صفحة 1
تـقـديــم
عن لبنان العرب... والعروبةرؤى راهنـة وآفـاق مستقبلية
ليست مبالغة إذا قلنا: إن المتتبع لافتتاحيات طلال سلمان، منذ صدرت «السفير» ـ قبل ستة وثلاثين عاماً، وحتى يومنا هذا ـ يلمس فيها تلك الاستمرارية ـ الطالعة من قناعاته الفكرية ـ في رؤاه المحددة إلى: لبنان.. العرب.. العروبة.. ولكن بمعنى يختلف كثيراً عن أغلب الرافعين ليافطات هذه الكلمات/الشعارات.
فكثيراً ما تتخذ كلمة لبنان صفة تشبه الانعزال عن البلدان العربية، والحذر خصوصاً من أي توجّه عربي تحرّري!!. وكذلك فإن كلمة العرب صارت تعني، بشكل ما، عرب التقاليد والأصول القبائلية العتيقة أو أنظمة الحكم ـ المعتدلة وغير المعتدلة! ـ التي تتلاقى وتتوافق على استمرار بقاء الحكام المهيمنين فوق قمم الهيمنة إلى أبد الآبدين!!.. أما كلمة العروبة فغالباً ما تتخذ مضموناً ماضوياً، كأن العروبة سطعت وأينعت أيام انطلاقات قبائل العرب وعشائرهم من جزيرتهم الصحراوية تحمل رسالتها ـ التي نُذرت لها ـ إلى العالمين، ويتمثّل أكثر روّاد «العروبة» بهذا الماضي، و«الخلف الصالح»، ويمارسون في الحاضر تقاليد الحكم الفردي المطلق والقمعي.. باسم العروبة!!
... وأغلب الممارسات السياسية في لبنان وسائر البلدان العربية، تتمثّل، ولو بأشكال متفاوتة، هذه المضامين والمفاهيم والتصورات!
* * *
افتتاحيات طلال سلمان تعبّر، بأشكال متنوّعة، عن فهم آخر، ومضامين أخرى، وآفاق مختلفة، لمعاني هذه الكلمات: لبنان العرب... والعروبة.. حيث نرى أن الأفكار والتوجّهات التي تحملها أغلب هذه الافتتاحيات تتلاقى مع العديد من روّاد الحركة العربية والقوى الديموقراطية المكافحة والعاملة من أجل الحرية والتقدّم والعدالة الاجتماعية في لبنان وسائر البلدان العربية.
وسواء كتب طلال سلمان عن الصراعات أو الأوضاع الداخلية في لبنان أو أي بلد آخر، أو عن العلاقات بين هذا البلد العربي أو ذاك، فهو ينطلق، أساساً، من رؤية شمولية إلى القضايا العربية الراهنة، وهذه الرؤية تنطلق بدورها، وأساساً، من فكرة العروبة في حقيقتها النضالية التحرّرية والمستقبلية.. فالمؤلف يرى إلى العروبة من حيث هي فعلٌ نضالي ديموقراطي ومستقبلي، وأن مستقبل البلاد العربية وتقدمها يرتبطان، بالتأكيد، ويتطلّبان مختلف أشكال التقارب والتآزر بين هذه الأوطان والشعوب العربية في أفق توحيد ديموقراطي عربي مستقبلي استقلالي ومتحرر.. كما يرى المؤلف أن مستقبل لبنان، المناضل من أجل تحرير أرضه هو في السياق نفسه من الترابط مع هذا الفهم الديمقراطي الاستقلالي المعاصر والمستقبلي للعالم العربي والعروبة.
«الناشر»
عن لبنان العرب... والعروبةرؤى راهنـة وآفـاق مستقبلية
ليست مبالغة إذا قلنا: إن المتتبع لافتتاحيات طلال سلمان، منذ صدرت «السفير» ـ قبل ستة وثلاثين عاماً، وحتى يومنا هذا ـ يلمس فيها تلك الاستمرارية ـ الطالعة من قناعاته الفكرية ـ في رؤاه المحددة إلى: لبنان.. العرب.. العروبة.. ولكن بمعنى يختلف كثيراً عن أغلب الرافعين ليافطات هذه الكلمات/الشعارات.
فكثيراً ما تتخذ كلمة لبنان صفة تشبه الانعزال عن البلدان العربية، والحذر خصوصاً من أي توجّه عربي تحرّري!!. وكذلك فإن كلمة العرب صارت تعني، بشكل ما، عرب التقاليد والأصول القبائلية العتيقة أو أنظمة الحكم ـ المعتدلة وغير المعتدلة! ـ التي تتلاقى وتتوافق على استمرار بقاء الحكام المهيمنين فوق قمم الهيمنة إلى أبد الآبدين!!.. أما كلمة العروبة فغالباً ما تتخذ مضموناً ماضوياً، كأن العروبة سطعت وأينعت أيام انطلاقات قبائل العرب وعشائرهم من جزيرتهم الصحراوية تحمل رسالتها ـ التي نُذرت لها ـ إلى العالمين، ويتمثّل أكثر روّاد «العروبة» بهذا الماضي، و«الخلف الصالح»، ويمارسون في الحاضر تقاليد الحكم الفردي المطلق والقمعي.. باسم العروبة!!
... وأغلب الممارسات السياسية في لبنان وسائر البلدان العربية، تتمثّل، ولو بأشكال متفاوتة، هذه المضامين والمفاهيم والتصورات!
* * *
افتتاحيات طلال سلمان تعبّر، بأشكال متنوّعة، عن فهم آخر، ومضامين أخرى، وآفاق مختلفة، لمعاني هذه الكلمات: لبنان العرب... والعروبة.. حيث نرى أن الأفكار والتوجّهات التي تحملها أغلب هذه الافتتاحيات تتلاقى مع العديد من روّاد الحركة العربية والقوى الديموقراطية المكافحة والعاملة من أجل الحرية والتقدّم والعدالة الاجتماعية في لبنان وسائر البلدان العربية.
وسواء كتب طلال سلمان عن الصراعات أو الأوضاع الداخلية في لبنان أو أي بلد آخر، أو عن العلاقات بين هذا البلد العربي أو ذاك، فهو ينطلق، أساساً، من رؤية شمولية إلى القضايا العربية الراهنة، وهذه الرؤية تنطلق بدورها، وأساساً، من فكرة العروبة في حقيقتها النضالية التحرّرية والمستقبلية.. فالمؤلف يرى إلى العروبة من حيث هي فعلٌ نضالي ديموقراطي ومستقبلي، وأن مستقبل البلاد العربية وتقدمها يرتبطان، بالتأكيد، ويتطلّبان مختلف أشكال التقارب والتآزر بين هذه الأوطان والشعوب العربية في أفق توحيد ديموقراطي عربي مستقبلي استقلالي ومتحرر.. كما يرى المؤلف أن مستقبل لبنان، المناضل من أجل تحرير أرضه هو في السياق نفسه من الترابط مع هذا الفهم الديمقراطي الاستقلالي المعاصر والمستقبلي للعالم العربي والعروبة.
«الناشر»
صفحة 2
من افتتاحيات 4 0 0 2
عن العرب والانتخابات:
من لبنان إلى العراق .. مروراً بالجزائر وفلسطين!
لأسباب مختلفة، ومتباينة أحياناً، باتت كلمة «الانتخابات» مصدراً للقلق أو الخوف أو للضحك منها بوصفها «نكتة سوداء» في مجمل الأقطار العربية.
في العالم المتقدم تُعتبر الانتخابات الصيغة الطبيعية لمعالجة المشكلات السياسية والاجتماعية، إذ يتحمّل «الشعب» مسؤولية القرار في شؤون حياته، بمشاركته المباشرة في صياغتها، فلا يكون حكراً على شخص أو فئة أو طائفة.
إلا في البلاد العربية، عموماً، فإن الانتخابات تبدو، في الغالب الأعم، وكأنها المأزق وليست الحل أو الوسيلة الديموقراطية للقرار السليم.
حتى في دولة ذات نظام ديموقراطي برلماني، مثل لبنان، فقدت كلمة «الانتخابات» اعتبارها أو معناها الأصلي، فباتت تعني في حالة الاعتراض على قانونها المقاطعة التي قد تستعيد مناخ الحرب الأهلية... أما في حالة المشاركة فلا تعني غير التسليم بأن تتولى «المحادل» و«البواسط» تجسيد «الإرادة الشعبية»، بغير أن تكلف المواطن (المعني) عبء الانتقال والوقوف في الشمس أو تحت المطر للإدلاء بصوت لن يقدم ولن يؤخر في النتائج المعلنة سلفاً..
فلكل انتخابات نيابية قانونها الخاص المختلف عمّا قبله بتقسيماته الجغرافية المناسبة لأقطاب النظام: هنا محافظتان معاً في دائرة واحدة، وهناك محافظة بدائرتين، وهنالك محافظة أخرى بثلاث دوائر إلخ... المهم ضمان فوز اللائحة المعلبة بلا أي اختراق.
ثم أن مدة المجلس النيابي نفسه قابلة للمط، بحيث يخدم الغرض السياسي المطلوب منه أن يؤديه في «معركة» رئاسة الجمهورية...
أما الدستور فسهل تعديله وإن كان صعباً تفسيره (بدليل جلسة اليوم ذات الطرافة الاستثنائية)!
أما الانتخابات البلدية فمسألة فيها نظر، والقانون آخر هموم المعنيين بها، لكأنما الانتخاب والقانون (أو حتى الدستور) خطان متوازيان لا يلتقيان إلا بإرادته سبحانه!
والانتخابات، في بلاد الناس، وسيلة لتجديد الحياة السياسية، وتدارك أي خلل في النظام، وأداة لمحاسبة الرؤساء والحكومات والنواب عن مدى التزامهم بالدستور وبواجبهم حيال مجتمعهم.
أما حيث عرفت الأقطار العربية «اختراع» الانتخابات، فإن الهدف الحقيقي من اعتمادها يعني تشريع الثبات، وغالباً عن طريق الزور والتزوير، لوضعٍ يرى الناس وجوب تغييره.
وفي العديد من العواصم العربية لا يتمالك «المواطن» نفسه إذا ما سألته عن الانتخابات، إذ يشعر بأنك إنما تذكره بالامتهان المستمر لرأيه، وتجاوزه دائماً، والاستغناء عنه وعن مشاركته في القرارات (حتى المصيرية) المتصلة بشؤون بلاده وسلامة مجتمعها.
وفي بلاد ذات تجربة سياسية عظيمة كالجزائر، كان عماد ثورتها المشاركة الشعبية الكثيفة وبالدم في معركة تحرير البلاد من الاستعمار الاستيطاني، واستعادة هويتها القومية وكرامتها الوطنية، فإن القوى العسكرية المسيطرة (على النظام) حولت الانتخابات إلى حرب أهلية مفتوحة، ما تزال تلتهم البلاد والعباد منذ أربعة عشر عاماً وحتى اليوم...
... وها هي الانتخابات الرئاسية المقررة بعد ثلاثة شهور تنذر بمواجهات جديدة، بين «صاحب السلطة الفعلية»، أي الجيش، وبين الشعب بقواه السياسية المختلفة، قد تغرق البلاد مجدداً في بحر من دماء أبنائها، والعياذ بالله... من شر الديموقراطية!
في مصر، تتم الأمور بطريقة هادئة، فتفصَّل القوانين على المقاس الرئاسي، وتعيَّن «المعارضة» تعييناً بعد ضمان الأكثرية المطلقة والدائمة... للحكومة!
وفي الأردن، لكل دورة انتخابية تقسيماتها الإدارية بحيث تجيء النتائج الديموقراطية محققة للتوازن بين البدو والحضر وبين «الإسلاميين» وخصومهم من الملكيين الثابتي الولاء بحيث تظل الأكثرية المطلقة لرجال «نعم» المؤمنين بشعار «الأردن أولاً»، ولتذهب فلسطين إلى الجحيم... الإسرائيلي!
ومع أن العراق تحت الاحتلال يمثل حالة استثنائية، فإن النقاش الذي فُتح كمدخل «شرعي» إلى مناقشة مستقبله السياسي كدولة، وطبيعة نظامها، يلامس علاقة العرب مع الديموقراطية في مختلف أرجاء الوطن العربي...
ذلك أن الغالبية الساحقة من الأنظمة العربية لا تملك من أسباب النجاح في التجربة الديموقراطية ما يمكن أن تساعد به «الأخوة العراقيين» فترشّد حوارهم من حولها، الذي ربما رأى فيه بعضهم المدخل الطبيعي إلى مقاومة الاحتلال، وإلى التصدي للدعوات الانفصالية والتقسيمية تحت لافتة الفدرالية ذات الجذر العنصري أو المذهبي.
فالانتخابات، في منطق القائلين بها، تستهدف التعجيل في استيلاد إرادة العراقيين في حكم أنفسهم بأنفسهم، على قاعدة دستورية تستهدف بناء دولة ديموقراطية لجميع العراقيين، بغير تمييز بينهم على أساس من العرق أو الدين، وبالتالي فهي تمكّنهم من توحيد كلمتهم واستيلاد سلطتهم المنبثقة من إرداتهم، والتعجيل بجلاء الاحتلال الأميركي الذي تهافتت مبرراته لشن حربه الاستعمارية بدءاً من أسلحة الدمار الشامل وانتهاء بإقامة الديموقراطية في العراق، وزادت أغراضه المكشوفة انكشافاً فتبدى أنه إنما يريد السيطرة على هذه الأرض الغنية بخيراتها، وعلى جوارها جميعاً، والتحكّم بمستقبل شعوبها جميعاً، يستوي في ذلك العربي والإيراني والتركي.
وأكثر ما يفضح المنطق الاستعماري للإدارة الأميركية، ومن معها من المتعاونين في بغداد، هو الادعاء باستحالة إجراء إحصاء للسكان، واستحالة إجراء انتخابات في ظروف أمنية صعبة كان بين أسباب صعوبتها سيطرة الاحتلال بعكسره على العراق، وتحريضه لبعض العراقيين ضد بعضهم الآخر، وتخويف الأقليات من الأكثرية العربية، ومحاولة قسمة الأكثرية وجعلها تواجه بعضها البعض على قاعدة مذهبية.
ويبدو الاحتلال الأميركي مطمئناً إلى أن أكثرية الحكام العرب ستتواطأ معه ضمناً ضد مطالبة العراقيين بالانتخابات... فهم لا يريدون للعدوى أن تصيبهم في «رعاياهم» وهم يعملون جاهدين لإبعاد هذه الكأس عن شفاههم، أو لإرجائها ما أمكن.
وحتى ذلك الحين تستمر الشركات الأميركية والسماسرة المتعاونون معها في نهب خيرات أرض الرافدين، مع حفظ حصة محترمة من الرِشى لضباط جيش الاحتلال، حيث يتداول العاملون الآن معهم أرقاماً عن العمولات المحترمة التي يتقاضونها بوصفهم «لصوص بغداد» الكبار، لتسهيل مهمة «اللصوص الصغار».
* * *
ويبقى في المنطقة العربية نموذجان للديموقراطية، حسب التفسير الغربي، والأميركي خصوصاً: أولهما في فلسطين المحتلة، والثاني في الكيان الإسرائيلي...
فأما في فلسطين فإن الديموقراطية الأميركية قد «أسقطت» من شرعيتها الرئيس الفلسطيني المنتخب بإشراف مباشر من إدارتها، وامتنعت عن التعامل معه، وحرّمت على الدول «الديموقراطية» الأخرى الغربية والعربية على حد سواء، الاتصال به، وتركت للحصار العسكري الإسرائيلي أن يميته وهو في محبسه في رام الله...
وفي الوقت نفسه فإن «الديموقراطية الإسرائيلية» تظل نموذجاً يحتذى، بالنسبة للإدارة الأميركية، حتى وهي تُغرق شعب فلسطين في بحر من دماء أبنائه، وتدمر بيوته ومرافقه الصغيرة، وتقتلع أشجار بيّاراته، وتصادر أراضيه، ثم وهي تبني جدار الفصل العنصري لتفرض الموت البطيء أو التهجير على الفلسطينيين جميعاً فلا يصدر عن شارون ما يكشف التزامه العميق بالديموقراطية وحقوق الإنسان!
لكأنما الإسرائيلي يقترع في انتخاباته على أرض الفلسطينيين وليس على ثيابهم فقط، كما مع السيد المسيح...
والخيار بائس بين الديموقراطيات المعروفة أو المفروضة على عرب القرن الحادي والعشرين!
19/1/2004
عن العرب والانتخابات:
من لبنان إلى العراق .. مروراً بالجزائر وفلسطين!
لأسباب مختلفة، ومتباينة أحياناً، باتت كلمة «الانتخابات» مصدراً للقلق أو الخوف أو للضحك منها بوصفها «نكتة سوداء» في مجمل الأقطار العربية.
في العالم المتقدم تُعتبر الانتخابات الصيغة الطبيعية لمعالجة المشكلات السياسية والاجتماعية، إذ يتحمّل «الشعب» مسؤولية القرار في شؤون حياته، بمشاركته المباشرة في صياغتها، فلا يكون حكراً على شخص أو فئة أو طائفة.
إلا في البلاد العربية، عموماً، فإن الانتخابات تبدو، في الغالب الأعم، وكأنها المأزق وليست الحل أو الوسيلة الديموقراطية للقرار السليم.
حتى في دولة ذات نظام ديموقراطي برلماني، مثل لبنان، فقدت كلمة «الانتخابات» اعتبارها أو معناها الأصلي، فباتت تعني في حالة الاعتراض على قانونها المقاطعة التي قد تستعيد مناخ الحرب الأهلية... أما في حالة المشاركة فلا تعني غير التسليم بأن تتولى «المحادل» و«البواسط» تجسيد «الإرادة الشعبية»، بغير أن تكلف المواطن (المعني) عبء الانتقال والوقوف في الشمس أو تحت المطر للإدلاء بصوت لن يقدم ولن يؤخر في النتائج المعلنة سلفاً..
فلكل انتخابات نيابية قانونها الخاص المختلف عمّا قبله بتقسيماته الجغرافية المناسبة لأقطاب النظام: هنا محافظتان معاً في دائرة واحدة، وهناك محافظة بدائرتين، وهنالك محافظة أخرى بثلاث دوائر إلخ... المهم ضمان فوز اللائحة المعلبة بلا أي اختراق.
ثم أن مدة المجلس النيابي نفسه قابلة للمط، بحيث يخدم الغرض السياسي المطلوب منه أن يؤديه في «معركة» رئاسة الجمهورية...
أما الدستور فسهل تعديله وإن كان صعباً تفسيره (بدليل جلسة اليوم ذات الطرافة الاستثنائية)!
أما الانتخابات البلدية فمسألة فيها نظر، والقانون آخر هموم المعنيين بها، لكأنما الانتخاب والقانون (أو حتى الدستور) خطان متوازيان لا يلتقيان إلا بإرادته سبحانه!
والانتخابات، في بلاد الناس، وسيلة لتجديد الحياة السياسية، وتدارك أي خلل في النظام، وأداة لمحاسبة الرؤساء والحكومات والنواب عن مدى التزامهم بالدستور وبواجبهم حيال مجتمعهم.
أما حيث عرفت الأقطار العربية «اختراع» الانتخابات، فإن الهدف الحقيقي من اعتمادها يعني تشريع الثبات، وغالباً عن طريق الزور والتزوير، لوضعٍ يرى الناس وجوب تغييره.
وفي العديد من العواصم العربية لا يتمالك «المواطن» نفسه إذا ما سألته عن الانتخابات، إذ يشعر بأنك إنما تذكره بالامتهان المستمر لرأيه، وتجاوزه دائماً، والاستغناء عنه وعن مشاركته في القرارات (حتى المصيرية) المتصلة بشؤون بلاده وسلامة مجتمعها.
وفي بلاد ذات تجربة سياسية عظيمة كالجزائر، كان عماد ثورتها المشاركة الشعبية الكثيفة وبالدم في معركة تحرير البلاد من الاستعمار الاستيطاني، واستعادة هويتها القومية وكرامتها الوطنية، فإن القوى العسكرية المسيطرة (على النظام) حولت الانتخابات إلى حرب أهلية مفتوحة، ما تزال تلتهم البلاد والعباد منذ أربعة عشر عاماً وحتى اليوم...
... وها هي الانتخابات الرئاسية المقررة بعد ثلاثة شهور تنذر بمواجهات جديدة، بين «صاحب السلطة الفعلية»، أي الجيش، وبين الشعب بقواه السياسية المختلفة، قد تغرق البلاد مجدداً في بحر من دماء أبنائها، والعياذ بالله... من شر الديموقراطية!
في مصر، تتم الأمور بطريقة هادئة، فتفصَّل القوانين على المقاس الرئاسي، وتعيَّن «المعارضة» تعييناً بعد ضمان الأكثرية المطلقة والدائمة... للحكومة!
وفي الأردن، لكل دورة انتخابية تقسيماتها الإدارية بحيث تجيء النتائج الديموقراطية محققة للتوازن بين البدو والحضر وبين «الإسلاميين» وخصومهم من الملكيين الثابتي الولاء بحيث تظل الأكثرية المطلقة لرجال «نعم» المؤمنين بشعار «الأردن أولاً»، ولتذهب فلسطين إلى الجحيم... الإسرائيلي!
ومع أن العراق تحت الاحتلال يمثل حالة استثنائية، فإن النقاش الذي فُتح كمدخل «شرعي» إلى مناقشة مستقبله السياسي كدولة، وطبيعة نظامها، يلامس علاقة العرب مع الديموقراطية في مختلف أرجاء الوطن العربي...
ذلك أن الغالبية الساحقة من الأنظمة العربية لا تملك من أسباب النجاح في التجربة الديموقراطية ما يمكن أن تساعد به «الأخوة العراقيين» فترشّد حوارهم من حولها، الذي ربما رأى فيه بعضهم المدخل الطبيعي إلى مقاومة الاحتلال، وإلى التصدي للدعوات الانفصالية والتقسيمية تحت لافتة الفدرالية ذات الجذر العنصري أو المذهبي.
فالانتخابات، في منطق القائلين بها، تستهدف التعجيل في استيلاد إرادة العراقيين في حكم أنفسهم بأنفسهم، على قاعدة دستورية تستهدف بناء دولة ديموقراطية لجميع العراقيين، بغير تمييز بينهم على أساس من العرق أو الدين، وبالتالي فهي تمكّنهم من توحيد كلمتهم واستيلاد سلطتهم المنبثقة من إرداتهم، والتعجيل بجلاء الاحتلال الأميركي الذي تهافتت مبرراته لشن حربه الاستعمارية بدءاً من أسلحة الدمار الشامل وانتهاء بإقامة الديموقراطية في العراق، وزادت أغراضه المكشوفة انكشافاً فتبدى أنه إنما يريد السيطرة على هذه الأرض الغنية بخيراتها، وعلى جوارها جميعاً، والتحكّم بمستقبل شعوبها جميعاً، يستوي في ذلك العربي والإيراني والتركي.
وأكثر ما يفضح المنطق الاستعماري للإدارة الأميركية، ومن معها من المتعاونين في بغداد، هو الادعاء باستحالة إجراء إحصاء للسكان، واستحالة إجراء انتخابات في ظروف أمنية صعبة كان بين أسباب صعوبتها سيطرة الاحتلال بعكسره على العراق، وتحريضه لبعض العراقيين ضد بعضهم الآخر، وتخويف الأقليات من الأكثرية العربية، ومحاولة قسمة الأكثرية وجعلها تواجه بعضها البعض على قاعدة مذهبية.
ويبدو الاحتلال الأميركي مطمئناً إلى أن أكثرية الحكام العرب ستتواطأ معه ضمناً ضد مطالبة العراقيين بالانتخابات... فهم لا يريدون للعدوى أن تصيبهم في «رعاياهم» وهم يعملون جاهدين لإبعاد هذه الكأس عن شفاههم، أو لإرجائها ما أمكن.
وحتى ذلك الحين تستمر الشركات الأميركية والسماسرة المتعاونون معها في نهب خيرات أرض الرافدين، مع حفظ حصة محترمة من الرِشى لضباط جيش الاحتلال، حيث يتداول العاملون الآن معهم أرقاماً عن العمولات المحترمة التي يتقاضونها بوصفهم «لصوص بغداد» الكبار، لتسهيل مهمة «اللصوص الصغار».
* * *
ويبقى في المنطقة العربية نموذجان للديموقراطية، حسب التفسير الغربي، والأميركي خصوصاً: أولهما في فلسطين المحتلة، والثاني في الكيان الإسرائيلي...
فأما في فلسطين فإن الديموقراطية الأميركية قد «أسقطت» من شرعيتها الرئيس الفلسطيني المنتخب بإشراف مباشر من إدارتها، وامتنعت عن التعامل معه، وحرّمت على الدول «الديموقراطية» الأخرى الغربية والعربية على حد سواء، الاتصال به، وتركت للحصار العسكري الإسرائيلي أن يميته وهو في محبسه في رام الله...
وفي الوقت نفسه فإن «الديموقراطية الإسرائيلية» تظل نموذجاً يحتذى، بالنسبة للإدارة الأميركية، حتى وهي تُغرق شعب فلسطين في بحر من دماء أبنائه، وتدمر بيوته ومرافقه الصغيرة، وتقتلع أشجار بيّاراته، وتصادر أراضيه، ثم وهي تبني جدار الفصل العنصري لتفرض الموت البطيء أو التهجير على الفلسطينيين جميعاً فلا يصدر عن شارون ما يكشف التزامه العميق بالديموقراطية وحقوق الإنسان!
لكأنما الإسرائيلي يقترع في انتخاباته على أرض الفلسطينيين وليس على ثيابهم فقط، كما مع السيد المسيح...
والخيار بائس بين الديموقراطيات المعروفة أو المفروضة على عرب القرن الحادي والعشرين!
19/1/2004
صفحة 3
نصر لمقاومة لم يتملّكها الغرور
لندن ...
الثلج في الخارج، وفي الكلمات المهذبة جداً، على قسوتها، والتي سمعتها بصيغ مختلفة وبرنة إشفاق، على مدى الأيام الثلاثة من بعض الدبلوماسيين البريطانيين، وسمعتها ملعلعة من كثير من أهلِك العرب المستغربين، هنا، والتي تكاد تصبح الصوت الغالب في أي مناقشة سياسية، هناك في «البلاد»، والتي تردد بلا تعب أن لا أمل لا في اليوم ولا في الغد ولا حتى في بعد غد، وأن الهزيمة قدرك وقدر أبنائك من بعدك، وأن الاستسلام هو الممر الإجباري إلى السلامة.. والسلامة غنيمة!
ونحن، مجموعة صغيرة من غرباء الديار، نتحلق من حول فضائية «المنار» الممتازة، نتابع الوقائع المُنشية للإنجاز الجديد والباهر الذي حققته «المنظمة الإرهابية الأجنبية» المسماة «حزب الله»، متمثلاً في عودة الأسرى وقد حررتهم من سجون العدو، بذكائها السياسي الرفيع المستوى، وبكفاءتها التي تدلل على «هجانتها» التي أثبتها السفير الأميركي في بيروت بالدليل الحسي القاطع!
جلسنا نتابعهم وهم يتطلعون بتلهّف من النوافذ الصغيرة للطائرة الألمانية وهي تقترب كأنما على شغاف القلوب من أرض المطار. أخذ الحلم يتبلور شيئاً فشيئاً ليستحيل حقيقة. صار الظلام أرضاً. صارت الأرض أهلاً. صار الأهل وطناً.. صار الوطن أمة.
قدم الجيش التحية للذين تقدموه فافتدوا وحدته والدولة.
جاء أهل الأسرى في موكب الفخار، يتهادون بنشوة النصر، دخلوا لأول مرة ذلك الصالون الذي تشرّف الآن بهم وسيزداد شرفاً حين يطأه العائدون مرفوعي الرؤوس والقبضات، المزدحمة صدورهم بروحهم المعنوية.مشى العائدون على المباركة الأرض فتعملقوا، ثم أخذتهم العاطفة فتواضعوا ومشوا نحو الرؤساء وسائر المسؤولين يمنحونهم قبساً من «قداسة» أيديهم التي طالما رسفت في القيود. كانوا في شوق إلى الوجوه الحبيبة، إلى الأهل، إلى الأرض، إلى الهوية.
إنه لقاء على المعنى وليس مجرد مهرجان للفولكلور السياسي الرديء. وهو تلاق على من يستحق أن تخرج له الدولة لتؤكد شرعيتها، تصاغرت الألقاب والهامات التي تكبِّرها الألقاب. اضطر جميع المتطاولين الى الانحناء لكي يقبّلوا الجبين المرفوع لهؤلاء الذين اختطفهم العدو فتية وشباباً وعادوا من أسره كهولاً يعرفهم أبناؤهم ويعرفونهم عبر الصور.
* * *
أهم من اللقاء خطاب «سيد» التحرير.
من حق صاحب الإنجاز أن يقول، ولا خوف عليه من الخطأ، والأهم أن لا خوف عليه من أن تأخذه العزة بالنفس الى الغرور. وقال السيد حسن نصر الله ما يتوجب قوله.
ليس النصر في مستوى الاستحالة. صحيح أن العدو جبار القوة، سياسياً، على المستوى الدولي (والعربي؟!)، وعسكرياً في مواجهة هذا الانسحاق العربي المريع. لكن المقاومة ممكنة دائماً، وقادرة دائماً على إرباك العدو وإجباره على التراجع.
النصر فصيح، والهزيمة بكماء، يسربلها الشعور بالخزي ودمع الانسحاق تحت وطأة العجز وعاره المقيم.
وهكذا تجلى حسن نصر الله كقائد سياسي في مستوى النصر: لم تأخذه الحماسة إلى الشطط، إلى الغلو، إلى الغرور والانبهار ببريق الإنجاز. ظل على الأرض، لأنه يعرف أن الأرض هي ولاّدة المجد وهي حاضنته.. وأن ارتباطه بالأرض، حماية وتحريراً، هو مصدر قوته. والأرض بناسها، إن هم لم يحفظوها تناهبها الأعداء والخصوم.
وأهمية هذا النصر أنه يجيء في هذه اللحظة السياسية المزدحمة بالانهيارات والتزاحم على الاستسلام بذريعة أن زمن الشعوب قد ولّى، وأن عودة الاحتلال (الأرض أو الإرادة أو كلتيهما) قدر لا يرد، وأن المقاومة قد تتحول إلى فتنة، وقد تأخذ إلى التقسيم والتفتيت والحرب الأهلية.
أهمية هذا النصر في أنه يتجاوز دلالاته الوطنية العظيمة ليشعَّ في الأفق العربي المسدود باليأس من الذات ومن شفاعة الصديق الأميركي ومن «رحمة» العدو الإسرائيلي.
ولمثل هذا النصر كان الخطاب الجامع المانع، بالمعنى الوطني وبالمعنى القومي، بحيث لم يغفل «سيد المقاومة» قضية ولم يأخذه السهو بعيداً عن تحديد أهداف الغد وما بعد الغد.
ولعل اللغة التي خاطب بها السيد حسن نصر الله العقيد معمر القذافي هي أرقى ما يمكن أن يصدر عن مثله لمثله، في قضية مفجعة كاختفاء «إمام المقاومة» السيد موسى الصدر مع رفيقيه الشيخ محمد يعقوب والزميل عباس بدر الدين، أثناء زيارتهم الى ليبيا عشية «عيد الفاتح» في أواخر آب 1978.
لقد أوجز فأوفى، وكان رقيقاً في تحذيره، فبلّغ وأشهد الناس عليه، وهو يطالب العقيد القذافي بكشف مصير «ضيوفه»، خصوصاً أنه يصفّي ملفاته العالقة مع الأجنبي الذي كان، حتى الأمس، العدو الأول لليبيا ولقائد الفاتح شخصياً، وقد قصفته طائراته الحربية وقتلت ابنته بالتبني قبل ستة عشر عاماً.
كان حسن نصر الله، أمس، وأكثر مما كان في أي يوم، قائداً عربياً من نوع فريد: قوياً بروح المقاومة، مفعماً ببهجة الإنجاز، واثقاً من قدرته على مواجهة أعتى الأعداء، لكنه لا يطلق الكلام جزافاً، ولا يعتز بنفسه فيرى أنه البديل من الناس، من بسطاء الناس، واهبي أرواحهم للقضية المقدسة.
وقد يكون صحيحاً القول إن «الأفق العربي» الذي تكاد تسدُّه الهزيمة لا يتسع لقامة حسن نصر الله، وانه سيغدو الآن هدف السهام جميعاً، ومن الداخل قبل الخارج، لكن وهج الدم المقدس يحمي من الغرور، والإيمان يحمي من الزهو.
ولسنا نخاف على قائد المقاومة ولا على «حزب الله» من الغرور، فلقد حقق عبر مسيرته الطويلة انتصارات أعظم من انتصار الأمس، وظل مع ذلك «على الأرض»، وفي الأرض، ومع أهل الأرض، لم يبتعد عنهم استكباراً ولم يبتعدوا عنه ثقة واعتزازاً بحكمته قبل شجاعته.
وعسى يجد هذا النصر من يستثمره ومن يكمل به النهج إلى تحرير الأرض والإنسان عربياً.
ومبروك للوطن استعادة شهدائه الأحياء.
30/1/2004
لندن ...
الثلج في الخارج، وفي الكلمات المهذبة جداً، على قسوتها، والتي سمعتها بصيغ مختلفة وبرنة إشفاق، على مدى الأيام الثلاثة من بعض الدبلوماسيين البريطانيين، وسمعتها ملعلعة من كثير من أهلِك العرب المستغربين، هنا، والتي تكاد تصبح الصوت الغالب في أي مناقشة سياسية، هناك في «البلاد»، والتي تردد بلا تعب أن لا أمل لا في اليوم ولا في الغد ولا حتى في بعد غد، وأن الهزيمة قدرك وقدر أبنائك من بعدك، وأن الاستسلام هو الممر الإجباري إلى السلامة.. والسلامة غنيمة!
ونحن، مجموعة صغيرة من غرباء الديار، نتحلق من حول فضائية «المنار» الممتازة، نتابع الوقائع المُنشية للإنجاز الجديد والباهر الذي حققته «المنظمة الإرهابية الأجنبية» المسماة «حزب الله»، متمثلاً في عودة الأسرى وقد حررتهم من سجون العدو، بذكائها السياسي الرفيع المستوى، وبكفاءتها التي تدلل على «هجانتها» التي أثبتها السفير الأميركي في بيروت بالدليل الحسي القاطع!
جلسنا نتابعهم وهم يتطلعون بتلهّف من النوافذ الصغيرة للطائرة الألمانية وهي تقترب كأنما على شغاف القلوب من أرض المطار. أخذ الحلم يتبلور شيئاً فشيئاً ليستحيل حقيقة. صار الظلام أرضاً. صارت الأرض أهلاً. صار الأهل وطناً.. صار الوطن أمة.
قدم الجيش التحية للذين تقدموه فافتدوا وحدته والدولة.
جاء أهل الأسرى في موكب الفخار، يتهادون بنشوة النصر، دخلوا لأول مرة ذلك الصالون الذي تشرّف الآن بهم وسيزداد شرفاً حين يطأه العائدون مرفوعي الرؤوس والقبضات، المزدحمة صدورهم بروحهم المعنوية.مشى العائدون على المباركة الأرض فتعملقوا، ثم أخذتهم العاطفة فتواضعوا ومشوا نحو الرؤساء وسائر المسؤولين يمنحونهم قبساً من «قداسة» أيديهم التي طالما رسفت في القيود. كانوا في شوق إلى الوجوه الحبيبة، إلى الأهل، إلى الأرض، إلى الهوية.
إنه لقاء على المعنى وليس مجرد مهرجان للفولكلور السياسي الرديء. وهو تلاق على من يستحق أن تخرج له الدولة لتؤكد شرعيتها، تصاغرت الألقاب والهامات التي تكبِّرها الألقاب. اضطر جميع المتطاولين الى الانحناء لكي يقبّلوا الجبين المرفوع لهؤلاء الذين اختطفهم العدو فتية وشباباً وعادوا من أسره كهولاً يعرفهم أبناؤهم ويعرفونهم عبر الصور.
* * *
أهم من اللقاء خطاب «سيد» التحرير.
من حق صاحب الإنجاز أن يقول، ولا خوف عليه من الخطأ، والأهم أن لا خوف عليه من أن تأخذه العزة بالنفس الى الغرور. وقال السيد حسن نصر الله ما يتوجب قوله.
ليس النصر في مستوى الاستحالة. صحيح أن العدو جبار القوة، سياسياً، على المستوى الدولي (والعربي؟!)، وعسكرياً في مواجهة هذا الانسحاق العربي المريع. لكن المقاومة ممكنة دائماً، وقادرة دائماً على إرباك العدو وإجباره على التراجع.
النصر فصيح، والهزيمة بكماء، يسربلها الشعور بالخزي ودمع الانسحاق تحت وطأة العجز وعاره المقيم.
وهكذا تجلى حسن نصر الله كقائد سياسي في مستوى النصر: لم تأخذه الحماسة إلى الشطط، إلى الغلو، إلى الغرور والانبهار ببريق الإنجاز. ظل على الأرض، لأنه يعرف أن الأرض هي ولاّدة المجد وهي حاضنته.. وأن ارتباطه بالأرض، حماية وتحريراً، هو مصدر قوته. والأرض بناسها، إن هم لم يحفظوها تناهبها الأعداء والخصوم.
وأهمية هذا النصر أنه يجيء في هذه اللحظة السياسية المزدحمة بالانهيارات والتزاحم على الاستسلام بذريعة أن زمن الشعوب قد ولّى، وأن عودة الاحتلال (الأرض أو الإرادة أو كلتيهما) قدر لا يرد، وأن المقاومة قد تتحول إلى فتنة، وقد تأخذ إلى التقسيم والتفتيت والحرب الأهلية.
أهمية هذا النصر في أنه يتجاوز دلالاته الوطنية العظيمة ليشعَّ في الأفق العربي المسدود باليأس من الذات ومن شفاعة الصديق الأميركي ومن «رحمة» العدو الإسرائيلي.
ولمثل هذا النصر كان الخطاب الجامع المانع، بالمعنى الوطني وبالمعنى القومي، بحيث لم يغفل «سيد المقاومة» قضية ولم يأخذه السهو بعيداً عن تحديد أهداف الغد وما بعد الغد.
ولعل اللغة التي خاطب بها السيد حسن نصر الله العقيد معمر القذافي هي أرقى ما يمكن أن يصدر عن مثله لمثله، في قضية مفجعة كاختفاء «إمام المقاومة» السيد موسى الصدر مع رفيقيه الشيخ محمد يعقوب والزميل عباس بدر الدين، أثناء زيارتهم الى ليبيا عشية «عيد الفاتح» في أواخر آب 1978.
لقد أوجز فأوفى، وكان رقيقاً في تحذيره، فبلّغ وأشهد الناس عليه، وهو يطالب العقيد القذافي بكشف مصير «ضيوفه»، خصوصاً أنه يصفّي ملفاته العالقة مع الأجنبي الذي كان، حتى الأمس، العدو الأول لليبيا ولقائد الفاتح شخصياً، وقد قصفته طائراته الحربية وقتلت ابنته بالتبني قبل ستة عشر عاماً.
كان حسن نصر الله، أمس، وأكثر مما كان في أي يوم، قائداً عربياً من نوع فريد: قوياً بروح المقاومة، مفعماً ببهجة الإنجاز، واثقاً من قدرته على مواجهة أعتى الأعداء، لكنه لا يطلق الكلام جزافاً، ولا يعتز بنفسه فيرى أنه البديل من الناس، من بسطاء الناس، واهبي أرواحهم للقضية المقدسة.
وقد يكون صحيحاً القول إن «الأفق العربي» الذي تكاد تسدُّه الهزيمة لا يتسع لقامة حسن نصر الله، وانه سيغدو الآن هدف السهام جميعاً، ومن الداخل قبل الخارج، لكن وهج الدم المقدس يحمي من الغرور، والإيمان يحمي من الزهو.
ولسنا نخاف على قائد المقاومة ولا على «حزب الله» من الغرور، فلقد حقق عبر مسيرته الطويلة انتصارات أعظم من انتصار الأمس، وظل مع ذلك «على الأرض»، وفي الأرض، ومع أهل الأرض، لم يبتعد عنهم استكباراً ولم يبتعدوا عنه ثقة واعتزازاً بحكمته قبل شجاعته.
وعسى يجد هذا النصر من يستثمره ومن يكمل به النهج إلى تحرير الأرض والإنسان عربياً.
ومبروك للوطن استعادة شهدائه الأحياء.
30/1/2004
صفحة 4
... ويسألونك عن لبنان والديموقراطية عند العرب!
لا يمكنك، وأنت «ضيف» في أي عاصمة غربية، أن تستمر في الهرب من «الكمائن» التي يحتشد بها أي سؤال عن الأوضاع الداخلية، في لبنان خصوصاً، أو في البلاد العربية عموماً، سواء اتصل الأمر بالديموقراطية وقضايا الحريات، أم الأسباب الفعلية لتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكلها في نظر السائل مولّدة للإرهاب!
يعاملك مضيفك المهذب جداً لا سيما إذا كان بريطانياً بشيء من الإشفاق، ويداري وهو يطرح عليك ما يعرف جوابه من الأسئلة المحرجة، أن يُشعرك بالإهانة أو بأنه لا يحترم رؤساءك المبجلين أو «اللانظام» الحاكم في بلادك، ولهذا فهو يشير إلى استغلال الطائفية لشرعنة الفساد، وإلى تزوير إرادة الناخبين عبر تفصيل قانون الانتخاب على مقاس أصحاب الحظوة من السياسيين الذين يصيرون بالطائفية زعماء شعبيين وأركاناً للسلطة ينتفعون بخيراتها العميمة على حساب الفقراء الذين يزدادون فقراً.
يسألك، مثلاً، عن «الطبقة الوسطى» وسبب اندثارها، وهي التي كانت تلعب دوراً تنويرياً في المشرق عموماً، وفي لبنان بصورة خاصة.
ويسألك، ببراءة، إذا ما كانت الديموقراطية تتناقض مع الدين الإسلامي، أو مع «العروبة» كحركة سياسية تصدى بعض رافعي شعارها للإمساك بالسلطة في أكثر من قطر عربي، فكانت النتيجة تراجعاً شاملاً في مسألة الديموقراطية كما في البناء الاقتصادي أو في محاولة تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية.
وتفتقد ما كنت تستشعره في لقاءاتك القديمة قبل عقدين أو ثلاثة مع ضيوف أو مضيفين غربيين من تودد واحترام يصل إلى حدود التهيّب، لاحتمالات التغيير الجذري في المنطقة التي كان اسمها «العالم العربي» وباتت الآن «الشرق الأوسط»، تحت راية الطموح إلى التقدم، سياسياً نحو الديموقراطية، واجتماعياً بتوفير «الخبز مع الكرامة» واقتصادياً بالانهماك في استثمار القدرات والكفاءات الوطنية والإمكانات الظاهرة والكامنة وتوفير فرص العمل لكل القادرين عليه.
أنت الآن، في أي مكان تذهب إليه، موضع مساءلة: «لماذا تتراجعون بينما حركة التقدم تتسارع وتيرتها بما يهددكم بالبقاء خارج الغد»؟!
».. وأين هو لبنان الذي كان له دور حيوي في «استحضار» العرب دولياً، عبر صورة مشرقة عن قدراتهم الكامنة، وفي تقديم الدليل على أن النظام الديموقراطي حتى لو كان ناقصاً أو معتلاً، كما هي الحال عندكم هو بطاقة انتساب إلى العصر؟».
* * *
في «زيارة» لمجلس العموم البريطاني، تستطيع التحقق بالعين المجردة أن الديموقراطية لا تحتاج إلى مقاعد وثيرة ولوحة ضوئية بأسماء الحضور، وتجهيزات فائقة الحداثة لمقاعد السادة النواب.
»البنوك المدرسية» الخضراء، والرخيصة التكاليف، تتراصف متواجهة في القاعة الضيقة على من يحتشد فيها: الحكومة، ومن خلفها حزبها، في مقابل المعارضة (تتقدمها حكومة الظل)، وفي الوسط «الرئيس» فوق مقعد عال، وأمامه الخبير الدستوري، بشعره المستعار، للاستعانة به إذا لزم الأمر..
الديموقراطية تحب البساطة، وهي غير مكلفة.
يبدو أن الديموقراطية لا تعيش إلا بالفقراء ومعهم، بشرط أن يكون ممثلوهم ممثليهم فعلاً!
... ومع أن الجلسة التي شهدنا بعض وقائعها قد حفلت باتهامات خطيرة للحكومة، وبالذات لرئيسها طوني بلير، بينها أنها «خدعت الشعب» و«غيّبت عنه الحقيقة» و«أخذت البلاد إلى حرب لاحتلال العراق. ثبت أن مبرراتها كانت مضللة وكاذبة»، فهي قد انتهت بلا اشتباكات أو ضرب بالكراسي أو اختلاق تهم جنائية للمعارضين (وكثير منهم أعضاء في الحزب الحاكم).
لم يشكل الاختلاف في الرأي، كما في بلادنا خروجاً على الجماعة.
ولم يخرج النواب العماليون من الحزب في انشقاق يستولد أحزاباً، بل هم تصدوا لرئيسهم مباشرة وعلناً... بينما كل حزب في بلادنا، صار بمجرد الاختلاف في الرأي، أحزاباً.. وكل من اعترض خرج أو أُخرج مشهّراً به وملعوناً إلى يوم الدين.
ومع أن العصمة في بلادنا امتياز للأنبياء، فقد أضفى كل رئيس على نفسه صفة العصمة، من رئيس الجمهورية إلى رئيس المجلس إلى رئيس الحكومة إلى رئيس الحزب إلى رئيس النقابة إلى رئيس جمعية الحبل بلا دنس. الرئيس فوق الحساب أما الشعب فتحت الحساب، وهو من يدفع الحساب دائماً.
* * *
وحديث النيابات والمجالس يفتح الباب لحديث الانتخابات، في لبنان، وقوانينها العجائبية.
لا يمكنك، وأنت «ضيف» في أي عاصمة غربية، أن تستمر في الهرب من «الكمائن» التي يحتشد بها أي سؤال عن الأوضاع الداخلية، في لبنان خصوصاً، أو في البلاد العربية عموماً، سواء اتصل الأمر بالديموقراطية وقضايا الحريات، أم الأسباب الفعلية لتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكلها في نظر السائل مولّدة للإرهاب!
يعاملك مضيفك المهذب جداً لا سيما إذا كان بريطانياً بشيء من الإشفاق، ويداري وهو يطرح عليك ما يعرف جوابه من الأسئلة المحرجة، أن يُشعرك بالإهانة أو بأنه لا يحترم رؤساءك المبجلين أو «اللانظام» الحاكم في بلادك، ولهذا فهو يشير إلى استغلال الطائفية لشرعنة الفساد، وإلى تزوير إرادة الناخبين عبر تفصيل قانون الانتخاب على مقاس أصحاب الحظوة من السياسيين الذين يصيرون بالطائفية زعماء شعبيين وأركاناً للسلطة ينتفعون بخيراتها العميمة على حساب الفقراء الذين يزدادون فقراً.
يسألك، مثلاً، عن «الطبقة الوسطى» وسبب اندثارها، وهي التي كانت تلعب دوراً تنويرياً في المشرق عموماً، وفي لبنان بصورة خاصة.
ويسألك، ببراءة، إذا ما كانت الديموقراطية تتناقض مع الدين الإسلامي، أو مع «العروبة» كحركة سياسية تصدى بعض رافعي شعارها للإمساك بالسلطة في أكثر من قطر عربي، فكانت النتيجة تراجعاً شاملاً في مسألة الديموقراطية كما في البناء الاقتصادي أو في محاولة تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية.
وتفتقد ما كنت تستشعره في لقاءاتك القديمة قبل عقدين أو ثلاثة مع ضيوف أو مضيفين غربيين من تودد واحترام يصل إلى حدود التهيّب، لاحتمالات التغيير الجذري في المنطقة التي كان اسمها «العالم العربي» وباتت الآن «الشرق الأوسط»، تحت راية الطموح إلى التقدم، سياسياً نحو الديموقراطية، واجتماعياً بتوفير «الخبز مع الكرامة» واقتصادياً بالانهماك في استثمار القدرات والكفاءات الوطنية والإمكانات الظاهرة والكامنة وتوفير فرص العمل لكل القادرين عليه.
أنت الآن، في أي مكان تذهب إليه، موضع مساءلة: «لماذا تتراجعون بينما حركة التقدم تتسارع وتيرتها بما يهددكم بالبقاء خارج الغد»؟!
».. وأين هو لبنان الذي كان له دور حيوي في «استحضار» العرب دولياً، عبر صورة مشرقة عن قدراتهم الكامنة، وفي تقديم الدليل على أن النظام الديموقراطي حتى لو كان ناقصاً أو معتلاً، كما هي الحال عندكم هو بطاقة انتساب إلى العصر؟».
* * *
في «زيارة» لمجلس العموم البريطاني، تستطيع التحقق بالعين المجردة أن الديموقراطية لا تحتاج إلى مقاعد وثيرة ولوحة ضوئية بأسماء الحضور، وتجهيزات فائقة الحداثة لمقاعد السادة النواب.
»البنوك المدرسية» الخضراء، والرخيصة التكاليف، تتراصف متواجهة في القاعة الضيقة على من يحتشد فيها: الحكومة، ومن خلفها حزبها، في مقابل المعارضة (تتقدمها حكومة الظل)، وفي الوسط «الرئيس» فوق مقعد عال، وأمامه الخبير الدستوري، بشعره المستعار، للاستعانة به إذا لزم الأمر..
الديموقراطية تحب البساطة، وهي غير مكلفة.
يبدو أن الديموقراطية لا تعيش إلا بالفقراء ومعهم، بشرط أن يكون ممثلوهم ممثليهم فعلاً!
... ومع أن الجلسة التي شهدنا بعض وقائعها قد حفلت باتهامات خطيرة للحكومة، وبالذات لرئيسها طوني بلير، بينها أنها «خدعت الشعب» و«غيّبت عنه الحقيقة» و«أخذت البلاد إلى حرب لاحتلال العراق. ثبت أن مبرراتها كانت مضللة وكاذبة»، فهي قد انتهت بلا اشتباكات أو ضرب بالكراسي أو اختلاق تهم جنائية للمعارضين (وكثير منهم أعضاء في الحزب الحاكم).
لم يشكل الاختلاف في الرأي، كما في بلادنا خروجاً على الجماعة.
ولم يخرج النواب العماليون من الحزب في انشقاق يستولد أحزاباً، بل هم تصدوا لرئيسهم مباشرة وعلناً... بينما كل حزب في بلادنا، صار بمجرد الاختلاف في الرأي، أحزاباً.. وكل من اعترض خرج أو أُخرج مشهّراً به وملعوناً إلى يوم الدين.
ومع أن العصمة في بلادنا امتياز للأنبياء، فقد أضفى كل رئيس على نفسه صفة العصمة، من رئيس الجمهورية إلى رئيس المجلس إلى رئيس الحكومة إلى رئيس الحزب إلى رئيس النقابة إلى رئيس جمعية الحبل بلا دنس. الرئيس فوق الحساب أما الشعب فتحت الحساب، وهو من يدفع الحساب دائماً.
* * *
وحديث النيابات والمجالس يفتح الباب لحديث الانتخابات، في لبنان، وقوانينها العجائبية.
صفحة 5
فبعد أكثر من سبعين عاماً من التجارب الانتخابية، خلال الانتداب، وفي عهد «استقلال الدولة» ثم في ظل «دولة الاستقلال»، وأخيراً في دولة ما بعد الحرب الأهلية (اتفاق الطائف) لم يستقر لبنان (الرسمي) على قانون انتخابي واحد له طابع الديمومة بما يؤكد فيه «قواعد» اللعبة الديموقراطية في تمثيل أهله.
جرّب بعض حكامه تكبير الدوائر وجرّب بعض آخر تصغيرها، وجرّب آخرون الصيغة الوسطى، ثم جرى تكبير المكبّر، وكانت لكل صيغة حيثياتها وتبريراتها المرتبطة باللحظة السياسية والتوازنات بين أقطاب اللعبة وليس بالإرادة الشعبية أو بهدف سامٍ مثل تدعيم الوحدة الوطنية.
في كل انتخابات كانت «الديموقراطية» تتعرّض لإعادة تفصيل وتقطيع لكي تأتي على مقاس مزوّريها ومنتحلي صفة تمثيلها... مرة ممطوطة بالطول لتشمل محافظتين، ومرة مقطعة بالعرض لتتسع لقطبين مع كتلتيهما، ومرة تقص المحافظة الواحدة إلى ثلاث دوائر، ثم تجمع الثلاث في واحدة.. بالمعارضة.
إن الانتخابات، في التجارب اللبنانية، تكاد تكون الأداة اللاغية للديموقراطية وليست منبتها أو مصدرها الأصلي.
أما على الصعيد العربي فقد حرِّمت الديموقراطية أو هي اعتبرت بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار... وانتهى الأمر بأن صارت الديموقراطية اشتراطاً أميركياً على الحاكم العربي الذي في الغالب الأعم لم يعد يملك لتأكيد حقه «الشرعي» في الحكم الا شطب معارضيه جميعاً، والاستمرار في السلطة بالديموقراطية!. حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
أليست هذه احدى خلاصات تجربة صدام حسين في إخضاع العراق لطغيانه باستفتاءات المئة في المئة من أصوات الشعب!! والتي انتهت بالاحتلال الأميركي (بغير مقاومة تذكر).
* * *
عبر المناقشة مع «الأجنبي» يتكشّف لك المزيد من الحقائق التي نحاول نسيانها أو الهرب من مواجهتها، وبينها:
ان الخيار الذي يفرض على «المواطن العربي» هو بين أمرين أحلاهما مر:
ففي العراق، مثلاً الخيار هو بين «سيادة» تحت الاحتلال ومعه، أو الديموقراطية ولا وطن... لأن «الديموقراطية» المعروضة على العراق ستنتهي إلى تثبيت الاحتلال خوفاً على وحدة الوطن من ان تتقاسمه الأقليات الطائفية والمذهبية والعرقية الخ.
وفي الجزائر كادت التجربة الديموقراطية اليتيمة، في ظل الحكم العسكري، ان تؤدي إلى الحرب الأهلية... وهكذا، فَقَدَ الجزائريون أمنهم الشخصي واستقرار بلادهم (واحتمالات تقدمها) وحرموا من الاستمتاع بالديموقراطية، ولو في نسخة أولى قد لا تكون نموذجية، ولكن الممارسة كفيلة بتصحيحها.
في مصر وأقطار عربية أخرى كثيرة، يمكن إدراج لبنان بينها، الخيار هو بين الاستقرار في ظل ديموقراطية غير ديموقراطية أو الانقسام والفتنة والعياذ بالله..
في السودان تكاد الديموقراطية ترتبط بالانفصال، كأنما وحدة البلاد خطر على حريات السودانيين أو العكس.
في الكويت وأنحاء الخليج يحاول المبهورون بالقوة الأميركية الجبارة الترويج للديموقراطية باعتبارها العلاج الشافي من العروبة... لأن العروبة في منطقهم تعني الدكتاتورية وفرض الوحدة بالغزو العسكري، وهم يستشهدون بمقامرة صدام حسين لتأكيد صحة هذه «المعادلة» التي ابتدعها طاغية قصير النظر!
في السعودية كاد بعض المغالين في استغلال الشعار الديني لاغراض سياسية يصورون الديموقراطية اعتراضاً على الاحكام الإلهية وخروجاً على طاعة أُولي الأمر و رِدّة عن احكام الدين الحنيف.
* * *
... ونعود إلى لبنان فإذا الأحاديث الرئاسية تمنن اللبنانيين بأن السلطة ستسمح لهم بممارسة حقوقهم الطبيعية التي يكفلها الدستور، فتتم الانتخابات البلدية في موعدها القانوني!
أما الانتخابات الأرفع مستوى فمصيرها معلق.
... وأما المجلس النيابي فقد مدِّدت ولايته الدستورية استثنائياً ولمرة واحدة، حتى يكون له وليس لمن يأتي بعده شرف اعلان اسم رئيس الجمهورية، ومن بعد يقوم هذا الرئيس العتيد جديداً أو مجدداً له بالتمديد برد الجميل فيجدد للذين رفعوه (أو ثبتوه) في سدة الرئاسة الأولى... وكما تراني يا جميل أراك!
ولقد عدت من بريطانيا بسؤال ما زال معلقاً في ذهني لا أملك له جواباً هو التالي: ترى كم يحتاج الانكليز وسائر شعوب أوروبا من زمن لبناء الديموقراطية في بلدانهم «المتخلفة»؟!
9/2/2004
جرّب بعض حكامه تكبير الدوائر وجرّب بعض آخر تصغيرها، وجرّب آخرون الصيغة الوسطى، ثم جرى تكبير المكبّر، وكانت لكل صيغة حيثياتها وتبريراتها المرتبطة باللحظة السياسية والتوازنات بين أقطاب اللعبة وليس بالإرادة الشعبية أو بهدف سامٍ مثل تدعيم الوحدة الوطنية.
في كل انتخابات كانت «الديموقراطية» تتعرّض لإعادة تفصيل وتقطيع لكي تأتي على مقاس مزوّريها ومنتحلي صفة تمثيلها... مرة ممطوطة بالطول لتشمل محافظتين، ومرة مقطعة بالعرض لتتسع لقطبين مع كتلتيهما، ومرة تقص المحافظة الواحدة إلى ثلاث دوائر، ثم تجمع الثلاث في واحدة.. بالمعارضة.
إن الانتخابات، في التجارب اللبنانية، تكاد تكون الأداة اللاغية للديموقراطية وليست منبتها أو مصدرها الأصلي.
أما على الصعيد العربي فقد حرِّمت الديموقراطية أو هي اعتبرت بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار... وانتهى الأمر بأن صارت الديموقراطية اشتراطاً أميركياً على الحاكم العربي الذي في الغالب الأعم لم يعد يملك لتأكيد حقه «الشرعي» في الحكم الا شطب معارضيه جميعاً، والاستمرار في السلطة بالديموقراطية!. حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
أليست هذه احدى خلاصات تجربة صدام حسين في إخضاع العراق لطغيانه باستفتاءات المئة في المئة من أصوات الشعب!! والتي انتهت بالاحتلال الأميركي (بغير مقاومة تذكر).
* * *
عبر المناقشة مع «الأجنبي» يتكشّف لك المزيد من الحقائق التي نحاول نسيانها أو الهرب من مواجهتها، وبينها:
ان الخيار الذي يفرض على «المواطن العربي» هو بين أمرين أحلاهما مر:
ففي العراق، مثلاً الخيار هو بين «سيادة» تحت الاحتلال ومعه، أو الديموقراطية ولا وطن... لأن «الديموقراطية» المعروضة على العراق ستنتهي إلى تثبيت الاحتلال خوفاً على وحدة الوطن من ان تتقاسمه الأقليات الطائفية والمذهبية والعرقية الخ.
وفي الجزائر كادت التجربة الديموقراطية اليتيمة، في ظل الحكم العسكري، ان تؤدي إلى الحرب الأهلية... وهكذا، فَقَدَ الجزائريون أمنهم الشخصي واستقرار بلادهم (واحتمالات تقدمها) وحرموا من الاستمتاع بالديموقراطية، ولو في نسخة أولى قد لا تكون نموذجية، ولكن الممارسة كفيلة بتصحيحها.
في مصر وأقطار عربية أخرى كثيرة، يمكن إدراج لبنان بينها، الخيار هو بين الاستقرار في ظل ديموقراطية غير ديموقراطية أو الانقسام والفتنة والعياذ بالله..
في السودان تكاد الديموقراطية ترتبط بالانفصال، كأنما وحدة البلاد خطر على حريات السودانيين أو العكس.
في الكويت وأنحاء الخليج يحاول المبهورون بالقوة الأميركية الجبارة الترويج للديموقراطية باعتبارها العلاج الشافي من العروبة... لأن العروبة في منطقهم تعني الدكتاتورية وفرض الوحدة بالغزو العسكري، وهم يستشهدون بمقامرة صدام حسين لتأكيد صحة هذه «المعادلة» التي ابتدعها طاغية قصير النظر!
في السعودية كاد بعض المغالين في استغلال الشعار الديني لاغراض سياسية يصورون الديموقراطية اعتراضاً على الاحكام الإلهية وخروجاً على طاعة أُولي الأمر و رِدّة عن احكام الدين الحنيف.
* * *
... ونعود إلى لبنان فإذا الأحاديث الرئاسية تمنن اللبنانيين بأن السلطة ستسمح لهم بممارسة حقوقهم الطبيعية التي يكفلها الدستور، فتتم الانتخابات البلدية في موعدها القانوني!
أما الانتخابات الأرفع مستوى فمصيرها معلق.
... وأما المجلس النيابي فقد مدِّدت ولايته الدستورية استثنائياً ولمرة واحدة، حتى يكون له وليس لمن يأتي بعده شرف اعلان اسم رئيس الجمهورية، ومن بعد يقوم هذا الرئيس العتيد جديداً أو مجدداً له بالتمديد برد الجميل فيجدد للذين رفعوه (أو ثبتوه) في سدة الرئاسة الأولى... وكما تراني يا جميل أراك!
ولقد عدت من بريطانيا بسؤال ما زال معلقاً في ذهني لا أملك له جواباً هو التالي: ترى كم يحتاج الانكليز وسائر شعوب أوروبا من زمن لبناء الديموقراطية في بلدانهم «المتخلفة»؟!
9/2/2004
صفحة 6
القمة اليتيمة تبحث عن مأوى!
تدور «مؤسسة القِمة العربية» هائمة على وجهها كطفل فقد أهله في زلزال وافتقد من يؤويه ويطعمه ويؤمنه من خوفه على مصيره.
بل إن المعنيين باستضافتها، أو بالحرص على وجودها ذاته، يتصرفون معها وكأنها مصدر للخطر على من يتجرأ فيشارك فيها، وينظرون إليها نظرتهم إلى «عبوة ناسفة» تتهددهم في حياتهم وليس فقط في مواقعهم المعظمة والمفخمة والسامية والمتوّجة بألقاب الجلالة.
في القمم السابقة كانت المشكلة في أن يلبّي «القادة» الدعوة فيحضرون شخصياً، أو ينيبون في حال العذر الشرعي من له سلطة القرار، بتفويض شرعي غير قابل للطعن... وكأن الأمر ينتهي بحضور «أكثرية» تضفي قدراً من الجدية على القمة التي لم تكن أبداً مصدراً للقرارات التاريخية المرجوة أو الملبية للاحتياج.
هذه المرة يبدو أن «مبدأ» انعقاد القمة العربية في هذا الظرف الحرج أمر غير مستحب... وبالتالي فإن البحث عن من يستضيفها هو الجزء الظاهر من جبل الثلج ليس إلا: كيف يمكنك أن تعقد قمة لا يريدها «أهلها»؟!
قبل الحديث عن المغيّبين بالقهر أو بقسر الاحتلال كفلسطين (بشخص رئيسها) والعراق (الذي قد يخطر ببال الحاكم الأميركي بريمر أن يمثله)، فإن المواقف المعلنة والارتباطات المؤكدة والالتزامات المعروفة لمعظم «القادة» العرب تجعلهم يسعون إلى تجنب «كأس السم» هذه، التي ستجعل فضائحهم المعروفة الآن، باليقين أو بالتخمين، مدوِّية بعلنيتها بما يعرّيهم أمام شعوبهم (والعالم..) ويمد «خصومهم» في الداخل (وأمرهم هيّن) وفي الخارج (وهم لا يرحمون) بالبيِّنة على عجزهم ونقص الأهلية وافتقارهم إلى شجاعة القرار... أي قرار!
وقبل القمة فلننظر في المؤسسة الحاضنة: جامعة الدول العربية.
من المؤكد أن عمرو موسى الذي حاول بصعوبة أن يبتلع هذه «الترقية» من وزير خارجية مصر إلى الأمين العام للجامعة، قد تجاوز التفكير بالاستقالة من هذا المنصب الفخم في ظاهره والمفرغ من أي مضمون عملياً، فبدأ يخوض ما يشبه العملية الانتحارية لاستنقاذ ما يمكن إنقاذه، حتى لا يتحمّل تاريخياً جريرة أنه السبب في تهديم آخر الروابط (السياسية) بين العرب، وأنه استخصم من لا يجوز استخصامه، وتجاوز من لا يجوز تجاوزه، وبالتالي فقد وفَّر الذريعة الشخصية للهارب من أي التزام سياسي (أو مالي) أو معنوي تجاه «القضية» وأهلها والمؤسسات المعبّرة عن هذا الالتزام.
إنها «قمة» لا يريدها «السيد» الأميركي، ولا يريدها «المتجبّر» الإسرائيلي، فمن يستطيع إغضاب «الآلهة» ويتحمّل العقوبات الصارمة مقابل «مخاطرة» التلاقي بأقرانه من السلاطين الذين باتت أكثريتهم مهددة بالسقوط، وموضع التآمر عليها من «الداخل» بتحريض مباشر ومعلن من أركان الإدارة الأميركية؟!
أين مساحة القمة العربية في المشروع الأميركي للشرق الأوسط الموسع أو الواسع أو الوسيع بما يلغي ذكر «العرب» فضلاً عن أي دور محتمل لهم في الحاضر أو في المستقبل؟!
إن «العروبة» فعل ماضٍ. والجامعة العربية، والقمة العربية بالاستطراد، هي من مخلفات عهد مضى ولن يعود.
إن العديد من الدول التي كانت «عربية» مشغولة الآن بمحو هذه «الوصمة» عن علمها، وبالتبرؤ من هذه التهمة الشنيعة سياسياً: إن العروبة مكلفة... حتى ليهون أمامها الاحتلال الأميركي!
ليس بالمصادفة أن الجامعة العربية مفلسة، بل ومثقلة بالديون، لأن الدول لا سيما الغنية منها لا تدفع أنصبتها في موازنتها التافهة أصلاً.
وليس بالمصادفة أن بعض الدول العربية قد استخصمت الأمين العام للجامعة بأكثر مما تحتمل «خطاياه» لكي تكون الخصومة العذر للامتناع عن الالتزام بأي تعهد تجاه الجامعة، سواء في السياسة أو في الميزانية الطبيعية التي تسمح بإدامتها.
وليس بالمصادفة أن يعلن عدد من كبار المسؤولين العرب سلفاً وقبل شهرين تقريباً من موعد القمة أنهم لن يشاركوا: البعض بعذر طبي، والبعض «نكاية» بالأمين العام، وبعضٌ ثالث حتى لا يُلزم نفسه بما يمكن أن يؤاخذه عليه «الحاكم الفعلي» لهذه الأرض التي كانت عربية: السيد الأميركي، الذي قد «يقبله» بأي صفة إلا... عروبته!
ولماذا القمة؟!
هذا العراق في الحفظ والصون تحت الرعاية الأميركية المباشرة.
وهذه فلسطين ما زالت «تتنفس»، يشيّع بعضها بعضاً كل يوم، لكن شعبها لا ينقص ولا ينتهي.
وهذه قيادة ليبيا قد عرفت الطريق إلى الأمان.
أما الجزائر فمشغولة بمعركة الرئاسة التي ستؤكد مرة أخرى أن السلطة للجيش وحده بلا شريك.
وهذه تونس تستعد هي الأخرى «للانتخابات الرئاسية» التي، وإن كانت نتائجها محسومة سلفاً، فليس من الحكمة أن تستضيف قمة قد تسبّب إرباكات لمن بيده الحل والربط على امتداد الكون.
فأما الخليج ففي شغل شاغل عمّا يجري بعيداً عن حدود العراق.
من تبقى: مصر وسوريا ولبنان؟
إن اللقاءات متواصلة في ما بينها، والعلاقات ممتازة، فلماذا نخسر الممكن طلباً للمستحيل!
كيف يطلب القمة من هو في قعر الهوان والاستسلام لإرادة عدوه؟!
13/2/2004
تدور «مؤسسة القِمة العربية» هائمة على وجهها كطفل فقد أهله في زلزال وافتقد من يؤويه ويطعمه ويؤمنه من خوفه على مصيره.
بل إن المعنيين باستضافتها، أو بالحرص على وجودها ذاته، يتصرفون معها وكأنها مصدر للخطر على من يتجرأ فيشارك فيها، وينظرون إليها نظرتهم إلى «عبوة ناسفة» تتهددهم في حياتهم وليس فقط في مواقعهم المعظمة والمفخمة والسامية والمتوّجة بألقاب الجلالة.
في القمم السابقة كانت المشكلة في أن يلبّي «القادة» الدعوة فيحضرون شخصياً، أو ينيبون في حال العذر الشرعي من له سلطة القرار، بتفويض شرعي غير قابل للطعن... وكأن الأمر ينتهي بحضور «أكثرية» تضفي قدراً من الجدية على القمة التي لم تكن أبداً مصدراً للقرارات التاريخية المرجوة أو الملبية للاحتياج.
هذه المرة يبدو أن «مبدأ» انعقاد القمة العربية في هذا الظرف الحرج أمر غير مستحب... وبالتالي فإن البحث عن من يستضيفها هو الجزء الظاهر من جبل الثلج ليس إلا: كيف يمكنك أن تعقد قمة لا يريدها «أهلها»؟!
قبل الحديث عن المغيّبين بالقهر أو بقسر الاحتلال كفلسطين (بشخص رئيسها) والعراق (الذي قد يخطر ببال الحاكم الأميركي بريمر أن يمثله)، فإن المواقف المعلنة والارتباطات المؤكدة والالتزامات المعروفة لمعظم «القادة» العرب تجعلهم يسعون إلى تجنب «كأس السم» هذه، التي ستجعل فضائحهم المعروفة الآن، باليقين أو بالتخمين، مدوِّية بعلنيتها بما يعرّيهم أمام شعوبهم (والعالم..) ويمد «خصومهم» في الداخل (وأمرهم هيّن) وفي الخارج (وهم لا يرحمون) بالبيِّنة على عجزهم ونقص الأهلية وافتقارهم إلى شجاعة القرار... أي قرار!
وقبل القمة فلننظر في المؤسسة الحاضنة: جامعة الدول العربية.
من المؤكد أن عمرو موسى الذي حاول بصعوبة أن يبتلع هذه «الترقية» من وزير خارجية مصر إلى الأمين العام للجامعة، قد تجاوز التفكير بالاستقالة من هذا المنصب الفخم في ظاهره والمفرغ من أي مضمون عملياً، فبدأ يخوض ما يشبه العملية الانتحارية لاستنقاذ ما يمكن إنقاذه، حتى لا يتحمّل تاريخياً جريرة أنه السبب في تهديم آخر الروابط (السياسية) بين العرب، وأنه استخصم من لا يجوز استخصامه، وتجاوز من لا يجوز تجاوزه، وبالتالي فقد وفَّر الذريعة الشخصية للهارب من أي التزام سياسي (أو مالي) أو معنوي تجاه «القضية» وأهلها والمؤسسات المعبّرة عن هذا الالتزام.
إنها «قمة» لا يريدها «السيد» الأميركي، ولا يريدها «المتجبّر» الإسرائيلي، فمن يستطيع إغضاب «الآلهة» ويتحمّل العقوبات الصارمة مقابل «مخاطرة» التلاقي بأقرانه من السلاطين الذين باتت أكثريتهم مهددة بالسقوط، وموضع التآمر عليها من «الداخل» بتحريض مباشر ومعلن من أركان الإدارة الأميركية؟!
أين مساحة القمة العربية في المشروع الأميركي للشرق الأوسط الموسع أو الواسع أو الوسيع بما يلغي ذكر «العرب» فضلاً عن أي دور محتمل لهم في الحاضر أو في المستقبل؟!
إن «العروبة» فعل ماضٍ. والجامعة العربية، والقمة العربية بالاستطراد، هي من مخلفات عهد مضى ولن يعود.
إن العديد من الدول التي كانت «عربية» مشغولة الآن بمحو هذه «الوصمة» عن علمها، وبالتبرؤ من هذه التهمة الشنيعة سياسياً: إن العروبة مكلفة... حتى ليهون أمامها الاحتلال الأميركي!
ليس بالمصادفة أن الجامعة العربية مفلسة، بل ومثقلة بالديون، لأن الدول لا سيما الغنية منها لا تدفع أنصبتها في موازنتها التافهة أصلاً.
وليس بالمصادفة أن بعض الدول العربية قد استخصمت الأمين العام للجامعة بأكثر مما تحتمل «خطاياه» لكي تكون الخصومة العذر للامتناع عن الالتزام بأي تعهد تجاه الجامعة، سواء في السياسة أو في الميزانية الطبيعية التي تسمح بإدامتها.
وليس بالمصادفة أن يعلن عدد من كبار المسؤولين العرب سلفاً وقبل شهرين تقريباً من موعد القمة أنهم لن يشاركوا: البعض بعذر طبي، والبعض «نكاية» بالأمين العام، وبعضٌ ثالث حتى لا يُلزم نفسه بما يمكن أن يؤاخذه عليه «الحاكم الفعلي» لهذه الأرض التي كانت عربية: السيد الأميركي، الذي قد «يقبله» بأي صفة إلا... عروبته!
ولماذا القمة؟!
هذا العراق في الحفظ والصون تحت الرعاية الأميركية المباشرة.
وهذه فلسطين ما زالت «تتنفس»، يشيّع بعضها بعضاً كل يوم، لكن شعبها لا ينقص ولا ينتهي.
وهذه قيادة ليبيا قد عرفت الطريق إلى الأمان.
أما الجزائر فمشغولة بمعركة الرئاسة التي ستؤكد مرة أخرى أن السلطة للجيش وحده بلا شريك.
وهذه تونس تستعد هي الأخرى «للانتخابات الرئاسية» التي، وإن كانت نتائجها محسومة سلفاً، فليس من الحكمة أن تستضيف قمة قد تسبّب إرباكات لمن بيده الحل والربط على امتداد الكون.
فأما الخليج ففي شغل شاغل عمّا يجري بعيداً عن حدود العراق.
من تبقى: مصر وسوريا ولبنان؟
إن اللقاءات متواصلة في ما بينها، والعلاقات ممتازة، فلماذا نخسر الممكن طلباً للمستحيل!
كيف يطلب القمة من هو في قعر الهوان والاستسلام لإرادة عدوه؟!
13/2/2004
صفحة 7
الشرق الأوسط الموسّع:مشروع إيزنهاور بطبعة جديدة؟!
انتهت الإدارة الأميركية، إذن، من صياغة مشروعها الجديد لاستتباع منطقة «الشرق الأوسط الموسع» والتي تشمل إضافة إلى «العالم العربي» محيطه الإسلامي القريب (إيران وتركيا وصولاً إلى باكستان...)، مع تمييز واضح لإسرائيل فيه.
وينص المشروع على إعادة صياغة شاملة، سياسياً واقتصادياً وثقافياً، لمجمل دول هذا «الشرق الأوسط الموسع» بهدف الحفاظ على المصالح الأميركية (والحلفاء؟) وتغيير الأنظمة فيه، مع استثناء النظام الديموقراطي الوحيد فيه والقائم في إسرائيل بنسختها الشارونية الحالية ودورها الإقليمي المتعاظم.
ولسوف تسعى الإدارة الأميركية إلى «فرض» مشروعها الجديد ديموقراطياً على مجموعة الدول الثماني خلال قمتها الدورية والتي ستعقد بضيافتها في «سي إيلاند» بولاية جورجيا خلال شهر حزيران المقبل... مع التنويه بأنها لم تستشرها فيه، كما أنها وهذا بديهي لم تطلع الدول المعنية، ولا سيما العربية منها، لا فرق بين من منحته مرتبة «الحليف الاستراتيجي» و«الصديق القديم» والملتحق حديثاً أو «المحايد» أو المصلت على دولته سيف الانتقام بقانون المحاسبة وعقوباته غير المحدودة (جريدة الحياة 13 شباط).
وكما في سوابق عديدة، فإن «الرؤية» لإدارة جورج بوش، وأما الأعباء فعلى أوروبا، والدول «القديمة» منها على وجه الخصوص... وأما الدول أو الشعوب المعنية فليس عليها إلا الخضوع لوصاية مطلقة تشمل مختلف نواحي حياتها، بدءاً من برامج التعليم في المدارس الابتدائية إلى «تحرير المرأة»، فإلى إعادة صياغة اقتصادياتها وتنمية المصالح المشتركة في ما بينها، وصولاً إلى التدريب على الديموقراطية واستخدام الكومبيوتر وتشجيع المطالعة وإعادة النظر بالبرامج التلفزيونية وربما بالقيافة، لباساً ونماذج الشوارب واللحى والعمائم ولون الحطات وسماكة «العقال»...
وفي هذا السياق فقد استخدم المشروع الأميركي الجديد للهيمنة على المنطقة (العربية خصوصاً) التقريرين السنويين (2002-2003) لبرنامج التنمية المستدامة التابع للأمم المتحدة حول الأوضاع العامة في الوطن العربي، عبر انتقائية مغرضة ومفضوحة، كمطالعتين اتهاميتين تؤكدان قصور العرب ومجافاتهم لروح العصر واحتياجهم إلى وصاية مطلقة تبدل جذرياً نمط حياتهم في بيوتهم وفي مدارسهم وسلوكهم في الشارع وفي المقاهي وصولاً إلى سرايات الحكم وعلاقات الحاكم بالمحكوم... ثم ضمّ إليهم المسلمين في إيران وتركيا وباكستان، بغير سندٍ مماثل!
* * *
بداية، يمكن القول إن المشروع الجديد هو طبعة منقحة ومزيدة من مشاريع الهيمنة الأميركية على المنطقة والتي باشرت واشنطن العمل لفرضها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والتي كان هدفها المعلن «وراثة الاستعمار القديم» الذي كان يترنح تحت وطأة هزيمة «أوروبا القديمة» في تلك الحرب، وبفعل تعاظم ضغط الحركات الوطنية التي وجدت في تلك الهزيمة فرصة تاريخية لاستكمال استقلال أقطارها.
ولقد تبلورت خطة الوراثة الأميركية للاستعمار القديم، بداية، في «حلف الدفاع المشترك» الذي اشتهر تحت اسم «حلف بغداد» والذي سقط بفعل ثورة 14 تموز في العراق، وتصاعد المد القومي الذي كان أنجز تحت قيادة جمال عبد الناصر «دولة الوحدة» بين مصر وسوريا قبل خمسة شهور من انفجار بغداد بثورتها التي طهّرتها من ذلك الحلف (الذي تحاشى مخططوه أن يضموا إليه إسرائيل، مفترضين فيه أنه سيشكل حماية إضافية معززة لمشروعها التوسعي في المنطقة).
وكان بين ذرى ذلك المجهود الأميركي لوراثة الاستعمار القديم الموقف الصارم الذي اتخذته إدارة إيزنهاور من العدوان الثلاثي على مصر، الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، في العام 1956، والذي كانت ذريعته المعلنة إقدام عبد الناصر على تأميم قناة السويس، (وقد اتخذه عبد الناصر، للمناسبة، كرد مباشر على سحب الإدارة الأميركية عرضها لتمويل السد العالي في مصر)...
بعد ذلك مباشرة تقدم إيزنهاور بمشروعه لملء الفراغ، والذي حمل اسمه، وكان يستهدف احتواء المنطقة بدولها عموماً ضمن دائرة الهيمنة الأميركية، وبذريعة حماية العرب والمسلمين من «الخطر الشيوعي» الذي سوف يحرّضه الفراغ الناجم عن طرد «الاستعمار القديم» على التقدم للسيطرة على المنطقة باعتبار الاتحاد السوفياتي «نصير الشعوب والداعم الأعظم لحركات التحرر» في مختلف أرجاء الكون.
على أن المشروع الجديد يختلف في أمور جوهرية معظمها ناجم عن حالة الانحطاط العربي الشامل وعن تعاظم القوة الإسرائيلية التي مكّنتها من إحداث اختراقات واسعة في الجسد العربي المتهالك... ويمكن في هذه العجالة الاكتفاء بالملاحظات الأولية التالية:
أولاً: ان المشروع الجديد يلغي أي ذكر للعرب كعرب، فلا يميزهم في جغرافيتهم، ولا يقرّ لهم بهوية واحدة واستطراداً بالحق في ان يحلموا بمستقبل واحد.. ولو تحت هيمنته!
ثانياً: ان المشروع قد اعتمد توسيع مداه الجغرافي و«خلط» الهويات بقصد «تنسيب» إسرائيل شرعياً وبلا تحفظ إلى هذه المنطقة، متجاوزاً «فلسطين» بالكامل، سواء عبر وضعها الراهن أو عبر «رؤية جورج بوش» لمستقبل حقها في «دولة»، وفق «خريطة الطريق» التي سحبتها إدارته من التداول تاركة لأرييل شارون ان يقرر مصير الأرض والشعب في فلسطين خلف أو أمام جدار الفصل العنصري.
ثالثاً: ان المشروع الجديد لا يكتفي بإلغاء «العرب» بل هو «يقسِّم» المسلمين فيمنح بعضهم بركة الانخراط في هذا المشروع ويمنعها عن الآخرين.
رابعاً: ان المشروع الذي يعطي الأميركيين الهيمنة المطلقة على هذا الشرق الأوسط الموسع، يفرض على «أوروبا القديمة» ان تقوم بإعداد هذه الشعوب المتخلفة وتدريبها وتمويل عمليات التحول فيها (وعلى نفقتها) لكي تسلمها في النتيجة إلى «دائرة النفوذ الأميركية» جاهزة تماماً، بغير تكاليف وبغير مخاطرات.
إن الإدارة الأميركية تستكمل عبر هذا المشروع ما بدأته في حربها لاحتلال العراق: إن لها القرار المطلق على الحلفاء القدامى ان يتخلوا عن طموحهم إلى الشراكة وأن يكتفوا بشرف المشاركة في التنفيذ، حتى لو اقتضى الأمر الموت، من أجل الامبراطور الأميركي الذي لا يُرفض له طلب.
إنه مشروع يُسقط العرب من جغرافيتهم بعد إسقاطهم من التاريخ.
وهو مشروع يستكمل نفي الهوية القومية لهذه المنطقة بحيث لا يعود ممكناً اعتبار إسرائيل جسماً غريباً وطارئاً عليها.
ثم إنه مشروع يهدف إلى فرض وصاية أبدية على بضع مئات من ملايين الناس (أكثريتهم الساحقة إسلامية وأكثرية الأكثرية عربية) بذريعة انه إنما يسعى إلى «تحضيرهم» وإعدادهم بالاحتلال لكي يعرفوا الديموقراطية وينعموا بالثقافة (!!) والرفاه الاقتصادي.
ومن الأسف ان «العرب» لن يستطيعوا الرد عليه، بإعلان الثورة، أو بإسقاطه من قبل ان يقوم على أرض الواقع، حتى لو صدقت البشائر التي جاءتنا من تونس بأن القمة العربية ستعقد فيها فعلاً في اليومين الأخيرين من آذار المقبل، وقبل شهرين فقط من طرح هذا المشروع على الأوروبيين لكي يموّلوه ويباشروا العمل لتنفيذه فوق أرضنا التي... لم تعد لنا!
14/2/2004
انتهت الإدارة الأميركية، إذن، من صياغة مشروعها الجديد لاستتباع منطقة «الشرق الأوسط الموسع» والتي تشمل إضافة إلى «العالم العربي» محيطه الإسلامي القريب (إيران وتركيا وصولاً إلى باكستان...)، مع تمييز واضح لإسرائيل فيه.
وينص المشروع على إعادة صياغة شاملة، سياسياً واقتصادياً وثقافياً، لمجمل دول هذا «الشرق الأوسط الموسع» بهدف الحفاظ على المصالح الأميركية (والحلفاء؟) وتغيير الأنظمة فيه، مع استثناء النظام الديموقراطي الوحيد فيه والقائم في إسرائيل بنسختها الشارونية الحالية ودورها الإقليمي المتعاظم.
ولسوف تسعى الإدارة الأميركية إلى «فرض» مشروعها الجديد ديموقراطياً على مجموعة الدول الثماني خلال قمتها الدورية والتي ستعقد بضيافتها في «سي إيلاند» بولاية جورجيا خلال شهر حزيران المقبل... مع التنويه بأنها لم تستشرها فيه، كما أنها وهذا بديهي لم تطلع الدول المعنية، ولا سيما العربية منها، لا فرق بين من منحته مرتبة «الحليف الاستراتيجي» و«الصديق القديم» والملتحق حديثاً أو «المحايد» أو المصلت على دولته سيف الانتقام بقانون المحاسبة وعقوباته غير المحدودة (جريدة الحياة 13 شباط).
وكما في سوابق عديدة، فإن «الرؤية» لإدارة جورج بوش، وأما الأعباء فعلى أوروبا، والدول «القديمة» منها على وجه الخصوص... وأما الدول أو الشعوب المعنية فليس عليها إلا الخضوع لوصاية مطلقة تشمل مختلف نواحي حياتها، بدءاً من برامج التعليم في المدارس الابتدائية إلى «تحرير المرأة»، فإلى إعادة صياغة اقتصادياتها وتنمية المصالح المشتركة في ما بينها، وصولاً إلى التدريب على الديموقراطية واستخدام الكومبيوتر وتشجيع المطالعة وإعادة النظر بالبرامج التلفزيونية وربما بالقيافة، لباساً ونماذج الشوارب واللحى والعمائم ولون الحطات وسماكة «العقال»...
وفي هذا السياق فقد استخدم المشروع الأميركي الجديد للهيمنة على المنطقة (العربية خصوصاً) التقريرين السنويين (2002-2003) لبرنامج التنمية المستدامة التابع للأمم المتحدة حول الأوضاع العامة في الوطن العربي، عبر انتقائية مغرضة ومفضوحة، كمطالعتين اتهاميتين تؤكدان قصور العرب ومجافاتهم لروح العصر واحتياجهم إلى وصاية مطلقة تبدل جذرياً نمط حياتهم في بيوتهم وفي مدارسهم وسلوكهم في الشارع وفي المقاهي وصولاً إلى سرايات الحكم وعلاقات الحاكم بالمحكوم... ثم ضمّ إليهم المسلمين في إيران وتركيا وباكستان، بغير سندٍ مماثل!
* * *
بداية، يمكن القول إن المشروع الجديد هو طبعة منقحة ومزيدة من مشاريع الهيمنة الأميركية على المنطقة والتي باشرت واشنطن العمل لفرضها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والتي كان هدفها المعلن «وراثة الاستعمار القديم» الذي كان يترنح تحت وطأة هزيمة «أوروبا القديمة» في تلك الحرب، وبفعل تعاظم ضغط الحركات الوطنية التي وجدت في تلك الهزيمة فرصة تاريخية لاستكمال استقلال أقطارها.
ولقد تبلورت خطة الوراثة الأميركية للاستعمار القديم، بداية، في «حلف الدفاع المشترك» الذي اشتهر تحت اسم «حلف بغداد» والذي سقط بفعل ثورة 14 تموز في العراق، وتصاعد المد القومي الذي كان أنجز تحت قيادة جمال عبد الناصر «دولة الوحدة» بين مصر وسوريا قبل خمسة شهور من انفجار بغداد بثورتها التي طهّرتها من ذلك الحلف (الذي تحاشى مخططوه أن يضموا إليه إسرائيل، مفترضين فيه أنه سيشكل حماية إضافية معززة لمشروعها التوسعي في المنطقة).
وكان بين ذرى ذلك المجهود الأميركي لوراثة الاستعمار القديم الموقف الصارم الذي اتخذته إدارة إيزنهاور من العدوان الثلاثي على مصر، الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، في العام 1956، والذي كانت ذريعته المعلنة إقدام عبد الناصر على تأميم قناة السويس، (وقد اتخذه عبد الناصر، للمناسبة، كرد مباشر على سحب الإدارة الأميركية عرضها لتمويل السد العالي في مصر)...
بعد ذلك مباشرة تقدم إيزنهاور بمشروعه لملء الفراغ، والذي حمل اسمه، وكان يستهدف احتواء المنطقة بدولها عموماً ضمن دائرة الهيمنة الأميركية، وبذريعة حماية العرب والمسلمين من «الخطر الشيوعي» الذي سوف يحرّضه الفراغ الناجم عن طرد «الاستعمار القديم» على التقدم للسيطرة على المنطقة باعتبار الاتحاد السوفياتي «نصير الشعوب والداعم الأعظم لحركات التحرر» في مختلف أرجاء الكون.
على أن المشروع الجديد يختلف في أمور جوهرية معظمها ناجم عن حالة الانحطاط العربي الشامل وعن تعاظم القوة الإسرائيلية التي مكّنتها من إحداث اختراقات واسعة في الجسد العربي المتهالك... ويمكن في هذه العجالة الاكتفاء بالملاحظات الأولية التالية:
أولاً: ان المشروع الجديد يلغي أي ذكر للعرب كعرب، فلا يميزهم في جغرافيتهم، ولا يقرّ لهم بهوية واحدة واستطراداً بالحق في ان يحلموا بمستقبل واحد.. ولو تحت هيمنته!
ثانياً: ان المشروع قد اعتمد توسيع مداه الجغرافي و«خلط» الهويات بقصد «تنسيب» إسرائيل شرعياً وبلا تحفظ إلى هذه المنطقة، متجاوزاً «فلسطين» بالكامل، سواء عبر وضعها الراهن أو عبر «رؤية جورج بوش» لمستقبل حقها في «دولة»، وفق «خريطة الطريق» التي سحبتها إدارته من التداول تاركة لأرييل شارون ان يقرر مصير الأرض والشعب في فلسطين خلف أو أمام جدار الفصل العنصري.
ثالثاً: ان المشروع الجديد لا يكتفي بإلغاء «العرب» بل هو «يقسِّم» المسلمين فيمنح بعضهم بركة الانخراط في هذا المشروع ويمنعها عن الآخرين.
رابعاً: ان المشروع الذي يعطي الأميركيين الهيمنة المطلقة على هذا الشرق الأوسط الموسع، يفرض على «أوروبا القديمة» ان تقوم بإعداد هذه الشعوب المتخلفة وتدريبها وتمويل عمليات التحول فيها (وعلى نفقتها) لكي تسلمها في النتيجة إلى «دائرة النفوذ الأميركية» جاهزة تماماً، بغير تكاليف وبغير مخاطرات.
إن الإدارة الأميركية تستكمل عبر هذا المشروع ما بدأته في حربها لاحتلال العراق: إن لها القرار المطلق على الحلفاء القدامى ان يتخلوا عن طموحهم إلى الشراكة وأن يكتفوا بشرف المشاركة في التنفيذ، حتى لو اقتضى الأمر الموت، من أجل الامبراطور الأميركي الذي لا يُرفض له طلب.
إنه مشروع يُسقط العرب من جغرافيتهم بعد إسقاطهم من التاريخ.
وهو مشروع يستكمل نفي الهوية القومية لهذه المنطقة بحيث لا يعود ممكناً اعتبار إسرائيل جسماً غريباً وطارئاً عليها.
ثم إنه مشروع يهدف إلى فرض وصاية أبدية على بضع مئات من ملايين الناس (أكثريتهم الساحقة إسلامية وأكثرية الأكثرية عربية) بذريعة انه إنما يسعى إلى «تحضيرهم» وإعدادهم بالاحتلال لكي يعرفوا الديموقراطية وينعموا بالثقافة (!!) والرفاه الاقتصادي.
ومن الأسف ان «العرب» لن يستطيعوا الرد عليه، بإعلان الثورة، أو بإسقاطه من قبل ان يقوم على أرض الواقع، حتى لو صدقت البشائر التي جاءتنا من تونس بأن القمة العربية ستعقد فيها فعلاً في اليومين الأخيرين من آذار المقبل، وقبل شهرين فقط من طرح هذا المشروع على الأوروبيين لكي يموّلوه ويباشروا العمل لتنفيذه فوق أرضنا التي... لم تعد لنا!
14/2/2004
صفحة 8
من الجامعة العربية إلى «دول الجوار»:
احتلال العراق يستقوي .. بالفتنة؟
كل شيء هادئ على «الجبهة العربية»... ولا جديد يستحق الاهتمام غير المشروع الأميركي لطمس «العرب»، هوية ومصيراً، في «شرق أوسط موسّع»، قلبه إسرائيلي وتمويله أوروبي، وهدفه مرة أخرى! ملء الفراغ السياسي فيه الذي يتبدى الآن جلياً وكأن الاحتلال العسكري أعجز من أن يغطيه ويموّهه بشعارات «الديموقراطية»...
... وها هو الحكم في لبنان يمنح نفسه (واللبنانيين) إجازة جديدة، برازيلية هذه المرة، مطمئناً إلى سلامة الأوضاع، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، خصوصاً وقد أضفت الطبيعة مصداقية استثنائية على حملته الإعلانية لتسويق مزاياه الفريدة: فها هو يتفوّق ويتذوّق ويتسوّق وينزلق، فعلاً، فوق ثلج جبال الفضائح، في ما يشبه رقصة «السامبا» التي سيتعرّف الحكم إلى أصولها بالعين المجردة قبل كرنفال الريو الشهير وخلاله وبعده.
ليس ثمة ما يقلق في الداخل: فكل شيء هادئ على جبهات الحكم الذي يتصرف وكأن انشقاقاته المتوالية، المدوِّية العناوين، هي سر قوته وثباته، بحيث إنه متى وقعت يده على الكهرباء «صعقها فقتلها»، أما الهاتف الخلوي فكلما تقدم في معالجة عقود المزايدة والمناقصة خاف المواطن أن يدفع غرامات أعلى للشركتين اللتين «عوقبتا» مرة بزيادة أرباح التشغيل ومرة ثانية بالتعويض عن الإنهاء المبكّر لعقديهما ومرة ثالثة بالتحكيم المتأخر وبالإدارة التي تقع في منزلة بين المنزلتين.
أما في الخارج، فقد صار للسياسات موضوع أوحد هو: الانتخابات الرئاسية الأميركية، وكل ما عداها تفاصيل، ولا تجوز المشاغبة على إدارة جورج بوش لا بالموضوع الفلسطيني الذي يُفضَّل تركه يختنق خلف جدار الفصل العنصري الذي يقيمه شارون لتحصين صديقه في واشنطن بالتمكين للاحتلال الإسرائيلي هنا، ولا بموضوع الاحتلال الأميركي للعراق والذي يُفضَّل التعامل معه بتعقل حتى لا يذهب به أهله إلى الحرب الأهلية، بينما جاءتهم جيوش الاحتلال لكي تثبت وحدتهم الوطنية بالديموقراطية.
وبين المفارقات اللافتة، بتزامنها على الأقل، أن الحاكم الأميركي للعراق، بول بريمر وقف أمس، في مبنى «وزارة حقوق الإنسان»، التي وصفها بأنها الأولى من نوعها، ليتباهى بهذا الإنجاز للاحتلال العسكري، في حين كانت «دول الجوار العراقي» تختتم اجتماعها الدوري السادس في الكويت، وتذيع بيانها الختامي، الذي تعيد فيه «التأكيد على وحدة الأراضي العراقية واحترامها لسيادة العراق واستقلاله ووحدته والالتزام بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية له، ودعوة الأطراف الأخرى لاتباع النهج ذاته والتأكيد على حق الشعب العراقي في تقرير مستقبله السياسي بنفسه».
على أن هذه الدول التي تحاول تخطي الاختلاف في ما بينها حول «النظام العراقي» المقبل، الذي سيخرج من رحم مرحلة الاحتلال، لا تملك ما تعطيه إلا الإلحاح على الأمم المتحدة بأن تتولى عبر تنفيذ قرارات مجلس الأمن «تسهيل نقل السلطة إلى الشعب العراقي في تاريخ 30 حزيران، وفقاً للاتفاق بين الأمم المتحدة وسلطة مجلس الحكم في بغداد، والذي تمّ في 15 تشرين الثاني 2003.
* * *
ليس «مؤتمر دول الجوار» مجلس وصاية، بطبيعة الحال، فلا هي تملك تفويضاً دولياً، ولا هي معتمدة من قوة الاحتلال... وهي في نهاية المطاف، في موقع الدفاع عن النفس، وينصرف همّها أساساً إلى منع تشظّي العراق حتى لا تغرق المنطقة عموماً في حمأة الانقسامات العرقية والطائفية والمذهبية.
وقبل هذا المؤتمر كانت البعثة الخاصة التي أوفدتها جامعة الدول العربية قد عادت من جولتها الواسعة على مختلف ألوان الطيف العراقي، سياسياً وعرقياً ومذهبياً، بصورة مفزعة: لقد عقدت لقاءات مع ستمئة من ممثلي أكثر من مئة وخمسين حزباً (!!)، معظمها حديث الولادة ومحدود التأثير، وبعضها قديم متهالك عائد من المنفى بتصورات تنتمي إلى الماضي، وإلى جانب هؤلاء المرجعيات الطائفية والمذهبية وعشرات من الهيئات والجمعيات التي نبتت كالفطر في العراق تحت الاحتلال.
أما النتيجة التي انتهت إليها البعثة وحذرت من خطر وقوعها، قريباً إن لم يتم استدراك التداعيات والتشققات وعمليات التحريض اليومي على الفتنة، تارة تحت لافتة عنصرية، وطوراً تحت لافتة مذهبية، فهي: ان وحدة العراق مهددة جدياً، وأن ثمة من قد لا يتورّع عن إشعال نيران الحرب الأهلية سعياً إلى السلطة، ولو على جزء من العراق، ولو محتلاً.
احتلال العراق يستقوي .. بالفتنة؟
كل شيء هادئ على «الجبهة العربية»... ولا جديد يستحق الاهتمام غير المشروع الأميركي لطمس «العرب»، هوية ومصيراً، في «شرق أوسط موسّع»، قلبه إسرائيلي وتمويله أوروبي، وهدفه مرة أخرى! ملء الفراغ السياسي فيه الذي يتبدى الآن جلياً وكأن الاحتلال العسكري أعجز من أن يغطيه ويموّهه بشعارات «الديموقراطية»...
... وها هو الحكم في لبنان يمنح نفسه (واللبنانيين) إجازة جديدة، برازيلية هذه المرة، مطمئناً إلى سلامة الأوضاع، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، خصوصاً وقد أضفت الطبيعة مصداقية استثنائية على حملته الإعلانية لتسويق مزاياه الفريدة: فها هو يتفوّق ويتذوّق ويتسوّق وينزلق، فعلاً، فوق ثلج جبال الفضائح، في ما يشبه رقصة «السامبا» التي سيتعرّف الحكم إلى أصولها بالعين المجردة قبل كرنفال الريو الشهير وخلاله وبعده.
ليس ثمة ما يقلق في الداخل: فكل شيء هادئ على جبهات الحكم الذي يتصرف وكأن انشقاقاته المتوالية، المدوِّية العناوين، هي سر قوته وثباته، بحيث إنه متى وقعت يده على الكهرباء «صعقها فقتلها»، أما الهاتف الخلوي فكلما تقدم في معالجة عقود المزايدة والمناقصة خاف المواطن أن يدفع غرامات أعلى للشركتين اللتين «عوقبتا» مرة بزيادة أرباح التشغيل ومرة ثانية بالتعويض عن الإنهاء المبكّر لعقديهما ومرة ثالثة بالتحكيم المتأخر وبالإدارة التي تقع في منزلة بين المنزلتين.
أما في الخارج، فقد صار للسياسات موضوع أوحد هو: الانتخابات الرئاسية الأميركية، وكل ما عداها تفاصيل، ولا تجوز المشاغبة على إدارة جورج بوش لا بالموضوع الفلسطيني الذي يُفضَّل تركه يختنق خلف جدار الفصل العنصري الذي يقيمه شارون لتحصين صديقه في واشنطن بالتمكين للاحتلال الإسرائيلي هنا، ولا بموضوع الاحتلال الأميركي للعراق والذي يُفضَّل التعامل معه بتعقل حتى لا يذهب به أهله إلى الحرب الأهلية، بينما جاءتهم جيوش الاحتلال لكي تثبت وحدتهم الوطنية بالديموقراطية.
وبين المفارقات اللافتة، بتزامنها على الأقل، أن الحاكم الأميركي للعراق، بول بريمر وقف أمس، في مبنى «وزارة حقوق الإنسان»، التي وصفها بأنها الأولى من نوعها، ليتباهى بهذا الإنجاز للاحتلال العسكري، في حين كانت «دول الجوار العراقي» تختتم اجتماعها الدوري السادس في الكويت، وتذيع بيانها الختامي، الذي تعيد فيه «التأكيد على وحدة الأراضي العراقية واحترامها لسيادة العراق واستقلاله ووحدته والالتزام بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية له، ودعوة الأطراف الأخرى لاتباع النهج ذاته والتأكيد على حق الشعب العراقي في تقرير مستقبله السياسي بنفسه».
على أن هذه الدول التي تحاول تخطي الاختلاف في ما بينها حول «النظام العراقي» المقبل، الذي سيخرج من رحم مرحلة الاحتلال، لا تملك ما تعطيه إلا الإلحاح على الأمم المتحدة بأن تتولى عبر تنفيذ قرارات مجلس الأمن «تسهيل نقل السلطة إلى الشعب العراقي في تاريخ 30 حزيران، وفقاً للاتفاق بين الأمم المتحدة وسلطة مجلس الحكم في بغداد، والذي تمّ في 15 تشرين الثاني 2003.
* * *
ليس «مؤتمر دول الجوار» مجلس وصاية، بطبيعة الحال، فلا هي تملك تفويضاً دولياً، ولا هي معتمدة من قوة الاحتلال... وهي في نهاية المطاف، في موقع الدفاع عن النفس، وينصرف همّها أساساً إلى منع تشظّي العراق حتى لا تغرق المنطقة عموماً في حمأة الانقسامات العرقية والطائفية والمذهبية.
وقبل هذا المؤتمر كانت البعثة الخاصة التي أوفدتها جامعة الدول العربية قد عادت من جولتها الواسعة على مختلف ألوان الطيف العراقي، سياسياً وعرقياً ومذهبياً، بصورة مفزعة: لقد عقدت لقاءات مع ستمئة من ممثلي أكثر من مئة وخمسين حزباً (!!)، معظمها حديث الولادة ومحدود التأثير، وبعضها قديم متهالك عائد من المنفى بتصورات تنتمي إلى الماضي، وإلى جانب هؤلاء المرجعيات الطائفية والمذهبية وعشرات من الهيئات والجمعيات التي نبتت كالفطر في العراق تحت الاحتلال.
أما النتيجة التي انتهت إليها البعثة وحذرت من خطر وقوعها، قريباً إن لم يتم استدراك التداعيات والتشققات وعمليات التحريض اليومي على الفتنة، تارة تحت لافتة عنصرية، وطوراً تحت لافتة مذهبية، فهي: ان وحدة العراق مهددة جدياً، وأن ثمة من قد لا يتورّع عن إشعال نيران الحرب الأهلية سعياً إلى السلطة، ولو على جزء من العراق، ولو محتلاً.
صفحة 9
طبعاً ثمة قيادات مخلصة تتخوف على وحدة العراق وعلى عروبته، التي لا تجد من يتذكرها بين كثرة من أعضاء مجلس الحكم، كما لا تجد في المناخ السياسي العربي السائد من هو قادر على التعهد بالعمل لحمايتها...
وثمة من يرفع راية الإسلام السياسي بديلاً من العروبة بذريعة حماية وحدة العراق، وكأن عروبته الثابتة والمؤكدة منذ قيام دولته الحديثة قبل ثمانين عاماً على الأقل، تحولت فجأة وبذريعة الانتقام من طغيان صدام حسين إلى عامل تهديم «للوطن الموحد»، مما يزكّي الاحتلال الأميركي وكأنه ضامن لهذه الوحدة (بفعل «مونته» على الأكراد الذين لم ينكروا يوماً ولم ينكر عليهم اخوتهم في العراق، عراقيتهم وحقهم في نوع من الحكم الذاتي).
ومؤكد ان اللوحة التي عاد بها موفد الأمم المتحدة إلى العراق، الأخضر الإبراهيمي، وهو الخبير الدولي المحلف بكيفية معالجة الآثار السياسية المدمرة للحروب الأهلية، لا تختلف كثيراً عما عادت به بعثة الجامعة العربية، خصوصاً وقد رفع صوته وهو في بغداد محذِّراً من ان يضيع العراق في غياهب الفتنة.
الكل يحيل «القضية» إلى الأمم التحدة.
والأمم المتحدة مغلولة اليدين محكومة، ومعها مجلس الأمن، بالقرار الأميركي... وقد تأكدت هذه الحقيقة عبر القرارات التي منع اتخاذها، وعبر القرارات المضادة التي فرض على مجلس الأمن اتخاذها «لتقنين» الحرب الأميركية على العراق وتشريع الاحتلال الأميركي لأراضيه بالذرائع التي ثبت كذبها وأولها الادعاء بامتلاكه أسلحة الدمار الشامل.
على ان اجتماع دول الجوار العراقي قد سجل نقطة إيجابية عبر الموقف الذي ألح عليه «وزير الخارجية» هوشيار زيباري، (الذي غاب عن الاجتماع السابق في دمشق لأسباب بروتوكولية!! تركت انطباعاً سياسياً سلبياً) وهو التوكيد على وحدة العراق، انطلاقاً من ان أياً من عناصره لا يرغب بالانفصال، ومعيداً التذكير بأن اكراد العراق لا يمكن أن يكونوا السبب في تقسيمه، بل هم سيعملون على تعزيز وحدته في كيانه السياسي القائم.
* * *
هل تملك الأمم المتحدة ان تعطي العراق ما يحتاجه؟!
لقد اكتفت معظم الدول العربية حتى الآن، بالتعامل مع «الأمر الواقع»، على طريقة «العين بصيرة واليد قصيرة».
وها هي دول الجوار تعطي «احسن ما عندها»، أي التوكيد على حرصها على وحدة الكيان السياسي للعراق، ووحدة شعبه، وإدانة «الإرهاب» الذي يضرب، عشوائياً، ويقتل بغير تمييز، بحيث كان بين ضحاياه الكثيرون ممن جاءوا تحت راية الأمم المتحدة لمساعدة العراقيين في حياتهم اليومية، كما في حماية كيانهم السياسي.
ويبقى كل شيء معلقاً بالقرار الأميركي، أو بتحديد أدق: باحتياج الإدارة الأميركية إلى أي عراق في انتخاباتها الرئاسية؟!
يمكن، أيضاً، إضافة سؤال عن موقع «العراق الجديد» في المشروع الأميركي الجديد «للشرق الأوسط الموسع»!.
أما «القمة العربية» فمن الصعب ان يكون لها موقف من مسألة العراق.
إذ إنِ اجتمعت دولها على موقف عز عليها عقد القمة.
ثم إن القرار الأميركي غير جاهز فلماذا يراد للقمة ان تتعجل، والعجلة دائماً من الشيطان!
16/2/2004
وثمة من يرفع راية الإسلام السياسي بديلاً من العروبة بذريعة حماية وحدة العراق، وكأن عروبته الثابتة والمؤكدة منذ قيام دولته الحديثة قبل ثمانين عاماً على الأقل، تحولت فجأة وبذريعة الانتقام من طغيان صدام حسين إلى عامل تهديم «للوطن الموحد»، مما يزكّي الاحتلال الأميركي وكأنه ضامن لهذه الوحدة (بفعل «مونته» على الأكراد الذين لم ينكروا يوماً ولم ينكر عليهم اخوتهم في العراق، عراقيتهم وحقهم في نوع من الحكم الذاتي).
ومؤكد ان اللوحة التي عاد بها موفد الأمم المتحدة إلى العراق، الأخضر الإبراهيمي، وهو الخبير الدولي المحلف بكيفية معالجة الآثار السياسية المدمرة للحروب الأهلية، لا تختلف كثيراً عما عادت به بعثة الجامعة العربية، خصوصاً وقد رفع صوته وهو في بغداد محذِّراً من ان يضيع العراق في غياهب الفتنة.
الكل يحيل «القضية» إلى الأمم التحدة.
والأمم المتحدة مغلولة اليدين محكومة، ومعها مجلس الأمن، بالقرار الأميركي... وقد تأكدت هذه الحقيقة عبر القرارات التي منع اتخاذها، وعبر القرارات المضادة التي فرض على مجلس الأمن اتخاذها «لتقنين» الحرب الأميركية على العراق وتشريع الاحتلال الأميركي لأراضيه بالذرائع التي ثبت كذبها وأولها الادعاء بامتلاكه أسلحة الدمار الشامل.
على ان اجتماع دول الجوار العراقي قد سجل نقطة إيجابية عبر الموقف الذي ألح عليه «وزير الخارجية» هوشيار زيباري، (الذي غاب عن الاجتماع السابق في دمشق لأسباب بروتوكولية!! تركت انطباعاً سياسياً سلبياً) وهو التوكيد على وحدة العراق، انطلاقاً من ان أياً من عناصره لا يرغب بالانفصال، ومعيداً التذكير بأن اكراد العراق لا يمكن أن يكونوا السبب في تقسيمه، بل هم سيعملون على تعزيز وحدته في كيانه السياسي القائم.
* * *
هل تملك الأمم المتحدة ان تعطي العراق ما يحتاجه؟!
لقد اكتفت معظم الدول العربية حتى الآن، بالتعامل مع «الأمر الواقع»، على طريقة «العين بصيرة واليد قصيرة».
وها هي دول الجوار تعطي «احسن ما عندها»، أي التوكيد على حرصها على وحدة الكيان السياسي للعراق، ووحدة شعبه، وإدانة «الإرهاب» الذي يضرب، عشوائياً، ويقتل بغير تمييز، بحيث كان بين ضحاياه الكثيرون ممن جاءوا تحت راية الأمم المتحدة لمساعدة العراقيين في حياتهم اليومية، كما في حماية كيانهم السياسي.
ويبقى كل شيء معلقاً بالقرار الأميركي، أو بتحديد أدق: باحتياج الإدارة الأميركية إلى أي عراق في انتخاباتها الرئاسية؟!
يمكن، أيضاً، إضافة سؤال عن موقع «العراق الجديد» في المشروع الأميركي الجديد «للشرق الأوسط الموسع»!.
أما «القمة العربية» فمن الصعب ان يكون لها موقف من مسألة العراق.
إذ إنِ اجتمعت دولها على موقف عز عليها عقد القمة.
ثم إن القرار الأميركي غير جاهز فلماذا يراد للقمة ان تتعجل، والعجلة دائماً من الشيطان!
16/2/2004
صفحة 10
نقاش مع «كوفي أنان» في الأمم المتحدة:
القرار في واشنطن لا في مجلس الأمن
نيويورك ...
لم يكن كوفي أنان مستعداً لأن يجيب على سؤال ساذج من نوع: الآن، وبعد كل الذي جرى للعراق وفيه، هل تحس بعقدة ذنب؟ هل كان بوسعك كأمين عام أن تفعل أكثر، ولو بالاستقالة؟! وهل كان بوسع الأمم المتحدة وبالتحديد مجلس الأمن، أن يمنع حرب احتلال لدولة مؤسِّسة، ثبت من بعد وبالدليل القاطع أن الذرائع التي قدِّمت لتبريرها لم تكن صحيحة؟!
لدى أنان جعبة ملأى بالأجوبة الجاهزة (والمدروسة) لتبرير المواقف التي يصعب قبولها عند مَنْ ما زال يفترض أن الأمم المتحدة هي المرجعية الشرعية للقرار الدولي.
لقد أعد نفسه جيداً لهذا اللقاء مع مجموعة منتقاة من الصحافيين العرب جيء بهم خصيصاً ليسمعوا مرافعة دفاع شاملة، بألسنة نخبة من مساعديه الكبار ومسؤولي المنظمات المتعددة والتي تغطي كافة الاهتمامات والهموم الإنسانية من الإغاثة إلى قوات حفظ السلام ومن مرض الإيدز وأوضاع المرأة إلى آلية القرار في مجلس الأمن، ومن القضية الفلسطينية بأصلها وتفرعاتها وصولاً إلى جدار الفصل العنصري الذي تبنيه حكومة أرييل شارون الإسرائيلية، إلى الموضوع الذي يكاد يكون الآن محور أي نقاش، ومن ثم أي قرار: الإرهاب ومسؤولية الدول جميعاً عن مكافحته.
لكن أسئلة الصحافيين تتجاوز «الشخص» إلى دور المنظمة المرجع في عالم القطب الأوحد، وبالاستطراد دور أمينها العام، الذي جاءها من غانا نكروما (سقى الله أيام زمان)، وتدرّج في وظائفها حتى اعتلى المنصب الخطير الذي يراه البعض أشبه بــــ«رئيس لحكومة العالم» في أنه يرى شخصياً أنه «منسق» بين مواقف الدول، مهمته الإشراف على تنفيذ ما يتخذ من قرارات في مركز القرار: مجلس الأمن الدولي.
* * *
المبنى الأنيق الــــ«مِنْ زجاج» ما زال ينتصب بزرقته المميزة عند حافة نهر هدسن الذي يجيء نيويورك من البعيد ليصب في المحيط الأطلسي عند قدمي تمثال الحرية، غير بعيد عن موقع «التفجير الذي غيّر العالم» ومسح برجي التجارة العالمية عن سطح الأرض.
لكن نيويورك لم تعد هي هي، ولا الولايات المتحدة الأميركية الآن هي التي كانت من قبل، لا عند تبرعها باستضافة المنظمة الدولية التي ولَّدها الانتصار على «دول المحور»، في الحرب العالمية الثانية، لتكون «داراً للسلام»، ولا تلك التي عرفها العالم حتى 11 أيلول 2001: لقد دُمِّر البرجان على رؤوس من كان فيهما، وتبدَّت الدولة العظمى القطب الأوحد، في صورة «الضحية» لأول مرة في تاريخها فاندفعت «بمشروعية» الانتقام تفرض منطقها، مغيّبة إلى الأبد صورة «عالم عالمي» متعدد مراكز القوة مراكز القرار، ليسود العالم الأميركي الجديد بقراره المفرد.
لكأنما مع تدمير البرجين سقط المعنى عن هذا المبنى. لم تعد الأمم المتحدة مشروع «حكومة العالم متعدد الأقطاب»، تستضيفها الولايات المتحدة، مع الحرص على حصانتها. لقد باتت المؤسسة الدولية رهينة «الأرض» الأميركية ومن ثم «القرار» الأميركي، وأي تمرد يهدد بانحطام زجاج المبنى الأنيق على رؤوس ممثلي «الدول» التي كانت كثرتها الفقيرة ذات يوم قد بدأت تشكل «مشروع قوة ثالثة» تميل أقله بعاطفتها إلى «المعسكر الاشتراكي» الذي انهار بصورة دراماتيكية فقدمت تزكية خارقة للنظام الأميركي، من أبسط تفاصيل نمط الحياة، إلى توكيد هيمنته المطلقة على العالم، الذي اختفى منه «الأنداد» مدحورين من داخلهم.
* * *
كان بديهياً أن يتركز النقاش مع الرجل الدمث ذي الصوت الخفيض والذي يتهمه البعض بالدهاء، حتى وهم يأخذون عليه ضعفه، حول الجرحين العربيين المفتوحين: فلسطين والعراق...
» إنني لأشعر بالأسف والغضب بسبب الكوارث في فلسطين وإسرائيل. إن فلسطين قضية مفتوحة أمام الأمم المتحدة منذ قرار التقسيم في العام 1947... أما العراق فيشغل هذه المنظمة منذ الثمانينيات. في فلسطين لم نستطع وضع حد للعنف، والقرار ليس في الجمعية العامة، وليس لدى الأمين العام، بل في مجلس الأمن».
... ومجلس الأمن تبدل بدوره، بل وأكثر بكثير مما تبدلت الجمعية العامة. نظرياً ما زال حق الفيتو حكراً على الدول الخمس «الكبار»، لأن التطورات شطبت الاتحاد السوفياتي روسيا، وغيّبت الصين، في ما التحقت بريطانيا بالأميركيين، واجتهد الفرنسيون في تمييز أنفسهم ثم انتهت محاولتهم إلى التسليم بوحدانية القرار، ومن ثم وحدانية الفيتو الأميركي.
يعترف كوفي أنان أن مجلس الأمن لم يخوّل الولايات المتحدة الحرب على العراق، ولكنها ذهبت إلى الحرب من خارج «الشرعية الدولية» واحتلت العراق، فصار همّ المنظمة الدولية حماية حق الشعب العراقي في تقرير مصيره... لكن الأمم المتحدة تحولت إلى هدف للإرهاب في العراق «وخسرنا رجالاً ونساءً ممتازين».
يضيف أنان: إن نهجنا في العراق يتركز على إحداث توافق في الرأي بين العراقيين وتأمين أفضل الآليات لنقل السلطة إليهم، وتمكينهم من أن يعيدوا بناء بلادهم... وعلى جيران العراق تقديم يد العون... وسأذهب إلى القمة العربية المقررة في تونس لألتقي القادة العرب وأناقش معهم أفضل السبل لمساعدة العراق.
عبر النقاش عاد أنان يؤكد: لم تصرح الأمم المتحدة ولم يصرح مجلس الأمن بالحرب على العراق. الحرب والقرار بالحرب اتخذتهما مجموعة من الدول تقودها الولايات المتحدة الأميركية، خلال النقاش قبل الحرب بيّنتُ أن الحرب لا تتماشى مع الشرعية. كان هذا هو موقفي، ولكنني مضطر لأن أتعامل مع الواقع. نعم العراق هو الآن تحت الاحتلال.. هل كان بإمكاننا أن نتعامل مع الأمر بشكل مختلف؟ حاولنا أن نصدر قراراً آخر، أن نمهل المفتشين لفترة أطول، لكن من قرر الحرب ذهب إليها.
القرار في واشنطن لا في مجلس الأمن
نيويورك ...
لم يكن كوفي أنان مستعداً لأن يجيب على سؤال ساذج من نوع: الآن، وبعد كل الذي جرى للعراق وفيه، هل تحس بعقدة ذنب؟ هل كان بوسعك كأمين عام أن تفعل أكثر، ولو بالاستقالة؟! وهل كان بوسع الأمم المتحدة وبالتحديد مجلس الأمن، أن يمنع حرب احتلال لدولة مؤسِّسة، ثبت من بعد وبالدليل القاطع أن الذرائع التي قدِّمت لتبريرها لم تكن صحيحة؟!
لدى أنان جعبة ملأى بالأجوبة الجاهزة (والمدروسة) لتبرير المواقف التي يصعب قبولها عند مَنْ ما زال يفترض أن الأمم المتحدة هي المرجعية الشرعية للقرار الدولي.
لقد أعد نفسه جيداً لهذا اللقاء مع مجموعة منتقاة من الصحافيين العرب جيء بهم خصيصاً ليسمعوا مرافعة دفاع شاملة، بألسنة نخبة من مساعديه الكبار ومسؤولي المنظمات المتعددة والتي تغطي كافة الاهتمامات والهموم الإنسانية من الإغاثة إلى قوات حفظ السلام ومن مرض الإيدز وأوضاع المرأة إلى آلية القرار في مجلس الأمن، ومن القضية الفلسطينية بأصلها وتفرعاتها وصولاً إلى جدار الفصل العنصري الذي تبنيه حكومة أرييل شارون الإسرائيلية، إلى الموضوع الذي يكاد يكون الآن محور أي نقاش، ومن ثم أي قرار: الإرهاب ومسؤولية الدول جميعاً عن مكافحته.
لكن أسئلة الصحافيين تتجاوز «الشخص» إلى دور المنظمة المرجع في عالم القطب الأوحد، وبالاستطراد دور أمينها العام، الذي جاءها من غانا نكروما (سقى الله أيام زمان)، وتدرّج في وظائفها حتى اعتلى المنصب الخطير الذي يراه البعض أشبه بــــ«رئيس لحكومة العالم» في أنه يرى شخصياً أنه «منسق» بين مواقف الدول، مهمته الإشراف على تنفيذ ما يتخذ من قرارات في مركز القرار: مجلس الأمن الدولي.
* * *
المبنى الأنيق الــــ«مِنْ زجاج» ما زال ينتصب بزرقته المميزة عند حافة نهر هدسن الذي يجيء نيويورك من البعيد ليصب في المحيط الأطلسي عند قدمي تمثال الحرية، غير بعيد عن موقع «التفجير الذي غيّر العالم» ومسح برجي التجارة العالمية عن سطح الأرض.
لكن نيويورك لم تعد هي هي، ولا الولايات المتحدة الأميركية الآن هي التي كانت من قبل، لا عند تبرعها باستضافة المنظمة الدولية التي ولَّدها الانتصار على «دول المحور»، في الحرب العالمية الثانية، لتكون «داراً للسلام»، ولا تلك التي عرفها العالم حتى 11 أيلول 2001: لقد دُمِّر البرجان على رؤوس من كان فيهما، وتبدَّت الدولة العظمى القطب الأوحد، في صورة «الضحية» لأول مرة في تاريخها فاندفعت «بمشروعية» الانتقام تفرض منطقها، مغيّبة إلى الأبد صورة «عالم عالمي» متعدد مراكز القوة مراكز القرار، ليسود العالم الأميركي الجديد بقراره المفرد.
لكأنما مع تدمير البرجين سقط المعنى عن هذا المبنى. لم تعد الأمم المتحدة مشروع «حكومة العالم متعدد الأقطاب»، تستضيفها الولايات المتحدة، مع الحرص على حصانتها. لقد باتت المؤسسة الدولية رهينة «الأرض» الأميركية ومن ثم «القرار» الأميركي، وأي تمرد يهدد بانحطام زجاج المبنى الأنيق على رؤوس ممثلي «الدول» التي كانت كثرتها الفقيرة ذات يوم قد بدأت تشكل «مشروع قوة ثالثة» تميل أقله بعاطفتها إلى «المعسكر الاشتراكي» الذي انهار بصورة دراماتيكية فقدمت تزكية خارقة للنظام الأميركي، من أبسط تفاصيل نمط الحياة، إلى توكيد هيمنته المطلقة على العالم، الذي اختفى منه «الأنداد» مدحورين من داخلهم.
* * *
كان بديهياً أن يتركز النقاش مع الرجل الدمث ذي الصوت الخفيض والذي يتهمه البعض بالدهاء، حتى وهم يأخذون عليه ضعفه، حول الجرحين العربيين المفتوحين: فلسطين والعراق...
» إنني لأشعر بالأسف والغضب بسبب الكوارث في فلسطين وإسرائيل. إن فلسطين قضية مفتوحة أمام الأمم المتحدة منذ قرار التقسيم في العام 1947... أما العراق فيشغل هذه المنظمة منذ الثمانينيات. في فلسطين لم نستطع وضع حد للعنف، والقرار ليس في الجمعية العامة، وليس لدى الأمين العام، بل في مجلس الأمن».
... ومجلس الأمن تبدل بدوره، بل وأكثر بكثير مما تبدلت الجمعية العامة. نظرياً ما زال حق الفيتو حكراً على الدول الخمس «الكبار»، لأن التطورات شطبت الاتحاد السوفياتي روسيا، وغيّبت الصين، في ما التحقت بريطانيا بالأميركيين، واجتهد الفرنسيون في تمييز أنفسهم ثم انتهت محاولتهم إلى التسليم بوحدانية القرار، ومن ثم وحدانية الفيتو الأميركي.
يعترف كوفي أنان أن مجلس الأمن لم يخوّل الولايات المتحدة الحرب على العراق، ولكنها ذهبت إلى الحرب من خارج «الشرعية الدولية» واحتلت العراق، فصار همّ المنظمة الدولية حماية حق الشعب العراقي في تقرير مصيره... لكن الأمم المتحدة تحولت إلى هدف للإرهاب في العراق «وخسرنا رجالاً ونساءً ممتازين».
يضيف أنان: إن نهجنا في العراق يتركز على إحداث توافق في الرأي بين العراقيين وتأمين أفضل الآليات لنقل السلطة إليهم، وتمكينهم من أن يعيدوا بناء بلادهم... وعلى جيران العراق تقديم يد العون... وسأذهب إلى القمة العربية المقررة في تونس لألتقي القادة العرب وأناقش معهم أفضل السبل لمساعدة العراق.
عبر النقاش عاد أنان يؤكد: لم تصرح الأمم المتحدة ولم يصرح مجلس الأمن بالحرب على العراق. الحرب والقرار بالحرب اتخذتهما مجموعة من الدول تقودها الولايات المتحدة الأميركية، خلال النقاش قبل الحرب بيّنتُ أن الحرب لا تتماشى مع الشرعية. كان هذا هو موقفي، ولكنني مضطر لأن أتعامل مع الواقع. نعم العراق هو الآن تحت الاحتلال.. هل كان بإمكاننا أن نتعامل مع الأمر بشكل مختلف؟ حاولنا أن نصدر قراراً آخر، أن نمهل المفتشين لفترة أطول، لكن من قرر الحرب ذهب إليها.