eKtab
EN ع
كيف الصحة
اقرأ عينة مجانية

كيف الصحة

بقلم د. عبدالله الحريري

صفحة 1

الإهداء

إلى المخلصين.. رجالا ونساءً...

الذين يعملون في المجال الطبي..

سواء في العلاج أو الإدارة الصحية..

يحملون هم الإنسان..

يبذلون كل ما في وسعهم لتقديم الرعاية والاهتمام..

دون تمييز.. أو تفضيل.. بل بعدالة ومساواة...

إليهم ... وإلى بنات وأبناء

بلادي الحبيبة...

صفحة 2

بمثابة المقدمة

دون شك أن مما يؤرق الإنسان أي إنسان وفي كل مكان، هو المحافظة على صحته، وأن يجد الرعاية العناية الصحية، في أي وقت ينشدها، ويدرك تماما العاملون في القطاع الصحي على مختلف تخصصاتهم ما يواجه هذا القطاع من ضغوط وصعوبات متنوعة، ليس في بلد دون آخر، بل تكاد تكون شاملة وعامة. وهذا طبيعي في قطاع يمس حياة وسلامة الإنسان، قطاع تتداخل معه قطاعات وتخصصات مختلفة.

من خلال هذه الآراء التي تتناول المفاهيم الصحية المختلفة، هي محاولة للمشاركة في الجهود التي تتحدث وتعمل على رفع كفاءة هذا القطاع، وتغذيته بشكل مستمر بالإصلاحات التي من شأنها تطويره وبالتالي انعكاسها الايجابـي على الناس.

"كيف الصحة" يحمل تساؤلات ومفاهيم مبسطة وتحليلات لعدد من القضايا الهامة مثل بيد من أمننا الغذائي والصحي، وتحديات الصحة والصحة النفسية، ولماذا التأمين الصحي، بل لماذا تتدهور الحالات المرضية أكثر عند مراجعتها لبعض المستشفيات، بل من المسئول عن الصحة، ولماذا يتم تكريس مفهوم المرض على حساب الوقاية، فضلا عن الأخطاء الطبية ومعنى تزايدها خاصة في القطاع الخاص، وصولا إلى الصحة الالكترونية، والاقتصاديات الصحية وتضخم الاستثمارات الصحية.

والذي أهدف له من خلال هذه الرؤى المختلفة ووجهات النظر التي جمعتها في هذا الكتاب، هو التفاعل مع قضية هامة ومحورية ومحل للنقاش والحديث الدائم بين الناس، هي رغبة في المشاركة في إيجاد علاج إداري وتخطيطي لجملة هذه التحديات والصعوبات التي تواجه هذا القطاع الهامة، وهذه الآراء لا تخص المملكة وحسب وإنما في أي بلد من بلدان العالم تهدف لتحقيق العدالة الصحية... وفي آخر المطاف أقول كيف الصحة؟

صفحة 3

لئلا يودعوا المصحات!!

استضافتني إحدى الإذاعات، للحديث عن بعض المشاكل والأمراض النفسية ونحوها.. وقبل نهاية الحلقة سأل المذيع عن كيفية التواصل مع المستمعين، فزودته بالرقم، ما لاحظته ذلك الكم الهائل من الاتصالات يسأل خلالها المتصلون حول الكثير من القضايا والمشكلات النفسية التي تؤرقهم، وتوجد عدة أسباب تمنع الكثير منهم من الذهاب إلى العيادات الاستشارية المتخصصة في العلاج النفسي؛ إما بسبب ظروف مالية أو أسرية أو غيرها من الأسباب التي تتطلب المزيد من السرية، فضلا عن المخاوف التي تؤرقهم من وصمة المرض النفسي، إلى جانب مخاوفهم من استخدام الأدوية النفسية وأمور كثيرة تمنعهم وتجعلهم يعانون ويبحثون عن أي مساعدة أو استشارة أو إرشاد متخصص.

بفضل الله، استطعت بالإمكانات المتاحة إزالة الهم والغم والفهم الخاطئ عن كثير من أصحاب تلك الاتصالات وإنقاذ من كان منهم يحاول إيذاء نفسه سواء بالانتحار أو غيره، وتدريب آخرين وتعليمهم طرق العلاج الذاتي وبرامج تطوير الذات المقننة والمدروسة من قبل علماء النفس العيادي والإرشادي، وكل هذه البرامج متاحة في العالم ولها مرجعيتها العلمية والعملية ولها الجمعيات العلمية المتخصصة.

في الحقيقة يوجد من الناس من هو تائه ويحتاج لبريق من الأمل لتحسين صحته وعيشه وثقته بنفسه تجاه ما يعانيه من مشكلات واضطرابات نفسية.

صفحة 4

الكثير من الناس بحاجة إلى من ينقذهم من أن تتطور حالاتهم ويتجهوا إلى التعود على الأدوية أو المخدرات أو أن يؤذون أنفسهم وذويهم. الناس بحاجة إلى من يأخذ بأيديهم ويعلمهم الطرق الجيدة في تطوير الذات وتنمية الشخصية والسيطرة على القلق والأفكار الخاطئة التي تؤدي بهم إلى الاكتئاب وتزيد من إحباطهم وفي آخر المطاف يصبحون قدرات ولكن غير منتجة ونافعة.

اليوم هناك ارتفاع غير مبرر في حالات الطلاق وبالذات في السنوات الأولى من الزواج، واضطرابات في العلاقات وإدمان، فضلا عن الكثير من المفاهيم السلوكية المضطربة وسوء فهم وشكوك وسوء ظن ومعتقدات خاطئة وأفكار سلبية تؤدي في آخر المطاف إلى مشكلات نفسية واجتماعية وصحية وتقلل من فرص التفاهم والمشاركة والعيش المشترك والمصالحة مع الذات وتقدير الذات والآخرين وتقلل أيضا من فرص التفاعل والتعامل الإيجابـي بين الناس، مما يتطلب تبني الدولة وجمعيات المجتمع المدني برامج إرشادية وعلاجية بكل الوسائل المتاحة وأن تكون مجانية وليس فقط عبر المصحات النفسية، فلا نريد أن تتفاقم الأمور حتى يصل الأمر إلى مجرد إيداع المحتاج للعلاج في إحدى المصحات، بل نريد أن نرشد المحتاج ونعلمه ونقيه، وهذا لن يتم إلا من خلال البرامج ومراكز الاتصال والبرامج التفاعلية الإلكترونية وفتح المكاتب للإخصائيين النفسيين في المدارس ومراكز الرعاية الصحية الأولية.. المهم أن نوفر للشخص الوسيلة السهلة والمتاحة وغير المكلفة لطلب الخدمة سواء استفسار أو استشارة أو علاج للتشجيع على طلب الاستشارة والعلاج.

صفحة 5

تفاءلوا بالصحة تجدوها!

من الإصلاحات التي تبشر بالخير لحكومة خادم الحرمين الشريفين إجراء حزمة كبيرة من الإصلاحات الصحية التي ستشمل البنية التحتية والفعاليات والخدمات الصحية، انطلاقا من استراتيجية الرعاية الصحية للمملكة التي أعدها مجلس الخدمات الصحية وراجعها وناقشها مجلس الشورى وهيئة الخبراء وعدد كبير من ذوي الاختصاص، لتضع أمام البلد خارطة طريق لجميع مكونات الصحة ابتداء من التمويل والرعاية الصحية الأولية والرعاية العلاجية والصحة الإلكترونية والقوى العاملة وانتهاء بالجودة ولمدة 20 سنة مقبلة، والتي يتم الاسترشاد بها الآن.

والمشروع الإصلاحي الثاني هو مشروع الرعاية الصحية المتكاملة والشاملة الذي قدمته وزارة الصحة كخارطة طريق صحية تنفيذية لوزارة الصحة، تقوم على أساس تحويل الاهتمام من التركيز على النظام الصحي المعتمد على (المستشفى) إلى التركيز على احتياجات المستفيد من الخدمة وجودتها، ويتم تحقيق هذا المفهوم من خلال إيجاد نسق تنظيمي بين مستويات الرعاية الصحية المختلفة، التي تبدأ بالرعاية الصحية الأولية وتنتهي بالرعاية الصحية المرجعية، التي بدأت ملامحها تظهر على مستوى الواقع، من خلال إصلاحات جذرية للرعاية الصحية الأولية، وطرح سلة من الخدمات كالرعاية الصحية المنـزلية وجراحات اليوم الواحد وإدارة الأسرة وإدارة الخدمات الإسعافية وغيرها من الخدمات، إضافة إلى التيسير على الناس بأن تكون الرعاية المرجعية للأمراض الخطيرة والمعقدة في إطار لا يتجاوز الـ400 كيلو متر على مستوى مدن ومحافظات المملكة.

اليوم نحن أمام إعادة هيكلة لكافة الخدمات الصحية وبمشاركة كافة الهيئات والمؤسسات الحكومية الخاصة وغير الخاصة، وهي عملية مماثلة لما حدث في أغلبية الدول كماليزيا وغيرها.

صفحة 6

ومن أهم مؤشرات جديتها أنها واضحة المعالم ودون اجتهادات ولم يسبق أن كانت من قبل، فلم يكن لدى المملكة استراتيجية صحية لمدة 20 سنة ولا مشروع رعاية متكاملة وشاملة.

وما يثير الاستغراب أن في ظل هذا الحراك والإصلاح نسمع أصواتا تدلي بدلوها وهي ما زالت في مأزق عدم التفريق بين استراتيجية لمجلس الخدمات الصحية ومشروع لوزارة الصحة، فهم يخلطون بين مجموعة سياسات وبين مشاريع تنفيذية، وأيضا مفاهيم وتجارب سابقة منها الشخصي وغير الشخصي، وينقلون ذلك إلى الآخرين بمعتقدات وأفكار محبطة وغير متفائلة، والغريب في الأمر أنهم يقاومون وبشراسة أي محاولة للإفهام أو لإعادة النظر في مواقفهم، وهذه مشكلة لا تخدم أي مشروع إصلاحي، فالمشاريع الإصلاحية تحتاج إلى لغة حوار مدعومة بمعلومات وقراءة ما بين السطور وتفاؤل وحزم وإصرار على التغيير، بعيدا عن تصفية الحسابات على حساب الحقيقة، وأعتقد أن مثل هذه الآراء لم تصدر إلا بسبب عدم تخصيصهم جزءا من وقتهم لقراءة مثل هذه المشاريع بشكل متأنٍ ومتابعة للمستجدات، إلى جانب قصور في تسويقها للناس.

تجارب الدول في مجال الرعاية الصحية كما قرأتها أخذت عقودا من الزمن لا تقارن بالعمر الزمني لنا، ومع ذلك ما زالت تعمل على مزيد من الإصلاحات في نظمها الصحية، وبعضها تبنى مفاهيم صحية عدلوا عنها إلى مفاهيم وجدوا أن مصلحتهم فيها، لا سيما أن تجربتنا فريدة ومتعددة ومتنوعة، المهم ألا نضخم الأخطاء إذا وجدت ونجعلها كارثة ونعممها على كل شيء (عمال على بطال) إذا أردنا أن نحقق رؤية خادم الحرمين الشريفين الإصلاحية.

صفحة 7

أزمة طب (1)

أصبحت الممارسة الطبية السريرية في المملكة تعيش أزمة قد تكون عواقبها وخيمة على صحة الإنسان، والكثير من الممارسين وأصحاب القرار لديهم العلم بها، خاصة مَن يمارس العمل الطبـي.

وقد يتبادر للذهن أن تلك الأزمة أزمة تضخم على مستوى السعة السريرية خاصة الطوارئ التي هي مشكلة بحد ذاتها، أو أزمة زيادة رواتب ومميزات وغيرها، كما حدث للإخوة المتعاقدين لمحاولة توطينهم والحد من تسربهم بعدما صال وجال الأطباء السعوديون حول الزيادة وطالبوا بالمساواة وأصبحنا في سوق أسهم تريد أن تستقر حول مؤشر عادل يتناسب وإنتاجية الطبيب، بحيث يكون هناك سعر موحد للأطباء حسب شهاداتهم وخبراتهم، أيضا على حساب التخصصات الصحية الأخرى فمن باب "الأنا" والتمركز حول الذات أصبحوا هم المشكلة والحل والمساومة على الخدمة الطبية، ومن دونهم لن تدار المستشفيات كونهم خبراء أيضا في الإدارة الصحية وهم "أبو العريف" في كل شيء حتى في المقاولات والمشتريات ذات العلاقة بالصحة، المهم هذا ليس موضوعنا حول الأزمة، فالأمر محسوم مسبقا ما دام من يخطط ويدير وينفذ ذا اتجاه طبـي متحيز والسلام على الفريق العلاجي.

الأزمة في الحقيقة من نوع آخر وأكثر خطورة لأنها تمس حياة المريض الذي لا حول له ولا قوة إلا بالله والذي عادة يتعلق بأي أمل وفي الوقت نفسه يكون أكثر خوفا وتوجسا على صحته عندما تهتز علاقته بالطبيب لأي سبب من الأسباب، ومما زاد الطين بلة الضغوط الإعلامية نتيجة لانتشارها وتعددها وكثرتها التي صًورت الطبيب بأنه يعمل ضد المريض، وخلطت بين الأخطاء الطبية والمضاعفات الطبية والأعراض الجانبية للأدوية، مما أوجد نوعا من الارتباط الشرطي كما يقوله العالم "باخلوف" بين الطبيب والخطأ الطبي، علما أن المنطق يختلف مع ذلك، فليس من المعقول أن من ينقذ حياة البشر ويعالجهم يريد قتلهم أو الإساءة إليهم، إلا أن أزمة الثقة أدت في نهاية المطاف وتجنبا للتشهير والتحقيقات والمنع من السفر من باب أنه مدان حتى تثبت براءته، وحتى لا يشتمه الآخرون أو ينهون حياته الوظيفية، أدت إلى مجموعة من الممارسات السلوكية غير الأخلاقية وغير المسؤولة كزحلقة الحالات على الأطباء الآخرين أو على المستشفيات الأخرى، والأخذ بمبدأ باب سد الذرائع، و"من خاف سلم"، و"امشي عدل يحتار عدوك فيك"، فيصبح الطبيب المثالي في علم الزحلقة أو من باب "زحلطن" المهم "ابعد عن الشر وغني له"، مما أدى ذلك إلى ضعف واضح في جودة العملية التشخيصية والعلاجية وانخفاض مستوى الدافعية لدى الطبيب نحو الابتكار والاستماتة في إنقاذ المريض وتطوير المهارات الشخصية والإقبال على هذه المهنة الإنسانية التي يرى بعض الأطباء أنها فقدت الكثير من الدعم المعنوي مقابل ارتفاع مستوى الإجهاد والتوتر والإحباط وضغط العمل الذي بدوره حول بعضهم إلى العمل النمطي الميكانيكي، وأصبحت تلك المهنة بين مطرقة الإعلام وسندان الأنظمة والإجراءات الجزائية وفي حضانة اجتماعية منـزوعة الثقة.

صفحة 8

أزمة طب (2)

هناك مشكلة تعيشها الممارسة الطبية على مستوى المفاهيم والأخلاقيات وأثرت بدورها في مستوى الدافعية والإنتاجية والإبداع، فعندما تزعم أساتذة الطب منذ سنوات قيادة قافلة العمل الطبـي التجاري للبحث عن مصادر للدخل مجزية وأدركوا أنهم يتذوقون ما لم يتوقعوه ولا يوازي مجهوداتهم في العمل الحكومي انحرفوا بشدة، وكانت النتيجة بداية مفاهيم جديدة ومقارنات ساعة بين سنوات الدراسة والراتب، وأخرى بين ما يبذلونه من وقت وأيضا الراتب ثم أصبحت المقارنات تصل إلى حد المقارنة بالمستثمرين في مجال الخدمات الصحية.

وتحول التفكير إلى قناعة لتتزايد قصص تصريف وتحويل الحالات على المتعاقدين والمعيدين وطلاب الامتياز وتزايدت قوائم المواعيد إلى أشهر وسنوات في المستشفيات الحكومية مقابل ساعات في العيادات الخاصة والمستوصفات والمستشفيات الخاصة.

وعندما شعرت الدولة بالمشكلة سنت قوانين تسمح للأطباء ممن هم على الكادر الأكاديمي بالعمل الأهلي كاستشاريين غير متفرغين، أما من هم على الكادر الصحي فلم تلبث الدولة نتيجة للضغوط والتذمر وسلسلة المطاردات وراءهم في القطاعات الصحية الأهلية، إلا أن تضع تنظيما يستطيعون أن يحسنوا دخلهم عن طريق مراكز الأعمال الملحقة بالمستشفيات الحكومية كنوع من العمل الخاص ومع ذلك خرجت تلك المراكز نتيجة للرغبة الجامحة لزيادة وسرعة الحصول على ما يمكن الحصول عليه من مال، وأيضا أساتذة الجامعة فمنهم من أصبح كتاجر الشنطة كل ساعة ويوم في مكان وإذا تفضل عليك بفلوسك يمكن أن تراه لدقائق لأنه خلال تلك الدقائق مشغول بأكثر من عيادة، والآخرون إما أصبحوا مروجين للطب عبر الفضائيات والمنتديات، أو تسجيل اسمه في أكثر من مركز أعمال والتجارة بالاسم في أكثر من عيادة ومستوصف لأن القانون فصل لخدمة الأطباء على حساب التخصصات الأخرى والدليل على ذلك أسماء الأطباء الذين تزودهم بهم اللجان المعنية بالقوانين للتخصصات الأخرى.

الموضوع ليس له علاقة بالاقتصاد الوطني والاستثمار في قطاع الرعاية الصحية بل ممارسات فردية خلقت نوعا من الثقافة التجارية حتى لدى طالب الطب والخريج الجديد الذي أصبح لا يقبل بالمكافأة الجامعية والراتب في بداية حياته ويرى أنه نوع من التعسف والظلم وأصبح الغالبية منهم يقارنون أنفسهم بكل شيء حتى مؤخرا بالمتعاقدين الذين تم رفع رواتبهم لأسباب معروفة ومنطقية بل إن بعض الأطباء السعوديين أصبح يفكر كما فكر بعض التجار عندما أوقف غازي القصيبـي سيل التأشيرات ويهددون بالذهاب للعمل في دول أخرى.

أعتقد أنه لا أحد يملك أن يصادر لأي شخص حقوقه المنطقية بالكسب وتحسين الدخل، ولكن بالطرق العقلانية والمنطقية والأخلاقية، وهناك حلول منها تحديد سعر محدد وموحد للرواتب سواء للأطباء أو التخصصات الصحية الأخرى، حسب الخبرات والشهادات وأن تكون هناك علاوات أو حوافز للإنتاجية المبدعة وأخرى لأطباء مراكز الأسرة والمجتمع تقوم على دوره في الوقاية وأن ترتب بأهداف محددة بالنسبة إلى العدد والنوعية والمزيد من التحصيل وربط ميزانيات المستشفيات بالأهداف التي تحققها وأيضا ما يحققه الأطباء وغيرهم من الممارسين على أن يعاد النظر بجدية في النظام الصحي وخاصة نظام الرخص الطبية من باب تحقيق العدالة لجميع الممارسين.

صفحة 9

الاتجار بالصحة والدواء

ما يؤرق الإنسان هو المرض وكيفية معالجته، فالناس أصبحوا يعلمون أن لكل داء دواء وأن الطب في العالم في تقدم وأن الأمل في علاج أغلب الأمراض المزمنة والخطيرة أصبح قاب قوسين أو أدنى، وأن هناك أدوية وأجهزة طبية غاية في التقدم والفعالية قد رفعت من درجة الممارسة الإكلينيكية وقللت نسب المخاطرة والأخطاء والأمراض الجانبية.

في بلدنا الناس قللوا من توقعاتهم في الحصول على الخدمة في الوقت المناسب، وقبلوا بأقل حقوقهم في الحصول على الخدمة اللائقة بهم كونهم يعيشون في دولة نفطية غنية بالموارد، وأصبح أهم أمل لهم الحصول على سرير وإذا حصلوا عليه بدأت سلسلة من المعاناة المهنية والمخاوف من الأخطاء الطبية وضعف الإمكانات التقنية وتدني مستوى الجودة الشاملة والنوعية، وآخرها روح دور على أدويتك بنفسك.

ويوم شافت شركات الأدوية الموردين "الدرعا ترعى" بدأوا يلعبون بحاجات الناس ومرضهم وعلى "كيفهم"، فمرة يوقفون تزويد الصيدليات بالأدوية التي اعتاد الناس تناولها وليس لها بدائل، ومرة أخرى يجبرون الناس على تناول أدوية "مضروبة" تصنيعيا وهم يعلمون أن المريض الذي يتناول أدوية لمرضه المزمن يتعلق نفسيا وبدنيا بالدواء وأنه قد يدفع الغالي والرخيص من أجل الحصول عليه حتى لو من خارج البلاد وأنه في حالته تلك قد يندفع ويشتري كميات كبيرة حتى لا تتكرر معاناته مع فقدان الدواء يجعل تلك الشركات تحصل على سيولة نقدية هائلة في وقت قصير لمجرد احتكار الأدوية واللعب على نفسيات المرضى.

يجب ألا نطبق مفهوم التجارة الحرة على الدواء والمرضى فالدواء ليس كماليات متروك للمنافسة، فتوافره مهم وجودته أهم وسعره يجب أن يتاح لذوي الدخل المحدود، وأن تصدر هيئة الغذاء والدواء ووزارتا الصحة والتجارة القوانين التي تجبر الشركات والموردين على عدم إيقاف توريد الأدوية وأن تكون هناك شركات تضخ الأدوية نفسها بالمسمى العلمي نفسه وليس بديلا آخر لمسمى علمي مختلف، وأن تكون هناك مراقبة إلكترونية دقيقة لمخزون الأدوية في صيدليات المستشفيات الحكومية فربما مثل تلك الإجراءات تعطي بعض الأمل وتقلل من قلقنا على صحتنا.

صفحة 10

الاستثمار الصحي

دول الخليج تتميز بثقل مالي وسيولة نقدية لدى الأكثرية من المواطنين سواء أصحاب الأعمال أو من هم أعلى من المتوسط في الدخل، يؤهلها أن تكون مركزاً عالمياً لاستقطاب الاستثمارات في مجال الصحة سواء على مستوى التأهيل أو العلاج ويساعد على ذلك ازدياد ملحوظ في النمو السكاني وللأسف ازدياد ملحوظ في الأمراض وبالذات المزمنة مع شبه غياب للوعي بتنظيم العادات الحياتية التي تعنى بصحة الإنسان مما زاد من الإصابات بأمراض الدورة الدموية وإصابات المخ والسرطانات وأمراض أخرى خطيرة ناهيك عن نسبة الإصابات والإعاقات الناتجة عن حوادث المرور.

من جراء ذلك أصبح الطلب يعود بشكل ملحوظ للعلاج في الخارج ليس لأن الخدمات الصحية متدهورة بل لأن هناك محدودية في الخبرات والتخصصات والمراكز الطبية المتخصصة وأيضا محدودية مراكز الأبحاث الصحية والإنفاق عليها لتطوير القدرات والإدارات وزيادة الخبرات، ولأن من المنطق أن تتفرغ الدول لتوفير الرعاية الصحية الأولية بالدرجة الأولى والذي يعني أن التركيز على برامج الرقابة وتحسين ثقافة وعادات المجتمع وتوفير الرعاية الأولية وإلا أصبحت الدول والناس في حالة من البؤس نتيجة عدم وجود أهداف يلتفون حولها.

وكثير من الناس وبالذات بعض المسؤولين يخلط بين ما هو استراتيجي بعيد المدى أو استراتيجي مرحلي أو أهداف حالية، فافتتاح كليات الطب والعلوم الصحية خيار مهم استراتيجي ومخرجاتها من الأطباء والعاملين والممارسين الصحيين هو هدفها وإذا أضفنا إليها برامج التخصص سواء زمالات أو غيرها بالإضافة إلى جزء من الخبرة فسيحتاج ذلك إلى ما يزيد على عشر سنوات لكل دفعة تتخرج في سنة على الأقل، وهذا أمر طبيعي ولكن المطلوب هو استقطاب الاستثمارات المتخصصة والخبرات العالمية اللامعة والتقنيات الطبية المتقدمة وهذا ليس من المستحب أن تقوم به الدول بل تتيح وتسهل الضمان الصحي وستوفر للناس العلاج في بلادهم بل استقطاب من يريد العلاج من الدول المجاورة وبالقرب من أهلهم ومن يتكلمون لغتهم وما أخشاه في عدم توفر مثل تلك المراكز العالمية والخبرات والاحتكاك بها تسرب وإحباط وتبلد من دفعت عليهم الدولة الملايين للحصول على الزمالة الذين فضل بعضهم أن يفتح عيادة أو يتاجر في الأسهم أو يعمل عملاً إداريا.. وكلنا يعرف أن الاستثمار الصحي مكلف في بنيته التحتية والتشغيلية ولكنه خيار استراتيجي واستثماري يحتاج إلى احتضان وتسهيلات كبيرة.