صفحة 1
مقدمة
لمدة سبع سنوات قمت بالمساعدة في إعطاء دورة في الدعاية والإعلان مدتها ستة عشر أسبوعاً في جامعة كاليفورنيا الجنوبية.
كانت الدورة برعاية الجمعية الأمريكية لوكالات الإعلان (AAAA)، وقد صُممت لإعطاء شباب وكالات الدعاية والإعلان نظرة عامة عن المهنة التي اختاروها.
أحد الأساتذة تحدث عن إدارة الحسابات. وأستاذ آخر تحدث عن وسائل الإعلام والبحث. وتحدثت أنا عن الإعلان المُبدع.
تحدثت عن الإعلانات والدعايات وعن البريد المباشر والإعلان الخارجي، وعن ما يجعل العناوين جيدة والنص مقنعاً، وعن استخدام الموسيقى والأغاني واستعراض محاسن المُنتج والدلائل، وعن الفوائد واختيار النوع والجمهور المستهدف والنقاط المثالية والعناوين الفرعية والإستراتيجية والمحفزات والقسائم (الكوبونات) والإدخالات الحُرّة والرسومات البيانية النفسية، وإلخ إلخ إلخ.
في نهاية السنة الأولى سألت الخريجين ما الذي كان يجب علي أن أتحدث عنه ولم أفعل؟
قالوا: «الأفكار». وكتب أحدهم: «لقد أخبرتنا أن كل إعلان وكل دعاية يجب أن يبدأ بفكرة، ولكنك لم تخبرنا أبداً ما هي الفكرة أو كيف نحصل عليها.»
حسناً.
لذا فقد حاولت في السنوات الست التالية أن أتحدث عن الأفكار وكيفية الحصول عليها.
ليس فقط أفكاراً للإعلانات. بل أفكاراً من كل نوع.
ومن بين الذين درَّستهم كان عدد الذين كلفوا بإيجاد أفكار للإعلانات والدعايات قليلاً، بينما كان معظمهم مدراء حسابات، ومصممين وباحثين في وسائل الإعلام، وليس فقط مؤلفين ومدراء أقسام فنية. ولكن جميعهم - مثلك ومثل كل شخص آخر في عالم الأعمال أو في الحكومة، أو في المدرسة أو في البيت، سواء كانوا مبتدئين أو متمرسين - يحتاجون أن يعرفوا كيف يمكن الحصول على الأفكار.
لماذا؟
أولاً، الأفكار الجديدة هي عجلات التقدم. وبدونها يسود الركود.
سواء كنت مصمماً يحلم بعالم آخر، أو مهندساً يعمل على إيجاد نوع جديد من البناء،أو مديراً مكلفاً بتطوير مفهوم عمل جديد، أو مُعلناً يبحث عن طريقة ثورية لبيع منتج ما، أو أستاذاً للصف الخامس يحاول أن يضع برنامجاً مميزاً لاجتماع الهيئة المدرسية، أو متطوعاً يبحث عن طريقة جديدة ليبيع نفس بطاقات اليانصيب القديمة، فإن قدرتك على إيجاد الأفكار الجديدة هو أمر حاسم لنجاحك.
ثانياً، تقوم أنظمة الحاسوب بالكثير من العمل اليومي الذي اعتدت القيام به، لذا (نظرياً على الأقل) يحررك - وفعلياً يتطلب منك - للقيام بالعمل الإبداعي الذي لا تستطيع تلك الأنظمة القيام به.
ثالثاً، أنت تعيش فيما يسميه الكثير «عصر المعلوماتية»- عصر يتطلب سيلاً مستمراً من الأفكار الجديدة إذا كان لا بد أن يبلغ إمكانياته و يدرك مصيره.
ذلك لأن القيمة الحقيقية للمعلومات - بعيداً عن كونها تساعدك لتفهم الأشياء أفضل - تظهر فقط عندما تندمج مع معلومات أخرى لتكون أفكاراً جديدة: أفكاراً تحلُّ مشاكل، أفكاراً تساعد الناس، أفكاراً تصون الأشياء وتصلحها وتبدعها، أفكاراً تجعل الأشياء أفضل وأرخص وأكثر نفعاً، أفكاراً تنوّر وتنعش وتلهم وتثري وتشجع.
إذا لم تستخدم هذه الثروة من المعلومات لتبتكر مثل تلك الأفكار، فأنت تضيعها.
باختصار، لم يكن هناك زمن في التاريخ كله كانت فيه الأفكار مطلوبة لهذه الدرجة وقيّمة بهذا القدر.
هذا الكتاب يتضمن معظم ما أخبرت به طلابي عن الأفكار.
صفحة 2
خارطة طريق سهلة الاتباع
تواجه البشرية أكثر من أي وقت آخر في التاريخ مفترق طرق. أحدهما يؤدي إلى القنوط واليأس المطلق. والآخر يؤدي إلى الانقراض الكامل. لنصلي كي نحصل على الحكمة للاختيار بشكل صحيح.
وودي آلان
عندما كانوا يذكرون (كندا)، كنت أظن أنها في مكان ما فوق الجبال.
مارلين مونرو
أين أنا؟ أنا في كشك هاتف عند زاوية امشِ ولا تمشِ.
مجهول
شقيقي يكتب مقالات رئيسة لجريدة بارزة. وأنا أكتب إعلانات لوكالة دعاية بارزة. ولا يفهم أي منّا كيف يقوم الآخر بعمله.
«كيف يمكنك كتابة مقالات رئيسة عن عشرين موضوعاً مختلفاً يهتم بها قراؤك؟» تساءلت. «كيف يمكنك الحصول على الأفكار؟»
«كيف يمكنك كتابة عشرين إعلاناً مختلفاً عن برتقال (سنكيست)؟» تساءل هو: «كيف تحصل على الأفكار؟»
في الواقع ربما يستخدم كلانا نفس التقنيات دون أن نعرف ذلك. ومع ذلك، فكل من أعرفه من الذين يحللون الأفكار يوافق تقريباً على الإجراءات التي يجب عليك اتباعها لتحصل على تلك الأفكار.
في كتاب «أسلوب لإنتاج الأفكار»، يصف (جيمس ويب يونغ) طريقة من خمس خطوات لإنتاج الأفكار.
أولاً: يجب على العقل أن «يجمع المواد الأولية». في الإعلان تشتمل هذه الأدوات على «معرفة معينة عن المنتجات والناس، (و) المعلومات العامة عن الحياة والأحداث.»
ثانياً: يقوم العقل «بعملية عجن لتلك المواد».
ثالثاً: «تتخلى عن الموضوع بأكمله وتُخرج المشكلة من عقلك بشكل تام قدر استطاعتك.»
رابعاً: «من اللامكان ستنبثق الفكرة.»
خامساً: «تأخذ فكرتك الوليدة إلى عالم الواقع» وانظر كيف ستعمل.
أما الفيلسوف الألماني (هيلمهولتز)، فقد أكد أنه استخدم ثلاث خطوات ليحصل على أفكار جديدة.
الخطوة الأولى كانت «التحضير»، الوقت الذي يتحرّى خلاله عن المشكلة «في جميع الاتجاهات» [الخطوة الثانية عند (يونغ)].
الخطوة الثانية كانت «الحضانة»، عندما لا يفكر بالمشكلة بشكل واع أبداً [الخطوة الثالثة عند (يونغ)].
الخطوة الثالثة كانت «الاستنارة»، وذلك عندما «تأتي الأفكار السعيدة فجأة وبدون جهد، مثل الإلهام» [ الخطوة الرابعة عند (يونغ)].
يقول (موشيه ف. روبنستين)، وهو متخصص في حل المشاكل العلمية من جامعة كاليفورنيا: إنه يوجد أربع مراحل واضحة لحل المشاكل:
المرحلة الأولى: التحضير، وذلك بمراجعة عناصر المشكلة ودراسة علاقاتها ببعضها [ الخطوتان الأولى والثانية عند (يونغ)].
الخطوة الثانية: الحضانة، ما لم تتمكن من حل المشكلة بشكل سريع فإنك ستؤجلها إلى اليوم التالي. من المحتمل أن تشعر بالإحباط في هذه المرحلة لأنك لم تتمكن من إيجاد حل ولا تعرف كيف ستجده [الخطوة الثالثة عند (يونغ)].
المرحلة الثالثة: الإلهام، تشعر بومضة من الإثارة كحَلّ، أو طريق ممكن للحل، وتظهر فجأة [الخطوة الرابعة عند (يونغ)].
المرحلة الرابعة: التحقق، وذلك عند التحقق من الحل لتتأكد من أنه فعّال في الواقع [الخطوة الخامسة عند (يونغ)].
في كتاب «مفترس العالم: العقل البشري»، يقول (تشارلز اس. ويكفيلد): إنه «يوجد سلسلة من خمس مراحل عقلية تعرِّف العمل المبدع:»
المرحلة الأولى: «هي إدراك المشكلة.»
المرحلة الثانية: «يأتي تعريف المشكلة.»
المرحلة الثالثة: «يأتي تشرُّب المشكلة والبيانات الواقعية المحيطة بها» [الخطوتان الأولى والثانية عند (يونغ)].
المرحلة الرابعة: «تأتي فترة الحضانة والسكون السطحي» [الخطوة الثالثة عند (يونغ)].
المرحلة الخامسة: يأتي «الانفجار - الرؤيا العقلية،القفزة المفاجئة إلى ما وراء المنطق،وما وراء مرحلة الحلول العادية» [ الخطوة الرابعة عند (يونغ)].
آه، ولكن بالرغم من أنهم جميعهم يوافقون بشكل عام على الخطوات التي يجب عليك اتباعها لتحصل على فكرة ما، إلا أنه لم يتحدث أي منهم عن الحالة التي يجب أن تكون فيها للتقدم عبر تلك الخطوات. وإذا لم تكن في الحالة المناسبة، فلن يكون هنالك فرق سواء عرفت تلك الخطوات أم لا؛ فلن تحصل أبداً على الأفكار التي يمكنك الحصول عليها.
إن إخبار معظم الناس كيف يحصلون على فكرة ما هو تقريباً مثل إخبار طفل في الصف الأول الأساسي كيف يجد قيمة س عندما س+1 = 2س+4، أو مثل التحدث إلى شخص أرجله ضعيفة عن كيفية القفز العالي. تماماً كما يجب أن تعرف عن الجبر قبل أن تحلّ معادلة ما، وتماماً كما يجب أن يكون لديك أرجل قوية قبل أن تتمكن من القفز العالي، كذلك عليك أن تكيّف عقلك قبل أن تتمكن من الحصول على فكرة.
أحاول في الفصل الأول من هذا الكتاب أن أعرِّف الفكرة.
في الفصول الثمانية التالية أخبرك كيف تكيّف عقلك. ويمكنك قراءتها بأي ترتيب كان:
2- استمتع.
3- كن مستقطباً للأفكار.
4- وجّه عقلك نحو الأهداف.
5- كن أكثر كطفل.
6- احصل على المزيد من المدخلات (المعلومات).
7- استجمع شجاعتك.
8- أعد التفكير بتفكيرك.
9- تعلم كيف تجمّع.
صفحة 3
ما هي الفكرة ؟
أعرف الجواب. الجواب يكمن في قلب البشرية أجمع! ماذا، الجواب هو اثنا عشر؟ أعتقد أنني في المبنى الخطأ.
تشارلز تشولتز
سأكون راضياً إذا تمكنت من الإجابة فوراً، وقد فعلت. لقد قلت: إنني لا أعرف.
مارك توين
قبل أن نكتشف كيف نحصل على الأفكار يجب علينا أن نناقش ما هي الأفكار، لأننا إذا لم نعرف ماهية الأشياء فسيكون من الصعب اكتشاف كيفية الحصول على المزيد منها.
المشكلة الوحيدة هي: كيف تعرِّف الفكرة؟
قال (ايه. ي. هوسمان) «لا يمكنني تعريف الشِعر أكثر مما يمكن للتريْر(كلب صيد صغير وذكي) أن يعرِّف الفأر، ولكن كلانا يدرك الشيء من العلامات التي يُحدثها بداخلنا. » الجَمَال هو أيضاً كذلك. وكذلك الأشياء مثل السجية والحب.
وهكذا، بالطبع، هي الفكرة. عندما تكون الفكرة حاضرة عندنا فإننا نعرفها ونحسُّها، شيء ما بداخلنا يدركها. ولكن حاول أن تعرِّفها.
انظر في القواميس،ستجد كل شيء ابتداء من: «كل ما يوجد في العقل، بشكل كامن أو واقعي، كإنتاج للنشاط الذهني، مثل الأفكار والمعرفة» إلى «أعلى فئة: وهي نتاج العمل الفكري» إلى «الوجود الغامض والذي هو نموذج حقيقي حيث تكون الأشياء ذات تمثيل ناقص.»
كثير من الخير الذي أنت منه.
عرض (مارفين مينسكي) هذه الصعوبة بإتقان في «المجتمع العقلاني»:
«فقط في المنطق والرياضيات يمكن للتعريفات أن توضّح المفاهيم بشكل كامل... يمكنك أن تعرف ما هو النمر بدون تعريفه. وقد تستطيع تعريف النمر، على الرغم من أنك بالكاد تعرف عنه أي شيء.»
على أي حال، إذا سألت الناس عن التعريف، تحصل على إجابات أفضل، إجابات قريبة جداً من توضيح المفهوم والشيء نفسه.
إليكم بعض الإجابات التي حصلت عليها من زملائي في العمل ومن طلابي في جامعة كاليفورنيا الجنوبية وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس:
إنه شيء واضح جداً لدرجة أنه عندما يخبرك
أحدهم عنه تستغرب لماذا لم تفكر به بنفسك.
تشمل الفكرة جميع نواحي الحالة وتجعلها سهلة.
إنها تربط جميع النهايات المفككة في عقدة واحدة محكمة. هذه العقدة تدعى فكرة.
إنها تمثيل مفهوم بشكل مباشر لشيء معروف أو مقبول عالمياً، ولكنه يبلغ بطريقة غريبة وفريدة وغير متوقعة.
شيء ما جديد ولا يمكن إدراكه مما سبقه.
إنه تلك الومضة الاستبصارية التي تجعلك ترى الأشياء في مظهر جديد يجمع فكرتين تبدوان متباينتين في مفهوم واحد جديد.
تصنع الفكرة من الصعب شيئاً سهلاً بشكل رهيب.
يبدو لي أن تلك التعريفات ( في الواقع هي أوصاف أكثر منها تعريفات؛ ولكن لا يهم - فهي تصل إلى ماهيتها) تعطيك شعوراً أفضل لذلك الشيء المحيِّر المسمى فكرة، لأنها تتحدث عن الاصطناع والمشاكل والاستبصارات والوضوح.
بالرغم من ذلك فإن أكثر تعريف أعجبني، والذي هو أساس هذا الكتاب، هو ذلك الذي وضعه (جيمس ويب يونغ):
الفكرة ليست أكثر ولا أقل من مزج جديد لعناصر قديمة.
صفحة 4
هناك سببان لإعجابي الشديد بذلك التعريف:
السبب الأول: إنه يخبرك كيف تحصل على فكرة لأنه يبيّن أن الحصول على فكرة هو مثل ابتكار وصفة لطبق طعام جديد. كل ما عليك عمله هو أن تأخذ بعض المكونات التي تعرفها سابقاً وتمزجها بطريقة جديدة. إنها بهذه البساطة.
ليست فقط بسيطة، بل لا تحتاج لعبقرية للقيام بها. ولا تحتاج لعالم صواريخ أو لفائز بجائزة نوبل أو لفنان عالمي مشهور أو لشاعر ممتاز أو لبراعة في الإعلان أو لفائز بجائزة (بوليتزر) أو لمخترع من الدرجة الأولى.
كتب (جيه. برونوويسكي): «حسب اعتقادي: إنه من الخطأ أن تفكّر بالنشاط الإبداعي كشيء غير عادي.»
الناس العاديون يحصلون على الأفكار الجيدة كل يوم.
يبتكرون كل يوم ويخترعون ويكتشفون أشياء. يكتشفون كل يوم طرقاً مختلفة لتصليح سياراتهم ومغاسلهم وأبوابهم، ولتحضير عشائهم، ولزيادة مبيعاتهم، ولتوفير النقود، ولتعليم أبنائهم، ولتقليل المصاريف، ولزيادة الإنتاج، ولكتابة المذكرات والعروض، ولجعل الأشياء أفضل أو أسهل أو أرخص... وتستمر القائمة.
السبب الثاني: أعجبني لأنه يحدد ما أعتقد أنه مفتاح الحصول على الأفكار، وهو الدمج أو الربط أو وضع أشياء بجانب بعضها أو التركيب أو الاتحاد.
كتب (هادامارد)، «من الواضح أن الاكتشاف أو الاختراع، سواء أكان في الرياضيات أو في أي شيء آخر، يحدث عن طريق دمج الأفكار... الفعل cogito باللاتينية «يفكّر»، أصله اللغوي «يخلط مع بعض». وقد انتبه القديس (أوغستين) إلى ذلك، كما لاحظ أن كلمة intelligo تعني «أن تختار من بين».
«عندما يكون عقل الشاعر مجهزاً تماما لعمله» كتب (تي. اس. إليوت)، «فإنه يدمج بشكل مستمر التجارب المتباينة. فتجربة الإنسان العادي تكون مشوشة، وغير منتظمة، ومجزأة. ويقع الآخر في الحب أو يقرأ لـ (سبينوزا)، وهاتان الخبرتان لا تمُتان بصلة إلى بعضهما، أو إلى ضجيج الآلة الكاتبة أو لرائحة الطهو؛ في عقل الشاعر هذه الخبرات تشكّل دائماً وحدات كاملة جديدة.
«يصبح الإنسان مبدعاً»، كتب (جيه. برونوويسكي)، «سواء أكان فناناً أو عالماً، عندما يجد وحدة جديدة في تنوع الطبيعة. ويقوم بذلك بواسطة إيجاد التشابه بين الأشياء التي لم تكن تعتبر متشابهة من قبل... العقل المبدع هو الذي يبحث عن التشابهات غير المتوقعة.»
أو استمع إلى (روبرت فروست): «ما هي الفكرة؟ إذا تذكرت شيئاً واحداً مما قلته، فتذكر أن الفكرة هي عمل ترابط.»
أو إلى (فرانسيس هـ. كارتير): «يوجد طريقة واحدة يمكن للمرء فيها أن يكتسب فكرة جديدة: بواسطة ربط أو جمع فكرتين أو أكثر موجودتين عنده أصلاً في تجاور جديد بطريقة يمكن بها اكتشاف العلاقة بينهما والتي لم يكن على علم بها من قبل.»
وكتب ( آرثر كوستلر) كتاباً كاملاً عنوانه «صنيع الإبداع» المعتمد على نظرية أن أصل الإبداع لا يعني إبداع أو إنشاء نظام أفكار من لاشيء، ولكن دمج نماذج أفكار محكمة البناء - عن طريق عملية تخصيب تهجيني.
أطلق (كوستلر) على هذه العملية اسم «الجمع الثنائي» bisociation.
وقال: «العمل الإبداعي يكشف، ويختار ويعيد الخلط ويدمج ويركّب الحقائق والأفكار والقدرات الشخصية والمهارات الموجودة أصلاً.»
«أعمال الجمع»، و«تشابهات غير متوقعة»، و«وحدات كاملة جديدة»، و«خلط مع بعض» ثم «اختيار من بين مجموعة»، و«تجاورات جديدة»، و«الجمع الثنائي»- كيفما عبروا عنها، فهي جميعها تبين تقريباً ما قاله (يونغ):
الفكرة ليست أكثر ولا أقل من خليط جديد لعناصر قديمة.
صفحة 5
استمتع
من يضحكْ يعشْ.
ماري بيتيبون بول
أحياناً عندما أقرأ لـ (غوتة) يكون عندي شك قوي بأنه يحاول أن يكون مضحكاً.
غاي ديفنبورت
الجديّة هي الملاذ الوحيد للسطحي.
أوسكار وايلد
ليس بمحض الصدفة أنني صنّفت الاستمتاع كأول اقتراح في كيفية جعل عقلك في حالة الحصول على فكرة. في الواقع، وحسب خبرتي قد يكون أهم شيء.
وإليكم السبب:
عادة في أقسام الإبداع لوكالات الإعلام، يكون عمل الكاتب ومدير القسم الفني مع بعضهما كفريق واحد في مشروع ما.
عندما كان يحدث ذلك في أقسامي، كنت أعرف دائماً أي فريق سيأتي بأفضل الأفكار وأفضل الإعلانات، وأفضل الدعايات التلفزيونية، وأفضل لوحات الإعلانات.
لقد كان دائماً الفريق الأكثر استمتاعاً.
أولئك المقطبون والعاقدو الحواجب نادراً ما حصلوا على شيء جيد.
أولئك المبتسمون والضاحكون حصلوا في معظم الأحيان على شيء جيد.
هل كانوا يستمتعون لأنهم حصلوا على أفكار؟ أم أنهم حصلوا على أفكار لأنهم كانوا مستمتعين؟
الخيار الثاني بدون شك.
ومع ذلك، فأنت تعلم أن ذلك صحيح بالنسبة لكل شيء آخر، الأشخاص الذين يستمتعون بما يفعلون، ينجزون عملهم بشكل أفضل. إذن لماذا لا يكون ذلك صحيحاً بالنسبة للأشخاص الذين يوجدون الأفكار؟
«اجعل عملك في مؤسستك ممتعاً»، قال (ديفيد أوغيلفي)، رئيس وكالة إعلان. «عندما لا يستمتع الأشخاص فإنهم نادراً ما ينتجون إعلانات جيدة.»
لم يكن السيد (أوغيلفي) مضطراً لتحديد ملاحظاته في الأشخاص العاملين في وكالات الإعلان. إذ إن الشيء نفسه ينطبق على أي شخص في أي مكان يمكن أن يأتي بفكرة ما.
حسناً، أعلم أن ابتكار إعلانات هو محاولة إبداع ثانوية، ويمكنك اعتبار تطبيق الدروس التي تعلمتها هناك على الأعمال الأكثر أهمية عملاً أحمق. ولكنَّ الأشخاص العاملين في حقول أخرى يقولون الشيء نفسه عن الاستمتاع.
«الأشخاص الجديّون لديهم أفكار قليلة»، قال (بول فاليري). «الأشخاص الذين لديهم أفكار لا يكونوا جديين أبداً.»
في الواقع، ليس من المفاجئ أن تكون روح الفكاهة وجميع أنواع الإبداع متلازمة مع بعضها.
بالرغم من ذلك، وكما أشار (آرثر كسوستلر)، فإن أساس روح الفكاهة هو أيضاً أساس الإبداع - الدمج غير المتوقع لعناصر غير متشابهة لتشكيل وحدة كاملة جديدة منطقية فعلياً؛ كظهور انعطاف على اليسار عندما تتوقع أن الطريق يمتد بشكل مستقيم؛ إنه (الجمع الثنائي) [كما عبّر عنه (كوستلر)]، إطاران مرجعيان يلتقيان ببعضهما.
استمع إلى كيف يتم ذلك مع روح الفكاهة:
«وقعت نانسي ريغان وكسرت شعرها»، قال (جوني كارسون).
«كيف يمكنني أن أؤمن بالرَّب»، تساءل (ودي آلان)»، في حين أنني في الأسبوع الماضي انحشر لساني داخل أسطوانة الآلة الكاتبة الكهربائية؟»
«من الممكن ألا يكون السباق للأسرع، ولا النصر للأقوى»، قال (دامون رونيون)، «ولكن هذا هو الأسلوب للمراهنة.»
كتب (رينغ لاردنر) «أسكت، فَسَرَها».
في كل حالة يذهب عقلك في اتجاه واحد في الوقت الذي تُجبر فيه على تغيير الاتجاهات - وأعجب العجائب - أن هذا الاتجاه الجديد وغير المتوقع هو منطقي تماماً. لقد تم ابتكار شيء جديد، شيء ما وفقاً للحقيقة التي تبدو غالباً واضحة.
آه، ولكن ذلك هو بالضبط ما تعنيه الفكرة أيضاً. الدمج غير المتوقع لعنصرين «قديمين» لابتكار وحدة كاملة جديدة منطقية، «قالبان للتفكير» [كما عبّر عنها (كوستلر)] يلتقيان في حالة ما.
دمج (غوتنبيرغ) آلة صك نقود مع مكبس نبيذ وحصل على آلة طباعة.
دمج (دالي) الأحلام والفن مع بعضهما وحصل على السيريالية.
أحدهم دمج النار والطعام وحصل على الطبخ.
دمج (نيوتن) المد والجزر مع سقوط التفاحة وحصل على قانون الجاذبية.
دمج (داروين) كوارث البشرية مع توالد الأجناس وحصل على نظرية الانتخاب الطبيعي.
دمج (هتشينز) منبهاً مع ساعة وحصل على ساعة منبه.
دمج (ليبمان) قلم رصاص مع ممحاة وحصل على قلم رصاص بممحاة.
دمج أحدهم خِرقة مع عصا وحصل على ممسحة ذات عصا.
صفحة 6
ذهبت مرة إلى مقابلة للحصول على عمل في وكالة إعلان في شيكاغو. وبمجرد أن دخلت الوكالة عرفت أنها ستكون مكاناً جيداً للعمل، مكاناً تقفز فيه الأفكار من السقف. عندما خرجت من المصعد، كان يوجد على الحائط تلك اللوحة الكبيرة ذات المظهر الرسمي داخل إطار:
كانت هناك محاطة بإطار على الحائط - «قالبان للتفكير» يلتقيان في حالة ما. إطاران مرجعيان يلتصقان ببعضهما. روح الفكاهة والإبداع. من الصعب أن تحصل على أحدهما دون الآخر. ونفس الشيء ينطبق على الاستمتاع والأفكار. والمرح والأداء.
دعوني أروي لكم قصة:
عندما بدأت عملي في الإعلان، كان المؤلفون ومدراء الأقسام الفنية يرتدون الملابس التي يرتديها كل شخص في العمل- كان الرجال يرتدون البذلات وربطات العنق، والنساء يرتدين الفساتين أو الأطقم النسائية.
في أواخر الستينيات تغيّر كل ذلك. بدأ الناس يلبسون الكنزات والبناطيل الجينز و(التي شيرتات) وأحذية الرياضة. لقد كنت أدير قسم إبداع في ذلك الوقت، وسألتني مجلة (لوس أنجلوس تايمز) ما هو رأيي بالأشخاص الذين يأتون إلى العمل بذلك الشكل.
فقلت: «لا أهتم حتى لو أتوا إلى العمل بالبيجامات، طالما أنهم ينجزون العمل بنجاح.»
بالتأكيد، وفي اليوم الذي تلا صدور الموضوع (مع إجابتي)، حضر جميع موظفي القسم بالبيجامات. لقد كانت متعة كبيرة. ضجّ المكتب بالمرح والضحك.
الأهم من ذلك، فقد كان ذلك اليوم والأسبوع الذي تلاه من أكثر الأوقات التي مرت على دائرتي إنتاجية. كان الجميع يستمتع، وأصبح العمل أفضل.
لاحظوا مرة ثانية علاقة السبب والأثر ببعضهما: حدثت المتعة أولاً؛ والعمل الأفضل ثانياً. الاستمتاع يحرر الإبداع. إنه أحد الحبوب التي تزرعها لتحصل على الأفكار.
بإدراكنا ذلك، نبدأ بزرع المزيد من تلك البذور لنجعل الحضور إلى العمل شيئاً ممتعاً. من المحتمل أن تكفي بذرتان في مكان عملك،أو يمكن أن تومض فكرة من تلك التي تنمو.
اجتماع في الحديقة... يقع مكتبنا في الشارع مقابل الحديقة. وكنا نعقد اجتماعاً مرة في الشهر تقريباً هناك. (من المدهش حقاً كيف أن مجرد الخروج من المكتب ينمي الصداقة الحميمة ويرفع الإنتاجية.)
يوم عائلي. يأتي الأطفال مرة في السنة ليروا أين يعمل آباؤهم وأمهاتهم.
لعبة السهام. نضع لوحة تسديد السهام في غرفة مؤتمراتنا ونلعب لعبة الأسهم عندما نحتاج لفترة راحة.
من هذا؟ يحضر الموظفون والموظفات صوراً لهم عندما كانوا أطفالاً. ونثبت جميع الصور على الحائط، ونرقمها، ويحاول كل شخص أن يحزر من هذا أو ذاك. والشخص الذي يجمع أكبر عدد من الإجابات الصحيحة يحصل على جائزة.
طفل جميل/ بشع. نقوم بنفس ما فعلناه في الأعلى، ولكن نصوّت جميعنا على أي طفل هو الأجمل، وأيهم الأبشع. وهنالك جوائز بالطبع.
معرض فنون وصناعات يدوية. يبيع الأشخاص (أو يعرضون فقط) أشياء صنعوها هم أو عائلاتهم في البيت.
هوكي في المدخل. خلال ساعة الغداء، نلعب أحياناً الهوكي في المدخل بعصي هوكي حقيقية ولكن بلفيفة ورق بدلاً من البَك (قرص مطاطي يستعمل في لعبة الهوكي.)
أعمال أطفال فنية. يحضر الآباء أعمال أطفالهم الفنية، وعليها بطاقات بأسمائهم ويعلقونها في الردهة.
صلصات حارّة. تحضر الطبخات إلى القسم داخل قدور طبخ اللحم؛ ونقوم بالتذوق والتصويت على الفائز.
يوم الملابس الرسمية. بين حين وآخر نأتي جميعنا مرتدين أفضل الملابس.
قِدر الحظ. كل شخص يحضر قِدراً فيه نوع طعام، ونجلس جميعاً في الردهة ونتناول الغداء مع بعضنا.
«إذا لم يكن ممتعاً فلماذا نقوم به؟» يقول (جيري غرينفيلد) صاحب محلات (بن وجيري للبوظة).
ويوافق (توم جيه. بيترز): «المقدمة رقم واحد في العمل هي ألا يكون مملاً أو فاتراً.» وأضاف: «يجب أن يكون ممتعاً. فإذا لم يكن ممتعاً، فأنت تهدر حياتك.»
لا تهدر حياتك. استمتع قليلاً.
وستحصل - ليس صُدفة - على بعض الأفكار.
صفحة 7
كن مستقطباً للأفكار
يبدو لي أن ذلك الشخص يمتلك فكرة واحدة فقط، وتلك هي الخطأ.
صمويل جونسون
كل شخص يكون عبقرياً على الأقل مرة في السنة؛ والعبقري الحقيقي هو الذي تكون أفكاره الأصيلة متقاربة من بعضها.
جي. سي. ليتشنبيرغ
يستطيع المرء أن يعيش بدون هواء لدقائق معدودة، وبدون ماء لحوالي أسبوعين، وبدون طعام لحوالي شهرين - وبدون فكرة جديدة لسنوات من غير انقطاع.
كنت روث
لم يفهم أحد (حتى الآن) كيف يستطيع عقلك - وهو شيء مادي - أن ينتج فكرة، وهي شيء غير مادي.
كل ما نعرفه هو أن ذلك يحدث. وربما يحدث لك أقل مما يحدث للآخرين، ولكن بما أنه حدث لك بضع مرات، فنحن نعرف أنه لا يوجد خلل بدني - مثلاً، لا يوجد طفرة جينية في دماغك - يمنعك من الحصول على الأفكار. إذن يمكنك الحصول عليها. وهذا شيء مُثبت.
إذن الشيء الوحيد الذي علينا اكتشافه هو لماذا تحصل على القليل من الأفكار ثم تعمل على الحصول على المزيد منها.
عندما كنت صبياً كنت أتسكع مع شخص اسمه (جوني - بوي بويد). كان (جيه بي) طائشاً. وكان يبدو أن الحوادث تقع له، فإذا لم يقع أحدها له،عمل هو على الوقوع فيها.
في الوقت الحاضر سيقول علماء النفس إن (جيه بي) يجعل الحوادث تقع دون وعي منه، وهذه هي طريقته لجذب الانتباه إليه.
في ذلك الوقت كنا ندعوه (مستقطب الحوادث) وظل يُنادى هكذا.
عندما أصبحت بالغاً رافقت أشخاصاً كانوا (مستقطبي أفكار). تأتي الأفكار إليهم بنفس الطريقة التي تقع فيها الحوادث ل (جيه بي). وربما يقول علماء النفس الشيء نفسه الذي قالوه عن (جيه بي) - إنهم باللاوعي يجعلون تلك الأشياء تحدث لهم، وإن هذه هي طريقتهم في جذب الانتباه.
ربما. ولكن أعتقد أن هنالك أكثر من ذلك.
اقتبس (جيمس ويب يونغ) من (باريتو) الذي اعتقد أنه يوجد نوعان رئيسان من الناس، نوع أطلق عليهم (المضاربين) والآخر أطلق عليهم (أصحاب الدخل).
(المضارب)، قال (باريتو): مشغول باستمرار باحتمالات دمج جديدة. وهذا النوع يشمل، كما عبَّر عنه (يونغ)، «جميع أولئك الأشخاص في أي حقل... والذين لا يستطيعون عدم التدخل في الأشياء المُرْضية والذين يتفكرون في كيفية تغييرها.»
من جهة أخرى، فإن (صاحب الدخل) يشمل «أشخاصاً رتيبين وثابتين ومحدودي الخيال ومحافظين يؤثر فيهم (المضارب).»
اتفق (يونغ) مع (باريتو) في أن هذين النوعين موجودان - وفي هذه الحالة- وصل إلى نتيجة «أنه يوجد عدد هائل من الناس لا يجدي معهم نفعاً أي أسلوب لطرح الأفكار.»
لا أتفق مع هذا الاستنتاج.
لا أعتقد أن الأشخاص المستقطِبين للأفكار الذين رافقتهم قد ولدوا بنوع مميّز من موهبة تكوين الأفكار، أو بطريقة فريدة في التفكير قادتهم نحو ممرات غير مطروقة، أو استبصار كأشعة الليزر جعلهم يرون النظام والروابط حيث يرى الآخرون الفوضى فقط.
الشيء الذي يفرقهما عن بعضهما هو:
أولئك الذين يكونون أفكاراً يعرفون أن الأفكار موجودة ويعرفون أنهم سيجدون تلك الأفكار؛ وأولئك الذين لا يكونون أفكاراً لا يعرفون أن الأفكار موجودة ولا يعرفون أنهم سيجدون أفكاراً.
دعوني أقولها مرة ثانية:
أولئك الذين يكونون أفكاراً يعرفون أن الأفكار موجودة ويعرفون أنهم سيجدون تلك الأفكار؛ وأولئك الذين لا يكونون أفكاراً لا يعرفون أن الأفكار موجودة ولا يعرفون أنهم سيجدون أفكاراً.
اعلم أن الأفكار موجودة
عندما بدأت التعليم أخبرت طلابي أنه يوجد لكل مشكلة حل، وجواب، وفكرة.
لقد كنت مخطئاً.
أنا أعلم الآن أنه يوجد مئات الحلول ومئات الإجابات ومئات الأفكار.
ربما حتى الآلاف. في الواقع، ربما أنها لا نهائية.
صفحة 8
فقط تأملوا فيما يلي:
في عام 1940 (آخر مرة راجعوا فيها السجلات، على ما أعتقد) تم إصدار 94 براءة اختراع لأكواب الحلاقة. أكواب حلاقة، بحق السماء!
ويوجد 1200 نوع مختلف من الأسلاك الشائكة.
ونشر عدد كاف من كتب الطبخ لتملأ مكتبة صغيرة.
أو فقط استمعوا إلى (لنكولن ستيفنس)، الذي كتب عام 1931:
لم يتم فعل شيء. كل شيء في العالم يبقى إلى أن يُنجز أو إلى أن يُعاد عمله من جديد.
الصورة الأروع لم ترسم بعد، المسرحية الأروع لم تكتب بعد، الشعر الأروع لم يُغنَّ بعد. ولا يوجد في العالم سكة حديد مثالية، ولا حكومة جيدة، ولا قانون قويم.
الفيزياء والرياضيات، وخاصة العلوم الأكثر تقدماً ودقة، ما زالت تعدل أسسها. وأصبحت الكيمياء من العلوم مؤخراً، وتنتظر علوم النفس والاقتصاد والاجتماع (داروين)، والذي ينتظر عمله بدوره (أينشتين).
إذا استطعنا إعلام الأولاد النشيطين في كلياتنا بذلك فقد لا يكونون أخصائيين في كرة القدم، وفي الحفلات، وفي الدرجات المكتسبة بدون جهد لا يتم إعلامهم به، بدلاً من ذلك؛ يُطلب منهم أن يتعلموا ما هو معروف. هذا سهل جداً.
كل كلمة كتبها صحيحة اليوم كما كانت في عام 1931. لم يُنجز شيء. كل شيء بانتظارك لتنجزه.
دعوني أخبركم هذه القصة:
لمدة عشرين عاماً عملت لدى وكالة إعلانات كانت تقوم بعمل دعايات ل (سموكي بير). أول شيء كان على المؤلفين والمدراء الفنيين أن يقوموا به كل عام هو إيجاد ملصق رئيسي.
لم تتغير شروط الملصق أبداً: يجب أن يكون بشكل وحجم محددين؛ يجب أن يصور الدب (سموكي)؛ يجب أن يكون بسيطاً بشكل كاف لأن يُدرك في نظرة سريعة، وواضحاً بدرجة كافية لأن يفهمه حتى الغبي، وإذا كان فيه كلمات فيجب أن تكون مختصرة بشكل كاف لكي تقرأ خلال ثلاث أو أربع ثوان.
ولم تتغير مهمة الملصق أيضاً: يجب أن يُقنع الناس ليكونوا حذرين من النار.
بكلمات أخرى، كل عام علينا أن نوجد الشيء نفسه ولكن بشكل مختلف.
وقد فعلنا ذلك في الواقع، في كل عام نخرج بعشرين إلى ثلاثين فكرة مختلفة للملصقات. كل عام لأكثر من عشرين عاماً. أكثر من خمسمئة ملصق جميعها تصوّر (سموكي) وجميعها تحاول أن تفعل الشيء نفسه ولا يوجد فيها واحد مثل الآخر.
بقدر معرفتي بالمؤلفين ومدراء الأقسام الفنية في تلك الوكالة، مازال عندهم نفس الشروط والمهمات لملصق (سموكي)، ومازالوا يأتون بأفكار.
لذا لا تقل لي إنه يوجد طريقة واحدة فقط أو طريقتان لحل المشكلة. أعرف خلاف ذلك.
أو استمع لقصة أخبرني إياها صديق لي:
اعتدت أن أدرِّس حلقة بحث تستمر ثلاثة أيام عن الإعلان في شيكاغو. إحدى المهمات التي أعطيتها لكل طالب كانت أن يبتكر، بين عشية وضحاها، لوحة إعلانات خارجية، لسكين جيش سويسري.
كان معظم الطلاب يُحضر في صباح اليوم التالي لوحة الإعلانات المطلوبة، ولكن العديد منهم كانوا يقولون إنهم عملوا لساعات ولم يتمكنوا من تحقيق أي شيء. حدث ذلك لمدة ثلاث سنوات على التوالي.
في السنة الرابعة حاولت عمل شيء مختلف. فبدلاً من طلب لوحة إعلانات واحدة فقط، طلبت من كل طالب أن يبتكر على الأقل عشر لوحات إعلان لسكين جيش سويسري. وبدلاً من إعطائهم الليل كله، أخبرتهم أن عليهم أن يقوموا بذلك خلال ساعة الغداء.
بعد الغداء كان لدى كل منهم على الأقل عشر أفكار. وكثير منهم كان لديه أكثر من ذلك. أحد الطلاب تقدم بخمس وعشرين فكرة.
توصلت إلى أن معظم الناس عندما يواجهون مشكلة فإنهم يبحثون عن الحل الوحيد الصحيح وذلك لأن ذلك هو ما تعلموه. خلال سنوات المدرسة كلها كان عليهم أن يجيبوا على أسئلة ذات خيارات متعددة وبكلمة صح أو خطأ، أسئلة لها إجابة صحيحة واحدة فقط. لذا فقد افترضوا أن جميع الأسئلة والمشاكل مشابهة لذلك. وعندما لا يستطيعون إيجاد حل يبدو مثالياً، يستسلمون.
ولكن معظم المشاكل ليست كأسئلة الامتحان في المدرسة. معظم المشاكل لها عدة حلول. وبمجرد إجبار طلابي على إدراك ذلك، وجدوا تلك الحلول.
هل سمعتم ذلك؟ بمجرد أن أدرك طلابه أنه يوجد عدة حلول، فقد وجدوا تلك الحلول.
قال (إميل كو): «دائماً فكّر بأن ما يجب عليك عمله سهل وسيكون كذلك.»
عندما تكون لا يكون لديك ثقة في وجود الجواب، فسيكون إيجاده صعباً. ومن السهولة بمكان إيجاد حل أو اثنين عندما يكون لديك ثقة في وجود عدة إجابات.
صفحة 9
وقد لاحظ الدكتور ( نوربيرت فاينر) الشيء نفسه:
«بمجرد أن يواجه العالِم مشكلة يعرف أن لها حلاً، فإن موقفه كله يتغيّر. فهو الآن قد قطع خمسين بالمائة من طريقه باتجاه الجواب.»
ووافق (آرثر كولستر): «مجرد معرفة أن المشكلة قابلة للحل يعني أنه قد تم كسب نصف المباراة.»
هذا أحد الأسباب الذي يجعل بعض الناس يبدون دائماً قادرين على تكوين أفكار - إنهم يعرفون أنها في الجوار.
كنت أعمل في أحد الأيام في مكتبي مع (لاري كوربي)، رسام هذا الكتاب، ونحاول أن نقوم بعمل دعايات تلفزيونية للعبة أولاد.
فقال: «أغلق الباب.»
«لماذا؟»
«يوجد بضع أفكار هنا ولا أريدها أن تخرج.»
لم يكن يمزح أيضاً. كان يؤمن حقيقة أن الأفكار التي كنا نبحث عنها لها وجود مادي في تلك الغرفة. وبما أنه كان يعلم أنها موجودة، فقد حصل على فكرتين بعد مرور خمس دقائق.
يعتقد (جوزيف هيلي) بالشيء نفسه. «أشعر أن تلك الأفكار تطفو في الهواء حولي وقد اختارتني لتستقر عندي.»
وكذلك كان، بالطبع، اعتقاد (أديسون). لقد اعتقد - لا بل عرف - أن الأفكار «موجودة في الهواء.» وإذا لم يجدها، فإن شخصاً آخر سيفعل. هل من الغريب أن يكون هو من وجد العديد من الأفكار؟
يوجد دائماً فكرة أخرى، ويوجد دائماً حلٌ آخر.
تقبل ذلك.
اعلم أنك ستجد تلك الأفكار
أنت الآن تعرف، أرجو ذلك، أنه يوجد المئات من الحلول لمشكلتك، حيث تكثر الأفكار. حسناً إذن، لماذا لا تجدها؟
تأمل في هذه الأحداث الثلاثة:
1- لقد رأيتَ هذه الحادثة تحصل طوال الوقت: لاعب غولف لم تسمع عنه في حياتك يقود مباريات كبرى بعد أول يوم. والصحف مليئة بقصص عنه. الجميع يتحدث عنه. إنه (بالمر) الجديد، (نيكلاوس) الجديد.
في اليوم التالي، أخطأ الرجل المسكين ثماني رميات، لقد فقد براعته، واختفى.
ما الذي حدث؟
2- كنت أُصور، ذات مرة، دعايات في منتدى لوس أنجلوس، وكان (ويلت تشامبرلين) على الطرف الآخر من الملعب يتدرب على الرميات الحُرّة. وكان هناك صبيَّان يُعيدان له الكرات. لقد قذف أكثر من مائة رمية حرة في الوقت الذي كنت فيه هناك ورأيته يخطئ في ثلاث فقط. سويش، سويش، سويش. لقد كان ذلك رائعاً. في تلك الليلة وفي المباراة أخطأ ثماني رميات من اثنتي عشرة من الضربات المماثلة.
ما الذي حدث؟
3- لديك خطاب عليك أن تلقيه خارج البلدة، وكنت قد عكفت على دراسته. أنت تعرف موضوعك، وتعرف ماذا تريد أن تقول، وتعرف كيف تريد أن تقوله. شيء بسيط وهيّن. تدربت عليه أمام المرآة. أداء مثالي.
ولكن عندما بدأت بإلقائه، نسيت كل شيء تماماً وأصبح الخطاب كارثة.
صفحة 10
ما الذي حدث؟
أنت تعرف ما الذي حدث.
يوجد عدة طرق للتعبير عن ذلك، ولكن بشكل أساسي، أنت و(ويلت) ولاعب الجولف المنسي، بوعي أو بدون وعي، بدأتم بالشك في أنفسكم. والباقي معروف.
فلاعب الجولف في أول يوم له و(ويلت) في ملعب التدريب وأنت في غرفة الفندق، جميعكم شعرتم بالرضا عن المستويات التي قمتم فيها بأداء مهامكم.
ولكن فيما بعد وبطريقة ما بدأتم بالتساؤل إذا كنتم فعلاً جيدين كما ظننتم أنفسكم. لقد كان أداؤكم في حقل الجولف وملعب التدريب وغرفة الفندق أفضل من الصور الذهنية عن أنفسكم.
لذا فقد خفضت عقولكم وأجسامكم أداءكم بشكل آلي إلى المستويات التي تشعرون عندها بالرضا مرة ثانية.
ولن تستطيع أي قوة إرادة أو أي جهد أو أي تدريب أو أي تصميم إعادة أدائكم إلى ما كنتم عليه.
وذلك لأن صوركم الذاتية تحدد ماذا تكونون وكيف تؤدون مهامكم. وليس الجهد أو الإرادة. بل الصورة الذاتية.
والطريقة الوحيدة لتحسين أدائك بشكل أساسي هي بتحسين صورتك الذاتية.
فإذا كنت ترغب بأن تكون مستقطِباً للأفكار يجب أن تتقبل شيئيين.
الشيء الأول: يجب عليك قبول أن ما تفكر فيه عن نفسك هو العامل الأهم في نجاحك.
إن شخصيتك وأعمالك وكيفية تواصلك مع الآخرين وكيفية أدائك في عملك ومشاعرك واعتقاداتك وتفانيك وطموحاتك وحتى مواهبك وقدراتك، جميعها متأثرة لا بل مُسيطر عليها من قِبل صورتك الذاتية.
فأنت تتصرف كالشخص الذي تتخيل نفسك فيه. إنه أمر بهذه البساطة.
ولا مجال لفتح باب التساؤل فيه.
إذا اعتقدت نفسك فاشلاً، فالاحتمال الأكبر أنك ستصبح فاشلاً. وإذا اعتقدت نفسك ناجحاً، فالاحتمال الأكبر أنك ستصبح ناجحاً.
بأي شيء آخر يمكنك أن تفسّر لماذا يفشل الأشخاص الذين يبدون موهوبين في حين ينجح الأشخاص الذين يبدون محرومين؟
قال (فيرجيل): «يمكنهم القيام بكل شيء لأنهم يعتقدون أنهم قادرون على ذلك»، وهذه الحقيقة الأساسية عن نجاح الصورة الذاتية صحيحة اليوم كما كانت قبل 2000 عام مضى.
وافق (هنري فورد) على ذلك:«سواء اعتقدت أنك قادر أو غير قادر، فأنت على صواب.»
باختصار: الموقف أهم بكثير من الحقائق.
وهذا يعني، بالتحديد، أن الجزء الأكبر من الاختلاف بين الأشخاص الذين يجيشون بالأفكار وأولئك الذين لا يجيشون بها، له صلة ضعيفة بالقدرة الفطرية على إيجاد أفكار. إنما يتعلق بالإيمان بأنهم قادرون على إيجاد الأفكار.
أولئك الذين يؤمنون بأنهم قادرون على ذلك، فسيقدرون؛ وأولئك الذين يؤمنون أنهم غير قادرين، فلن يقدروا. هكذا بكل بساطة.
الشيء الثاني: عليك أن تتقبل ما أطلق عليه (وليام جيمس) «الاكتشاف الأعظم لجيلي» بأنه هو أيضاً حقيقة. الاكتشاف؟
يمكن للبشر أن يغيّروا حياتهم بتغيير مواقفهم.
عبّر (جان بول سارتر) عن ذلك كما يلي: «المرء هو ما يتصور به نفسه.»
وعبّر (تشيخوف) عنها كما يلي: «المرء هو ما يؤمن به.»
وهذا أيضاً لم يعُد يحتمل الجدل.
ومع ذلك، فإن هذا هو ما يرفض الناس، ربما بما فيهم أنت، أن يتقبلوه.
إنك تتقبل فكرة أن صورتك الذاتية تقود حياتك، ولكن بالرغم من كل شيء فإن الدليل الذي استشهد به الحكماء والآباء ورجال الدين والأطباء والشعراء والباحثون والفلاسفة والمعلمون والأطباء النفسيون والمعالجون النفسيون والمدربون، وبالرغم من آلاف الأمثلة الحيّة في المئات من كتب تحسين الذات، فأنت ترفض فكرة أنه يمكنك تغيير صورتك الذاتية.