eKtab
EN ع
لأنها الدنيا
اقرأ عينة مجانية

لأنها الدنيا

بقلم رولا فايق نصراوين

صفحة 1

كم أعجب لبني البشر!!

سطّرنا يوماً للحبّ وأبدعنا في تمثيله دون منازع، وأكدنا على حقّنا بيوم الأرض رغم أنّها مُغْتصَبة من بدء التاريخ، وكرّمنا المرأة بيوم لها، وهي في حساب ذكورتنا مجرد عورة، وشهوة، وجسد ...

مأساتنا الكبرى في يوم الكذب ...!!!

كم أعجب من وفاءٍ أوجدناه لكل هذه المعاني...!!

ولم نقدم يوماً للصدق...!!

ولم نفترض يوماً للسّلام لأننا نعيش حروباً مستمرةً مع ذواتنا ومجتمعاتنا وحكّامنا...!!

لم نُنصِّب يوماً للبطولة لأنّها غابت عن صفحات تاريخنا منذ دهر، وعشنا عمراً بالهزيمة غارقين.

لم نفترض يوماً للتواضع. لأنّنا نختال كبرياءً عليها طولاً وعرضاً..!!

آه أما أحوجنا ليوم نخصّصه للصّمت...

علّ ثرثرة أفواهنا تتوقف قليلاً، ونعود لذواتنا كي نستمع لضمائرنا الغائبة منذ ولدنا...!!!

وما أحوجنا ليوم نقدمه... علّنا نتعلّم ثقافة الاعتذار عما اقترفت أيدينا ..!!!

حتّى الآن لم نفكّر بيوم الكرامة لأننا لم نعد نعرف معناها...!!!

وبعد فما نزال نهاب يوم الحساب...!!!

صفحة 2

رحيل القوافل

القوافل ترحل، والطّيور تهاجر، وبضع حيوانات تستعد لسُباتها الشّتوي، أمّا أسراب النّمل والنّحل فقد جمعت مؤونتها واستعدّت للشّتاء، كلّهم أعدّوا العدة لاستقبال الفصل.. الشيخ وأنا وحدي انتظر قدوم المطر أقرأ حظّي التّعس في كتب المنجّمين، أبحث في بقايا فنجان قهوتي عن مستقبلٍ زائف

كلّ يسير في دوامته،

كلٌّ يحاول أن يستقل حافلته يأخذ طريقه ويجرب حظه،

أمّا أنا فلا...

وحدي أنظر، ووحدي أنتظر.

أعلم أنّ هذا الشّتاء سيكون قاسياً وجافاً ورياحه الأربعينيّة دقّت أوتادها الأربعين من عمري...

اشعر أنّي ربّما أحتاج هذا العام لرحلة تعيدني إليّ وتمنحني فرصة الحديث مع نفسي أكثر بعيداً عن جميع الأشخاص والوجوه الّتي أعرفها والّتي لا أعرفها، أحتاج لان تسكن روحي إلى نفسي، يتملكني تشتّت ذهني ونفسي وجسدي واضح.قلق ... فوضى داخليّة... ضباب !!! توتر...!!!ثمة معركة مسلحة مع الأفكار...!!! هجمات شيطانيّة ...!!!يبدو أنّني بدأت أتنفّس روحي المضطّربة داخلي وضعتني من جديد!

ما زلت أبحث عنّي، وأخاف على نفسي أن أضيعني مرّة أخرى، سبق وأن ضيعتها منذ زمن...صرت كطفلةٍ تحاول الاختباء في سريرها، أن تنأى بنفسها من كل خطر، تلملم ما تبقّى من أشلائها وخيباتها وتحلم أنّ غداً يومٌ جديد.

أصلّي أن ينقّيني الله مثل الذّهب من الشّوائب، ويمنح نفسي الانعتاق، أحاول الوصول إلى نفسي التي أضعتها... لا أعلم هل أضعتها أم أنني لم أجدها يوماً!

صفحة 3

قُبلة الحياة..

لِمَ كلما حاولت صعود الجبل تصعب عليّ الطّريق، وكلّما حاولت إزالة حجرٍ من أمامي أجد صخرةً أكبرا!

وكلّما فتحت باباً أجد أبواباً أخرى مقفلةً في وجهي! كلّما أظنّ أنّي وصلت إلى الحقيقة تتشوّه الصور أمامي ولا أعي الأبيض من الأسود..!!

عندما أظنّ أنّي اهتديت إلى النّور أجده سراباً يخدعني فيهزمني ويلقي بي نحو المنحدر، فأكتشف هزيمتي وأنفض التّراب عن جسدي وأحاول الوقوف...

أشعر أنّني أحفر قبري بيدي وحجارته تلوكني بين فكّيها، وأنا أتخبّط في ظلمتي، اجذف بكلتا يديّ كي أخرج بكل ما أوتيت من قوة ، أرفع رأسي وأبدأ من جديد لكنّها الحياة تعاود الخديعة والمكر مرّة أخرى فتبهرني وتغويني وتسحرني وأقع في الفخ مرة تلو المرة.

لا أريد الاعتراف بالهزيمة، لا أريد للرّيح أن تنقل أشواكها إلى جسدي وتسمّمني، لا أريد أن أذوي احتراقاً وذبولا كسيجارة حقيرة في فم مدخنٌ شره فقلبي قد فاض حمماً وجمراً... قلبي شاحب كطفل صغيرٍ غزت وجهه التجاعيد والتحف رأسه الشيب وهو ما يزال يرتشف الحليب من صدر أمّه، وعمري كعقد لؤلؤ ملتف على جيد الحياة انقطع خيطه تناثرت حبّاته فوق رقعة شطرنج، حاصر الجنود ملكها فطوى التاريخ صفحتها وتلاشت في غياهب الصمت والدّجى ...

لا أريد للفرح أن يُصفِّد أبوابه في وجهي، لكنّها هي الحياة كحبّة دواءٍ مغلّفةٍ بالسكر، ألوانها مشرقة، لكن عندما تقضمها تجدها علقماً رغم أنها تقينا الألم.

ها قد حنّطت أحلامي وأودعتها في ثلاجة الموتى كي تحفظ لحين يوم البعث لتعود للحياة من جديد... وطلبت من أزهار البنفسج أن لا تغادرها كي تحتفظ بألقها ... ها قد حدّقت النظر بألف عين إلى أعماقي وأصغيت بألف أذن إلى أناتي قبل أن تحكيها لي يد القدر، ويلتهمني الموت بين فكيه وجبةً دسمة...

ياربّ، في قلبي حديث لم يبدأ بعد وأغنية لم تشدو بها روحي، وحكاية لم تعرض على مسرح الحياة بعد... يارب في قلبي أميرةٌ نائمةٌ تنتظر قبلة الحياة من فارس سيأتي ...

سيري ببطء أيّتها الحياة، لا تتسرّعي باصطيادي ... سيري ببطء إلى جانبي ... وإذا لم تتمكني من ارتدائي كوني ظلّي... كوني قصيدة شعر تتطاير كلماتها حولي ... كوني نغمة من كمنجة تتوسّد عنق عازفٍ ماهرٍ، كوني أيّ شيءٍ منّي... كوني أنا ...

صفحة 4

نشوة الروح

في لجّة الصّمت تضطّجع النّفوس العابثة خلال النّهار في سباتها العميق وترقد الأخيلة عبر الزّحام لتعانق أحلامها ...

كانت عقارب ساعتي تدق الاثني عشرة دقة معلنةَ ولادة يومٍ جديدٍ عندما جلست أتأمّل السماء، وأرقب وهج النجوم الغارقة في سواد الليل الملتف حولي كوشاح، امرأة لفّها الحداد حزناً على وليدها المغدور... انتابني شعور مختلف طالما تساءلت عن كنهه دون علم ، شعور اختلط فيه فرحٌ كبيرٌ بدرجةٍ من حزنٍ عظيمٍ وحالة مماثلة من حزنٍ عميقٍ بدرجة فرحٍ كبيرٍ...!!

رغبةٌ بالضّحك والبكاء معاً...

رغبةٌ بعناق السّماء وارتشاف نسيمها...

تغريني في تلك اللحظة حالة من النّشوة والسّمو الروحي تجذبني إليها وتسحرني بإغوائها فأدخل في لحظات التّسامي والتجلِّي.. أستسلم لها وأهيم معها، أصبحت أرى الأشياء على حقيقتها وأنت فى وقع الزّمان والمكان في وعيي، وغرقت في لجّة اللاإدراك...

أشعر أننّي لامست غير المتناهي، وتلاشيت كالنّدى الصباحي في فجر ساطع... لم يعد هناك معنى للخوف والفزع والحزن والإحباط؛ فجسدي انتهى عند حدود المكان ...

اجتاحني طوفان النّشوة، وسبحت في فضاء الرّوح اقتربت من الملأ الأعلى خرجت من سجني إلى منفى بعيد ... روحي تجلّت... بحرية لمسافات ومسافات في أفق الكون الواسع... دونت انتصارها على الجسد وانعتقت في السرمدية... ها هو النور يخترق ظلمتي ويفتّتها يسحق كل ألم وقهر كما تسحق أقدام المزارعين رؤوس الأفاعي وقت الحصاد...

أشعر بالحبّ العميق.. بالإمتنان.. بالسّلام الداخلي... بأنهار عذبةٍ من المشاعر حولي ترفرف أجنحتها في سمائي، تعزف (سمفونيتها) في أعماقي...

ثملةٌ روحي في رحلتها...

ثملةٌ روحي يا الله ...

أيمكن أن تثمل الروح دون..!!

أيمكن أن تحلق دون أجنحة...!!

أيمكن يضير بك خمر الإحساس بالكليّة وتغمرك اللذة من أدناك إلى أعلاك..؟؟!!

الليلة أحرزت انتصاراً على الظّلمة وقهرت الشيطان وعاينت الملائكة، الليلة أود لو أجلس في حضرة الله ...

صفحة 5

حنين
(1)

.. وللحنين وعكةٌ صحية

ووجع مغروز خنجراً في الصدر

يشتعل كلما ازدادت نيران الشوق.

صفحة 6

(2)

ليت للحنين أجنحة كي اطلقها نحوك شوقاً

تُحلق في سمائك، ترديك قتيلاً شوقاً..!!

ليتني أستطيع إلقاء القبض على روحي الآن

أودّعها السّجن كي لا تنعتق وتذهب إليك!!!

ليتني قبل أن أعلن انكساري على أعتاب حصونك

استأصلت قلبي من مرض غيابك...

صفحة 7

(3)

الليلة أعيد ترتيب النّجوم والمجرات

أبعد الأبراج عن بعضها بعضاً

كي لا تعيد قراءة ما كتبناه سويّةً

فتعلم كم هو قلبي متعب وحزين...!!!

اللّيلة سأتصدّق بحبّك على جميع الفقراء والمساكين

علك تتبعثر في قلوبهم وتكون للعاشقين دليل..

اللّيلة أعيد ترتيب حكاياتي أبيعها في سلّة من قش فوق شارع الأحلام للعابرين، علّني أجد من يحملها إليك بشوقٍ كي يؤلمك توّجّدي عليك، ويحن قلبك

ربّما تأتيك غيمةٌ عابرةٌ وتمطر فوق جسدي...

الخليقة أعيش داخل قوقعتي المتحجرة،

أخفي أشلائي الملتاعة ، أحاور نفسي كلما ضرب قلبي الشجن

متقطعة الأوصال والأحلام في العابرين وأسعى للكمال،

ليت روحي مجنّحة تخرج لسمائها كلّما تعيب أو تملّ من جسدي ولا تعود إلا كلما مسّها الشّوق إليّ...!!!

صفحة 8

(4)

سأبقى للحنين وفيةً وللحبِّ وفية وللبعد عنك أيضاً وفيّة ....

كي لا أغدر عهودي التي قطعتها على نفسي يوم قررت الرحيل ...!!!

صفحة 9

في زمن الجوع

في زمن الجوع ما أحوجنا إلى الشبع، في زمن ضجّ بالفتن ما أحوجنا إلى الصّبر على المحن، في زمن الكذب ما أحوجنا إلى سدّ ثرثرة المتملّقة بالنفاق ، في زمن الضيقات ما أحوجنا إلى شق ستار الظلمة والخروج إلى النور...

أصبحنا نموت آلاف المرات في زمن السخط والقهر، نغمس ما تبقّى من كرامتنا مع خبزنا المحروق ونشرب ملح دموعنا كي ترتوي أرضنا الجرداء معتدّين عليها كبرياء وعظمة وغرور...

رأيت في هذا الزمن ما لم يدونه التاريخ في أي زمن، رأيت من يجوع إلى المال كي يسود على العباد، ومن يجوع إلى السلطة كي يتطاول على بني البشر، ومن يجوع للمشاعر والحب والاحترام كي يشعر انه يستحقّ الحياة..

في الحقيقة أن لا عدالة بالحياة، ولا الحياة عادلة وقضاتها يحتكمون بالىلا نجلس على قارعة الطريق منتظرون وهم يهرولون، ولا يلقون علينا التحيّة ....

مأساتنا تكمن أننا بشر يحب الأخذ ويشح بالعطاء... أنانّيون حد الثمالة نرجسيون حد الفسق، نعشق ذواتنا، نتمركز حولها وكأنها هي مركز الكون نركض ببطون فارغة وعقول فقيرة إلى ما نبتغيه.

عالمنا يتضوّر جوعاً ونحن خلف سرابه راكضون... ينحدر نحو الهاوية ونحن بأذيل رذائله لاهثون متعلقون... عالمنا مريض حتى الموت واعتباراتنا ومبادؤنا وثقافتنا وعاداتنا وثوابتنا مشوشة حتى الارتباك، الحضارة برمتها تحتضر...

لكن ثمة هناك رغبة جامحة في إعلان ثورة للحرية الحمراء على الساحات المسبّية، ثمة رغبة قسرية باقتلاع جذور التخلف والجهل من البشرية ... فأعلام التمرّد بدأت تلوح من بعيد مرفرفة على أبراج السجون المنسية... طبول تقرع وساعةُ الصفرِ حانت ها هي المعركة ستبدأ...

صفحة 10

لأنها الدنيا

لأنّ آباءَها أصبحوا لا يتقنون فنّ الأبوّة

وأمهاتها فقدن إحساس الأمومة

أبناؤها تمرّدوا...

أصبحت دنيا لأن المادّة حكمتها، والمال سادها وسيطر عليها ...

باتت دنيا لأنّ الرّوح رحلت عنها، ودفنت تحت رمادها المشاعر...

أسميناها دنيا لأن الحقد رحيقها والغدر شهيقها والضغينة زفيرها...

لقّبناها دنيا ..!! إنّها الدّنيا ...

دنيا بشبابها وهرمها ويقظتها وسكرتها

دنيا بشهواتها وشبهاتها وملذّاتها

دنيا بكلّ معانيها وأحكامها وتفاصيلها

فسبحان الخالق الذي جعلها دنيا

ومنحنا وإياها من اسمها نصيب...!!!