صفحة 1
مقدمة
الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين والصلاة والسلام على نبي الهدى قدوة البلغاء وسيد البيان العربي المبين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان من حملة البيان القرآني الذي لا يدانيه بيان، ولا يلحق به بلاغ، ولا يطاول علياء كلامه كلام إنسان. وبعد:
فإن العرب اشتهروا من بين الأمم بأنهم أمة البيان والبلاغة، إذ كانوا في القمة من الاحتفال بالكلمة وبيانها وبلاغتها، رغم أنهم عُرفوا أيضاً بأنهم الأمة الأمية، التي قلت فيها معرفة الخط والكلمة المكتوبة، فقد كانت صدورهم مسكن شعرهم ومخزن بيانهم تلهج به ألسنتهم ، وقد ذكر ربنا عز وجلّ في كتابه العزيز شيئاً عن قوة منطق العرب وعلو قامتهم في البيان وذلك حين قال جل من قائل: "وإن يقولوا تسمع لقولهم" المنافقون 4 وقال أيضاً: "ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا" البقرة 204، وهو ذكر رباني يبين ما كانت عليه العرب (الناس) من قول يُسمع، ومن بيان مُعجب مداره على (البيان والتبيين) كما قال الجاحظ في كتابه البيان والتبيين وأضاف: (كلما كان اللسان أبين كان أحمد.." ( ).
وقد وضح الجاحظ قوله هذا بأن قال: "وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة،.. وأن حاجة المنطق إلى الحلاوة، كحاجته إلى الجزالة والفخامة، وأن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب، وتثنى به الأعناق، وتزين به المعاني." ( ). لقد كان العرب يتداولون البلاغة والبيان شفاهاً في الغالب الأعم، وليست عن معرفة بالقراءة والكتابة، إذ كان اللسان والقلب والصدر هي موضع البيان في غالب الأحوال، وقد قيل في أمثال العرب: "أبلغ من ابن القرية وابن القرية" هذا هو أيوب بن يزيد بن قيس بن زرارة الهلالي؛ أحد البلغاء والخطباء الذين يُضرب بهم المثل في البيان، وهو أمي.
ولقد كان الشعر ديوان العرب وموضع فخر القبائل، لذا كانت القبيلة ترجو أن ينبغ فيها شاعر، ليكون لسانها المنافح عنها وصانع الفخر بأمجادها وعلو مكانتها، وهو المذيع والإعلامي الفذ فيها، الذي يبارز البلغاء، ويساوم الفصحاء، ليجلي ما غاب عن الآخرين مما حازته وتحوزه قبيلته وعشيرته الأقربين.
صفحة 2
فلما حلّ الإسلام في ديار العرب أهل الفصاحة والبيان.. هزتهم أكثر ما هزتهم بلاغة القرآن، وعلو ألفاظه ومعانيه، وقصورهم عن مداناة تلك البلاغة، حيث اشرأبت أعناقهم وقلوبهم إلى ذلك الكلام المغدق، "والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لَعَذْق( )، وإن فرعه لجناة( ).."( ).
فهم (العرب) متذوقو البلاغة العاشقون للكلمة والبيان، سحرهم القرآن بعلو كلامه وتحديه لهم بأن يأتوا ولو بسورة من مثله، فخضعوا لسلاحه البلاغي، ولعلمه وسمو معانيه الحياتية والتربوية والروحية وإجابته عن أسئلتهم الحائرة.
ولما امتد الزمان بالناس، واختلطت الأجناس من الداخلين في الإسلام من الأمم الأخرى تفشى اللحن، وضعف بيان العرب المبين، فكانت الحاجة أبداً إلى التنويه والتدريب والقول في حاجات الكتاب والشعراء، كي تضبط السنتهم، ويستوي القول عندهم على أساسات العرب البيانية.. فكانت مؤلفات الجرجاني وابن قتيبة وغيرهم الكثير من المؤصلين للبيان العربي المبين قديمين وحديثين..
وكانت مني هذه المشاركة المتواضعة في هذا السياق مبيناً فيها سبل المضي في اتباع هدي الأولين، ثم في مراعاة عصرنا الذي نعيشه، ونزاول فيه الكتابة التزاماً بالهدى، وإنقاذاً للكتابة من وهن الطين، وما يروجه المروجون من وسائل وأساليب تبعد – عن قصد أو غير قصد – اللسان العربي العالي عن ساحة الكاتبين..
وقد قسمت البحث في هذا الموضوع إلى بابين، الأول يحتوي عشرة أبحاث في التنظير للبيان المعاصر الملتزم، والثاني، ضمنته دراسات تطبيقية معتمدة على التنظير..
راجياً من الله العلي العظيم.. أن يجعل في هذا الجهد المتواضع نفعاً وفوائد تساهم في وضع الأمور في نصابها، فإن أصبت فهو من الله، وإن زللت عن غير قصد.. فمن نفسي، داعياً العلي القدير أن يجعل فيه أجر المجتهد..
محمد السيد
12 رجب- 1432هـ
14 حزيران - يونيو -2011م
صفحة 3
الباب الأول
أبحاث في التنظير
وفيه:
أ- المبحث الأول: مكانة الكتابة والكتاب
ب- المبحث الثاني: الموهبة
ج- المبحث الثالث: تنمية الموهبة وفيه فصول:
1- العقيدة والسلوك والأخلاق
2- الاطلاع الواسع على فروع المعرفة
3- الاطلاع المستمر
د- المبحث الرابع: المران والتجريب
هـ- المبحث الخامس: السير قدماً، التأكيد الملح على العقيدة والسلوك
و- المبحث السادس: خطوط الارتقاء
ز- المبحث السابع: حديث في الأسلوب
ح- المبحث الثامن: النور الآن في قلمك وملك أناملك.
صفحة 4
المبحث الأول
مكانة الكتابة والكتّاب
1- تمهيد:
يتبوأ الحرف العربي مكانة أولى في معركة إثبات الذات لأمة الإسلام، لذا فهو يخوض لججاً من المحاولات، في الطريق إلى توضيح الوجه الحقيقي لمستقبل الأجيال القادمة من هذه الأمة، ذلك الوجه الذي يحمل سمات دين الإسلام، ويؤشر إلى تبني هذه الأجيال العودة إلى نبعها الأصيل وسبيلها القويم، المؤسس على عقيدة ربانية، نزل بها الروح الأمين على قلب رسول حبيب، حمل الأمانة إلى الناس بقوة وعدل وإخلاص، فسرت العقيدة الإسلامية وشريعتها وسلوكياتها في أجيال الأمة على مدى أربعة عشر قرناً من الزمان، تحملها حروف نورانية، انتشرت أشعتها من خلال كلمات كتاب الله العظيم (القرآن الكريم)، الذي تناولته والحديث الشريف أقلام الكتاب والعلماء بالشرح والتفسير والبيان والتوصيل إلى كل الأنحاء من هذا العالم، وكان لدور القلم والكتابة المكانة الأولى في انتشار الخير العميم، وعلى الأخص عندما كان هذا القلم يخط خطه من خلال العمل والقدوة والالتزام بما جاء في الكتاب والسنة.
ولا بد من الإشارة في هذا التمهيد إلى حقيقة راسخة في مسيرة هذه الأمة: وهي أن المعجزة الأولى والأساسية في حياتها كانت وما تزال، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما عليها، متمثلة في كتاب الله الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وفي ذلك ما يشير إشارة مباشرة وواضحة إلى أهمية الكلمة البليغة الملتزمة القوية الخالصة في بناء الأمم وصناعة الأجيال؛ إذ إن أول ما نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم: "اقرأ"، فكانت شعاراً ورمزاً وعملاً في أمة أمية، تحولت خلال عقود قليلة من الزمان إلى أمة قارئة عالمة قائدة للأمم، وذلك ما يسره الحرف الرسالي وبيانه السامق العالي.
صفحة 5
2- ما جاء في أهمية الكتابة والكتّاب
لا يستطيع أحد أن يماري في أهمية الكتابة والكتّاب وأثرهما في الأمم، سلبية كانت تلك الآثار أم إيجابية. إن كُتَّاب الفكر والعلم والأدب هم الذين بأقلامهم تُسَطّر مصائر الأمم، وبأقلامهم تتضح معالم الحاضر والمستقبل. ولقد عظّم رب العزة الحرف ومن يسطرونه من ملائكته، فأقسم بالحرف وبالكاتبين له، فقال جل من قائل:
ﭽ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﭼ( )، فالحرف، والقلم، والقرطاس، كلها أدوات حرفة الكتابة وقد استحقت لأهميتها أن يقسم ربنا بها. وقد بين الله لنا نحن البشر أي سبيل نتبع، لنصل إلى فضيلة العلم والمعرفة، فقال سبحانه وتعالى في محكم الكتاب العزيز: ﭽ ﮊ ﮋ ﮌ ﭼ( )، فلا يمكن أن تمتطي أيها الأخ الكريم ناصية العلم، ولا يمكن أن تمتلك أدوات المعرفة إلا عن طريق القلم، أي الكتابة والكتّاب والكتاب، فكم هي عظيمة تلك المكانة والمهابة لهذه المهنة الراقية، إذا التزمت بقيم الحق والهدى والفطرة الإنسانية التي خلق الله الإنسان عليها، ؟!
ولقد ميز ربنا جل جلاله ملائكته الكتبة على غيرهم من الملائكة_ وهم جميعاً مقدرون ومحترمون_، فذكرهم وحدهم بمهنتهم، إذ قال في محكم الكتاب: "بأيدي سفرة كرام بررة"( )؛ وسفرة: هم كتاب الأسفار من الملائكة. فهم كرام بررة، لأنهم كانوا أمناء أعظم ما تكون الأمانة على ما استحفظوا عليه من كتابة للأقدار والآيات الربانية.
وليس هذا الذي أبديناه من بيان لأهمية الكتابة والكتّاب هو نهاية المطاف في بابه، بل إنك أخي الكريم سوف تجد في سطورنا القادمة مزيداً من البيان في هذا المجال، ليس آخره ما قاله الأصمعي لرجل: "ألا أدلك على خليل إن صحبته زانك، وإن احتجت إليه مانك، وإن استعنت به أعانك؟. قال الرجل: نعم فقال عليك بالأدب"( ). والأدب نوع من الكتابة يكتبه كتّاب مبدعون، يقفون في قمة قائمة الكتّاب، لما يمتلكون من تأثير نفسي وحركي وعملي في نفوس الناس ومشاعرهم ووجدانهم.
صفحة 6
ويكفي أن نذكر في هذا المجال، أن أربعة من الكتاب المسلمين، قد بويعوا بالخلافة وهم: عثمان وعلي ومعاوية رضي الله عنهم، ورابعهم عبدالملك بن مروان رحمه الله. ولا ننسى في هذا السياق ما وصل إليه كثير من الكتاب من مكانة وقدر؛ من مثل الفتح بن خاقان، وابن عباد وغيرهما...
وقد قال الشاعر أبو الفياض الصابئ في مدح الصاحب بن عباد:
أقـال الله للأقـدار ســيري وفـي أقـلام اسماعيـل صيري( )
وهذا ابن الرومي يقول في مدح الكتابة والأقلام الكاتبة شعراً طيباً:
كذا قضى الله للأقلام مذ بُريت
إن السيوف لها مذ أرهفت خدم
وقد قيل قديماً: "قيدوا العلم بالكتابة"( ). وقال سقراط: "ما بنته الأقلام لم تطمع في دروسه الأيام"( ). فالعلم لا تثبت منفعته وتدوم إلا بالكتابة، إذ لا تطمع الأيام حينئذٍ في اندثاره وذهابه أدراج الرياح بفعل النسيان وآفات اللسان.
وكل هذه الأهمية للكتابة والكتّاب، وكل ذلك القدر الذي كان للكتّاب، نابع من أن هذه المهنة تحتاج إلى إمكانيات مضاعفة وذكاء فائق، لأن صاحب هذه المهنة يحتاج إلى التفكر بالمعاني، وإلى اكتمالها في قلبه، ومخيلته، ثم ليقدم بياناً ناصعاً واضحاً، من حروف وكلمات وجمل يخطها قلم ثابت الجنان، عالي البيان، ملتزم بالعقل والقلب والجوارح ملتصقة جميعها بقيم الرب الديان، الذي أراد لهذا الإنسان الهدى والصلاح في هذه الدنيـا، والفـوز والفلاح: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭼ( ). وانظر أخي القارئ إلى ما تركه سيد قطب الكاتب الفذ من أثر عظيم في الأجيال، وكذلك تنبه إلى ما تركته كتابات الشيخ محمد الغزالي وما أنتجه الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي من تأثير وتعديل سلوك الناس وأفكارهم، وليس هؤلاء الذين ذكرنا إلا أمثلة عن الكتّاب الذين امتد أثرهم وتأثيرهم، فكان الناس تبعاً لما نشروا من أفكار بأقلامهم التي سطرت الفكر والأدب.
صفحة 7
المبحث الثاني
الموهبة
1- نظرة في الواقع
افتح ناظريك، وأبحر معي في أسواق المدن العربية، لنتوقف عند المحلات التي تسمى مكتبات، وهناك أمعن النظر في صدورها المأزومة بشتى البضائع المصفوفة داخل كل غلافين، حاول أن تفتح الأغلفة، لتكتشف البضاعة الملقاة أحرفاً وكلمات وجملاً داخل تلك المجلدات، وسوف تجد بعد كدّ الذهن والعين، أن الأمور في كثير من الكتب تربض خلف الوهم، ولا تتعدى الثرثرة الشاحبة الألوان، الباهتة الطعم، هذا إن لم يكن الأمر أجلّ وأخطر؛ إذ تعودت العين في كثير من الوقت على إبصار ما فيه تشويه الحلم، ذلك الذي ذهب من خلاله بعض مدعي أرباب القلم هذه الأيام إلى إلقائنا على بوابات الفجيعة، فقد رمونا بسهام حروفهم وكلماتهم النابية، محاولين إبعادنا عن مرمى الإبصار الجمعي لهذه الأمة تاريخاً وحضارة وعقيدة.
وإنك إن حاولت فهم شيء مما يدور في ساحة الحروف العجماء، لعاجلك ألم الشعور بأن ذلك الغثاء كله ناتج من عدم الأخذ بالنطق الأعلى: ﭽ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﭝ ﭼ( ) ؛ إذ ارتاد كل من هبّ ودبّ ساحات الكتابة، مؤيداً ومدعوماً بأسلحة بعض الناشرين، من الذين أضاعوا الأمانة، وأسرعوا خلف التجارة، التي تغريها وتسيل لعابها، الأسماء المتداولة، بغض النظر عما تريقه أقلامهم فوق القراطيس من دماء الفكر والأدب البريئة.
صفحة 8
2- "خلق الإنسان علمه البيان"
وإذن فالكتابة فن يقوم أول ما يقوم بالموهبة، ويقتله ويأتي على الإبداع فيه الادعاء، ويجب أن يعلم صاحب الموهبة أنها مخلوقة فيه، وأنها من صنع الله الذي أحسن كل شيء خلقه ﭽ ﯖ ﯗ ﯘﭼ( )، فهو لا يدلّ ولا يضل ولا يتيه بتلك الموهبة، بل هو على العكس من ذلك يحاول التواضع مع بذل الوسع لتوظيف المنحة الربانية وتنميتها ورعايتها، لتكون في خدمة الاستخلاف الرباني للإنسان، المتمثل في العبودية لله واستعمار الأرض وتسهيل الحياة عليها وترقيتها، بحيث تستقيم على النهج القويم، الذي أرسل الله به جميع الأنبياء من لدن آدم عليه السلام وحتى رسولنا الكريم خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.
والبيان من أعظم الهبات الربانية للإنسان الموهوب، فهو إذا راعى فيه حق الله، ووظف موهبته في هذا الاتجاه، أنتج الخير العميم لهذا الإنسان، لذا كان من الضروري والواجب على كل مؤمن يُحسُّ أن لديه موهبة البيان، أن لا يتوانى عن السير في رَكْبِ صقلها وتنميتها ورقيها، ثم الخوض بها في سوق البيان، الذي ازدحمت فيه الأصوات الشاذة، والأقلام المشبوهة، والترجمات المغرضة، وكادت أن تطغى على البيان الأبيض الناصع ، الذي ساهم في تأخر خطواته كثير من المسلمين الملتزمين القائمين على نشر الكلمة وإذاعتها بين الناس، تأكل قلوبهم في ذلك منازعات التجارة والربح، ومناكفاتِ أن يخرج أي عمل كتابي حسب الهوى الذي يريده أولئك الشواذ. لا بل إن الحسد الحالق لكل خير قد يكون أحد آكلات القلوب والمواهب.. بينما نرى أن ما يجري على الضفة الأخرى من المشهد الثقافي يتم بصورة عكسية تماماً؛ إذ تشجع أية موهبة، وتُقدم، وتُشهر، ويُعلى مقامها، لمجرد أنها تصب في اتجاه مضاد لمنهج البيان الرباني المنجي، كما أنه يفسح في المجال لمنظومات الرأي وكلمات البيان، الذي يريد تفجير اللغة وتشكيلها من جديد، بحيث يضيع كل البناء الثقافي المذخور في حروفها منذ خمسة عشر قرناً وحتى اليوم، كما رأينا ارتفاع قامات ما كانت لتظهر – ثم لترتفع-، لولا أنها وجدت نفسها محاطة بناشرين يذيعون كل كلمة تافهة تقولها، وكل صيحة شر تنطلق من بين شفاهها، ثم تزف كل تلك الخبالات بأنواع متنوعة من الزخرفة والدراسات، والقول وإعادة القول، والرد وإعادة الرد، حتى يصل الردح والتكرار إلى أبعد نقطة وآخر فرد في بوادي العرب ومدنهم وأريافهم.
صفحة 9
3- بماذا تتجلى الموهبة وتُعرف؟:
وعودة إلى موضوع الموهبة لنقول: إن الكتابة عملية إبداعية، إذ إنها تقوم على تشكيل الصور، وتوصيل المفاهيم والآداب والعلوم، والفكر القويم إلى الناس، بواسطة اللغة وأبجديات اللغة، فهي بهذا عملية تكوين وتشكيل، منطلقة من قلب المنحة الربانية "الموهبة"، المحاطة بهالة من التوفيق الرباني إن استعملت في السبيل القويم، لذلك فإن العناصر التي تكوّن وتطلق الموهبة، أو بمعنى آخر التي يتعرف الشخص بها إلى وجود لها عنده، وأنه قادر على عملية الكتابة، وإيصال الأفكار، والصور والمفاهيم إلى الناس بواسطة الحروف والكلمات والجمل، أقول: إن هذه العناصر تتمثل فيما يلي:
أ- الذكاء الجيد: إذ إن عملية التشكيل تحتاج إلى فكر تحليلي وتركيبي، ثم إلى قدرة على مزج المفارقات، ووصل الجملة بالأخرى، حتى تصل إلى تكوين فكرة عامة يراد إيصالها إلى الناس.. وهذا لا يتسنى إلا إذا توفر الذكاء الجيد، فإذا لمس الفرد في نفسه القدرة على طرح الأفكار وإمكانية انتقاء الصالح منها، والقدرة على التعبير عما جاء فيها شفهياً، ثم لاحظ قدرته على التأثير في الآخرين واستحسانهم لما يقول، فليعلم أن ذكاءه الكتابي خامة قابلة للانطلاق في سوق الإبداع الكتابي، فليتوكل على الله، وليبدأ السير في المهمة بالخطوة الأولى، طالباً العون والتوفيق من الله: "وما بكم من نعمة فمن الله"( ).
ب- الخيال المتوازن: فعملية الكتابة (والأدبية منها بصورة خاصة)، تحتاج إلى تكوين الأشياء والأفكار في مخيلته، قبل أن يسطرها بقلمه على القرطاس، ومن الطبيعي لدى الهداة أن يلتزم هذا الخيال بالهدي الرباني، فلا يكون شططاً، يركض خلف الأحلام المريضة، أو الأحلام الجامحة مستحيلة التحقق، وعندئذ يكون الإخفاق في الوصول إلى الخيال المتزن سبباً في اليأس أو التشاؤم أو الاكتئاب، وكل ذلك معادٍ للفطرة الربانية، التي أباحت للإنسان أن يتخيل وينشئ الحلم المتوازن، الذي يخدم خلافته عن الله في الأرض. ولقد كانت أحلام كثير من أدباء الغرب الأوروبي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، متجهة إلى دواخلهم، ومسافرة إلى بواطنهم، التي انطوت على عجز بعيد الغور عن التواؤم مع مجتمعاتهم، التي هزتها النقلة الرأسمالية الإنتاجية، فراحوا يحلمون بمجتمعات خيالية، أنتجتها دواخلهم غير السوية، السارحة في رؤى فوضوية من كل الأنواع، لذا فقد جاءت نصوصهم التي أنتجوها انطلاقاً من هذه الخيالات، مغرقة في التخبط، والجنون والخبال( ).
صفحة 10
ولكن كيف يتسنى للناشئ أن يكتشف وجود مثل هذا الخيال ضمن ملكاته التي وهبه الله إياها..".
وللإجابة على السؤال نقول: إن من السهل على الإنسان المثقف أن يطرح الأسئلة الآتية على نفسه:
1- هل يتقن الربط بين الفكرة والفكرة؟
2- هل يكثر من السؤال عما حوله، وما يسمع من أقوال وما يرى من أعمال؟
3- هل يحب الاختلاء بنفسه لحظات التأمل؟
4- هل يتقن التنبؤ بالنتائج النابعة عن تحليل محكم؟
5- هل يستوعب آفاق الآخرين..؟
6- هل لديه القدرة على استعمال أساليب جديدة في التعبير؟
7- هل يكتب كل ملاحظاته؟
هذه بعض أسئلة مقترحة من الممكن أن يلقيها المرء على نفسه، فإذا وجد أن أكثرية الإجابات إيجابية، فقد تحقق فيه عنصر الخيال المناسب، وهذا يؤهله لركوب الطريق من بدايته، بعد طلب التوفيق من الله، ثم الجد والدأب والرعاية والممارسة، فكل ذلك كفيل بوصوله إلى النتائج المرجوة، ليكون كاتباً باتجاه رباني رشيد.
ج- الهمة العالية والثقة بالنفس: ليعلم المؤمن المتجه إلى امتلاك ناصية الكتابة أنه في ساحات مصارعة، السبق فيها لمن يمتلك الأدوات التي أهمها علو الهمة وسمو الهدف، والثقة العالية بالنفس بعد التوكل على الله، وطلب التوفيق منه