكليات، لم أكن أعاني من مشكلة في اللغة الانكليزية بل كنت متفوقا فيها في دراستي الثانوية، وكان ذلك يعود لمتانة الأساس الذي أرسيت عليه معلوماتي في هذه اللغة كمعان للكلمات وكقواعد· والفضل في ذلك لمعلمي الأول في هذه اللغة·· الأستاذ عباس سريبت الحمداني· ولا أحسب أن أحدا من زملائي ينسى هذا المعلم الصبور ومائدته العامرة بالسكر والزبد والشاي وأدوات الطعام وغيرها ليعلمنا أسماءها بالانكليزية وكيفية التعبير عنها واستعمالها· ولقد كان يكرر المادة عشرات المرات دون ملل وبصبر عجيب وبصيرة· هنا بدأت معرفتي لمبادئ اللغة الانكليزية حروفا ثم إملاء ونطقا·

9· حسين حيدر:

مع أنه يدرس مادة أو مادتين، وأتذكر أنه علمنا درس الأشياء في الصف الثاني الابتدائي إلا أنه لا يذكر إلا وآلة الكمان ترافقه· نعم فقد كان معلم النشيد والموسيقى ويقود فرقة النشيد المدرسية، ويدربها ويقود أداءها في افتتاح حفلات الخطابة أو المناسبات المدرسية الأخرى، ولكن ولعه بالموسيقى لم يخفض شدته في متابعة المقرر الدراسي الذي يعلمه، حتى لو تطلب الأمر فرض عقاب جماعي على الصف كله كما حدث ذات مرة وأنا في الصف الثاني· التقيته لآخر مرة وأنا طالب في السنة الثانية بكلية الزراعة، وكان يمر بالقرب من نادي الطلبة في الكلية بعد ظهر أحد الأيام وهو يحمل (الكمان) أيضا، وكنت عائدا من مختبر الكيمياء ولم أخلع صدرية المختبر بعد·· فأسرعت حتى أدركته لأسلم عليه·· وسلمت عليه·· هل تتذكرني يا أستاذ ؟ ابتسم وهو يحدق بي وقال : لعلك من تلاميذي ولكن كيف أتذكر الصبي الصغير من هذا الشاب اليافع بملابسه الجامعية ؟ وفجأة اتسعت ابتسامته وقال : ولكن بعض التلاميذ يبقون في ذاكرة معلميهم اصبر قليلا·· إنك·· إنك·· إن·· قاسم، قاسم من ابتدائية المسيب الأولى، فاحتضنته وسألته عن أخباره فأوضح أنه هنا في طريقه إلى متوسطة أبي غريب، وكانت تقع خلف كلية الزراعة أو حيها السكني حيث يعمل فيها معلما للموسيقى ومشرفا على النشاط الفني·

10· وآخرون··

بالمثابرة إياها وبالروح إياها كان بقية معلمي المدرسة يحفرون مجرى مستقبلنا كتلاميذ لهم وكأبناء، فكان هنا مرشد الصف الثاني الأستاذ عبد المنعم السعلو، والأستاذ هادي الحمداني (الأقراط) الذي لم أتتلمذ عليه إلا قليلا، والأستاذ صادق سعودي وشدته في تعليمنا اللغة العربية في الرابع الابتدائي، ولكل منهم فضله وإسهامه في هذا التكوين الذي ينساب الآن بهذه السطور· وإذا كان إخلاص أولئك المعلمين المربين في تعليم تلاميذهم يمثل قيمة ثقافية وحده فإن دورهم الثقافي في العام خارج المدرسة من خلال لقاءاتهم ومجالسهم مع أساتذة آخرين من مدارس أخرى يكاد على ما أتصور أن يكون هو النشاط الثقافي الوحيد في المدينة، إذ لم تكن مدرستنا خاصة والمدارس الأخرى فيما بعد تخلو من نشاط ثقافي واجتماعي يتسع للناس عامة كالمسرحيات والتمثيليات الاجتماعية ومسابقات الخطابة· كما أن اهتمام المدرسة بإعداد النشرات المدرسية يعبر فعلا عن الاهتمام الثقافي للأساتذة المشرفين، إذ تخضع المواد المقدمة للنشرة إلى فحص دقيق وتفرز للنشر خير المواد، ولم يستطع المساهمة فيها من التلاميذ إلا من كان مقتدرا فعلا ويا لفخره حين تنشر مادته إلى جانب مادة لأحد أساتذته !! ثم ينتدب لها مجموعة ممن يحسنون الخط لكتابتها، وكما ساهم المعلمون في التحرير، يساهم أصحاب الخطوط الجميلة بكتابتها ورسم بعض موادها كما كان يفعل أحمد جميل وزكي جاسم·

صفحة 7

المدرسة والتقاليد والمبنى

أولئك كانوا معلمي مدرسة المسيب الابتدائية الأولى، مجموعة للتربية، مجموعة للثقافة، وكان من الطبيعي وهم بتلك الحيوية والجدية أن يمنحوها اسماً رفيعاً كان لها فعلاً، حتى إن كثيراً من العوائل لا ترغب بإرسال أبنائها إلا لهذه المدرسة·

وكان الكثير من الآباء (يتوسط) لقبول أبنائهم فيها حتى وإن كانت مساكنهم أقرب إلى مدارس ابتدائية أخرى غيرها، ولا غرابة في ذلك·· فقد استطاعت هذه المدرسة التي ثبت على لوحة اسمها أنها تأسست عام 1921، أن ترسي تقاليد تربوية وتعليمية، بل ودشنت ومارست أولى الممارسات الثقافية العامة التي اجتذبت أهالي المدنية لاسيما وأن مبناها كان يسمح لها بتلك الممارسات والتقاليد· كانت قاعتها الداخلية التي تفتح عليها أبواب الصفوف فسيحة جيدة الإضاءة، حتى طبيعياً، يتصدرها، بالنسبة لداخلها من الباب النظامي، مسرح كبير مشيد وفق الأسس الفنية، وقد رسم ديكوراته الفنان الرائد الراحل سلمان الحمداني وهو مسيبي قديم (توفي في الحلة أوائل 1997) وألحقت بالمسرح غرفة للمستلزمات (الديكور، المكياج، استراحة الممثلين··· الخ) ولا تنقص ذلك المسرح حتى حفرة الملقن، وعلى هذا المسرح أقيمت العديد من النشاطات الخطابية والتمثيلية، لعل أهمها عرض مسرحية الزوجة الثانية تأليف الأستاذ المرحوم حسن هادي الأنباري التي مثلت لعدة أيام والناس تزدحم لمشاهدتها وقوفاً، وكان لها صداها اجتماعياً، ومسرحية البخيل لموليير· وقد ساهم في تمثيلها عدد كبير من طلبة الثانوية والابتدائية وعدد من المعلمين، أذكر من الممثلين مهدي الأنباري، فاضل عبد العباس، محمد كاظم الحداد، أحمد جميل عبد القادر، وغيرهم، ويمكن للأستاذ مهدي الأنباري أن يوثق هذه المسألة أفضل مني· وكان لي شرف ارتقاء هذا المسرح أكثر من مرة، في مسابقات الخطابة وتجويد القرآن، ولمرة واحدة ارتقيته ممثلاً لأؤدي دوراً صغيراً في تمثيلية قصيرة كتبها وأخرجها الأستاذ أحمد جميل، وكانت للحث على محو الأمية والدعوة لتعلم القراءة والكتابة·

كانت جدران القاعة تزدان بلوحات فنية كبيرة رسمها بعض أساتذة وطلبة المدرسة، وبنحت بارز على الخشب يمثل شعار المملكة العراقية إضافة إلى صور الملوك، وخرائط كبيرة كانت إحداها بالجبس البارز للجزيرة العربية، إضافة إلى لوحات بالخط العربي تمثل مأثور الكلام والحكمة والآيات القرآنية، ولا يجوز للتلاميذ البقاء داخل القاعة في فترات الاستراحة والمراقب العام مسؤول عن تنفيذ ذلك· ولذلك فإن أيام الشتاء الممطرة كانت فرصتنا الوحيدة للتمتع بجو القاعة ورموزها، وإن كان الازدحام يفسد ذلك، وحين نستثمر القاعة لاحتفال أو عرض مسرحي، تصف الكراسي أو الرحلات فيها بمواجهة المسرح، وفي قاعتنا تجري امتحانات نهاية السنة التحريرية في جو مهيب·

وفي مدرستنا العتيدة تلك أكثر من حديقة واحدة، ناهيك عن أن الساحة على كبرها كانت عبارة عن حديقة من نوع خاص، إذ تحيط بالساحة ساقية جارية معظم أيام السنة وعليها نمت أزهار الدفلى عديدة الألوان وأشجار اليوكالبتوس والنخيل والرمان· وثمة حديقتان صغيرتان تليان غرفة المدير، وهي أكبر من تلك المحاذية لغرفة المعلمين، وبكلمة أدق فإن الغرفتين والصفوف لا تحاذي الحدائق أو الساحة وإنما تطل عليها لأن البناء كله مرفوع عن مستوى الساحة بخمس درجات أو ست· أما الحديقة فقد كانت مزهرة مثمرة، نخيلها وأعنابها وحمضياتها ورمانها، وكانت لها بوابة مشبكة وسياج يفصلها عن الساحة، لكنها تفتح حسب طلب الأساتذة وندخل معهم بشرح بعض المعلومات المتعلقة بالنبات· وأحياناً لتلقي الدرس نفسه في جو الحديقة كما كان يفعل أستاذنا المرحوم عبد العزيز عبد اللطيف في درس الدين·

وسواء كان الأمر بالنسبة للحدائق والساحات أو بالنسبة للقاعة، فإن نظافتها من المحرمات التي لا يجوز التجاوز عليها أو التهاون فيها، وكان ذلك مما يتابعه المدير شخصياً· أفلا تلقي تلك الأجواء بأولى بذرات التحضر والالتزام في نفوس الطلبة ؟! أجل فكيف ولدينا ملامح حضارية أخرى ؟! نعم فلدينا المرسم بكل تجهيزاته وما يحفل به من فرص لتنمية مهارات الرسم لدى هواته، بإشراف المعلمين المهتمين بالرسم كأحمد جميل وزكي جاسم، ولعلكم تعجبون أن أبرز لوحة كانت في المرسم هي لوحة كاريكاتورية ! أجل، ولم أفهمها إلا بعد سنوات من تعرفي على الكاريكاتير، كانت تمثل سيدة مفرطة البدانة لكن أناقتها واضحة، مفرطة الضخامة وقد وقفت بكامل أناقتها وشحمها ولحمها وإلى جانبها خشبة القصاب التقليدية، وتحتها نقش عنوانها (رشاقة) !!

وظلت هذه الصورة في ذهني حتى اتضحت معانيها بعد أن عرفت الكاريكاتير· وكان مرسمنا هذا قاعدة نجاحات مدرستنا في معارض مدارس اللواء السنوية ونيلها درجات متقدمة كل عام· وبالمثل كانت غرفة الرياضة تمثل ما يمثله المرسم من أساس لنجاحات المدرسة في المسابقات الرياضية داخل القضاء وخارجه، ولهذا السبب كانت غرفة المدير وغرفة المعلمين تزدحم بالعديد من الكؤوس والدروع وأوسمة الفوز، ناهيك عما في المرسم وغرفة الرياضة من تلك الكؤوس ورموز التفوق·

وكانت طاولة كرة المنضدة والحانوت التعاوني مركزين آخرين من مراكز تجميع التلاميذ في الاستراحات (الفرص) مثلما يجدون في ظلال حدائقها أو على سواقيها المترعة بالمياه متعة الحديث أو مراجعة الدرس· ولضمان أن تكون كل تلك المتلقيات منتظمة كان هناك معلم مراقب كل يوم وإلى جانبه التلميذ المراقب العام، وغالباً ما يكون الأكبر سناً ومن الصف السادس على الأغلب، وكانت نوبة مراقبة الأساتذة منصور حسين، أحمد جميل، وعبد العزيز عبد اللطيف متميزة بما يميز كل منهم من ملامح وسمات شخصية· إضافة لنشاط المدرسة الرياضي والفني، كانت لها نشاطاتها الاجتماعية، فكانت فرقة الكشافة فيها تساهم في حملات التوعية الصحية وجمع التبرعات لجمعية الطيران العراقية، من خلال توزيع شاراتها في أيام الأعياد خاصة·

تكاد مدرسة المسيب الابتدائية الأولى في تلك الفترة تكون هي الوحيدة في مركز المسيب أو على الأدق في الجانب الكبير من جانبيها على يسار ويمين النهر· ففي الجوار منها كانت مدرسة المسيب الأولية الأولى (وليس الابتدائية) إذ تتكون من أربعة صفوف فقط تنتهي في الصف الرابع، وكانت تعرف باسم مديرها أكثر مما تعرف باسمها، إذ كانت تسمى (مدرسة عبد الدايم) ويقصد به الأستاذ المرحوم عبد الدائم علوش (أبو عمار ومصعب) وبعد سنتين أو ثلاث من التحاقي في المدرسة (أو ربما أكثر) افتتحت مدرسة التهذيب في محلة النزيزة ابتدائية هي الأخرى، كما طورت المدرسة الأولية إلى ابتدائية وعرفت باسم مدرسة المثنى الابتدائية·

أما في الجانب الصغير من المدينة (صوب ألبو حمدان) فكانت هناك ابتدائية وحيدة هي المدرسة الحمدانية الابتدائية·· ومدرسة في حامية المسيب (أظنها كانت أولية) أما في ريف المسيب فكانت هناك مدرسة أبو الجاسم الابتدائية ومدرسة أولاد مسلم الابتدائية، وهما مدرستان استقطبتا أبناء الريف القريب لكنهما لم تستوعبا كل الراغبين في الدراسة، وكانت مدرستنا مع وجودهما تستقطب كثيرين منهم رغم بعدها عن مساكنهم لما لاسمها من هيبة·

ومثلما كان اسم الأستاذ عبد الدائم علامة لمدرسته، كانت للمدارس الأخرى أسماؤها المعروفة·· فالأستاذ محمد سعيد كامل في الحمدانية بما له من مكانة اجتماعية وثقافية، والأستاذ حسين الخزرجي في الأولية ثم وفي الحمدانية، والأستاذ جواد النجار في المثنى، والأستاذ عبد الوهاب الصباغ في التهذيب·· ومحسن الجايد في مدرسة أبو الجاسم·· وغيرهم، وكانت لهم مشاركاتهم في النشاط الثقافي الذي تقيمه مدرستنا أو مدارسهم على مسرح مدرستنا، لا سيما الأستاذ محمد سعيد كامل الذي يلقي قصيدة في أغلب المناسبات، شأنه شأن الأستاذ حسين الخزرجي، غير أن الخزرجي يضيف لإسهامه الشعري افتتاح بعض الاحتفالات بتجويده القرآن الكريم، وكان رحمه الله يلقي قصيدة في احتفال المدينة بمولد الإمام علي (ع) أو الإمام الحسين (ع) في حسينية المسيب إضافة إلى قراءة القرآن·

وهكذا لا عجب أن تسري الجدية والإحساس بالمسؤولية حتى إلى فراشي المدرسة وعمال حدائقها، فكانوا يعتبرون أنفسهم من أولياء أمور تلاميذها إن لم نقل يعتبرون أنفسهم مالكين للمدرسة ! حتى إن (حمادة شهاب) كبير فراشي مدرستنا كان يخيف الكثير من التلاميذ لحزمه وشدته في منع أي تجاوز على حديقة أو نافذة أو شجرة· واعترافاً بمكانته كان التلاميذ العائدون من المباريات الرياضية التي تفوز بها فرق مدرستنا يهزجون على السيارات أو في الشارع المؤدي إلى المدرسة :

بشروا حمادة الفراش ترة الكاس ألنة بالتناوب مع بشروا أبو ليلى (الأستاذ منصور) ترة الكاس ألنة !!

وبعد·· أفليس محزناً أن تنقل هذه المدرسة إلى بناية غير بنايتها الأصلية التاريخية ؟ أفما كان يليق بتاريخها تطوير مبناها بصيانته لا تغييره لتحل فيه مدرسة للبنات حالياً (كما فجعت بذلك الخبر) بينما تحمل اسمها التاريخي بناية جديدة مقابلها ؟؟ محزن حقاً·· كم أحس برغبة للتحدث عن بعض أكبر التلاميذ في مدرستنا وبعض ما تميزوا به ! وكم أرغب بالحديث عن توزيع الحليب وحبات زيت السمك، وحرص أساتذتنا على تناولها قبلنا !· وكم· وكم· وكم·

ولكن هل يتسع المجال لكل ما أرغب ؟! وعلى أية حال فقد أنهيت دراستي الابتدائية متفوقاً عام 1957· فمن المناسب إذن أن أنتقل إلى ذكريات المدرسة المتوسطة··

صفحة 8

في أجواء 41 تموز 1958

كانت ثانوية المسيب هي المدرسة الواقعة مقابل إعدادية المسيب الحالية، حيث تقع على شاطئ الفرات مباشرة، وعليه تفتح ساحتها بشكل حرف U وهي مشغولة الآن بمدرسة ابتدائية· كان مديرها هو الأستاذ حسن هادي الأنباري مؤلف مسرحية الزوجة الثانية التي أشرت إليها من قبل، وثمة أسماء مرموقة للتدريس فيها·· فللرياضيات كان الأستاذ عبد الوهاب الدباس وجورج عبد النور· وللتاريخ جعفر جنجون (من الحلة) ورشيد الجبوري، ثم انضم إليهما مدرس شاب هو عبد الله القيسي، والحق أن عددا من المدرسين الشباب جاءوا معه منهم عامر محمود ناجي (مدير تربية بابل فيما بعد) للكيمياء والأحياء، وعقيل وخالد (من بغداد) للرياضيات والهندسة، أما الإنكليزية فكان يتولاها أستاذان قديران هما محمد مهدي القزاز ومنير قرياقوس، وفيها التقينا بعدد من المدرسين المصريين لأول مرة ،حيث درسوا عديدا من المواد بعد ثورة 14 تموز 1958·

بافتتاح سنتي الثانية المتوسطة كانت ثورة 14 تموز 1958 تتعمق في مجتمعنا، تتردد أصداؤها في كل ركن منه، لكن ذلك للأسف تم في خضم صراع سياسي حاد لف الشارع السياسي فكان من المحتم أن يلف مدرستنا طلابا وأساتذة، وامتد ذلك حتى إلى النشرات الجدارية المدرسية، وفي أتون هذا الصراع تكونت أولى قناعاتي السياسية من منطلق الحماسة في الدفاع عن ثورة 14 تموز وشعاراتها في العدل الاجتماعي والديمقراطية، وتعزيز المساهمة الجماهيرية في الحياة السياسية والاجتماعية، إذ وجدت في النشاطات الثقافية التي تعددت ألوانها ومنابرها تجديداً خطيرا في حياتنا·

نعم فقد ازدحمت المكتبات بكتب جديدة في السياسة والأدب والاقتصاد، وفتحت مكتبات جديدة، وأصبح لكل مقر نقابة أو منظمة شبابية أو نسوية مكتبتها، وتعددت الصحف وتعددت ألوانها الثقافية، وصار الشعر والمشاهد المسرحية أو التمثيليات القصيرة على مسارح تنصب في الهواء أو حدائق المقرات النقابية من لوازم الاحتفالات السياسية أو الثقافية المحضة، ولعلي لا أكون مخطئا لو أشرت إلى أن أول ذكرى لتأسيس الجيش العراقي تمر في العهد الجمهوري، وكانت في 6 كانون الثاني 1959 هي أول منطلق للمنافسة في تلك النشاطات، إذ شهدت المسيب أكبر مسيرة جماهيرية في تاريخها لتحية الجيش العراقي·

وارتبطت هذه المناسبة بشيء خاص بي·· ففيها سمح لي والدي لأول مرة بالدخول إلى مقهى بمفردي !! أجل ولو لم يكن ذلك المقهى مقرا لاتحاد الطلبة لما سمح لي، وكان ذلك مقهى عبد النبي الخنفور في النزيزة، حيث الآن محل تصليح ثلاجات !! لا أريد أن أستسلم لمغريات الاستطراد هنا، ولذا سأنتقل مسرعا إلى مرحلتين مهمتين في تكويني ضمن المرحلة الثانوية : أولاهما : انتقالي إلى الحلة حيث التحقت في متوسطة الحلة للبنين طالبا في الصف الثالث للسنة الدراسية 1959 /0691، وهناك تفجرت قدراتي الأدبية التي كانت عفوية، على يد مدرس اللغة العربية والأدب الأستاذ سعدي عباس علوش، فقد كان لحبه الشديد للأدب وذائقته الرفيعة للأدب وفهمه الحديث للأدب وأساليب تدريسه أكبر الأثر في وضع خطاي على درب الأدب الحقيقي، فبفضل توجيهه وتأثيره كتبت أول قصة قصيرة، نعم بل وإنها تمت ضمن إجابتي لأسئلة امتحان اللغة العربية في نصف السنة·· إذ كان موضوع الإنشاء هو ((أكتب قصة قصيرة في موضوع تراه، وفق الأسس الفنية لكتابة القصة· إلخ)) فما كان منه إلا أن نقلها من دفتري الامتحاني لينشرها في مجلة كلية التربية !! وقبل ذلك دربنا الأستاذ سعدي على ارتجال الإنشاء في الصف وبشرط أن يكون فنيا في الموضوع والعنوان والمعالجة·

وبحماسة هذا الأستاذ وبتأثير متابعته، جربت كتابة المقال، أول مقال كبير لي في جريدة الرأي العام التي كان صاحبها ورئيس تحريرها الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري·· بعنوان الاتحاد في عليائه والحقيقة في كتاباته، وهو عن اتحاد الأدباء ودوره الثقافي؛ وقد نشر عام 1960 فأشعل حماستي الأدبية، كيف لا وقد نشر معه في العدد نفسه تعليق في باب (مع المجتمع) ينوه بهذا المقال وبحماسة الشباب أمثال كاتبه، كما نشرت الرسالة التي كتبتها مع المقال للجواهري نفسه، وفيها بعض ملامح الجو الأدبي والسياسي السائد آنذاك في مدينة المسيب·

وكان الجو الأدبي في الحلة واتساع مجالات النقاش، وحضور أسماء أدبية معروفة في مقاهيها المتميزة كمقهى (حساني) أو (كازينو سومر) كالقاص المترجم الأستاذ السيد هادي الياسري، والشاعر علي الحسيني (رحمه الله) وغيرهما مما يشجع على الانغمار بالهواية الثقافية بكل جوانبها· وهكذا فعلت مساهما في فعاليات خطابية ومسرحية في المدرسة وخارجها، يوازي ذلك في الأهمية أن تحرري في الحلة من السطوة الشديدة للعائلة، أتاح لي تكوين صداقات مع مثقفين أكبر سنا مني ومنهم بعض أقاربي وأكثرهم معلمون أو مدرسون، وكان مجلسي معهم يشحنني برغبة عارمة للقراءة كما كانت مكتبتها (الحلة) العامة عونا لي في إشباع تلك الرغبة، غير أن قراءاتي السياسية غلبت وقتها على قراءتي الأدبية، على أنني أذكر أنني قرأت بطل من هذا الزمان تأليف ليرمونتوف، والأرض البكر حرثناها لشولوخوف بجزئيها في تلك الفترة، كما قرأت مسرحيات يوسف العاني في كتابه مسرحياتي، ومحمد عبد الحليم عبد الله، ورواية الأرض لعبد الرحمن الشرقاوي في تلك الفترة، وفيها تعرفت إلى مجلة الثقافة الجديدة ومجلة المثقف ·· وشدتني الثانية إلى عمقها الأدبي والثقافي، بينما أشعرتني الأولى بعمقها السياسي المباشر والفكري قبل همها الثقافي، كما تعرفت إلى مجلة الآداب اللبنانية أيضا رغم أني لا أجهل اسمها الذي تعرفت إليه قبل ذلك بكثير، لكني لم أكن أعرف محتواها أو شأنها الأدبي الثقافي·

بعد أن عدت إلى المسيب صيف 1960 ناجحاً من الصف الثالث بتفوق، واصلت نشر مقالاتي في جرائد الرأي العام ، الثبات ، صوت الأحرار ، الحضارة ، الإنسانية ، وجريدة البلاد ، وتنوعت الموضوعات بين السياسة والهموم الاجتماعية والسياسية والأغنية الوطنية·

عدت إلى ثانوية المسيب بعد أن انتقلت إلى مبناها الجديد (الحالي إلى الآن)، ملتحقاً بالصف الرابع العلمي، لتبدأ فيها المرحلة الثانية المتميزة·

ولم تبدأ المرحلة الثانية في الرابع العلمي بل في الخامس العلمي، حيث تقترن باسم آخر من أساتذتي هو الأستاذ هشام أحمد الطالب، الذي كان لي شرف وحسن حظ التتلمذ عليه حين درسنا مادة (الحيوان العام)· فإذا كان أستاذي سعدي عباس علوش قد دفعني على الطريق الصحيح للأدب، فإن هشام الطالب ثبتني على طريق العلم ورسخ اتجاهي العلمي، فقد امتاز هذا الأستاذ بثقافة واسعة جعلت درسه محاضرات غير تقليدية في الثقافة والعلوم·

وكانت ثقافته وإخلاصه لأفقه السياسي، وهو بعثي كان مبعداً من الموصل لأسباب سياسية، يمنحانه سماحة في الرؤية جعلته يجسد لي تجربة حية في حرية الفكر وتسامح الاعتقاد بين المبادئ المختلفة، إذ لم أسمعه يشوه أو يندد برأي خصومه كما كان يفعل أساتذة لنا آخرون ومن منهجه السياسي نفسه· وعلى يدي هشام الطالب جربت القراءة العلمية باللغة الإنكليزية، وربما كانت أول قراءة علمية (في علم متخصص) أصلاً، وذلك بكتاب اشتراه لي ولزميلي عصام صالح، ولزميل ثالث (لا أتذكره) بعد أن دفعنا له ثمنه (600 فلس) وهو كتاب من جزئين من مطبوعات سلسلة بنغوين عنوانه حيوانات لا فقرية (Animals without Backbones)، وما زلت أحتفظ به في مكتبتي مرجعاً علمياً وأثراً عزيزاً لأستاذ عزيز· وسرعان ما تطورت علاقتي بهذا الأستاذ لتتحول إلى صداقة ثقافية، وتطورت أكثر حين مارس بعض الطلبة وبعض الأساتذة أيضاً، مع شديد الأسف، مارسوا ملمحاً من ملامح الصراع السياسي في تلك المرحلة فنقلوا له، لما رأوا من إعجابه بي والتنويه بقدراتي في الصفوف الأخرى، نقلوا له أنني من رأي سياسي مخالف فلماذا هذا المديح، فرد على أحدهم بحضوري وكان أستاذاً لي، مع الأسف مرة أخرى، (بل إنني، يقول هشام، سأزداد أعجاباً به حين يخرج عن خجل التلميذ ليناقشني في منهجي ويحدد اختلافه معي)، والتفت نحوي مبتسماً وقال : استمر حيث تقتنع وأنا ما أزال عند رأيي فيك· وقد ترجم هذا القول إلى موقف متميز في لحظة حساسة من حياتي حين جربت الاعتقال السياسي الطويل لأول مرة عام 1961 (وأقول الطويل لأنه سبقه اعتقال قصير قبل سنة منه)، وكنت في الصف الخامس العلمي إذ وقف إلى جانبي وأسند طلبي بوجوب إدخال كتبي إلى الموقف (السجن) لأتمكن من أداء الامتحان الوزاري العام· وما كتبته عنه لم يشبع حاجتي للكتابه عنه، وكان آخر لقائي به عام 1970 كما أتذكر وقد أصبح أستاذاً في جامعة الموصل، إذ حصل على الماجستير في الطفيليات· وهشام أحمد الطالب، هو أول سفير للعراق في دمشق بعد 8 شباط 1963، وعضو أول دورة للمجلس الوطني عام 1980، والأمين العام السابق لجامعة الموصل ورئيس تحرير مجلتها الجامعة لفترة من الوقت·

صفحة 9

اعتقال سياسي مبكّر

وذلك الاعتقال السياسي في الواقع كان الانعطافة الحاسمة في مجرى حياتي إذ غيرها جذرياً وإلى الأبد، فقد كنت أهيئ نفسي للتفوق ودخول كلية الطب، وبالفعل كنت دخلت الامتحان الوزاري عام 1961 بمعدل 87% إلا أن هذا الاعتقال قبل الامتحان بشهر أو أكثر قليلاً (1 / 5 / 1961) حرمني من أداء الامتحان بصورة طبيعية، إذ أديته وأنا موقوف وبعد مساع مضنية للموافقة عليه، غير أن دائرة أمن المسيب وقتها حرمتني من إدخال الكتب المدرسية رغم موافقة القاضي، على ذلك، ولكن قبل الامتحان بيومين أو ثلاثة فقط !!!

وهكذا بدلاً من أن تساعدني أصبحت مصدر إرباك لي، خاصة وإن موضوعاً كاملاً لم نكن قد درسناه في المدرسة حين اعتقلت وهو الهندسة التحليلية، وهكذا صرت أكتفي بتقليب الكتاب ليلة الامتحان معتمداً على الذاكرة والتحضير اليومي، وأهملت الإجابة في امتحان الفيزياء، لكنني عاودت الامتحان في الدور الثاني لأجتازه، ولكن بمعدل 68% فقط فكان أن انتهى حلمي بالطب، وانتهى حلم مدرستي بحصولي أو زميلي عصام على الدرجة العليا في مدارس اللواء·

وبينما نجح زميلي عصام صالح الجنابي وحقق حلمه بكلية الطب، وهو الآن (اللواء الطبيب عصام صالح الجنابي) لم يتح لي معدلي أكثر من كلية الزراعة، ولكنني قررت فيها التعويض عما فات فكنت من أوائل طلابها للسنوات الأربع، ثم الخريج الأول في قسم التربة والمحاصيل الحقلية، ثم حاصلا منها على الماجستير في أحياء التربة المجهرية عام 1977 بتقدير امتياز، والحق أن إحساسا بالخيبة حاصرني بعد ضياع حلم دراسة الطب، فلم أجد في الحياة الجامعية التي قسمت لي في كلية الزراعة ما كنت أتمناه، سواء لخصوصية هذه الكلية وتخصصها أو لموقعها خارج بغداد· غير أني لم ألبث أن حاسبت نفسي وقلبت الأمر عقليا فرأيت أني مهدد بضياع ما لدي أيضا إذا بقيت مشدودا لما ضاع من قبل·· وأن من الحكمة والشجاعة هو البدء والتعويض عما فات بتفوق جديد، لا سيما وأن في العلوم الزراعية آفاقا وموضوعات تحتاج للمزيد من البحث، وهذا ما فعلته، فكان ذلك التفوق الذي أشرت إليه والذي كان في الواقع شيئا يشبه المعجزة !

أجل·· ما يشبه المعجزة فقد جربت الاعتقال السياسي مرتين· الاولى سنة 3691 في سنتي الجامعية الأولى في بغداد، والثانية في العطلة الصيفية (تموز 1963) حتى بعد شهر أو شهرين من بدء الدراسة في الكلية، وبعد كل من المرتين أعود فأنكب على كتبي ويعينني زملائي في نقل المواد ورسم المخططات، فأتفوق في السنة الأولى وأتفوق بدرجة أكبر في السنة الثانية، مما أشعل حماستي وبث روحا انصرفت بوحيها إلى دراستي وكأنها اختياري الأساسي وبث بي روحا انصرفت بوحيها إلى دراستي وكأنها اختياري الأساسي فتكشفت لي في هذه الكلية جوانب ما أشد حبي لها !

وما أشد تعلقي بها الآن سواء في المكان وجغرافيته أو في علاقاتي بالزملاء وبعض الأساتذة، وبطريقة أو بأخرى نظمت علاقتي بمدينة بغداد وجوانبها الثقافية، ورحت أستثمر موقعي لتنمية قدراتي العلمية والأدبية معا·· وخلال سنوات الجامعة صارت مكتبتي الخاصة تنمو وباستمرار وتنوع·

صفحة 10

مع طه باقر في سجن واحد

وما دمنا بصدد الحديث عن المكونات الثقافية، فلا بد من وقفتين عند فترتي اعتقالي عام 1963، ففي الأولى وجدت نفسي وسط حشد هائل من أساتذة الجامعة والعلماء والأدباء والجامعيين من مختلف الاختصاصات، ممن كانوا معي في سجن الموقف العام بباب المعظم (وزارة الصحة حاليا)، كان منهم العلامة طه باقر وعدد من أساتذتي في كلية الزراعة، مثل طه ناجي ومهندسون فنانون مثل قحطان المدفعي، وأطباء كبار وطلبة في الصف المنتهي بكلية الطب، وأساتذة في اللغات والقانون بينهم المرحوم ابن مدينتنا د· صلاح الدين الخزرجي وشعراء شعبيون·· وكلهم كانوا من حوافزي للتعلم والإصغاء لهم، إذ كان بعضهم يحدثنا فيما يشبه المحاضرات عن اختصاصه وأبعاده، كما فعل أحد أساتذة الرياضيات في كلية العلوم·· حتى إذا عدت إلى الكلية عدت إليها محتشدا برغبة المواصلة على جانبي العلم والأدب· غير أن الكتب كانت ممنوعة داخل الموقف، رغم السماح بالصحف، وفي المرة الثانية كانت في سجن الحلة (تموز 1963 ت2 1963) وخلالها التقيت بنوعيات أخرى من الناس المثقفين منهم، أكثرهم مدرسون ومحامون ومعلمون وطلبة بمختلف المراحل·· كان بينهم أستاذي وجاري وتلميذ أمي مهدي الأنباري، وهنا في هذه المرحلة وجدت أكثر من الأستاذ الأخ الكبير والصديق والمرشد الحميم، لا سيما وأن ظروف السجن تعتنق دواخل الفرد، هكذا صرنا نتحدث في كل شيء من خلال نفوس مكشوفة على بعضها؛ ولأن الكتب كانت متوفرة بشكل أو بآخر فقد مارس الأستاذ مهدي دورا إرشاديا في اختياري لما قرأ، فكان أن قرأت معظم ما صدر لنجيب محفوظ حتى عام 63 إن لم أقل كله، واستمر هذا الدور بعد خروجنا من السجن، ومنه اطلعت على واحد من كتب سلامة موسى الموجهة وهو تربية سلامة موسى وأذكر أنه أعارني إياه كي أجد فيه إجابة عن سؤالي له : ألا تراني يا أستاذي أنني أثرثر كثيرا وأتنقل من موضوع إلى آخر ؟

قال مبتسما : أبدا إن فيك حماسة للمعرفة ستعرف أصله وسره لو قرأت كتاب سلامة موسى وقرأته فعلا، قال لي مرة وأنا أسأله هل يحق لي أن أحس أن القاص عبد الحليم عبد الله لا يعجبني ؟ ، قال لي بثقة نعم هذا يعني أنك تتطور وتتجاوزه، فما كان يعجبك في مرحلة لا يعجبك في غيرها ·