eKtab
EN ع
لا إكراه في الثورة
اقرأ عينة مجانية

لا إكراه في الثورة

بقلم عمرو منير دهب

صفحة 1

إلى الحق والحقيقة..

اللذين يقعان عند نقطة أكيدة.. في اللانهاية.

عمرو

صفحة 2

على من يُفترض أن نثور؟

يبدأ هذا الكتاب مع بواكير العام 2010 بأحاديث عن الانتخابات السودانية لا تخوض في تفاصيلها سياسياً عدا أنها تعرض للديمقراطية من حيث مبدأ الفكرة في بلد كالسودان.. وضمناً في محيطه الإقليمي.

ثم لا تلبث الأحاديث أن تعرِّج على ما راج على أنه "الربيع العربـي" لا لتخوض في تفاصيل سياسية أبعد من أن تعرض للثورة من حيث مبدأ الفكرة في البلاد العربية.. وضمناً في محيطها الإقليمي.

من غايات هذا الكتاب أن ينـزع القداسة عن أي حدث من فعل البشر، ومن قبل عن البشر أنفسهم أيّاً ما كان موقعهم من الفعل الثوري أو أي فعل آخر في الوجود.

وليس من غايات الكتاب أن يتقدّم خطوة في الدفاع عن أنظمة متسلطة تجلس على سدّة الحكم رغماً عن الشعوب التي تحكمها، حتى إذا لم تجنح الأحاديث التالية إلى وصف تلك الأنظمة بالشيطنة وتجرّأت على أن تنـزع عن الثوّار صفة الملائكية.

إذا لم يكن موعد أية ثورة معلوماً بدقة أو على وجه التقريب، وكان نجاحها في الإطاحة بالنظام الذي ثارت عليه مسألة يصعب التكهن بها تماماً، فالغاية الأبعد لهذا الكتاب هي تأكيد أن الواجب قبل نية الشروع في ثورة على نظام متسلِّط التأكُّد من استئصال الدكتاتور الكبير الذي يقبع داخل كلٍّ منا ويبارك تسلُّطه في بيته على عياله وحيثما سمح له منصب أو مقام.

ذلك هو المهم قبل أية ثورة، أو قل هو الخطوة الأولى لأية ثورة يؤمِّل المتحمسون لها الإطاحة بنظام يعرفون ماذا يفعلون من بعده.

عمرو

صفحة 3
مرحى لشعب كل حكومة
 
ذلك الذي مارسه عقلي على قلبـي غداة رحيل نميري يدخل في صميم عمل القائمين على محاكم التفتيش الشهيرة في التاريخ الأوربـي، فقد ظلت الأفكار المتسلطة على عقلي تفتش في قلبـي عن بعض مشاعر الحسرة وتحصي على رئتيّ ما عساها أن تكون أنفاس التعبير عن إحساس بالفقد تجاه مَن حكم البلاد والعباد ردحاً من الزمان.
 
"تشكيل وجدان الناس" تعبير شائع في حق المبدعين من الكُتاب والفنانين على اختلاف أشكال إبداعهم وألوانها، والذي أطلق التعبير الكُتابُ والفنانون أنفسهم ورضي به الناس من بعدهم وأشاعوه حبّاً وكرامة لمعشر المبدعين.
 
الأخطر من تشكيل وجدان الناس هو تشكيل حياتهم ذاتها، والوجدان ليس سوى الجزء الأكثر رهافة من الحياة. لا أحب أن أجرّ إلى هذا الحديث المغالطة المكرورة عن أسبقية الشاعر- كمثال للمبدع- على الحاكم في التأثير، فالأغلب أن تلك مغالطة مرتعُها الوحيد الأمة العربية وما على شاكلتها من الأمم الغنائية كشعرها. لكن اللافت أن المغالطة ليست محسومة النتائج حتى في شأن الأمة العربية نفسها كما يحب أن يروّج لها مناصرو الإبداع- ظالماً ومظلوماً- من العرب. فالأمثلة التي تُساق منتقاة بتحيُّز وهي لا تكاد تخرج عن حالتين تحديداً، الأولى لشاعر العرب الأشهر المتنبـي وقصته مع سيف الدولة والثانية لشاعر العرب الأول امرئ القيس وسيرته مع جدوده الملوك مطموسي الأثر والشهرة في تاريخ الجاهلية. والمثالان كما هو ظاهر يغضّا طرف الحقيقة عن السيرة المجيدة لخلفاء وأمراء وملوك عرب لم يعوزهم المجد إلى شاعر يدوّن فتوحاتهم وبطولاتهم.. ابتداءً بالخلفاء الراشدين ومروراً بالراشد وغير الراشد من خلفاء الأمويين والعباسيين والأندلسيين وانتهاءً بالمماليك والفاطميين والعثمانيين الذي تخطّاهم العرق العربـي الخالص ولم تتجاوزهم الأصول الشرقية الإسلامية الصرفة التي تصدر في أفعالها وأحكامها عن ذات الطبائع والتقاليد، فضلاً عن أنهم حكموا شعوباً عربية خالصة- أو شبه خالصة- في عقر ديارها وتقاليدها.
صفحة 4

الأمثلة على ماسبق من سيرة الحُكّام الذين علوا على شعرائهم صيتاً كثيرة بحيث تنوء بالعُصبة أولي الذاكرة القوية من كُتاب السِيَر والمؤرخين.. تلك حقيقة فيما نـزعم، وحقيقة أيضاً أن الشعراء والمبدعين عموماً يصوغون وجدان الناس، فإذا طرحنا جانباً بصورة مؤقتة الجدالَ حول أيّهما أبعد تأثيراً لنبحث في أحقية كِلْتا الطائفتين بالاحتفاء عنّت لنا مشكلة أكثر تعقيداً فيما يخصّ طائفة الحُكام والساسة على وجه العموم.

ففي حين يكفي للاحتفال بمبدع أن يكون قد بلغ غاية جديدة في الفن استطاعت أن تفتح مدارك جديدة- أيّاً ما كانت- لتشكيل وجدان الناس، فإن الغايات الجديدة للحُكّام هي دوماً موضع تساؤل بحيث تخضع ليس فقط للتمحيص والتدقيق بل لما هو على شاكلة محاكم التفتيش في النوايا التي تصدر عنها الأفعال عوضاً عن محاكمة الأفعال ذاتها.

مآثر عصر نميري على البلاد غير قليلة، وغير قليلة أيضاً المآسي التي حدثت في عهده، لكن فقهنا في محاكمة حُكّامنا ثم التهليل لهم أو صبّ اللعنات عليهم تبعاً لذلك بحاجة إلى مراجعة دقيقة. والذي حملني على الوقوف على المسألة أن نفراً من الذين حملوا على نميري وعهده قبل رحيله ومن بعده أخذوا عليه ما تباين من المآخذ بين الإسراف في سفك الدماء وتدهور مستوى الأداء الاقتصادي وبداية التدقيق في تعريب نظام التعليم.. تمثيلاً لا حصراً، وكان أكبر ما جذب انتباهي أن كثيراً من أولئك الناحين باللائمة على نميري وعهده هم من المحتفين- في مقامات أخرى- بزعماء كالمصري جمال عبد الناصر وعهده على سبيل المثال، ولم يكن الأخير- كما لا يُغالط مُنصف- أقلّ سفكاً للدماء ولا انهياراً بالاقتصاد (حين يُعنى الأمر بشحّ السلع وطوابير الجمعيات التعاونية الطويلة) ولا تعريباً للعلوم من نميري، ولكن الخلاف فيما يبدو هو أصلاً حول طُهر الدماء التي أريقت أو نجاستها.. وحول تطبيق أية نظرية اقتصادية يتمّ الاتفاق على خطوطها العريضة، ومن قبلُ حول طهارة الأيدي التي تطبّق النظرية أو نجاستها، والخلاف كما نرى يتجاوز إلى ذلك مسألة جوهرية هي العلم مجرّداً كقيمة لينصرف منشغلاً باللغة والطريقة اللتين يجب أن يُدرّس بهما.

صفحة 5

ليست مشكلة أن يَصبّ نفرٌ كؤوس حنقهم على نميري وعصره، ولا أن يفعل آخرون الشيء ذاته مع جمال عبد الناصر وحقبته، لكن مشكلة ما تكمن بالضرورة حين تنقسم ضمائر على ذواتها لتهاجم صنيعاً ثم تعود فتمدحه لمجرّد اختلاف الفاعل والصنيعُ هو ذاته لم يتغيّر في الحالين.

إذا كان نميري دكتاتوراً فإن كاريزما عبد الناصر وقبوله على المستوى القومي لا ينفيان عنه صفة الديكتاتورية كما تعرِّفها القواميس السياسية، لكن الأخطر من نميري وعبد الناصر هو ممارسة ديمقراطية على أي صعيد مما تحفل به حياتنا العالمثالثية تُخجل صنائعها القواميس السياسية حين تأتي على تعريف الديمقراطية. ألا تستحق ديمقراطياتنا على مختلف أشكالها ما استحقته أنظمة نميري وناصر وما على شاكلتهما حين يتعلّق الأمر بانهيار الاقتصاد وتدنِّي الاهتمام بالعلوم (دع عنك لغتها) وسفك الدماء.. وإن مجازاً؟.

ألا يستحق من نناصبهم العداء غرباً احتراماً من نوع خاص لأنهم "شعب كلّ حكومة" على طريقتهم الخاصة؟، ما الذي يُضير رجل الشارع الغربـي (وامرأته) حين تتقلّب الحكومة بين يدي حزب وآخر والمفاهيمُ التي بُني عليها الحُكم هي ذاتها؟، الإجابة التي لا جديد فيها هي: لا شئ. ألا يزال مستعصياً علينا أن نعمل في ظل أية حكومة وقد أرهقَنا مليّاً العملُ في لهيب إسقاط ما نعارض من أنظمة الحكم ولم يسلم أيٌّ منها- حتى الديمقراطي كما رأينا- من شكل أو آخر من أشكال المعارضة من النوع الذي يغري بالإطاحة؟.

إذا كانت إجابة السؤال الأخير لدينا لاتزال: بلى، فلا أقلّ من أن تلهج ألسنتنا بالدعاء أن يعجّل الله زماناً ننعم فيه بصفة "شعب كل حكومة" على المنوال الغربـي أو أقرب الأشكال إليه، فلا يعود الترحُّم على رؤسائنا السابقين جناية تترصّدها عقولنا الحكيمة لقلوبنا الوالهة.

صفحة 6

هل الديمقراطية مقدّسة؟

بطرح السؤال أعلاه في هذا التوقيت نتلافى على الأقل تهمة ممالأة الأنظمة الشمولية، فلا أحد الآن لم يجرفه الحماس للديمقراطية أو على الأقل للتجربة الانتخابية التي تستعر بشدة هذه الأيام، ولكن التُهَم الواردة من ناحية أخرى ليست أقل خطراً، ابتداءً من تهمة التغريد خارج السرب وانتهاءً بالتهمة ذاتها وقد تحوّر مضمونها وصياغتها لتصبح: "الردّة عن الثوابت السامية في السياسة وحكم الشعوب".

من المهم التأكيد على مسألتين في البداية، أولاهما أنه لا قانون أو مبدأ مقدساً عندما يتعلّق الأمر بالسياسة بحيث تمنح تلك القداسة ذلك المبدأ حصانة البقاء بمعزل عن التغيير أو التحوير أو التعليق مهما بدا المبدأ سامياً إلا إذا كان فكرةً مجردة كالحق والعدالة والخير. المسألة الثانية أنه لا خلاف حول أفضلية الديمقراطية- بوصفها حكم الشعب- على غيرها من الأنظمة، ولكن تلك الأفضلية ليست مطلقة، وسيرة التجارب السياسية في العالم العربـي- مثلاً- تدين الأنظمة الشمولية والأنظمة غير الديمقراطية إجمالاً من حيث أنها لم تفوض أمر الشعب إلى نفسه، لكن تلك التجارب أكثر إدانة للأنظمة الديمقراطية بالنظر إلى ما حققته الأخيرة على صعيد التنمية والاستقرار السياسي بكل تبعاته، بل إن التجارب الديمقراطية عندما تتحقق عربياً في بعض مناحي الحياة في هذه الدولة أو تلك- بإنشاء تجربة برلمانية حرة مثلاً- لا تشرع في إنشاء قاعدة لصرح ديمقراطي يُحتذى في بقية مناحي الحياة، فالأغلب أن ذلك النموذج الديمقراطي يهدم نفسه بنفسه، وقد يبقى البرلمان- مثلاً- والعملية الديمقراطية من حوله مستمرة شكلاً وليس من ثمارها سوى المعارك والصياح.

صفحة 7

ثمة خلل جذري في بنية التجارب الديمقراطية محلياً وعربياً ابتداءً من الديمقراطية نظاماً للحكم وانتهاء بالطريقة التي نقفز بها على تراث الأجداد في التنشئة ونحن نحاول أن نكون ديمقراطيين مع أبنائنا امتثالاً لتعاليم أصول التربية الحديثة. ما الحل إذن؟، لا شك أن مقولة: "علاج الديمقراطية يكون بالمزيد من الديمقراطية" تنطوى على خطأ فادح إذا أُطلِقت على عواهنها، فهي تعادل- على إطلاقها- قولاً من هذا القبيل: "علاج الخطأ يكون بمزيد من الخطأ" إذا كان أساس التجربة الديمقراطية غير سليم، فكأننا والحال كتلك شرعنا في وضع أساس لناطحة سحاب وعندما تبيّن لنا هندسياً أن الأساس غير سليم أخذتنا العزة بالعلوّ فصعدنا بالبناء وجعلنا نضع الطابق على كاهل الطابق حتى انهار البناء، وكان الأولى بطبيعة الحال أن نتريث ونعالج مشكلة الأساس، أو نعْدِل عن فكرة ناطحة السحاب مرحلياً ونبقى حيث نحن فيما تعودنا أن نشيده ونقيم فيه من أبنية متواضعة فلا نعلو بطابق إلا إذا عرفنا كيف ننـزل في أساسنا بما يعين على أعباء ذلك الطابق مستقبلاً.

لا يعني ما تقدّم أن الصواب في مواجهة كل ديمقراطية تصر على محاكاة مثال ناطحة سحاب تقوم على أساس بيت من الطين هو الانقضاض على تلك الديمقراطية بالثورة (أو الانقلاب.. سمِّه ما شئت). جدير بالنظر أن تلك الثورة متى حدثت- ولم يكن في وسع مراقب منعها على أية حال- قد لا تكون الصواب الذي يحل محل الخطأ الديمقراطي، ولكن ليس في بواعث التفكير الراشد المتحرر ما يمنع أن تكون تلك الثورة بمثابة العلاج المؤقت الذي يوقف النـزيف ويسكن الألم، وعليه فليس من الردة السياسية بحال السكوت عن تلك الثورة إلى حين، حتى إذا ما قدّمت الثورة نفسها لاحقاً على أنها العلاج المستدام وشرعت في تبرير أخطائها تكون قد وقعت في مغالطة مشابهة لتلك التي وقع فيها أنصار الديمقراطية من قبلُ تلخِّصها المقولة الافتراضية التالية: "علاج الأوتوقراطية أو الشمولية يكون بالمزيد منها".

من العبث أن نظن أن بإمكاننا أن ننقلب إلى أمة ديمقراطية- بالمعنى الأصيل وليس الشكلي للكلمة- بين عشية قفل صناديق الاقتراع وضحى الإعلان عن نتائج الانتخابات وقد فشلنا في أن نرسخ أياً من القيم الديمقراطية لثلاث تجارب مشهودة في تاريخنا القريب جداً. وإذ لا مناص من الحلم بتجربة ديمقراطية سديدة ولا غضاضة من السعي إلى- بل ما أشرف- تحقيق ذلك الحلم بشتى السبل المشروعة، فإن السؤال الجدير بأن يُلقى هو: "ما الجديد الذي فعلناه لكي تنجو ديمقراطيتنا القادمة من أخطاء سابقاتها؟".

صفحة 8

السؤال السابق يلح عليّ بشدة عندما أعود إلى كتاب "الشخصية السودانية في عيون صفوتها" فأقرأ للسيد الصادق المهدي- وهو رجل جليل لا تملك مهما خالفته فكرياً أن لا تقع في أسر دماثة أخلاقه وفيض حضوره- قولَه: "الحديث عن المسؤولية فيما حدث في السودان يرتبط بمشاكل يمكن أن أعزوها إلى عوامل محددة جداً، العامل الأول يمكن أن يُنسب إلى تقصير الأحزاب السياسية لأننا جلبنا نظام حكم ديمقراطياً ليبرالياً نشأ في بيئة مختلفة، وكان هذا النظام بحاجة إلى توطين وأقلمة، أقلمة ثقافية وأقلمة اجتماعية، ولم يحدث هذا بل افترضنا أن هذا الوضع من تلقاء نفسه سوف يقوم وينجح دون الحاجة إلى اجتهاد، كان ذلك مؤكداً تقصيراً وكان- في رأيي- واحداً من أسباب ضعف الممارسة الديمقراطية..".

الكلام أعلاه يكتسب أهمية قصوى كونه يصدر عن رجل من أهم رموز الديمقراطية في بلادنا إن لم يكن أهم تلك الرموز حالياً على الإطلاق، غير أن السيد الصادق المهدي يواصل الاحتفاء في السياق ذاته بالديمقراطية كمنهج لا مناص منه، وليس في ذلك غرابة بطبيعة الحال. من المهم أن نتساءل: "كم من المتحمسين للأنظمة الديمقراطية التي توالت على الحكم عندنا- سواء من المنتسبين إلى تلك الأنظمة ممارسة وتنظيراً أو من غلاة المؤيدين للديمقراطية إجمالاً- وقف تلك الوقفة المفصلية فراجع مضمون تجاربنا الديمقراطية مراجعة جوهرية بما يفضي إلى التفكير في إعادة تدوير التجارب الفاشلة بغية إنتاج نظرية جديدة للديمقراطية تغاير تماماً النموذجَ الغربـي المتهافَت عليه إلى حد القداسة؟. أليس قصارى مكاشفاتنا مع الديمقراطية أن نعيب ممارسة هذا الحزب أو ذلك السياسي دون أن نجرؤ على التصريح بأن الخلل قابع في الشكل المستورد أو ربما في التعجّل باتخاذ النهج الديمقراطي أياً ما كان شكله دفعة واحدة؟.

بالنظر إلى الغرب الذي رزح قروناً تحت كل نير سلطوي قبل أن يهنأ بديمقراطيته مؤخراً، فإن السؤال المهم هو: "كم من الوقت يلزمنا لكي تنشأ في كنفنا ديمقراطية أصيلة على نحو ما ينعم به الغرب الآن؟، سنوات.. عقود.. أم قرون؟"، السؤال الأهم على الإطلاق في السياق ذاته هو: "هل بدأنا أية خطوة جادة على الطريق الصحيح- مهما طال- نحو الديمقراطية أم أننا لا نـزال نتخبط بحيث يبدو منحنى أدائنا نحو الغاية النبيلة للحكم الأمثل على رسم بياني مفترَض منحدراً وليس صاعداً؟". هذان سؤالان تتقاسم تهمة التهرّب من الإجابة عليهما الأنظمة الديمقراطية والأنظمة غير الديمقراطية ومنظرو الطائفتين على حد سواء، وليس من قبيل الخطابة التقريرية أن نجزم بأن الرؤية السليمة فيما يتعلق بالنظام الأمثل للحكم- أياً ما كان اسمه- تبدأ بمكاشفة مع الذات بإزاء أسئلة من ذلك القبيل.

صفحة 9

حيرة ناخب

كنت سأكون أكثر ابتهاجاً وأقل حيرة لو أن الاقتراع المقبل كان تصويتاً لتبني شكل مبتدع للديمقراطية بمواصفات محلية صرفة لا تخشى أن تنظر إلى البواعث القبلية والعشائرية والطائفية والدينية والنفسية في المجتمع السوداني بعين الاعتبار وتعكس تلك المؤثرات على أدق تفاصيل الأشكال الديمقراطية المقترحة، أو لو أن الاقتراع كان استفتاء على تغييرات تفصيلية في الدستور تتخذ من ذات البواعث محوراً وتضمن بعد الاستفتاء إجماعاً لا يعود بنا إلى الوراء للنظر في مواد الدستور- مع كل معضلة سياسية أو هوى شخصي- بعين الريبة أو للتساؤل عن جدوى الديمقراطية المستوردة بما يلقي ظلالاً من الشك عن جدوى حكم الشعب الذي طالما حلم بالديمقراطية وأخفق في أن يفيد منها وهي تنبسط بين يديه. الحلم بتغيير يقلبنا عاجلاً إلى مجتمع ديمقراطي على الطراز الغربـي- أو صورة قريبة من ذلك الطراز- مسألة مشروعة نظرياً لكنها أقرب إلى المستحيل عملياً بالنظر إلى تجاربنا السابقة المتفردة في هذا الشأن، وليس تأسيساً على أي اعتبارات تنظيرية مجردة.

الشكل الديمقراطي الغربـي هو أحد أسمى أشكال الحكم التي عرفتها البشرية من حيث أنه يهب الشعب سلطة أن يحكم نفسه رجوعاً إلى ما تواضع عليه من قيم، وخطورة استيراد ذلك الشكل من الديمقراطية حرفياً- أو بتعديلات طفيفة- أنه يفرض علينا كشعب سلطة أن نحكم أنفسنا تأسيساً على ما تواضعت عليه شعوب أخرى من قيم. من المهم أن نؤكد ضرورة أن لا نحكم على قيم الآخرين حكماً مجرداً بالقبح أو الحسن، فليس مهماً في هذا المقام أكثر من أن تلك قيمٌ أخرى لا يجب أن نخضع لتبعاتها وتجلياتها، وقد تكون تلك القيم- إذا جاز أن يجرؤ أحد على التبرع بالأحكام المطلقة- متقدمة لو أن المعنِي بالتقدم هو تجاوُز الفكرة القديمة إلى مغامرة فكرية وأخلاقية جديدة، أو كان التقدم إجمالاً مرادفاً للتحرّر بغض النظر عن الموقف الأخلاقي من التحرر لدى هذا المجتمع أو ذاك.

صفحة 10

بالتعبير الشائع نحن نضع العربة أمام الحصان عندما نرتضي الشكل الديمقراطي الغربـي جملة ونحن نصرّ على أن لا نتنازل عن التزامنا بأعرافنا وانتماءاتنا وقيمنا الأخلاقية والاجتماعية. نحن نضع العربة أمام الحصان إذا كانت الغاية التي ربما لا يجرؤ البعض على الإفصاح عنها هي تغيير تلك الأعراف والأخلاق والانتماءات والقيم- كلياً أو جزئياً- بتغيير منهج الحكم الذي يسيِّر كل شيء في شؤون البلاد والناس. وإذا كان لكمال أتاتورك من فضيلة لا خلاف عليها فهي شجاعته لكونه لم يخاتل في شأن موقفه من العلمانية بأقصى ما تحمله من تبعات على أقدس قيم المجتمع وسلوكه، تلك حقيقة اتفقنا مع الرجل في موقفه أو خالفناه، لذا فإن تجربة تركيا الحديثة مع الديمقراطية هي لا ريب مثال يحتذى في كيفية وضع الحصان أمام العربة عندما يتعلق الأمر بانقلاب هو في الأصل أخلاقي قِيَمي وليس هيكلياً يرتبط بشكل الحكم فحسب، مجدداً مهما يكن موقفنا الفكري والأخلاقي من ذلك الانقلاب.

لا يبدو أن مِن بين منظرينا أو قادتنا مَن تحلّى بشجاعة أتاتورك سواء ممن يوافقونه الرأي في موقفه من العلمانية المطلقة أو أولئك الذين يقفون على الطرف المقابل فكرياً، فالأوائل لم يشرحوا بالعلمانية صدراً خشية تبعات التركة الثقيلة للموروث الأخلاقي والديني للمجتمع، والمؤثِّرون من الطائفة الأخيرة لم يجرؤوا على رفض الديمقراطية الغربية جملةً وذلك للسحر الذي تبعثه الديمقراطية ككلمة- في نفوس العامة والخاصة من المجتمع على حدٍ سواء- بوصفها مرادفاً للحرية. نتجاوز في هذا الصعيد عن الجنوب الذي أتاحت منظومة قيمه الخاصة أن تتشكل خياراته السياسية- بسائر مؤثراتها الحديثة والموغلة في القدم- بما من شأنه أن يمنح منظريه وقادته شجاعة أتاتورك هِبةً باردة ليس في السبق إليها والحال كتلك ما يدعو إلى التمجيد أو الاحتفاء.

على أن إعلان العلمانية مبدأً للحكم لا يكفي وحده سنداً يسوّغ تبنِّي الديمقراطية بشكلها الليبرالي الغربـي دفعة واحدة في دولة كالسودان تحيط بها القبلية والطائفية من كل صوب وتسيطر على مجتمعها نفسية غيبية بما يكاد يُخرج ذلك المجتمع من دائرة المجتمعات المدنية الحديثة في تصنيف يعنى بتقييم المدنية روحاً (وشكلاً؟). ذلك أنه لا سبيل إلى مقارنة سودان العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بتركيا العقود الأولى من القرن العشرين بكل أسف من حيث تغلغل المدنية في شرايين الناس وهياكل البلاد، فكل ما كان ينقص تركيا حينها هو التجاسر على المجاهرة بتبني العلمانية مبدأً للانطلاق نحو ديمقراطية ليبرالية غربية كأساس للحكم وهو ما فعله كمال أتاتورك. ما ينقصنا إذا كان يراودنا النموذج الديمقراطي الغربـي ليس أتاتورك سوداني بل معجزة قادرة على أن تطيح بالقبلية والطائفية- ونتجاوز عن النفسية الاجتماعية المولعة بالغيب- بضربة سريعة قاضية، وذلك ليس معقولاً بحال.