eKtab
EN ع
لعبة البوح
اقرأ عينة مجانية

لعبة البوح

بقلم بول كونستان

صفحة 1
الربيع رائع في كنساس، فالصباح الباكر يكون حينها لامعًا، متلألئًا، لاسع البرودة· والسماء الصافية طافحة بالسحب الوردية التي أثقلتها الريح ببرقشات ذهبية، وبغبار أخضر يتحول إلى أزرق بعد تداعيه، وبلقاح الطلع المتشظي، المبعثر بالضوء· كل هذا يعيد لك سعادة طفولية، ويجعل قلبك يطير فرحًا·
 
كانت أورور تقول، من خلف النافذة المغلقة لغرفتها، إنه كالصحراء في توهج الفجر، كغابات السافانا المتبخرة بعد المطر، فكل شيء يلمع، يتألق، كل شيء يحترق ، ويستنفد·
 
كانت تقول: عجبًا، إنها أفريقيا مع إننا في أمريكا! وكانت ترتعش جذلاً·
 
كان قلب أمريكا ينبض من خلف البيت الخشبي، وسط رقعة العشب، من شجرة لم تعد تذكر اسمها، تنوء تحت كومة من زهور الروز، وترتعد عندما يخطف سنجاب ضخم من جنبها·
 
اخترق السماء السميكة جناح أرجواني، وحط طير أحمر قان على قمة الشجرة، فانفجر الفرح في قلب أورور، بوضوح وبدقة وبشمول، كان سبق وأن أحست به من زمن طويل جدًا، عندما كانت طفلة صغيرة·
 
كانت تكرر: أمريكا، أمريكا، كما لو كانت عباراتها نشيدًا يفصح عن أملها بحياة جديدة، وهي تنظر إلى الشجرة التي لم تكن قد تذكرت اسمها بعد، وإلى السنجاب الذي كان يركض على الأغصان، وإلى الطير الكبير الذي كان يؤرجح ذيله الأحمر الطويل في الهواء·
 
كان من المحال عليها أن تفتح النافذة المحجوزة بطبقتين من الزجاج، والتي كان يحكمها نظام ألكتروني، والذي كان يحكم أيضًا جهاز التكييف، وماكينة إعداد القهوة، وماكينة الغسيل، وجهاز الحاسوب الخاص بغلوريا صاحبة المنزل· فكرت أورور بالنزول إلى الأسفل عبر باب المطبخ المصنوع من لوح خشبي بسيط، مبطن بشبكة حديدية لصد الناموس، إلا أن عقل الحاسوب كان يقفل هذه الباب أيضًا· ومن نافذة المطبخ كان يمكن رؤية الطرف الآخر من المرج، الواقع في الواجهة، وعلى الجانب الآخر من الطريق كان هنالك منزل مشابه له كالمرآة، ويستخدم كمصلى، وبجانبه شجرة يهوذا نفسها- ها هي تفطن لاسم الشجرة - تنوء تحت ثقل الأزهار العامرة·
 
السنجاب ينطّ على الأرض المعشبة، وطير الكاردينال حطّ لتوه على رأس الشجرة، فاهتزت موجة من الورود السكرى· لكل منزل من المنازل شجرة يهوذا، وطير كاردينال ثمل بالنسغ، والعطور، والعسل، لا يدري إن هو من السماء أم من الأرض، ينقر، ويغوص في الغيوم الوردية المكتنزة مثل أشجار الحدائق·
صفحة 2
رجعت أورور إلى غرفتها، غرفة الأطفال التي لم تكن تحظى بغيرها أينما حلت، فلم يعرض عليها يوما لا غرفة الضيوف، ولا كنبة الصالون، كلا، إنها غرفة الأطفال ولا سواها! لقد حكم عليها، ما إن تحل ضيفة على منزل ما، حتى تنام على تلك الأسرة الضيقة، والروائح الحية النائية التي كانت تترك على الفرش بقاياها المُلِحّة·
 
كانت تشمّ في سرير كريستال، ابنة غلوريا، رائحة كريهة، وكانت الغرفة بشعة، تتسم بالفوضى والهشاشة، كما لو أنها آوت سلسلة من الأعداء الذين أرادوا كل بدوره، بعثَ النفور في شاغل الغرفة السابق· وعلى ورق الجدران المطبوع بالورود الصغيرة، علقت أولاً شخصيات والت ديزني، ومن ثم جاءت موضة الخيول التي صورتها مطويات المجلات، ملصقة على الجدار المحيط بالسرير، وأخيرًا ، كان هنالك الأحدث، بوسترات بالأسود والأبيض لجيمس دين، ومارلين مونرو بالحجم الطبيعي· كان جيمس دين يظهر مقطبًا أعلى المكتب الخشبي الأبيض المرصع بمصورات صغيرة· وثمة So cute ! هذه العبارة التي تشتمل على الكثير من الأشياء العذبة، أو التي زالت عذوبتها بفعل حساسية مبتدئة وزائفة، إذ إنها كتبت على صور الأطفال، والحيوانات، وحاجيات تافهة من النايلون تتدلى أمام النافذة، وعلى صورة جيمس دين المخَدر حتى الموت·
 
إن وصف جيمس دين المبرطم في الصورة بـ so cute ! كان يدل على بداية اهتمام كريستال بالرجال، وعلامة من علامات مراهقتها العاطفية، أما صورة مارلين وهي تمسك تنورتها فوق فتحة التهوية فهي إشارة إلى أنها كانت المرأة المثال بالنسبة لها·
 
عند مراهقتها، كانت أورور هي أيضًا تهتم بالممثلة المعبودة لدى أبناء عصرها· فعندما كانت في البنسيون، جلبت إليها صاحباتها عددًا من مجلة باري ماتش، وعلى الغلاف صورة لولا دول وقلن لها: هذه أنت؟ هيا اعترفي، هذه أنت! ومن هذا الكلام فهمت في الحال، وبلا مقدمات، بأنها كانت جميلة جدًا، مع إن ذلك لم يخطر ببالها يومًا، إذ لم يسبق أن أوحت لها به ابتسامة، أو نظرة· قولي بأنها أنت···مع قليل من اللمسات! نعم، مع قليل من اللمسات شبيهة بما يضعها الخياط دو لامبرور على مجموعته الخاصة بالفتيات: ياقة مربعة، وثوب من الأورغندى البيضاء، وابتسامة لؤلؤية·
 
كان امتهان السينما من الأمور المنافية للحشمة في أوساط مجتمعها آنذاك· كان يمكن التغاضي عن الراقصات نظرًا لما يقمن به من جهود مضنية، وما يلتزمن به من أنظمة صارمة· وعن ممثلات المسرح الكلاسيكي اللواتي يحفظن النصوص الطويلة والصعبة· أما ممثلات السينما وعارضات الأزياء فلم يكن لديهن ما يفعلنه سوى إظهار أجسامهن، وكان الناس ينظرون لهؤلاء المغفلات المسكينات بكثير من الازدراء مما كان يضطرهن إلى تغيير أسمائهن بأخرى مستعارة·
صفحة 3
قالت أورور في نفسها: مثل الكُتّاب، مثلي أنا· فهي عندما نشرت روايتها الأولى، أبت عمتها ميمي أن تدعها تحتفظ باسم عائلتها· فناشدت أورور هذا وذاك من الناس، وحتى الغرباء تمامًا، ليجدوا لها اسمًا، فعرض عليها أحد الكتاب المرموقين اسم منزله في الريف، فرفضت العرض لأنه كان يعني قبولها لوصايته التامة عليها·
 
لذا قامت بتغيير كل شيء، إسمها الشخصي، واسم أسرتها، وأصولها، واختارت من صفحة الوفيات لأحد الأيام، اسمًا لامرأة معدمة، دفنت في المقبرة العامة، هو أورور آمير· لم يكن من الهين عليها التعود على هذا الاسم، وبالأخص الاسم الأول، وكانت تتردد قبل أن تجيب عندما ينادونها به، ولم تكن رؤيته مكتوبًاُ تعني لها شيئًا· كان يبدو لها زائفًا مثل تلك الأسماء التي يمنحها الروائيون إلى شخصياتهم بلا تمييز· لقد ظلمت نفسها، ورمت بها خارج الوجود، بسبب اسم ولقب لم تملكهما يومًا·
 
بقيت صاحباتها مصرات على فكرة إنها لولا دول- كانت لولا أولى الممثلات اللواتي لم يغيرن أسماءهن الحقيقية-وما لولا سوى اسم مستعار تحمله لتخفي به حياة أورور الخاصة التي لم تكن قد أصبحت بعد أورور، بل جوجو، اسم التصغير الذي كن ينادينها به· ولأن تنشئتهنّ كانت مفتقرة للرومانسية إلى حد كبير، فقد أصبحت هذه القصة تستهوي جميع بنات البنسيون، وتتغذى على الكثير مما يرد إليها من أخبار المجلات من خارج البنسيون·
 
ومن المؤكد أن صاحباتها القديمات اللواتي تقدمن في السن الآن، يفضلن أن يحكين لأولادهن بأنهن كن في صف واحد مع لولا دول، الممثلة الفضائحية الرائعة على القول بأنهن كن مع أورور آمير، الكاتبة التي لا يقرأنها إلا بشيء من الريبة·
 
كانت أورور تؤدي اللعبة بأمانة مما كان يشحنها بإثارة حقيقية· وكاد أن ينكشف أمرها يوم تجرأت وقدمت عرضًا تمثيليا في امتحان البكالوريا الشفهي، أمام جمهور البنسيون وبشهادته· فحينما مثلت أمام الممْتحِن، وكان شابًا ذا شعر طويل مسترسل، من المواظبين على قراءة كاييه دو سينماسألها إن لم تكن لولا دول حقًا، فنظرت في عينيه مباشرة، وابتسمت له تلك الابتسامة التي تقلدها جميع النساء اليوم، محددة بلون وردي لؤلؤي· وبعد قليل من التروي، لاحظ الشاب بأنها تبدو أصغر سنًا من الصور، ولكن الكل يعلم كيف يزيد الماكياج من سن المرأة، ومن ثم تساءل كيف يمكن أن يخلو لسان نرويجية مثلها من أي لكنة· وكان يفضل لو أنها كانت أكثر شقرةً، ولكن الشعر هو كالماكياج·
 
ثم خرج من المكان عاشقًا، متهيجًاُ، لأن المرء، كما تعلم، عندما يكون في حضرة لولا دول وهي ترتدي تنورة بليسه، لابد وأن يلحظ ما يضيف عليها ذلك من طراوة فتيات البانسيون···!
صفحة 4
عندما سألتها العمة ميمي ماذا تريد أن تصبح في المستقبل، لم تجرؤ على أن تبوح لها برغبتها في أن تصبح ممثلة سينما· لقد مهدت لها لولا دول، التي تكبرها بخمس أو ست سنوات، الطريق تقريبًا، وجسدت لها قدوة دائمية· فشهرة هذه الممثلة كانت تزداد انتشارًا، والجميع يشير إليها، بما فيهم العمة ميمي، التي كانت تحمد ربّها على أن الشبه بينهما- كانت هي الأخرى قد لاحظته- اقتصر على الشكل، وبأن ابنة أخيها لن تصمها بعار تلك الممثلة الفضائحية المشهورة·
 
عاشرت لولا مغني منوعات مشهورًا على شاشات التلفزيون الأسود والأبيض· كان يرقص المامبو، مترنحا، ببوقه المسدود، وسترته التي تشبه سترة الخدم، تاركًا المجنونة تقود سيارتها باستهتار حقيقي وتتورط بعمل الحوادث على كورنيش الأستيريل، لأنها كانت تسوق وقنينة الويسكي بيدها!
 
بقيت أورور تسير بحذر في ظل شخصية لولا، دون أن تحاول إبراز التشابه بينهما، وتكتفي بالإشارة إليه ولا تعرضه· كانت تعلم بأنها ليست لولا، وما هو إلا اسم مستعار ألفته بقوة إلى الحد الذي كان يمنعها من التعود على إسم أورور آمير، ولولا الشهرة الذائعة لتلك الممثلة لكانت وقعت كتاباتها باسم لولا دول: لولا دول، لولا دول، وكأنها عاشت فيها ومعها أكثر مما فعلت مع نفسها، كما لو أنها اخترعتها، أو أن لولا دول هي أول شخصية من شخصياتها·
 
كانت تنورة مارلين البيضاء تمتد على عرض باب الغرفة· لم تر أورور يومًا في مارلين امرأة فاتنة، وحتى عندما كانت في أوج شهرتها، تتذكر بأنها كانت تنظر إليها كامرأة مفرطة النضج، وبالية، وأقل جمالاً من جين سيبيرغ، وآنا كارينا، وجميع الممثلات الشابات من جيلها· كانت ترى أن قامتها القصيرة، وبطنها المدورة، وركبتيها المكتنزتين، وثدييها الكبيرين جعلوها تبدو أقل جاذبية بألف مرة من لولا دول يوم ظهورها في بلوزتها الزرقاء التي كشفت عن نهديها العاريين على مرأى من فرنسا جميعها·
 
مع ذلك كانت كريستال تفضل مارلين، التي لو كانت على قيد الحياة، لكانت في سن جدتها، على لولا التي كانت الفتيات الشابات يقلدن طريقة لبسها وتسريحة شعرها·
 
كانت كريستال على معرفة بلولا دول· فهذه السكيرة العجوز كانت تقدم عرضها الشهير كل عام في مؤتمر ميدلوي النسوي، بينما جمد الموت مارلين في شباب أزلي سريع الانكسار·
صفحة 5
في البدء، كانت غائبة تمامًا، ومن ثم أيقظت الآلام جسدها· ألم في الرقبة، خدر في الساقين، انتفاخ في البطن· بعد ذلك أمسك الغثيان بها من معدتها حتى فمها· وإن فتحت عينيها، جرها الدوار من شعرها وهزها حتى تبدأ بالصراخ· كانت تشعر بذراعي الحارس القويتين تطبق بها على الفراش، وتسمع الناس يتحدثون عنها بضمير الغائب ومن كل جانب· فثمة من ينعتها بالسيدة، وآخر يصفها بالكحولية، أو بالهذيانية، أو هي رقم كما في المشرحة· لم تسمع من ينطق باسمها أبدًا· يا إلهي، لكم كان لفظ اسمها محببًا عند أطباء النخبة الذين كانوا يطلقونه عليها، كما لو كان اسمًا لأعلى مرتبة تشغلها ممثلات المسرح الفرنسي· لقد كان هؤلاء الذين نستنجد بهم في الطوارئ ليلاً، مفتونين بفكرة إن مهنتهم، كانت في مستوى أسطورتها، وتراهم يسجلون بلا تردد، على وصفاتهم، لولا دول· مدام دول، هذا ما نادتها به الممرضة عندما فتحت لها باب الغرفة، حيث ستتلقى العلاج· كانت فتاة الصالة تكرر: لولا، لولا، لعجزها عن القيام بشيء آخر تخفف به من شدة معاناتها·
 
كان معلم الطاقة الذي رافقها في أفلامها الأخيرة، قد دربها على الصراخ كوسيلة للتخلص من عوارض الإدمان· فتبدأ أولاً في التأوه، لسحب الأوجاع المتكلسة في جميع أوتار جسدها، والتي يؤدي إهمالها إلى السرطان، وبعد أن تجمعها في عضلات الضفيرة الشمسية، تقوم بإطلاق صرخة هائلة لتخرجها دفعة واحدة، وبعدما تشعر بالخواء، وبزوال قوتها تصبح حينها مستعدة للتصوير مرة أخرى·
 
وأثناء الفترة التي كانت لا تزال تعاشر الرجال فيها، استيقظت يومًا بالقرب من عاشق ثري، وبعد نوبات من اللهاث، أطلقت صرختها الرهيبة· مما أصاب عاشقها بالهلع، وظنها ستموت· فقالت له بعد أن استرجعت أنفاسها: أنا أشعر بالخجل، بالخجل من أن تكون أنت وليس سواك· فنهض بقفزة واحدة، وتركها· وبينما كان ينتظر وصول المصعد، ويضغط على الزر كالمجنون، كانت هي لا تزال تعوي بأقصى طاقتها· وعلى الرغم من الأبواب والجدران، ظل يسمع صراخها الثاقب، مما دفع به إلى نزول طوابق البناية راكضًا· وفي الشارع، كانت زحمة السيارات في نيويورك، وضجيج حركتها، وصفارات البوليس، والإسعاف، كأصداء لصرختها التي هرب منها·
 
وأصبحت تصرخ في كل مناسبةٍ، تصرخ لأن القنينة التي لم تكن مغلقة جيدًا، انزلقت من بين أصابعها أمام الستارة الحديدية المقفلة لمحل بيع الخمور، أو لأن البائعة لم تجد لها قياس الستيان المناسب من اللون الذي اختارته، أو لأن الحلاق جرَ خصلة من شعرها· كانت تصرخ للاشيء، تصرخ لتسمع نفسها ليلاً، كما لو أن أحدهم فتح الضوء لها·
صفحة 6
وفي هذا المكان سوف تصرخ، وتصرخ كثيرًا· لم تكن ميدلوي تستهويها، وعند وصولها في المرة الأولى، إلى هذه القرية الصغيرة الضائعة وسط حقول القمح، بأبنيتها المتباعدة، وفضائها الموحش، ظنت بان منصات الملعب هي جبل، أو هي الجلجلة!
 
إن ميدلوي الواقعة بين لوس أنجلوس ونيويورك تمثل أرض حرام للثقافة، وهي التي تحدت وساهمت في انتشار الثقافة المضادة، ثقافة السخرية، والفكر القروي·
 
وفي هذه القرية، صور مخرج من أصحاب الابتكارات أحد أفلامه، لأنها، وحسب وصفه أقل الأماكن رومانسية في العالم ! ومن ثم أصبح من الشائع أن ترى في المسلسلات معتوهًا يأتي من ميدلوي، فيستقبله المشاهدون بقهقهاتهم، وحتى القاطنون في الأماكن المقفرة من أوهايو أو من وسكنسون يضحكون حتى تهتز كروشهم ما إن يسمعوا باسم ميدلوي كنساس·
 
وحينما كانت لولا لا تزال تمتلك صفاء ذهنها، كانت تريد جعل الآخرين يظنون بان ترددها على ميدلوي يعود إلى كونها المكان الأقل رومانطيقية في العالم وكانت تعلم جيدا بظنونهم حول قيامها بأدوار في مسلسلات من الدرجة الثانية·
 
قالت تتوسلها عبر الهاتف: لا تضعيني في الفندق، ليس في فندق هيلتون، لأرى على مد البصر المشهد العدمي للسهل الكبير، فطمأنتها غلوريا بأنها ستترك لها غرفتها الخاصة· عندما فتحت لولا حقيبتها بدأت بالصراخ لأنها كانت لوحدها، ولأنها أرادت أن تبرهن لنفسها بأنها كانت لوحدها كليًا، وبأن لا أحد في الكون يكترث لهذا، مما جعل المؤمنين الذين كانوا ذاهبين إلى المصلى المعمداني يتساءلون قلقين إن كان هناك من يقوم بتعذيب امرأة في منزل النسوية·
 
كانت غلوريا قد طلبت منها أن تكف عن عادة الصراخ عندما تكون في منزلها لأن من شأن ذلك إخافة كريستال· كانت لولا قد أمضت وقتًا طويلاً قبل أن تربط بين هذا الاسم والوجه النضر لابنة غلوريا الصغيرة ذات الثلاثة عشر عاما· تذرعت كريستال بنوبات صراخ لولا الليلية لتترك بيت أمها أثناء انعقاد المؤتمر، بعد أن أخبرت شلة صديقاتها بأنها سوف تقدم على الانتحار كما فعلت مارلين ما إن تبلغ السادسة والثلاثين من عمرها، لتجعلهن يتذكرن جيدا تجاوزهن لهذه السن-وهل كن بحاجة لمن يذكرهن بذلك-وبأنهن يثرن الشفقة بسبب مغالاتهن في التشبث·
صفحة 7
-التشبث التشبث ماذا تقصدين بذلك؟ قالت لها بإلحاح بابيت كوهن الصديقة الصدوقة لغلوريا في جامعة مسنك إيج، المتخصصة منذ عشرين عاما في الدراسات النسوية، والتي ترتب لقاءات استثنائية مع الشباب، وتصر على كشف المسكوت عنه، فأجابت كريستال والدموع في عينيها:
 
-ماذا تنتظرن بعد أن أصبحتن عجوزات شمطاوات؟
 
خيبت الشابة الصغيرة كريستال ظنون أولئك النسوة اللواتي كن يأملن في دمجها في نظامهن، ويحاورنها كما لو كانت راشدة، وعندما انسحبت لتعيش في منزل والدها، العامل التقني، في جنوب المدينة، شعرن بالارتياح، وإن بقين يسألن فيما بعد عن سيرها الدراسي، فأن ذلك كان من باب المجاملة ليس إلا·
 
- هه، بإمكاني أن أصرخ الآن؟ سألت لولا·
 
- كلا! أجابتها غلوريا·
 
- والسبب؟
 
-السبب هو أورور·
 
كانت هورور (Horror) تشعل شرارة في رأس لولا·
 
فقالت لها غلوريا:
 
- أنت تعرفينها، إنها الكاتبة التي ستؤدين شخصية روايتها·
 
- تلك الكندية؟ تساءلت لولا التي لم تكن تستسيغ كلمة هورور·
 
-كلا، الفرنسية·
 
-آه ، قالت لولا، تلك التي في الغرفة الأخرى؟ وبم يضيرها صراخي؟ وهي ألا تصرخ من الكتابة ·
 
-كلا إنها لا تصرخ
 
قالت لولا لنفسها يا للمصيبة، هورور خلف الباب، وعليّ أن لا أصرخ!
 
فقالت مهددة: إذن سأتقيأ!
صفحة 8
فأجابتها غلوريا:
 
-تقيئي وسأنظف المكان···
 
في ذلك الصباح استدعت لولا كل ألم من آلامها، وسارت بها على امتداد ساقيها، وذراعيها، وعندما وصلت بها فوق المعدة، بلغ غثيانها أوجه، فتقيأت· ومن فمها المفتوح خرجت أيضًا صرختها، لتوقظ الخوري الذي كان يفكر بإحياء عيد الفصح، وبصرخات المعمدين حديثًا، والتي من شأنها طرد الشيطان وأباطيله وأفعاله···هلولويا·
 
كان الحاسوب يطلق أنشطته في الساعة السابعة والنصف، فتضاء شاشة جهاز غلوريا، وتصدر عزفًا أخنّ، هي الإيقاعات الأولى ل رسالة إلى أليز، نغم قديم كحشرجة المجيب الآلي للتلفون، وتظهر عبارة بأحرف عملاقة تتمنى لها نهارا سعيدا وتتلاعب بأحرف اسمها من جوانبه المختلفة، وطبقا لرغبتها بفرنسته أو نسونته، وحسبما تتطلبه موضة ذلك العصر، باستبدال حرف أي بحرف واي، أي وبالإيجاز جعله مختلفا عن كل ما عداه· إذن كان هنالك اسم غلوريا، مع نتفة من القلوب التي تجتاح الشاشة، ثم تنفجر وتسجل كلمة splatch داخل فقاعات·
 
وفي الوقت نفسه كانت ماكينة الغسيل في القبو تمتلئ بالماء، ولم يكن مستبعدًا، أن تكون غلوريا وضعت فيها مسحوق غسيل يصنع قلوبا بدل الرغوة فتسيل القلوب الزهرية، المنتشية، مثل تلك القلوب التي ترسمها الفتيات الشابات في حماسة سنواتهن الجامعية الأولى، اللواتي يرصعن أوراقهن الامتحانية بأشكال طفولية، ويتربصن بكل حرف لإكسائه وردة، أو قلبا، أو دائرة منفتحة كالكعكة التي يغمسنها في قهوتهن·
 
ترتفع باب الكراج، وتنفصل الناموسيات، وتبدأ ماكينة القهوة بالعمل، ويتفوق جهاز التكييف على كل ما عداه بأزيزه الذي هو نبض البيت· كانت غلوريا تقول إنها مسألة تنظيم إلا أن المكواة الخاصة بتمليس الشعر التي كانت تضعها على طرف المغسلة أشعلت النار في المنزل، نتيجة حصول خطأ في التوقيت·
 
في ذلك الصباح، استيقظت غلوريا متعبة إلا أنها كانت سعيدة رغم قضائها الليل نائمة على الكنبة-السرير في مكتبها دون أن تكلف نفسها عناء فتحها، وكما هو حالها بعد كل مؤتمر، كانت تراجع مع نفسها حوادثه ومتعلقاته التفصيلية· فكانت في مجملها جيدة· تنظيم ناجح، ميزانية منضبطة، إخلاص لدى المشاركات اللواتي ازداد عددهن ولاسيما من جاء منهن من الخارج· أما ورقتها الأساسية فكانت تلك التي اشتملت على أن تؤدي لولا دول قراءات لنصوص كتاب معينين·
صفحة 9
لم يكن في وسع أحد مقاومة صوت لولا· وتذكر غلوريا الأثر الذي تركه عليها لقاءهما الأول، قبل عدة سنوات، أثناء حفلة كوكتيل في قسم اللغة الفرنسية في جامعة نيويورك· فبينما كانت غلوريا تسير نحو البوفيه، تسمرت في مكانها عند سماعها لذلك الصوت الرائع، الصوت المعبود، مثلما كان يحدث لها في الماضي عندما تصل إلى السينما في منتصف العرض، وتنتظر العاملة في زاوية الرواق أو السلم، لكنها تنسحر بالصوت العزيز لممثلتها المفضلة حتى قبل أن تجد مكانًا لها· كان الصوت يقول لحم الجامبون يؤكل مع التين وليس مع الشمام، وبالأخص مع الشمام الأخضر حلو المذاق· فخيل لغلوريا بأنها تسمع الأدب المعاصر كله مجتمعًا مع السينما الأوربية كلها، وهذا مما لا طاقة لها به·
 
إن كان هنالك شيء غير الأدب، وحتى ربما أكبر من الأدب، يجعلها تشعر بأنها فرنسية، وتحب التصرف كفرنسية، فهذا الشيء هو سينما الستينات، وإن كان هنالك من استطاع تمثيل هذه السينما، فهي لولا دول النرويجية· لقد كانت مفتونة بها· كانت ما إن تفتح فمها حتى تطبع بنبرة صوتها الدامغة الحوارات على اختلاف أنواعها، كما لو كانت هي مؤلفتها· لقد ساءت أوضاع لولا كثيرا ولولا بقاء صوتها على ما كان عليه لما كانت غلوريا صدقت عينيها عندما رأتها·
 
كان لها وجه ترك الكحول عليه آثاره العنيفة، حتى أصبح شاحبا ضاربا إلى البنفسجي، كما لو أنه تعرض للحرق وبرز جلده الميت على تجعدات رمادية، لقد بلغ بها التسمم الكحولي مرحلة تحولت فيها من البدانة والانتفاخ إلى النحافة والسقم الشديدين، فتخلى عنها أطباء التجميل وأهملها حكماؤها، إلا أن قوة طائر العنقاء التي تحركها كانت تجعلها تبعث من جديد بعد كل مرة تنزع منها كلية، أو حويصلة، أو طرف من معدتها· مع ذلك، فقد بقيت مفعمة بالانفعالات، متوقدة الذهن حتى أن من بقي يجسر على زيارتها من الأصدقاء، رغم قصص السكر الشنيعة التي تشاع عنها، يخرج من عندها وهو معجبٌ بها·
 
أما لولا دول، فكان أول ما لاحظته في غلوريا هو نظرتها التي استشفت فيها ودًا مضطربًا، وانفعالاً غارقًا في الدموع، وجذبتها ابتسامتها المفتونة، الشاكرة التي كانت لولا تبعثها في الماضي في وجوه النساء اللواتي كن يحرسنها باحترام كبير حتى إنها لم تتردد يومًاً في الذهاب إليهن وكسر تحفظهن لتخبرهن بحبها لهن· ومن ثم رأت هذه المرأة التي لا ينم شكلها عن عمرها، المتأنقة كخادمة صغيرة، والناشزة عما حولها، في ذلك المكان لم تلحظ لولا أن غلوريا كانت سوداء إلا بعد حين، وهي التي عاصرت فترة نضال القوة السوداء، وقدمت دعمها للأقليات المقهورة، رأت في غلوريا ضحية من ضحايا الرجال وأميركا، فتقدمت نحوها وقبلتها كما لو كانت تعرفها منذ زمن طويل·
صفحة 10
وعلى خلاف الظاهر في ذلك الكوكتيل النيويوركي، لم تكن لولا هي من أنقذ غلوريا، بل إنها غلوريا التي منحت لولا فرصة إنقاذها الأخيرة· لأن هذه المرأة التي بدت في ذلك اليوم في غير محلها بين المثقفين الذين لا يكفون عن التشدق بالكلام، هذه المرأة القصيرة القامة التي جعلتها سنواتها الأربعون تبدو أكثر اكتنازًا وسط مدعوات نحيفات ومسطحات في أثواب سود ضيقة، كانت في الواقع امرأة متنفذة·
 
إنها غلوريا باتر من جامعة ميدلوي كنساس، عميدة كلية اللغات الأجنبية، رئيسة العديد من المنظمات الفرنكفونية، والتي مولت في سنوات الستينات تظاهرة نيويورك عن السينما الفرنسية· من لوس أنجلوس حتى نيويورك، كان الجميع يتهافت على غلوريا باتر· أما معطفها القصير، ذو اللون الأحمر القاني الذي كان يسحق قامتها، وقطعة التول التي كانت تشد بها شعرها الذي بات رماديًا، وحلق أذنها الطويل عديم القيمة، فقد ارتدتها بناء على إرشادات من مستشارتها في العلاقات·
 
اعتبارًا من ذلك التاريخ، أصبحت لولا حاضرة في جميع الأنشطة النسوية التي كانت غلوريا تنظمها، وكانت تحضر بالأخص مؤتمر ميدلوي الذي يعد من أهم تلك الأنشطة· استقرت نسبيا في الولايات المتحدة، وكانت تتنقل من جامعة إلى أخرى، تلقي قراءاتها على النساء، وعلى العارف العظيم أيضًا، الذي كان الرجل الوحيد الذي تذعن الحاضرات للاستماع إليه عرفانا لدعمه لحركتهن· كانت تقرأ بنبرة واحدة، وبصوت واحد· كانت تقرأ دون أن تفهم، فهي من أطلق في الماضي موضة القراءة بلا إدراك· أي أن تقرأ دون أن تبحث عن معنى ما تقرؤه، كما لو كانت القراءة تمرينا لا يمت بصلة إلى النص·
 
كان ذلك حبها البريء الأول، إلى أن تعرفت على أورور التي قرأت لها لكونها فرنسية أولا، ومن ثم عشقتها لأنها كانت تتحدث عن أفريقيا· كانت غلوريا التي غزت أمريكا تحلم بأفريقيا بدائية لم تزرها، ولا تجرؤ على الذهاب إليها، فالمرأة الأميركية التي في داخلها كانت قد تفوقت على الأفريقية، كانت تشعر بالتجرد أمام الأبعاد السود التي سكنت مخيلتها، أما نسبة لأورور فإن إفريقيا كانت وطنها الأم الذي حدد لها وإلى الأبد لوحة ألوانها وتشكيلة روائحها·
 
أثناء واحدة من رحلاتها قامت غلوريا وبتطفلها المعروف بمفاجأة أورور في الأستوديو حيث تسكن في باريس، فأصيبت بذهول منعها من اجتياز عتبة الباب الذي اقتحمته عنوة، فلم يدر في خلدها يوما بأن أورور قد لا تكون سوداء·
 
كانت أورور بيضاء من تلك البيضاوات اللواتي تحولن مع العمر إلى شاحبات مثل ورق شفاف· وكانت غلوريا قد استحدثت داخل قسم الدراسات النسوية، حلقات بحث حول الأدب الافريقي، ودعت أورور عندها بوصفها كاتبة إفريقية، وتلاقت أحلامهما لأن أورور هي أيضا كانت مقتنعة من أن لا بد لأميركا أن تصبح شكلا من أشكال أفريقيا· أما الطلاب فلم يبق لديهم ما يعلّقون به على الموضوع·