الإهداء
إلى الوطن.. الذي ليس كأي وطن !!
بمثابة مقدمة
المجتمعات الإنسانية الأكثر تطور وتقدم هي تلك التي يتفاعل أفرادها مع أنظمتها وحراكها بمسؤولية وكفاءة، وبطبيعة الحال فإن أي مجتمع تسود فيه القوانين ومحاولات للتطوير والإصلاح هو المجتمع الأكثر توهج وتقدم، إن المشاركة مع المجموع العام في كل ما يمس قضايانا وهمومنا قد تصل لدرجة الوجوب وهي على درجة عالية من الأهمية، وهي فضلا عن هذا جميعه قد تصل لتكون هما وطنيا وإنسانيا. بين يديك ملامح من أداء هذا الواجب وهذا الهم، وهو كتاب: ("كيف الحال" رؤية سلوكية معرفية في الشأن العام والإصلاح الهيكلي والمسؤولية الاجتماعية ). وهي رؤية ليست وليدة اليوم، بل إنها تراكمات لعشرات السنوات في العمل الإداري الحكومي، وأيضا العمل في شركات القطاع الخاص، فضلا عن الكتابة في الشأن العام في عدة صحف. مقالات هذا الكتاب هي عبارة عن مشاهدات لطبيعة العمل الإداري ومشاهدات لسلوكياتنا وطبيعة حكمنا على عدة قضايا وطنية واجتماعية، وببساطة متناهية يحاول هذا الكتاب أن يفصح عن خلل قديم تحول ليكون جزء من هيكلية وظائفنا الإدارية خاصة في القطاع العام. وأيضا تحاول أن تلتقط سلوكيات اجتماعية غير قويمة، بل حتى طرق التعامل والتعاطي سواء مع قضايا الوطن أو قضايا الإنسان التي لم تنضج.
تم توزيع مواضيع الكتاب ليسهل للقارئ الوصول للمعلومة بشكل مباشر، وتم تقسيمه على فصول كل فصل يحمل عنوان، يندرج تحته عدة مقالات، لذا فإن بين يديكم عشرة فصول، تبدأ من الشأن العام إلى نظرة على سلوكيات في التنظيم الإداري ثم التنظيم والهيكلة ففصل عن حماية المنجزات وآخر عن التسويق والإعلام، وهناك مقالات تحت فصل النزاهة وأخرى في فصل حقوق الإنسان، وكذلك أفرد فصل للمسؤولية الاجتماعية، وآخر عن العالم الافتراضي، واختتمت قائمة فصول الكتاب بالأفكار والمقترحات.
إن ما يحتويه هذا الكتاب بمثابة هم محب وتطلعات وطنية وهي أفكار مواطن ينشد لبلاده الرقي والتميز، وهي تسعى لمواكبة الحراك المعرفي واستغلال المساحة الكبيرة من الحرية والتعبير بعفوية ودون تجني أو اعتداء على أحد.
لنوقفهم ونستبدلهم بالتعاونيات
يقول أحد خبراء دراسات الأسواق إن المواطن المستهلك يمارس عليهم سلوكا غير أخلاقي وانتهازي من فئة تتستر عليهم ويسيطرون على أسواق التجزئة.
وفي هذا الصدد لا بد أن تتدخل الدولة والمجتمع للحد من هذه الممارسات في توافر مستوى لائق من الحماية للمحافظة على إمكانات المواطن المالية المحدودة لتوفير الحد الأدنى من احتياجاته الأساسية من الغذاء والشراب والمستلزمات الحياتية المهمة.
إن نوعية التدخل هنا هي تفعيل دور المجالس البلدية ومجالس الأحياء والعمد، بالتعاون مع أجهزة الدول بالقيام بحملة لإقفال البقالات والمغاسل ومحطات البنـزين والخدمات الأخرى التي تديرها وتتستر عليها العمالة الأجنبية، وإحلالها بالجمعيات التعاونية التي ترعاها الدولة ودعمت أخيرا بمبالغ مناسبة ولها آلية عمل ومراقبة ومحاسبة من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية، الوزارة التي تمنح التراخيص لها، وأنواعها تغطي معظم النشاطات المهمة في المجتمع فهناك الجمعيات التعاونية متعددة الأغراض، والجمعيات التعاونية الزراعية، والجمعيات التعاونية الاستهلاكية، وجمعية صيد الأسماك والجمعيات التسويقية والجمعيات المهنية، وجمعيات الإسكان، كلها تحت مظلة وزارة الشؤون الاجتماعية، ويمكن الاطلاع على أدوارها وكيفية تكوينها ودعمها من موقع الوزارة وهي في الحقيقة مناجم ذهب للقضاء على البطالة والفقر وضبط الأسعار وجودة المواد المستهلكة، وفي آخر المطاف (سمننا في دقيقنا).
المهم هنا أيضا أن نستفيد من تجربة الإمارات والكويت كبلدين خليجيين في تطوير الجمعيات التعاونية لديهما، وأن ندرك أن تلك الجمعيات ممكن أن تتحول إلى تكتلات اقتصادية قوية لتجارة التجزئة، وعائد مربح ينقل أفراد الأحياء من مستوى الفقر والبطالة إلى الربح والاكتفاء الذاتي والإنتاجي ويحول المليارات المحولة للخارج إلى الداخل.
إنني متأكد أن هذه الجمعيات التي قد يحتوي مشروعها على تموينات غذائية ومغسلة ملابس ومكتب للتسويق ومكاتب لصيانة الأجهزة الإلكترونية وبيعها ومحطة بنـزين..إلخ، ستقضي على نصف البطالة في المملكة إن لم يكن زيادة مستوى الدخول، وستدرب المواطنين على البيع والشراء والتسويق وبقية المهن عمليا لينطلقوا إلى مشاريع أكبر في المستقبل، ولاسيما أنها ستكون بجوار سكنهم مما يقلل اعتمادهم على تكاليف المواصلات، وهي في الحقيقة متاحة للرجال والنساء حسب النشاط فلماذا نجلس مكتوفي الأيدي وأمامنا هذه الفرص متاحة ومدعومة من الدولة للجميع؟!!
وأخيرا «اكتشفنا» و«فوجئنا» بأن هناك إهمالا
أصبحت حياتنا اليوم اكتشافات ومفاجآت بطلها الإهمال وضعف المتابعة وعدم تحمل المسؤولية.. كل يوم تطالعنا الصحف اليومية والإلكترونية بأن المستشفى أو مركز الرعاية الصحية لا يليق أن يكون منشأة صحية، وأن هناك حفرة أو كيبل كهربائي يهدد الناس وأن المواطن الفلاني يعيش في صندقة لأكثر من ربع قرن وأن هناك عمالة وافدة منتشرة نتعامل معها ونشتري منها في البقالات والمولات والمكاتب وأنها تستحوذ على أكثر من 80 في المائة من تجارة التجزئة، ومع ذلك لا نـزال نكتشف ونفاجأ وما خفي كان أعظم. مسؤولونا وموظفوهم الذين هم في الأصل من كوكبنا يعايشون واقع تلك الأمور كما نعيشها فهم يشترون ويتعاملون مع أولئك ويمشون بسياراتهم فوق تلك الحفر ويرون الإهمال وضعف الصيانة ويقرؤون الصحف ويتابعون وسائل الاتصال ويسمعون معاناة الناس ومناداتهم، ولكن المدهش أنهم يمرون عليها مرور الكرام، وكأن تلك الأمور لا تخصهم!
وفي المقابل نسمع عن أموال كبيرة تنفق وخطط طموحة وبربقندا إعلامية لجميع مؤسسات الدولة دون استثناء، ولكن عندما نرى الواقع نجد الأمور مختلفة فلا شك هناك إنجازات على مستوى البنية التحتية ولكن هناك في المقابل قصور في التشغيل وتقديم الخدمات والرقابة والمتابعة وأخشى أن تنطبق عليهم مقولة ''أسمع جعجعة ولا أرى طحنا''.
السؤال المحير ماذا يعمل أولئك في مؤسساتنا الحكومية التنفيذية والرقابية، وما المهام اليومية والأسبوعية التي يقومون بها وما هو إدراكهم ومفهومهم عن الإدارة التنفيذية وإدارة الخدمات وإدارة الوقت وجودة العمل، ولا سيما أن بعضهم يحمل شهادات من أفضل الجامعات العالمية ومكتبه مليء بشهادات الشكر والدروع، ومع ذلك تكون نتائج أعمالهم وإداراتهم بهذا المستوى من التراخي والإهمال وضعف المتابعة والرقابة.
هل القضية قضية إمكانات وقدرات شخصية، وهذا الأمر يفتح أمامنا ملف اختيارنا للشخصيات القيادية، فهل نختارها حسب المعايير النفسية والمعرفية أم حسب الشهادات والسيرة الذاتية والمحسوبيات والمصالح الفئوية أو الأسرية؟ الواقع يقول إننا نفتقر للشخصيات القيادية والإدارية وما لدينا هم شخصيات إدارية فقط تدير تلك المنشآت باعتبارات ذاتية وأهواء وانفعالات ودكتاتوريات ومعتقدات ذاتية فهي ''لا تهش ولا تنش'' على مستوى الإنتاجية والخدمات وأحسن ما فيها التنظير وسواليف النقد خاصة في المجالس وبالتحديد إذا ترك المنصب أو أعفي منه. ولا يدرك أولئك أنهم بذلك قد ضيعوا علينا الوقت والموارد وساهموا في إحباط الناس وعدم إسعادهم.
هناك فرق ما بين القائد الإداري، والقائد الضعيف أو المدير الطاغية كما أشار إليه الدكتور غازي القصيبـي- رحمه الله- في كتابه الشهير حياة في الإدارة، فهو يرى أن القائد الإداري يجب عليه استخدام الشدة في مواجهة الإهمال والقصور، ويؤكد في نصيحة للإداري بأن عليه أن يتحقق من الخدمة التي يقدمها جهازه بنفسه وأن الإداري الفاشل هو من يلجأ إلى الأسلوب البيروقراطي ''كتبنا وطلبنا'' لحماية نفسه من المسألة واللوم، ويقول في كتابه إن القائد الإداري لن يكون مثالا إذا ظلت منجزاته في الكتمان، فالإداريون الذين يسترون ما يقومون به لا يختلفون عن أولئك الذين يقول المثل الشعبـي إنهم ''يغمزون في الظلام''، ويشير بأن على المسؤول الالتقاء بالمواطنين وأن المواطن عندما يصل به الأمر لمراجعة الوزير فهو دليل على إهمال الإدارات التي تحته.
ويؤكد على أهمية دور القائد الإداري في الجولات على حساب الركون خلف الكرسي لرؤية الأوضاع على الطبيعة، للمساعدة على اتخاذ القرار، ويجب أن تكون جزءا روتينيا من طبيعة عمله ليس فقط للرقابة من أجل العقوبة بل أيضا للشكر لمن يعمل بكفاءة حتى لا '' يفاجأ'' أو ''يكتشف'' أن هناك قصورا وإهمالا.
ذراع استشاري مهمل!!
جمعيات المجتمع المدني على مستوى العالم هي التي نهضت بالعلوم ودافعت عن الحقوق المهنية وليست الحكومات عندما يتم الاعتراف بها كشريك له الحق والدور في الشراكة الحقيقية، وأثبتت الجمعيات العلمية لدينا خلال عمرها الزمني أنها تختزل إمكانيات بشرية وطاقات علمية لا يستهان بها، وبعد الدعم المادي الكبير الذي قدمه خادم الحرمين الشريفين لها بمنح كل جمعية مبلغ عشرة ملايين ريـال، ينتظر منها بذل المزيد من الجهد وترجمة الكثير من المهام لخدمة هذا الوطن المعطاء.
وليس غريبا أن تتميز هذه الجمعيات وتكون محل عناية ودعم الملك المفدى إذا علمنا أن من يقوم عليها هم خيرة أبناء هذا البلد ممن أمضى جل عمره في التعلم والتعليم سواء في الصروح الجامعية أو بين أروقة أقسام المستشفيات أو وسط معامل المختبرات، فضلا عن أن هذه الجمعيات تضم في مجالس إداراتها كوكبة علمية تملك الخبرات الكافية في مجال تخصصها وهي التي أمضت سنوات كثيرة في مجالها، ولا ننسى الأعضاء سواء المتفرغين أو أصحاب العضويات غير المتفرغة، وجميعهم يقدمون آراء ووجهات نظر في مجال تخصصهم تستحق التوقف أمامها ودراستها بتمعن.
من هنا أعتقد أن على الوزارات والهيئات الآن وأكثر من أي وقت مضى الخروج عن نطاق التمحور حول إطارها البيروقراطي والاستعانة بخبرات الجمعيات العلمية حسب الاختصاص، فهذه الجمعيات وكما أشرت تزخر بالخبراء والاستشاريين الذين تجمعهم مظلة عملية من أهم أهدافها خدمة الوطن ورفع العلم وإثراؤه وتلاقح الأفكار وتحسين جودة المهن ذات العلاقة بتخصصاتهم.
في ظني أن الاستعانة بمثل هذه الخبرات الوطنية سيكون مردودها أكبر وأكثر فائدة لأنهم فضلا عن خبرتهم العملية ومستواهم العلمي أدرى بحاجة مجتمعهم وطبيعته، وبدلا من القفز إلى الخارج واستقدام خبرات أجنبية لكل موضوع سواء صغر أو كبر، أتساءل: لماذا لا نستفيد من هذه العقول ونفتح طريقا للتعاون معهم ودعمهم دعما للجمعيات المنتمين لها بشكل غير مباشر؟ وهناك عدة أطر وأشكال لمثل هذا التعاون والاستفادة، لعل منها توقيع مذكرات تفاهم مع هذه الجمعيات لتكون ذراعا استشاريا لتلك الوزارات والهيئات، وفي هذا الإطار يمكن إشراكهم ودمجهم مع الشركات الاستشارية العالمية وغيرها عند إجراء الدراسات، فهم كفاءات تتمتع بخبرة طويلة ومحايدون فضلا عن كونهم أعضاء متطوعين، وقبل كل شيء مواطنون، مقترح أسوقه لكل مسؤول لعل وعسى. بل أعتقد أنه من الواجب الاهتمام والالتفات للعمل الذي تقدمه مثل هذه الجمعيات، التي لا ينقصها الحماس والجدية والمثابرة، كيف لا وجل أعضائها من المتطوعين الذين يعملون دون أجر بل يدفعون من جيوبهم لدعم جمعياتهم وهمهم أن تصل رسالتهم وأن يقدموا ما بوسعهم لخدمة وطنهم الذي منحهم الكثير، وهذه ستكون نافذة مناسبة لإيصال رسالتهم والقيام بدور مهم في البناء والتخطيط والمشاركة في تطور ونهضة بلادنا الغالية. أم أن زامر الحي لا يطرب؟!!
ضوء في آخر النفق:
من أقوال الفيلسوف اليوناني أفلاطون: من يأبى اليوم قبول النصيحة التي لا تكلفه شيئا فسوف يضطر في الغد إلى شراء الأسف بأغلى سعر.
لا تذهبوا بعيدا لاستنساخ تجارب الآخرين فلدينا الجبيل
منذ أكثر من أسبوعين أتيحت لي زيارة الجبيل الصناعية ضمن وفد حكومي اطلع على شرح موجز عن تطور الجبيل الصناعية وبداية العمل فيها منذ أن كانت قاعا صفصفا حتى أصبحت من أكبر المدن الصناعية تأثيرا في اقتصادات العالم.
من يعمل في الجبيل هم سعوديون وليسوا من كوكب آخر، ولكن كان يميزهم أنهم يملكون رؤية استراتيجية بعيدة الأمد، فقد كانت نظرتهم تمتد لأكثر من 80 عاما، وذلك عندما وضعوا أول لبنة للبنى التحتية، وكانت النظرة تنبع من بُعد نظر، وكانت الإرادة هي المحرك الرئيسي في اتخاذ القرار، فلم تكن القرارات مرتبطة بأشخاص تذهب معهم عندما يذهبون، بل كانت قرارات مؤسساتية وكأن هناك إصرارا جماعيا على التنفيذ وقدرة على التنبؤ بالنتائج، وما كان يميزها أن القرار الجماعي كان قرارا واحدا وبلغة واحدة ولم يكن هناك تنازع في الصلاحيات والأدوار والأولويات، ولذلك بنيت البنية التحتية على أسس مشتركة يجمعها مخطط واحد وتنفيذ متوازن.
هذه الرؤية التنفيذية التي امتدت لثمانين عاما كانت تتناغم مع بعضها، ولذلك عندما قُرر تأسيس المدينة تم رفعها عن سطح البحر بواسطة ردم الأرض بكميات هائلة من الرمال لأسباب عدة، أولها حماية المدينة من أمواج البحر، وثانيا ليتم مع الردم تأسيس بنية تحتية لأكثر من ثمانين عاما من الخدمات الهاتفية والصرف الصحي والماء والكهرباء في وقت واحد، ووضعت أيضا أنابيب وممرات لكل هذه الخدمات الفارغة للزيادة المحتملة والطلب المتزايد في المستقبل لهذه الخدمات.. لذلك لا نرى في الجبيل واحدا يسفلت وواحدا يحفر، فكل شيء يتم تحت الأرض دون إزعاج للساكنين ودون هدر مالي، ويحكي لي أحدهم أنه عندما تطورت أسلاك الاتصالات إلى الألياف الضوئية تم سحب القديمة واستبدالها بأخرى والناس لم يشعروا بذلك.
عندما تم أخذنا بجولة في أرجاء المدينة وجدت هناك مساحات كبيرة من الأراضي التي لم يبنَ عليها، وقد أوضح المرافق لنا أنه بعد هذه السنوات ما زلنا لم نصل إلى مركز المدينة، وما تم بناؤه لا يمثل إلا جزءا بسيطا، وأن مركز المدينة وبقية الأحياء التي من المخطط لها أن تبنى في السنوات القادمة ستبنى على أرض جاهزة من جميع متطلبات البنية التحتية تم إعدادها وتجهيزها منذ تأسيس المدينة، بل إن الشوارع والجسور التي تمر ومن المقرر أن تكون في المستقبل على ممرات مائية تم إعداد أعمدتها منذ تلك الفترة وما علينا إلا تركيب الجسور فقط. خلال الجولة سألته لماذا لا توجد أعمدة الجوالات كما في أحيائنا حيث تشاهد في كل زاوية عمودا بل حتى فوق أسطح منازلنا، فأجاب لقد تم إرغام جميع الشركات على أن تستخدم عمودا واحدا ولا نقبل أن تقوم كل شركة بنصب عمود مستقل لها. الغريب في الأمر أن الجبيل البلد التي تجاور الجبيل الصناعية لا تمت لهذه المدينة بأي صلة، وعندما تمر بها تجدها مثل بقية المدن حفريات وتعثرات وعدم تنسيق وكل وزارة تعمل وحدها.. في آخر المطاف سألت هل نقلتم هذه التجربة الفريدة في بناء وتخطيط المدن للآخرين في مؤسساتنا، فكانت الإجابة أن قامت وفود بزيارتنا واحدا تلو الآخر من جميع القطاعات والدوائر الحكومية، ونلمس منهم الإعجاب والحماس بنقل هذه التجربة، ولم نسمع باستنساخها.
وأعتقد أن السؤال المطروح لماذا الزيارات المتكررة لكل الدول ولدينا تجربة عالمية سعودية فريدة تمت بنجاح في وطننا ومناخنا وبيئتنا وبالقرب منا ولا تتم الاستفادة منها؟!
الصيانة والتشغيل..جلد ما هو جلدك جره على الشوك
من الأمور التي تدعو إلى القلق العبء الذي ستواجهه المملكة في الحفاظ على البنية التحتية التي أنفقت فيها المليارات من الريـالات سواء عن طريق الصيانة الوقائية أو عقود الصيانة والتشغيل لهذه المنجزات. توجه إلى أي بقعة من وطننا الغالي ستجد مشاريع بالعشرات، وعلى مختلف أصنافها وأنواعها، من مشاريع الصرف إلى الكهرباء وصولا إلى مشاريع العمران والبناء، إلى مشاريع الطرق والرصف وتجميل المدن. وهذه المشاريع تنقسم إلى قسمين إما أن تكون حديثة وجديدة لتخدم التوسع العمراني الشامل والعام لكل مدن ومحافظات بلادنا الحبيبة، وبالتالي تخدم النمو السكاني المتزايد. وإما أن تكون هذه المشاريع لإعادة بناء البنية التحتية وتحديثها. في هذا السياق يتم صرف المليارات سنويا على هذه المشاريع، ويقول أحد التقارير الاقتصادية إن المملكة تقوم بتطوير البنية التحتية، حيث تعد الأكبر في الخليج، وأؤكد أنها الأكبر ليس على مستوى الخليج والوطن العربـي وحسب، إنما على مستوى الشرق الأوسط، حيث إن تكلفة هذه المشاريع تجاوزت قيمتها مئات المليارات، بل إن هناك توقعات أن قيمة العقود التي ستبرمها المملكة خلال عام 2013 ستتجاوز 80 مليار دولار، أي بزيادة تقدر بنحو 36 في المائة على إجمالي قيمة المشاريع في عام 2011، وهذا يجعل المملكة تحتل المركز الأول في منطقة الشرق الأوسط من حيث الفرص الاستثمارية لشركات المقاولات والموردين ونحوها. الذي أريد أن أصل إليه من خلال هذا التمهيد هو أن أوضح الصرف الهائل والكبير على مشاريع البنية التحتية في المملكة سواء بتحديثها أو ببناء مشاريع جديدة، وبالتالي فإن هناك عشرات المشاريع شهريا تدخل نطاق العمل دون أن ننتبه أو يكون هناك إعلام كاف لرصدها، ويتم تشغيلها لتبدأ تقديم الخدمات للمواطنين على هذه الأرض، إلا أن مما يؤسف له، أنه بعد مرور عدة أشهر تجد مثل هذه المشاريع خاصة الجديدة منها في حاجة إلى إعادة صيانة وترميم.