eKtab
EN ع
لبيك: حج الفقراء
اقرأ عينة مجانية

لبيك: حج الفقراء

بقلم مالك بن نبي

صفحة 1
الإهداء
 
إلى زوجتي العزيزة اعترافاً مني،
 
بحنانها الأمومي تجاه المتواضعين في بلدي.
 
إلى أختي الحاجة لطيفة بن نبي.
 
إلى السيد بيلار، مع احترامي وإعجابي المبجل.
 
إهداء بن نبي في الأصل باللغة
 
الفرنسية عن دار النهضة سنة
 
1947م.
صفحة 2

تصدير

تقوم دار الفكر في دمشق بنشر "لبيك" باللغة العربية وقد كتبها فيلسوفنا مالك بن نبي عام 1947؛ أي بعد عام واحد من إصدار كتاب (الظاهرة القرآنية) عام 1946 باللغة الفرنسية.

لقد بادر صديقنا الدكتور زيدان خوليف إلى ترجمة القصة إلى العربية، وهو من الشباب الجزائري الذي اهتم بفكر فيلسوفنا، وقدم أطروحته بالفرنسية عام 2006 تحت عنوان "حياة وأعمال مالك بن نبي من عام 1905 - 1973»، وذلك بإشراف البروفسور برهان غليون في جامعة السوربون الجديدة باريس 3. وقد زارني في طرابلس الشام وتعرفت عليه عام 2002 لغرض في إتمام بحثه ودراسته، فأطلعته كما أفعل مع كل باحث على ما توفر لي من خلال صحبتي لمالك بن نبي في القاهرة منذ عام 1956 حين التقينا به طلاباً فأسس لنا سبلاً جديدة في الرؤية والتفكير حول مشكلات الحضارة ومستقبل العالم الإسلامي.

لقد تميز الدكتور (زيدان) بالبحث الجاد عن المصادر في كل ما يتصل بموضوعه حول حياة بن نبي وفكره. وإذ تفضل فنوه بمساعدتي له في مفتتح أطروحته؛ فإنني أنوه بالمقابل بما تفضل به، وقد زودني لأول مرة بقصة "لبيك" حين فتش عنها في المكتبات القديمة فوجدها لأول إصدار لها باللغة الفرنسية عام 1947؛ وكنت أسمع بقصة "لبيك" ولم يكن بن نبي يحدثنا عنها ونحن من حوله طلاباً سوى إشارة عابرة حول موضوعها.

وقد ارتسم خيالنا حول تلك القصة منذ أن أشار إليها بن نبي في جملة تعداد مؤلفاته، وقد قيل لنا توارداً بأنها إحدى إبداعات بن نبي في الأدب الفرنسي.

فقصة "لبيك" رسمت عمق الروح الجزائرية وشخصيتها المنتمية إلى تراث الثقافة والحضارة الإسلامية المنشدة إلى منازل الوحي.

فمكة والكعبة مثلتا في فكر بن نبي أنشودته وروحه والمنطلق في مشروعه والمعاد إليها في بناء جديد لحضارة الإسلام وهي تبعث من جديد.

فقصة "لبيك" في أعقاب "الظاهرة القرآنية" كانت في زمن مبكر من تأمل بن نبي ترسم الطريق والاتجاه بعصر جديد يكتبه الجيل القادم بعد أن تستسلم الحضارة المادية الغربية لمصيرها في مسيرة القرن كما توقع بن نبي في دراساته أنه مسرى حج الفقراء تلبية للنداء الإلهي "لبيك اللهم لبيك" في عفوية روحهم وأصالتها؛ في شخصية الجزائر التي غلفتها ظلل من ليل الاستعمار المظلم لكنها بقيت تستبطن البواعث في قيم الرسالة مع الظاهرة القرآنية التي كانت - كما يقول بن نبي في شهادته - أول إنجاز علمي وأدبي مقاوم للاستعمار ومؤسس لمفهوم البداية في أفق النهاية.

لذا بدت "لبيك" هي المعين الثابت الذي يستجيب لنداء الغد في بناء نهضة إنسانية تعم العالم كله.

فكتاب "الظاهرة القرآنية" هو المنطلق في البحث العلمي المفضي إلى الثقة بالمصدر العلوي المطلق للقرآن الكريم، الهادي لنور الاستقامة في شخصية المجتمع كما في بناء عالم جديد بعد انهيار عصرنا الحاضر، وهنا تأتي قصة "لبيك" خطاباً جديداً لرؤية المسلم في مساحة الإنسانية.

خطاباً لا ينغمر في تناقضات حاضر العالم بعد الحرب العالمية الثانية كما لا يستريح متكلاً على بهاء الماضي.

صفحة 3

فقد تورط جيلنا بمعطيات الحضارة الغربية الأوربية وتداعياتها؛ لذا على الجيل الذي سيأتي أن يستعيد مسيرته سنداً لرسالة القرآن الكريم وبلاغها في صبح عالم جديد يتأهب للخروج من مأزق العصر بدفع من روحه نحو خلاص البشرية.

فالجيل القادم عليه أن يعرف منذ بداية خطواته الأولى إلى أي هدف بعيد قد انطلق؛ لأن عصرنا الحاضر لم يعد عصر المجتمعات التي تعيش بانتظار أن يأتيها رغدها من الحياة في مصادفة من الزمن كيما تتلمس وجهتها التاريخية، كما يقول بن نبي في مقدمة الطبعة الجديدة لوجهة العالم الإسلامي بالفرنسية عام 1970.

ويرى بن نبي أن المسلم في عمق روحه وانعكاسه الاجتماعي والنفسي في نموذج "إبراهيم" و"زهْرة" في قصة "لبيك". وكذلك الإطار الذي رافق حركة الحجيج في مرفأ عنابة (بونة سابقاً)، هذا العمق يستبطن روحاً متحضرة في شبكة علاقات إنسانية، وهو في عمقه هذا نموذج تحضير في أفق الحضارة الإنسانية.

من هنا فالظاهرة القرآنية مثلت في فكر بن نبي الهدف البعيد منذ البداية؛ لذا جاءت قصة "لبيك" هي نداء البداية والنهاية معاً، وقد استخلصها بن نبي من روح عفوية الشعب الجزائري والفقراء؛ إذ يرى فيهم المنهل الصافي لماء الحياة الحضارية الإنسانية، لذا فـ"لبيك" نموذج الفطرة في "أفلو" في الجزائر، وصفاء شبكة العلاقات الإنسانية في عفويتها، كما قصها لنا في شهادته وكما هي نموذج روح حجاج إفريقية حين تقودهم لبيك رجالاً مشاة إلى مكة في هجير الصحراء في اشتياق واحد مع دمع سكان المدن إلى حج العام القادم وهم يستقبلون قوافل الحجاج من أطراف الجزائر في طريقهم إلى مرفأ مدينة عنابة (بونة سابقاً) لتمخر بهم الباخرة عباب الأمل والرجاء في تلبية النداء، أو لتعود بهم إلى وطنهم في فرح الغفران.

لقد مرت هذه العصور جميعها في أدب بن نبي حين منحها روحه ودمعه في المرحلة الأولى من كتابه "شاهد على القرن"، أو فيما قص وروى له سليل الأمير عبد القادر في مقاله وقد نشرناه مترجماً إلى العربية تحت عنوان "أخوة في الإسلام" في مجموعة مقالات بن نبي "من أجل التغيير".

فالظاهرة القرآنية هي مطالع الأفق، و "لبيك" هي زاد المسار، وتبقى شروط النهضة خطة البناء التربوي إلى مرتقى المسيرة في وحدة الثقافة والاتجاه، بعد أن تصفي سلبية "القابلية للاستعمار"لترسم من جديد "وجهة العالم الإسلامي" في تضامن "الفكرة الآسيوية والإفريقية" التي هي المدى الذي يجد فيه العالم الإسلامي حضوره في العالم كله وهو يرث هزيم الحضارة الاستعمارية الغربية، وقد أوشكت بها النهاية، وتبقى سلسلة مشكلات الحضارة في كل ما أنتج بن نبي في مسار حياته في مصر وسورية وجزائر الاستقلال مجرد معالم إرشاد في طريق "لبيك".

وإذ تظهر ترجمة "لبيك" إلى العربية بمبادرة من المترجم، فقد طلب إليَّ وضع كلمة في مناسبة صدورها باللغة العربية، وأجبته إلى طلبه لأنها تمنح قراء العربية مزيد تعريف بمسار فكر بن نبي، ومزيد تشجيع لإنتاج تلاميذ بن نبي حول مضامين فكره وأبعادها، مع الشكر الجزيل للمترجم.

رحم الله بن نبي وأجزل ثوابه.

عمر مسقاوي

طرابلس في 10/4/2009

صفحة 4

مقدمة المترجم

عزيزي القارئ،

"لبيك اللهم لبيك". كلمات يناجي بها المسلم ربه خلال فريضة الحج. اختار بن نبي هذه العبارة عنواناً لرواية كتبها بعجالة وبين سفرتين في غرفة فندق. وتم نشرها سنة 1947م عن (دار النهضة) بالجزائر. لم يتسن لهذه الرواية أن يعاد نشرها إلا بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد بن نبي. تدور أحداث القصة في مدينة عنابة (بونة إبان الحقبة الاستعمارية)، حيث وضع بن نبي القارئ آنذاك وحتى اليوم في الأجواء التي كان يعيشها الإنسان الجزائري البسيط في كل مدينة جزائرية كعنابة، حيث مؤثرات النمط الأوربي قد طغت على الجو العام. فالعم محمد، والطفل هادي والسكير إبراهيم وزوجته، كانوا يمثلون الشعب الجزائري بمختلف فئاته. فالعم محمد يمثل الأصالة المتجذرة في الأمة. أما إبراهيم فهو يمثل - وعلى انحرافه عن الطريق السليم- الجيل الذي احتك وعايش المجتمع الأوربي في الجزائر حيث كان في حيرة من أمره. فكل ما تعلمه منذ الصغر وإن كان غائصاً في أعماقه، فإن ما يطفو على السطح لا يتناسب مع أحاسيسه العميقة. إنه الفراغ الذي يعانيه كل امرئ غير مقتنع بعقيدته ومقوماته الأخلاقية. لكنه استدرك الأمر، وأدى إبراهيم فريضة الحج.

والقارئ المتأمل في سيرة إبراهيم، يجد أنه مهما حاد المؤمن عن سواء السبيل، فإن إخلاصه لذكريات ما - عائلية كانت أم فكرية - يمثل غرساً للفرد وعودة للهداية وإن طال زيغه. ألقى بن نبي التفاتة إلى النشء المتمثل في شخصية هادي. هذه الشريحة من المجتمع التي ما فتئ بن نبي ينادي بأن تكون بمثابة رأس الحربة في كل عمل نهضوي. ففي كتابه "شروط النهضة" خص الجيل الصاعد بفصل تطرق فيه إلى دور الكشافة، وما يمكن أن تقوم به من عملية إحياء لدور الجيل الناشئ.

لقد عايش بن نبي إرهاصات ثورة التحرير، وأدرك أن من قاموا بثورة الجزائر الخالدة، والصحوة التي سبقتها، كانوا قد تتلمذوا داخل أفواج الكشافة، وفي التجمعات السياسية للحركة الوطنية مع اختلاف توجهاتها، ما دام هدفها الأسمى والأوحد هو "الجزائر". إنه ذلك الجيل الذي يستطيع أن يواجه التحديات من خلال ما يقدمه من عمل موجه لبناء وطنه مستخدماً مقوماته الأساسية: الإنسان، والتراب والوقت.

لم ينس مالك بن نبي دور المرأة، فـ"زهرة" زوجة إبراهيم - وعلى ما عانته من ويلات وعربدات إبراهيم الليلية - ظلت تكن لزوجها كل الاحترام، وتتمنى له كل الخير وتعامله وكأنه أخوها أو ابنها، وإن اختلفت نظرتها للحياة. فمسبحة أم إبراهيم تمثل بالنسبة إليها ذلك الرصيد الثقافي المتوارث عبر الأجيال. والمرأة من الدعائم الأساسية للأمة، والأمينة على أصالتها. ألم يقل الشاعر:

الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعباً طيب الأعراق

لم تخل كتابات مالك بن نبي من "عقيدة الآخر"(1) . فالحوار الذي دار خلال الرحلة بين الربان ومجموعة الحجيج، لم يخل من إشارات الود والتفاهم على اختلاف المبادئ ووجهات النظر. فالإسلام يقوم على أسس التعايش بين فئات البشر مع اختلاف أعراقهم ولغاتهم ودياناتهم، ويرفض العزلة والانطواء. فالعصور الذهبية التي ميزت الحضارة الإسلامية كانت قد عرفت بودها تجاه موسى بن ميمون اليهودي والراهب هربرت.

صفحة 5

إن ترجمتنا أول مرة لهذه القصة إلى اللغة العربية - حسب مصادرنا - تمكن القارئ العربي من الاطلاع على أسلوب (بن نبي) الروائي، الذي لا يختلف كثيراً عن أسلوبه القصصي الذي تميز به في كتابه "مذكرات شاهد قرن". فرواية "لبيك: حج الفقراء"، تميزت بسلاسة الأسلوب في سرد الأحداث، وغناها بعنصر التشويق، إذ لم تخل كذلك من التنكيت والطرافة وتلك خاصية امتاز بها سكان الجنوب القسنطيني خاصة في مدينة تبسة والمدن المحيطة بها، كدوار "قساس"- آنذاك- التي عمل فيها بن نبي مع خاله في مطحنة حبوب بعد تخرجه في مدرسة قسنطينة.

ولذكر هذه الأحداث، فإن بن نبي لم يكن يسعى لأن يكون مفكراً، يدرس مشكلات مجتمعه وينظر لها، بقدر ما كان ساعياً لأن يكون "كاتب قصة"، - كما صرح بذلك لابنه الروحي السيد عمر كامل مسقاوي كما كان يناديه - ولكنه أبى أن يكون كذلك، "لأنه كان صاحب قضية يدافع عنها".

إن الأستاذ عمر مسقاوي لم يدخر أي جهد في إيصال الأمانة - الأفكار - إلى أصحابها وذلك منذ نصف قرن، فلقد كانت – وما زالت - قضيتَه بعد وفاة أبيه الروحي بن نبي. فإذا لم يسمح الاستعمار يوماً لبن نبي بمزاولة دراسة القانون في فرنسة، فإن تبليغ الأمانة لم يسمح أيضاً للأستاذ مسقاوي بمزاولة دراسته العليا يوماً بفرنسة. لذلك يحسن بنا أن نقول: إنه إذا شاء الله بمفكر أو بأفكار خيراً فليرسل إليهم الأستاذ عمر كامل مسقاوي.

فهل نتوانى نحن في الدفاع عن قضيتنا، ولا نسعى للنهوض بأمتنا إلى الأمام وإن كثرت الصعاب؟. أنركن إلى الكسل وإلى الهوان، ننتظر ونحيا حياة الحجر؟.

إذا كان إبراهيم السكير قد تاب وعاد إلى التشمير عن سواعده، ليباشر العمل في حمام يبيع فيه المشروبات لرواده. ومن ثم فإن السواعد الجزائرية يُنتَظر منها أن تقوم بما قام به إبراهيم: أي العمل.

فالعمل وإن كان بسيطاً، فإن توجيهه الصحيح يمكن أن يثمر إذا كان من أهدافه هدف اجتماعي لا كسب للقوت اليومي فحسب. إن العمل وتوجيهه لا يُؤتي أكله إذا لم يكن مصحوباً ومدعماً بنزعة تحدٍّ، يخالجها نبذ للعوامل الداخلية كالقابلية للاستعمار والروح الانهزامية وقلة الفاعلية.

فالطفل هادي تحدى رفاقه وصعد إلى المركب ليحج هو الآخر، وإن كان بينه وبين البيت الحرام بحر. فتحدي هادي، ونقاوة نفس إبراهيم دفعت بهما إلى أبعد الأمصار، لأن العزيمة أقوى من أن تقهر.

فالشاعر الشاب (2) لم يخطئ عندما قال:

ومن يتهيَّب صعود الجبال

يعش أبد الدهر بين الحفر

وشاءت الأقدار أن يشارك في صياغة نص هذه الترجمة بعض المثقفين من محور طنجة - جاكرتا مثل الأخوين الطيب ولد عروسي وعثمان عبد المجيد، اللذين أقدم لهما كل امتناننا وتشكراتنا. كما أشكر الأصدقاء الذين لم يدخروا أي جهد، أذكر منهم الأساتذة: حاج عبد الرحمن، وبديار، وبن حجة.

رحم الله بن نبي إذ كان يقول: "الصعوبات من علامة النمو"، فإذا كان نمو أمتنا محفوفاً بالصعاب، فإن المسلم عامة والجزائري خاصة، لا يبالون على أي جنب يكون مصرعهم للإيفاء بهذه المهمة وهذا من طباعهم المعهودة.

ونأمل التوفيق والعمل المثمر من أجل بلدنا وأمتنا.

المترجم (ز. خ)

باريس، 5 جويلية

(تموز/ يوليو) 2007م.

صفحة 6

نص رسالة المؤلف بن نبي إلى الناشر

سيدي الناشر،

إنَّ الرواية التي أتقدّم بها إليكم قصة مرتجلة لحج بطلي القصة، كتبت القصة في غرفة فندق بين سفرتين متقاربتين جداً.

فبالإضافة إلى الأخطاء التقنية هنالك أخطاء أخرى قد لا يكون مفرّ منها، خاصة عندما نكتب في عجالة.

ولم يكن لدي متسع من الوقت لأتعرّف على الأشخاص بصورة كافية، خاصة الشخصيتين اللتين قامت حولهما القصة وهما الفحام والطفل اللذان عاشا في مدينة عنابة.

أما الجانب الخيالي الوحيد فيتمثل في الصّلة التي وضعتها بين الأشخاص في المكان والزمان، حتى مغامرة الحاج التونسي الذي مُنعَ من الحج فهي حقيقة قد شغلت الصحافة التونسية آنذاك.

وإذا كانت هذه التفاصيل المادية للأحداث معروفة لدي بمنتهى الإتقان، فليست بالمثل فيما يتَعلَّق بمجراها العاطفي والروحي.

فقد آسيت كثيراً عندما حاولت اكتشاف الأشخاص في مرحلة خاصّة من حياتهم، بينما لم أستطع اكتشافهم في الوقت القصير الذي خصصته لهم أي حوالي الشهر. ومع هذا، فقد خالجني شعور حسبما هو متعارف عليه، بأن التلْقَائيَّة كانت تنقصهم.

وحقيقة فإنّ هذا راجع إلى وضع آخر أي الإطار المتفق عليه في الحج الذي يتحرّك فيه إبراهيم والهادي، وخصوصاً إذا كان تجمع حجاجي فوق المركب يبدو غير متحرك وكأنه مُتَكون من جسم واحد وليس من أفراد مختلفين، فإنَّ هذا يرجع إلى الإطار حيث الأشكال والأفكار والمشاعر متقاربة بعض الشيء. ولم تكن لي النية بصورة سطحية على الأقل أن أنظر في روح المجموعة ما عدا شخصيتي إبراهيم والهادي، ولكن كان علي أن أتمعَّن في هيئتهم الأكثر ظهوراً.

لقد أردت أن أمسَّ جزءاً مهماً من الفلكلور الجزائري، لذلك بدا لي أن مقدمة قصيرة تُعدُّ ضروريَّة حتى نستطيع وضع القارئ الأجنبي في أجواء الحجّ في الإسلام. فالإنسان يقترح والله يهيئ....

تقبلوا مني سيدي الناشر وصديقي العزيز فائق الاحترام وعظيم التقدير.

الكاتب

صفحة 7

لبيك : حج الفقراء

إنّ التقويم القمري يجعل الأعياد والتقاليد الدينية الإسلامية تتعاقب منذ ثلاثة عشر قرناً على مختلف مراحل السنة.

ففي عائلة ما، حيث يكون الأب قد أدّى فريضة الحجّ بالأرض المقدّسة في فصل الصَّيف بإمكان الابن أن يؤدّيها في عزّ الشتاء، ولهذا باستثناء المقيمين في الجزيرة العربية والمعتادين على مناخها القاسي، فإنّ المسلمين يخشون الحجّ في موسم الحرّ.

كم من نيَّة مبرُورة تتلاشى، وأكثر من أمنية تُنسى أمام فكرة السعي تحت شمس مكة. ينبغي الإحساس بالنداء الحقيقي للحجّ، النداء الذي لا يقاوم كي يُلَبّى بقوّة لا تقهر إنْ في الشتاء وإنْ في الصيف.

(لبيك) أنا لك، إلهي.

منذ ثلاثة عشر قرناً وفي كلّ سنة ينبجس النداء العجيب داخل أعماق النفوس، ليؤثر غالباً في البسطاء، فيستجيب الذين هم في أقاصي البلاد المسلمة:

(لبّيك، لبّيك).

إنّه هتاف الأرواح التي تقشعرّ عند سماع نداء هجرة ميمونة، فهو أشدّ غلبة من النداء العجيب الذي يتردّد في غريزة بعض الأسماك ليقودها في هجرة تزاوج نحو بقعة ما بعيدة حيث تتمّ معجزة تحوُّلها وتكاثرها.

في كلّ عام أيضاً، يترك آلاف المؤمنين قطعانهم وحقولهم، ومتاجرهم أو خيامهم وينفصلون عن عائلاتهم للالتحاق بالرحلة المبرورة التي تقوم بها الأرواح المؤمنة.

في هذا العام وافق موسم الحج شهر أبريل، شهر البساتين المزهرة والنسيم العليل الذي ينثر على الأرض نوريات الورود وزهور شجر البرتقال، فيغمر السهل العنابي بعبقات بلسميّة.

إنّ حجيج القطاع القسنطيني القادمين إلى عنابة، ليستقلّوا الباخرة، كانوا عندما يمرّ بهم القطار خلال هذا الأريج يشعرون بأنّه نسمة من رَوْح الجنة وريحانها، وبشرى بالرّحمات لعباده المخلَصِين. فيزدادون بذلك إيماناً على إيمانهم وهم يردّدون بين طرفي القطار بصوت واحد:

(لبّيك اللّهمّ لبيك).

إنّ عنابة كانت تعيش في عرس وكانت تستقبل الحجيج الوافدين بالقطارات والذين كانت بواخرهم قد أرست. فينتشرون في المدينة للتزود بالزاد الذي يكفيهم للرحلة، أو للصلاة في المسجد.

وكثير من الحجيج تستضيفهم عائلات المدينة، حيث تتشرَّف بتقديم آخر الوجبات للمتوجهين إلى البقاع المقدسة.

فالحاج ليس ضيفاً عادياً، لذا يجب أن تحفظ أصول الضيافة معه فحتى عجائز الدار المضيفة يخصّصنه باستقبال حار مفعم بأجواء عائلية وكلهن حزن شديد لأنهن لم يفزن بسعادة (غسل عظامهن) بماء زمزم.

- في العام المقبل إن شاء الله!

- في العام المقبل إن شاء الله!

- إن شاء الله! إن شاء الله! ادعُ لنا عند قبر الرسول..

- العام المقبل، إن بقينا أحياء.

- آه! كم أتمنى أن أموت هناك!

صفحة 8

هذه العبارات البسيطة تكشف عمّا تكنّه النفس المؤمنة من حنين إلى واد بعيد "واد غير ذي زرع"، حيث ترك إبراهيم ذريّته لكي يعبدوا الله. هذا الوادي الذي يدعو إليه دائماً، القلوب الرحيمة التي تشدّها الهجرة المبرورة كل عام. وفي هذه اللحظات حينما يتبادل الناس مثل هذه العبارات، كم من أعين للشيوخ والعجائز تفيض بالدمع.

يقول قريب الحاج، وصاحبه، ومضيفه:

"ادع لي، هناك".

وكلّ عابر سبيل يلتقي في طريقه بالحاجّ يحمّله الدعاء الذي ينوء صاحبه بحمله.

في هذا اليوم، كانت عنابة تحتفل بالحجيج. وكانت الحركة غير عادية قرب محطّة القطار، وعند المرفأ منذ اقتراب الباخرة.

كان الجو رائعاً في المساء، وكانت ليلة متوسطية خفيفة وشفّافة كأنّها سجف مرصّع بالمجوهرات يلفّ المدينة والميناء.

الأزقة التي كانت تعجّ بالناس في الصباح، أمست الآن خالية وانطفأت أنوار المتاجر الواحد تلو الآخر كما تنطفئ أنوار فوانيس عرس قد انتهى. وقد لاح القمر ساحباً أشعته بين الأسطح المتقاربة.

في واحد من هذه الأزقة، تراءى طيف شخصين مترنّحين توقفا أمام باب دكّان، وتأهّب أحدهما لفتح الباب في حين تمايل الآخر لحظة ثم استلقى أرضاً على امتداد حائط المتجر مخاطباً صاحبه بصوت مخمور:

- دبّر أمرك، أنا سأنام هنا...

أما الثاني الذي وُجهَت له هذه العبارة، فما زال يحاول عبثاً فتح الباب، غير أن توازنه، غير الثابت، لم يسمح له بالوصول إلى ثقب قفل الباب فصبّ جامّ غضبه على المفتاح العاقّ، والباب المتمرّد.

وبدا له - وقد أتعبته الحرب - أن يترك المحاولة ليتأمل لحظة صاحبه المستلقي على الأرض. كان في نظرته شيء من الحقد ومن شفقة على هذا الرجل الذي لا يستطيع أن يقاوم الخمر.

هذه العجرفة، التي يشترك فيها كلّ الذين يتعاطون الخمر، ألهمته فرحة مفاجئة، فأنشد يغني بمقاطع غير مفهومة من اللغة وعلى إيقاع كلّ المخمورين.

لقد أزعج صوته الهدوء الذي كان يسود على الشارع، وفجأة، فُتحت نافذة مشربية المنزل المقابل، حيث لاح خيال شخص، تحت ضوء الستار المشدود والمصاريع المدفوعة.

بدا الخيال منحنياً على الشارع هنيهة، ثم تراجع ساحباً وراءه المصاريع.

وبعد دقائق فتح باب المنزل، فظهر شخص مرتدياً لباساً أبيض تاركاً خلفه صفق الباب نصف مفتوح واتّجه بخطا صغيرة نحو السكير الذي كان يغني.

- ماذا بعد يا إبراهيم؟ مرة أخرى ثملاً؟!، ألا تفكر أنك في هذه الساعة المتأخرة تزعج جيرانك المساكين؟.

- هل تدري أنني اضطررت إلى قطع صلاتي حتى لا أدعك تصرخ طوال الليل تحت نافذتي؟.

صمت الرجل الثمل فجأة لدى رؤية مخاطبه الذي كان قد ألقى عليه هذه الكلمات وهمهم بصوت خافت، وقال شيئاً يشبه الاعتذار وصل بعسر إلى شفتيه.

- آسف عمي محمد، إنه مكتوب على الجبين، والله إنه مكتوب، آسف.. لن أقوم بأيّ إزعاج. سأخلد إلى النوم.

الذي يخاطبه كان شيخاً له لحية بيضاء وحول عنقه سبحة مثل هؤلاء الشيوخ الذين نجدهم على درج مدخل جامع الباي ينتظرون نداء المؤذن وهم يحدقون بمتعة في الغادي والرائح في الساحة.

أمعن الشيخ النظر برهة بحزن في السّكير المسكين الذي كان يترنّح أمامه، وكذلك صاحبه المستلقي على الأرض.

كان وميض مصباح الشارع الضعيف كافياً ليضيء الظل المتمايل للسكير. وكانت سمات وجهه تتميز بتلك اللّطافة الخاصة التي تدل على انحداره من هذا الوسط البرجوازي الإسلامي، الذي لا يشتغل، والذي كان يعيش حالة من التقوى والفراغ والترف إلى أن حدث التحوّل الاجتماعي الذي هزّ الجزائر خاصة منذ سنة 1918 م. قد يكون في الثلاثين من عمره، لون بشرته الباهت الخاصّ بسكان مدن شمال إفريقية يكشف عن أصوله الحضرية.

كان يرتدي مئزراً طويلاً يصل إلى الكعب ومنتعلاً حذاء قماشياً ويضع فوق رأسه شاشية متآكلة وعليها دسم القرف، حيث تعكس ضوء المصباح. أخذ منه الشيخ المفتاح وهو يتمتم:

أنت مسكين يا إبراهيم، أنت لا تستشعر ذكرى والديك اللذين كانا مؤمنين تقيّين.كانا يريدان أن تكون شيئاً آخر غير الذي أنت عليه الآن.

وأردف الشيخ قائلاً وهو يدخل المفتاح في القفل:

"ليحفظك الله. ادخل، ادخل" مخاطباً السكير وهو يمدّ يده إليه لكي يساعده على تجاوز العتبة. دخل الشيخ معه إلى الداخل وكأنه يعرف تفاصيل المكان.كان يتحسس في الظلام بيديه، تناول علبة الكبريت وبزند عود منها أشعل شمعة وضعت فوق صندوق حانوتي.كان إبراهيم يتوسط المحل الذي كان دكّاناً للفحم.

صفحة 9

وكانت تتدلّى خيوط العنكبوت، من خشب السقف الذي لا يمكن التعرّف من خلاله على طبقة كلس الجير الممسوحة لكثرة تراكم غبار الفحم الذي صبغ المكان هناك في الداخل. وفي ركن منه، توجد كومة فحم بجانبها أكياس مملوءة لم تفتح بعد. أما الغربال وميزان الفحم، فقد أكملا تأثيث هذا الجانب من المحلّ.

وفي الجانب الآخر، وُضِع صندوق فوقه الشمعة التي لا تكاد تضيء سريراً حقيراً وهو المتاع الشخصي الوحيد في هذا المتجر والذي يمثل حجرة نومه أيضاً.

وكأنَّ إبراهيم، وهو واقف في وسط الغرفة بقميصه المدبوغ مع يديه بغبار الفحم، يجسد الروح السوداء لهذا المكان المعتم.

غادره الشيخ دون أن ينبس بكلمة واحدة وأغلق الباب ثم ألقى تحته المفتاح.

مكث إبراهيم في مكانه متردداً، تنهّد بقوة وهو يترنَّح مرتين أو ثلاثاً وتمكَّن من التوجه أخيراً نحو الركنِ؛ أي غرفة نومه.

بتَروٍّ، حاول أن يطفئ الشمعة قبل أن يتمدَّد على فراشه لكنّ نفَسَه الممزوج باللُّعاب لم يسعفه. وإذ تقطّع نفَسُهُ، ترك يده تسقط على الشمعة فانطفأت، وفي الوقت نفسه فقد التوازن وسقط على فراشه بالمصادفة.

وبعد دقيقة، علا شخيره الذي ملأ المكان وكان بمثابة صدى لشخير صاحبه المضطجع في الخارج.

كان الليل في آخره عندما تململ إبراهيم في ركنه. لقد انتابه إحساس مبهم، كأنّ أحداً قد أيقظه، فاستيقظ وهو يتألمّ من ذراعه نتيجة الوضعية غير المريحة التي اتَّخذها عند سقوطه حينما أراد إطفاء الشمعة.

لقد خطرت بباله المخدّر، ذكرى تلاشى بها إحساسه بالألم، بيد أنها بقيت ذكرى غامضة.

- قال محدثاً نفسه وهو يمسح عينيه: "لقد كان حلماً". ولكي يطرد الظلمة التي تلفّ هذه الذكرى راح يتحسّس الصندوق باحثاً عن علبة الثقاب لكي يشعل الشمعة. أشعل الشمعة ثم اتّخذ وضعية مريحة على فراشه، كان يحاول أن يمسك بأوّل خيط لحلمه الذي ترك في روحه لذة مبهمة.

لكن حاول سدى الاستنجاد بذاكرته التي أنهكها الخمر. ورغم ذلك توافدت أفكار طفت إثرها حوادث ليلة البارحة.

كان طيشه قد بدأ في دكّانه الصغير حيث تناول عشاءه رفقة جماعة من المخمورين: ممبار وفلفل حار وكلّه مخلّل بكميات هائلة من الشراب الأحمر. إنه الطعام التقليدي لكلّّ المشردين في المرافئ الجزائرية.

كان إبراهيم قد خرج ثملاً، عندما غادر المتجر كي يواصل شرابه في أماكن أخرى بالقرب من المحطة.

فهو يذكّر الآن الحشود الهائلة في ساحة المحطة حين كان يخترق الجموع التي تبدو كأنها تنتظر شيئاً ما. وما لبث أن أحدث صفير القطار الداخل إلى المحطة، حركة جامحة، فانضمَّ إبراهيم إلى تلك الجموع مازجاً مقاصده المشوشة مع محاوراتهم.

عندما خرج المسافرون من المحطة، اشتد صخب الجموع وتعالت أصواتهم بالهتاف للذين تعرّفوا عليهم بأنهم حجّاج مهمهمين لهم:

- أنتم السابقون ونحن اللاحقون.

- إن شاء الله!، إن شاء الله!

وكان إبراهيم قد شاركهم أمنيتهم أيضاً، وقد غمره، دون أن يعي الشعور الذي كان يخالج الحشد، حتّى إنه انتهر رفيقه الذي كان معه عندما جرّه بيده، مثرثراً باستهزاء وهو يحاول أن يأخذه إلى حانة أخرى فجمع كلّ كرامته التي فرضتها عليه حالته الحزينة تلك، ليجيبه قائلاً:

"أتظنُّني كافراً مثلك؟ أنت الذي لا تعرف شيئاً عن دينك، فأنا قد حفظت ستين حزباً في حين أنك لا تحفظ ما يكفي لتأدية صلاتك".

وأصلاً، لم يفهم صاحبه أي شيء من هذه الخطبة، وأصرّ على أن يجره معه إلى الحانة.

ولكن على غيرته على دينه استسلم إبراهيم لتناول كأس أخيرة.

فجأة، وفي هذا المكان، انقطع مشهد الذكريات من ذهنه، وكأن ستاراً حاجباً سقط فغطَّى ذلك المشهد وعاد إلى ذاكرته ذلك الحلم الذي حاول إبراهيم استشعاره:

- وتذكّر فجأة: "أجل، لقد حلمت بالكعبة..".

شيئاً فشيئاً بدأ حلمه يتّضح، لقد رأى نفسه في لباس الإحرام، اللباس الذي يرتديه الحاجّ خلال أدائه لتلك المناسك.

ترك هذا الحلم إبراهيم في حيرة من أمره، كان يريد أن يجد تفسيراً لهذا الحلم فلا يوجد مسلم لا يؤمن بتأويل عملي لرؤاه. بل إنه يوجد علم تفسير الأحلام الذي تجلّت فيه على مرّ العصور فطنة بعض علماء تأويل الأحلام. إن الإلهام موجود عند الصوفية بل هي أساليب لها طرقها وقواعدها. فالمسلم، إذا ما احتاج أن يتبيّن أمراً ما، استخار فيه الله ليلهمه عن طريق رؤيا في الحلم.

لقد كان إبراهيم، على سوء تعرجات حياته، يحافظ على الروح الصوفية التي ورثها عن السُّلالة الصّالحة لأسلافه.

لقد كان مغزى حلمه يشغله:

- ترى ماذا يعني أن أرى نفسي في لباس الإحرام؟

ظلّ فكره يطارد بلذّة ذلك الحلم الذي يعتقد أنّه رآه. وبعينين نصف مغمضتين، كان إبراهيم يرى نفسه برفقة الحجيج، الذين سيبحر مركبهم صباح هذا اليوم قبل منتصف النهار كما سمع ذلك خلال جولته البارحة عندما كان برفقة جماعته.

غير أن شيئاً ما لا يصدق كان قد أضاء في شعوره والذي استسلم بعده لسكون لذيذ.

لكنه بذل جهداً ليكبح قفزة شعوره. وكان يريد أن يطلق العنان لروحه التي كانت تتمسّك بدرب حلمه، كان يرى بين جفنيه وكأنه خارج من مرفأ عنابة والمركب يعجّ بهتافات الحجيج الملبية لدعوة الحجّ وصفارات الإقلاع من تلك الباخرة تصطحبهم مثل نغمات الأرغن L’orgue . وفعلاً جسد إبراهيم، ودون وعي، المشهد مردّداً بأعلى صوته:

لبَّيْك لَبَّيْكَ.

صفحة 10

لقد فاجأه صوته الشاذ الذي اخترق صمت المحلّ. لكن روحه واصلت ملاحقة حلمه، الذي أقحم فيه كل ما يعرفه من مفاهيم عن الحج، إذ تُعَدُّ هذه المعارف جزءاً من ميراث كل عائلة مسلمة. إنّ أجيالاً من الحجاج حملوا من مكّة انطباعاتهم ومفارقاتهم وبذلك كوّنوا جزءاً مهمّاً من التراث الشعبي الإسلامي.

هل سيتابع إبراهيم حلمه كما يحلو له، أو بالأحرى سَيُوجهُه نحو المسار العادي للحجاج؟

بالنسبة إلى المسلم العادي من شمال إفريقية، كما هو حال الفحّام، تبدأ المرحلة الحقيقية للرحلة المقدسة من بور سعيد، الذي ينطقه عرب المغرب (البرّ السعيد).

بالنسبة إلى الناس البسطاء من هذا المكان يبدأ الحجّ إلى الأراضي المقدّسة، إنّ طائفة من التفاصيل المتعرّجة تبدأ تسترعي اهتمام الحاج بدءاً من دخوله البحر الأحمر، فتذكره تارة بحدث ديني من الماضي وتارة أخرى منسكاً يجب القيام به.

وهكذا الحال مع أجيال من الحجيج، هكذا كانت تسمي (حفرة فرعون) حيث التاريخ المقدّس يشير إلى معبر موسى في البحر الأحمر، ويقولون إن فرعون ما زال في هذه الحفرة حبيس الدّوامة إلى آخر الدهر. عند هذا المكان، وفي كل سنة يراقب الحجيج من فوق مركبهم (حفرة فرعون) وبعضهم يدّعي أنه حقّاً رآه.

من هذا المكان، يمكن أيضاً رؤية (جبل الطور) حيث كلَّم الله موسى بالوادي المقدّس حيث رأى رسول بني إسرائيل (القبس).

بعده يظهر الميناء الحجازي الصغير (رابغ) الذي يُنَبه الحجيج بأنّهم قد دخلوا المنطقة المقدّسة، حيث يتخلَّى الحاج عن ملابسه العادية: الجبّة، البرنس والعمامة حاسر الرأس ولا يتزيّا إلا بلباس الإحرام. من هنا تبدأ حياته التعبدية وشعائره الدينية. وينسى كل شيء يربطه بالأرض، وبالعائلة وبمصالحه الدنيوية.

لبّيك اللهمّ لبّيك.

وانطلاقاً من (رابغ) لا تنقطع هذه التلبية فوق المركب الذي يحمل الحجّاج منها إلى جدّة. هكذا أرخى إبراهيم العنان لذكرياته التي ورثها عن جدته التي كانت تحكيها لهم في ليالي سمرهم العائلي عندما كان صبياً.

فتذكّر جدّته العجوز التي كانت تسحره بقصصها الرائعة، وذكريات عمر ذهبي تطربه، والحنين يجتاحه إلى ماضيه العائلي، إلى والده وأمّه وإلى طفولته. فجأة تسلل إلى قلبه إحساس بالخطأ بسبب وجوده هنا، في محل الفحّام، وعلى هذا الفراش الحقير.

حاول جادّاً أن يتخلّص من هذا الإحساس المؤلم والعودة إلى أحلامه. فوصله صوت شخير من الخارج، تذكّر رفيقه، كان من عادته عندما يرجع من دورية أن يرقده في المتجر هذا إذا لم يستلق مصروعاً بالخمر على حافّة مجرى الماء. وعلم هذه المرة أيضاً، أن رفيقه لم يقوَ على اجتياز عتبة المتجر واستلقى على مدخله، وقد ملأ شخيره غرفة إبراهيم الذي لم يعد قادراً على التلذّذ بحلم اليقظة الذي كان يريد أن يتابعه إلى جَدّة ومكّة ثم المدينة...

لقد انقطع سحر الحلم لدى إبراهيم الذي عاد فكره مرغماً، إلى أجواء المحل. والآن، إذ عَينَاه وهما نصف مُغمضتَين تريان صوراً أكثر حسّية. تجول بصره في دُكّانه المعتم الذي كانت تبثه الشمعة بضوئها الخافت ودخانها. بدأت نشوة الحلم الذي رآه في نومه ويقظته تتلاشى حين أدرك حالته الراهنة والأشياء القاتمة التي كانت تحيط به.

انتَابَه إحساس بالاختناق جعله يعتدل جالساً متكئاً على ذراعيه، فوقع نظره على رجليه الممدودتين والمنتعلتين حذاءه القماشيّ الذي لم ينزعه منذ البارحة حين تهاوى على فراشه.

أحس إبراهيم بخجل مضاعف من فردتي حذائه: حذاؤه الذي لم يكن يلبس مثله سوى (أولاد الحرام) مثلما يطلق على السفلة في الجزائر.

فحذاء كهذا بالنسبة إلى الناس الطيبين من الجيل السالف، لا ينتعله إلا قطاع الطرق وأشخاص في منتهى النذالة لكي يفاجئوا غيرهم دون إصدار صوت أو للفرار بسرعة.

هذا الحكم المسبق بقي في العائلات الشريفة، وقد ورثه إبراهيم خلال تربيته في أثناء الطفولة وما زال متأثراً به حتّى هذه اللّحظة.

ابتلع إبراهيم ريقه، وكأنّه جرعة من المرارة يصطحبها شعور بالخجل والألم، لم يعهدهما منذ زمن طويل.

وأمعن النظر مرة أخرى في حذائه ثم انفجر ضاحكاً وكأن نوبة جنون قد ألَمّت به.

وكان يمتزج في فكره منظر حذائه ودكّانه مع الإحساس المتناقض الذي أيقظته في نفسه كلمة (بوقرعة) وكلمة (الحاج) ليخطر بباله موضوعٌ مثير للسخرية.

بعد أن مرت نوبة الضحك، بقي مدّة مبهوتاً وتخلّص- وهو يختنق غيظاً- من حذائه مثلما يتخلّص أي إنسان من خزي ووصمة العار، وكان يعتريه هذا الإحساس الغريب الذي ينتاب المرأة الساقطة والذي يجعلها تتقبَّلُ الحاجز الذي يوضع بينها وبين المرأة الشريفة في الحمّامَات الشعبية والأحياء المجاورة لها. ومهما يكن انحطاطها فإنّ النفس المسلمة تحافظ على بعض من كرامتها في مواجهة الإحساس بالخزي، وهي ترزح تحته.

كان لدى إبراهيم هذا الإحساس بالخزي الذي ينزل بهذه الشريحة المشبوهة من الناس الذين طبعتهم الحياة التي أخذت منعطفاً عصرياً والذين هم متشردون دون مأوى ولا عائلة على هامش مجتمعين: مجتمع مسلم وآخر أوربي.

كان لديه إحساس بأنه ينتمي إلى الشريحة الثانية هذه.