صفحة 1
الفصل الأول
ممارسة الحبّ، كما الحياة، لغز تغيب كل تفاصيله. لا أدري لماذا يجتاحني التفكير العميق في هذه الحياة بعد ممارسة الحبّ. ما العلاقة بين ممارسة الجنس والحياة؟ كلاهما متعة مشوّشة. لا أدري لماذا يتملّكني هذا الشعور الغري
تململتْ زوجتي، وخشيتُ أن تستيقظ من نومها الذي شعرتُ أنه ينقذني من ألم الكلام، أو يجتاح مساحات صمتي. نومها أشعرني بشيء من الارتياح وسط تساؤلات وحيرة وأرق.
تململتْ، لكنها لم تستيقظ. كأنّ السماء استجابت لدعواتي الصامتة. بقيتْ غارقة في نومها.. بعيدة عن ما يجول في داخلي من أفكار ومشاعر غريبة. أعرف رجالاً كثيرين يمارسون الجنس دون شهوة ولا حبّ. هل استقطبتني دائرة هؤلاء الرجال دون أن أدري؟ ما معنى أن يحبّ الرجل زوجته دون أن يشتهيها؟ لا أدري إن كانت المشكلة مشكلتي، أم أنها الطبيعة البشرية. كم يلزمني من الانضباط حتى أكون زوجًا صالحًا حسب المفاهيم النسائية أو الأنثوية للصلاح! كم يلزمني من الصبر حتى استمرّ في حياة زوجية، لا مشكلة فيها سوى الشعور العميق بالملل.
يحدث لنا، في وقت من الأوقات، أننا لا نجد معنى؛ أي معنى لأشياء كثيرة مثل: الحياة، والموت، والزواج، والإنجاب. هل أقف عند هذه النقطة الآن؟ نقطة تجرّد الحياة من كل معانيها، أو تجرّد الأشياء من كل مضامينها؟ كم يؤلم الأعماق شعور كهذا! ولكن.. لماذا يراودني هذا الشعور؟ سؤال يبتلعه غياب الجواب.
نهضتُ من سريري الذي بدا قيدًا مؤلمًا، ففي الأسرّة يكون الألم، أو تكون المتعة، فالآلام تقودنا إلى السرير، والمتعة تدفعنا نحوه. ما هذا التناقض؟ السرير ننفض آلامنا ومتعتنا عليه، ففي الغرفة التي لا سرير فيها، تبقى الآلام معلّقة بثقلها على أجسادنا كالملابس على المشجب، وتبقى المتعة، واللّذة، في دائرة الاحتقان.
توجهت إلى غرفة مكتبي. الهدوء يغلّف الغرفة، ويغزو ظلامها ضوء خافت موضوع على الطاولة. من الهدوء ما يؤلم خوفًا أو وحدة، ومنه ما يلُفّ الجسد بالراحة، والطمأنينة؛ فالهدوء يستقطبه التناقض أيضًا.
في تلك الغرفة الغارقة في الهدوء، وتحت مظلّة الضوء الخافت، رأيت القلم، والأوراق البيضاء.. العارية رغبة لجسد قلم. شعرتُ أن القلم يناديني.. يجذبني حبره، وتدّفقه، وثورته، وتمرّده، وجنونه. تقدّمت نحو الطاولة متهيّبًا، ولا أدري لماذا شعرت بالتهيّب في الوقت الذي اجتاحتني ثورة القلم. ربما لأن مشاعري، وأفكاري المدفوعة بآلة الانطلاق، كان ينقصها الترتيب، والتسلسل.
خلال سنواتي العشر، أي منذ بدأت كتابة الشعر، لم أجد أحدًا، أو شيئًا، يحتوي، أو يحتضن ثورتي، إلا الأوراق البيضاء. مَنْ يستطيع أن يحتضن جنون شاعر؟ مَن يستطيع أن يخترق أعماق الشاعر غير القلم؟
زوجتي، التي درست علم الاجتماع في إحدى الجامعات، لا تعير أي اهتمام للشعر والأدب. كل ما يهمّها الإنجاب، وأعمال البيت. لا أدري ما معنى أن يجلس شاعر جوار زوجة تناقش أعمال البيت، وشؤون الطبخ، ولا أدري لماذا لم ننجب بعد خمس سنوات من الزواج الثاني، فزوجتي الأولى رأت أن لا حياة بيننا بسبب عدم الإنجاب، فتركتني، ولم أعد أعلم عنها شيئًا، ولا أدري، أيضًا، لماذا يقول الأطباء إنه لا توجد أسباب لعدم الإنجاب.
ما تفسير كل ما يجري معي؟
عندما أسأل زوجتي: ما معنى أن لا ينجب الإنسان أطفالاً؟ فتجيب باندفاع: "معناه أن يشقى". وعندما تسألني: ما معنى أن ينجب الإنسان أطفالاً؟ أجيبها بعد تفكير: "أن يزداد شقاءً."
استيقظتْ آلامي، وأحزاني، في تلك اللحظة. أكانت ممارسة الحبّ سبب ذلك؟ فمتعة ممارسة الحُبّ تنتهي بفتورٍ وحزن مواربيْن، كأننا نُعاقَب على متعة ابتلعناها خلال فترة قصيرة.
صفحة 2
أمسكت بالقلم، وقد خُيّلَ إليّ أنه يقفز نحو أصابعي كي يستنطقني على طريقته، كأنه لا يعجبه صمتي، أو كأنه ضاق بالحبر الذي فيه، كما تضيق بي الحياة. رحت أكتب قصيدة تحت عنوان:
"حزين كالمطر"
حزين كالمطر
يتساقط المطر كاللآلئ،
وخلف نافذتي عصفور
يرتعش، ويئنّ
كما تئنّ أعماقي.
على هيئة اللاشيء أنا...
لن يغسل المطر أعماقي،
فأنا حطام هذه الدار،
وربما حطام هذا الكون.
فأنا شبه موجود،
وشبه لا شيء.
إنّ اسمي العدمية.
أشتهي أقحوانة تدثّرني،
وأشتهي رغبة تزلزلني،
ومطرًا غزيرًا يغسلني.
وُجِدتُ...
لأن قدري أن أكون،
وسأموت عندما أشتهي
الظلام، أو لا أشتهيه.
وضعت القلم على الطاولة، وعدت أقرأ ما كتبتُ. تحتاج القصيدة إلى القافية والوزن، وإجراء بعض التعديلات. ولا أدري لماذا شعرت أن القصيدة التي تخرج عن قانون القافية، والوزن، تنفض أعماق الشاعر بشكل أصدق. القافية، والوزن، هما سلاسل تلتفّ حول كلمات القصيدة كما تلتفّ السلاسل حول الأيدي، والأقدام. القافية، والوزن، يقتلان حرية الكلمات، وقد يعيقان حرية الكلمات، وتدفّقها، وجنونها، وثورتها. ولكن، مَنْ أنا كي أقلب كيان الشِّعر؟ مَنْ أنا كي أضع الشِّعر في قوالب جديدة؟ مَنْ أنا كي أقتل القافية، والوزن؟ فللقافية رونقها، وسحرها، وللوزن جماله الأخّاذ.
نظرت حولي، فشعرتُ بسكون، وهدوء، مريحيْن. أن يكون الإنسان مع قلمه، وبين كتب مكتبته، معناه أن يكون في عالم لا يخصُّ أحدًا غيره.. في عالم للخلْق.
صفحة 3
الكتب تخترق حواجز النفس كي تغلّفها بالراحة، والهدوء، وبسعادة لا مثيل لها. ولكن، لماذا لا أشعر بالسعادة الآن، وأنا بين كتبي، وأوراقي، وقلمي؟ لماذا أشعر بالفراغ؟ لماذا لا ينفضني القلم على الرغم من كل ما يخطّ على الأوراق البيضاء؟ لماذا يُهزم القلم أمام صمتي، وأمام هذه الفوضى الداخلية التي تجتاحني؟ لماذا يسحقكَ صمتي، أيها القلم؟
أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت حولي كأنني أتأمّل الفراغ حولي. أستهجن أحزاني، وأوجاعي، وتناقضاتي، وثورتي، وهمومي المتشابكة. إني ألتحف شبه الظلام هذا وحدي.. أستنشق هواءً لا يصل أعماقي. لماذا كل هذا الضيق؟
وعلى الرغم من الضيق الذي كنت أشعر به، بدا لي المكان جميلاً.. جميلاً، بالظلام الذي يرتديه.. بالهدوء الذي يتزيّن به.
وقفت، وتوجهتُ نحو إحدى النوافذ، ونظرت إلى بيروت الغارقة في ظلام الليل. إنها الثانية بعد منتصف الليل. رائعة هي المدينة بثوب الهدوء الذي ترتديه. هذا هو الأسبوع الأول على وجودي في بيروت، فقد جئت من مخيم عين الحلوة كي أنشر ديوانًا شعريًّا في إحدى دور النشر.
عدتُ إلى حجرة نومي، حيث كانت زوجتي غارقة في نومها الذي كان دائمًا يقودني إلى تفاصيل نفسي؛ فالوحدة تقودكَ إلى تفاصيل نفسكَ. كم يلزمك من الهدوء كي تتصالح مع نفس مجبولة بالثورة، والاحتجاج؟
أثور على نفسي. أتصالح معها على طريقتي. أخاصمها. ألعنها. أروّضها. أقيّدها. أطلق سراحها. أحاسبها.. كل هذا على طريقتي.
هنيئًا لك نومك، يا زوجتي. لك هدوء النوم، ولي صراع الفكر.
ارتميت بحزني على السرير، ثم نظرتُ إلى زوجتي، واخترقني شعور بالحسد لأنها غارقة في النوم. يحدث لنا، بعض الأحيان، أننا نحسد الآخرين على أمور تافهة، أو أمور لا نبذل أي جهد للحصول عليها. ليت النوم يأتي.. ليته يغلّفني.. ليته ينقذني مما أنا فيه. كي أنام، يحتاج عقلي إلى الاستقالة.. الاستقالة من التفكير، والتدقيق. في الفترة التي تقع بين النوم واليقظة، يبدأ العقل بتسليم الأفكار إلى اللاوعي. ما أعظمك أيها النوم عندما تجرّد عقلاً من تفكير يقهر الجسد! ما أصغركَ عندما تهزمك الهموم، والأحزان!
زوجتي نائمة، فمتعة ممارسة الحبّ قادتها إلى النوم. أما أنا، فممارسة الحبّ قادتني إلى القلق، والأرق. عجيبة هي ممارسة الحُبّ في دائرة المألوف.. حُبّ لا حُبّ فيه.. رغبة حيوانية تعمل بطريقة ديناميكية، دون لهفة، ودون حرقة، ودون مشاعر تضرب القلب، والصدر.
الهدوء يُطلق سراح الأفكار. لم أدرِ كم من الوقت مضى كي أغطّ في النوم.
* * *
ما أن يستيقظ الإنسان من نوم عميق، حتى يشعر بفراغ الجسد من الهموم، والأحزان. جسد فارغ من الهموم، كما الوعاء الفارغ، سرعان ما تملؤه أحداث النهار. هكذا شعرت في ذلك اليوم من أيام أيار. زوجتي في المطبخ تعد طعام الفطور، وألم في إحدى أسناني ينخر رأسي.
سمعت زوجتي تنادي:
- بهاء.. بهاء. أعددتُ الطعام.
زوجتي تعتقد، كغيرها من النساء، أن لا شيء يُسعِد الرجل غير إغراقه في الطعام والجنس. على الرغم من أنني لا أنكر هذا الاعتقاد تمامًا، فإنني أتساءل: لماذا لا أؤمن بهذا تمامًا؟ الطعام والجنس ليْسا هدفي، ولا قمة سعادتي، ولا درجة الإشباع عندي. الطعام لا يُسعد إلا رجلاً يملؤه فراغ المعدة، والجنس لا يسعد إلا رجلاً يملؤه احتقان رغبة متوحشة.
صفحة 4
نهضت من سريري، وتوجهتُ إلى غرفة الطعام. ابتسمتْ زوجتي عندما رأتني، فأسعدتني ابتسامتها أكثر من الطعام الموجود على الطاولة. عجيب أمري، كأنني كنتُ أشعر بالجوع إلى الابتسامات، وليس إلى الطعام. لم أدرِ لماذا أسعدتني ابتسامتها وقتئذ، كأنها تبتسم في وجهي أول مرة. ابتسامتها غلّفها الحنان والحُبّ. لعنتُ نفسي في أعماقي على ذلك الفتور العاطفي تجاهها، في الوقت الذي لم أجد ما يبرّر شعوري بالذنب على ذلك الفتور العاطفي لأنه خارج عن سيطرتي، فخمس سنوات على هذا الزواج، فترة كافية كي تجعل جسد زوجتي كجسد الدمية. أيثير سكون جسد دمية رجلاً مسكونًا بثورة المشاعر، وعنفوان الأحاسيس؟
تلاشت الأفكار عندما رأيت زوجتي تضع فنجان الشاي أمامي كأنها شعرت بشرود ذهني. أحبّ أن أتناول الشاي على الريق. تناولت الشاي دون أن أتناول الطعام.
سألتْ زوجتي:
- لماذا لا تتناول الطعام أولاً؟
أجبتها:
- الشاي أولاً.
تناولت زوجتي طعامها، وقد خيّم الصمت، كأن الكلام بيننا يلفّه الفتور أيضًا. يحدث للكلام بين الناس أن يلّفه الفتور كالمشاعر تمامًا. ماذا تقول لزوجة تعرف كلّ معتقداتها، وتصرفاتها، وتحركاتها، وكل تفاصيل تفاصيلها؟ تعرف متى تأكل، ومتى تنام، ومتى تغتسل، ومتى تثور، ومتى تهدأ.
ماذا تقول لشخص مكشوف أمامك كالورقة البيضاء؟ مع كل هذا، هناك نوع من الحُبّ في أعماقي تجاهها؛ فهي تمنحني الحنان، وتحرص كل الحرص على إرضائي، وعلى كل ما تعتقد أنه يسعدني.
قلتُ:
- كتبتُ قصيدة ليلة أمس.
توقعت أن تقول: "ألقها، أو أطربني بها." لكنها قالت بلا مبالاة:
- قصيدة؟ عن ماذا؟
تساءلتُ لماذا سألتني: "عن ماذا؟"، ولم تسألني: "عن مَنْ؟"
أجبتها:
- قصيدة بعنوان، "حزين كالمطر."
سألتْ:
- وهل المطر حزين؟
توقعت أن تسألني: "هل أنت حزين؟ ولماذا؟"
لذت بالصمت، فجهلها بمعاني الشعر، والتشبيهات، والاستعارات، أخرسني. يحدث، بعض الأوقات، أن الجهل يهزم العلم. شربتُ الشاي بصمت لعلّ صمتي يخبرها بأنها لا تسير في الاتجاه الصحيح في حوارها معي. وضعتُ فنجان الشاي الفارغ على الطاولة.
صفحة 5
قلت بكل ما أوتيت من تفاهة:
- كيف يتمّ عمل الكعك؟
لم يفاجئها التحوّل من الشعر إلى الطعام، وأجابت بسرعة توقعتُها. تحدثتْ عن طريقة عمل الكعك بكل تفاصيلها. تساءلت في أعماقي وهي تتحدث عن عمل الكعك: "ما الذي جعل زوجة كهذه تتعثر في طريقي؟ ولماذا ألوم الأيام على زوجة كهذه؟ فأنا اخترتها". يحدث لنا، بعض الأوقات، أننا نختار ما يجب أن نختار. أين حرية الاختيار عندما يكون الاختيار مغلّفًا بالإرغام؟ ما معنى أن يكون الإنسان مرغمًا على الاختيار؟ مرغم على الاختيار.. تناقض عجيب! يخيّل إليّ أن شقاء الإنسان وليد هذا التناقض الذي أُقحمَ به. نُقحَمُ في التناقض كما نُقحم في هذه الحياة
أخذتُ نفسًا عميقًا، فقد ضاق صدري من التحليل، والتدقيق، والتمعّن. عجبتُ لأمري. لماذا لا تستقطب عقلي قشور الأشياء، وسطحيّتها؟ ولماذا أتجه نحو التفاصيل، والأعماق المُتعِبة؟
* * *
في وقت لاحق من ذلك النهار، اشتدّ ألم أسناني، فتوجهتُ أبحث عن عيادة للأسنان. الألم فينا قد يقودنا إلى استصغار عجيب للحياة، واستصغار أعجب لأنفسنا. لم أجد عناءً في البحث، وهذا نادرًا ما يحدث معي. وجدت عيادة للأسنان قريبة من منزلي في بيروت. عيادة الدكتورة لينا. شعرت بالارتياح، لأن العيادة على بُعد مائة متر تقريبًا من منزلي، وهذا سينقذني من عناء الذهاب إلى عيادات بعيدة.
يجتاحك التساؤل عندما تذهب إلى مكان أول مرة: مَنْ سترى؟ ماذا ستقول؟ هل سيسرّك المكان، أم يسوءك؟
إنني الآن في العيادة، أجلس بين بعض المرضى، بالقرب من رفوف للكتب في غرفة الانتظار. الانتظار يوحي بالوقوف عند باب المجهول. إنها الخامسة عصرًا الآن.
رفعتُ عينيّ قليلاً، ونظرت إلى جهاز التلفاز المثبت في الحائط. الهدوء في غرفة الانتظار أشعرني بالارتياح، وبينما كنت أنظر إلى التلفاز، انتابتني رغبة في إلقاء نظرة على الكتب الموجودة على الرفوف. تشدّني الكتب الموضوعة على الرفوف، وأشعر أنها كألغام معرفة تحتاج إلى التفكيك؛ تفكيكها يكون بقراءتها
أمسكت بأحد الكتب. عدتُ مكاني، ورحت أقلب صفحات الكتاب دون أن أنظر إلى عنوانه. كيف ذلك؟ أقلّب صفحات كتاب دون أن ألقي نظرة حتى على عنوانه! ما لفت انتباهي في الكتاب هو موضوعه. إنه يتحدث عن أصول الفلسطينيين، والعبرانيين، في فلسطين. ما سرّ هذا الصراع بين الطرفين؟ صراع قديم- حديث؟
كلاجئ حُرِمَ من وطنه، ينتابكَ شعور بأنك أنتَ ضحيّة صراع.. ضحيّة صمت.. نقطة نسيان في صفحة الذاكرة.. صفحة مزّقتها يد الظلم من كتاب التاريخ.
أنقذني ألم أسناني من ألم التفكير في عمق المعاناة.. ألم أن تكون على هامش الدول، وفي أسفل سلّم الأولويات، وألم أن تكون كل الأماكن، والدول، مفتوحة أمامكَ، إلاّ وطنكَ
شعرتُ بالارتياح عندما رأيت باب غرفة الطبيبة يُفتَح. إنه دوري الآن. وضعت الكتاب على الرفّ في الوقت الذي خرجتْ فيه مريضة من غرفة الطبيبة.
دخلت غرفة الطبيبة التي كانت في ثلاثينيّاتها. انتابني شعور أنها غير متزوجة. بدت مشرقة، ومتألّقة، ورشيقة، يغلّفها النشاط والحيوية
في البدء، لم تسألني عن ألم أسناني كما توقعتُ. جلستُ قبالتها، ونظرت إليها وهي تقلب مجموعة من الأوراق أمامها على الطاولة.
صفحة 6
سألتني بابتسامة جميلة
- ما اسمك؟
أجبتها:
- بهاء.
سألتْ مرة أخرى:
- كم عمرك؟
قلت:
- خمس وأربعون سنة.
سجّلَتْ المعلومات على جهاز الكومبيوتر، ثم سجلت رقم هاتفي الخليوي. بعد دقائق، قامت بفحص أسناني.
قالت وهي تنظر إلى فمي:
- أسنانك وضعها جيد.
قلتُ:
- إني أعتني بها.
قالت:
- هناك مشكلة بسيطة في الفك العلوي.
قلتُ:
- أُريد أن أتخلّص من الألم.
قالت:
- يجب أن تتناول دواءً مُسكّنًا هذه الأيام. سأحدّد لك موعدًا الأسبوع القادم.
بعد أن انتهت من فحص أسناني، جلستُ قبالتها، وأخبرتها أنني أُقيم في بيروت، وأنني من مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان. عرفتُ أنها تقيم في بيروت. وصفتْ لي الدواء المسكّن، وغادرتُ العيادة كي أشتريه.
في المساء، عُدت إلى المنزل. زوجتي، كعادتها، تشاهد التلفاز، فهي إمّا تشاهد مسلسلاً سوريًّا، أو فيلمًا مصريًّا. هي دائمًا تقع بين هذا وذاك. جلستُ على الأريكة دون أن أجد رغبة في الكلام. نظرت إلى جهاز التلفاز كي أداري عدم رغبتي في الكلام. جهاز التلفاز هذا له فوائد كثيرة، فكّرت في أعماقي. بعض الأحيان يستحوذ على تفكيرنا، وربما أجسادنا أيضًا، فنجلس أمام هذا المربع الناطق. بعض الأوقات، يأخذنا من أنفسنا، ويأخذنا من الآخرين.
كم من الأفكار تتسرّب من رؤوسنا عندما ننظر صامتين إلى هذه الشاشة نفكّر بما نسمع، وبما نرى! إنها الشاشة التي تهرب إليها عيوننا عندما لا نرغب أن نرى أحدًا، أو عندما تحرجنا نظرات الآخرين، وتساؤلاتهم. عظيم هذا الذي اخترع هذا الجهاز. عرف كيف يستقطب نظراتنا، ويبعدها عما يحرجنا، ويضايقنا، عندما لا نجد ما يستحق النظر إليه. كم من الأشياء لا تستحق النظر إليها! وكم من الناس مَنْ لا يستحق التفكير! شعرتُ وقتها أن جهاز التلفاز يحجبني عن نظرات زوجتي. ولكن، لماذا أنا هارب من نظراتها؟ ماذا فعلتُ كي ينتابني شعور كهذا؟ هل هي عدم رغبتي في الكلام؟ ولماذا هذا الصمت بيننا يطول ويتعمّق؟
صفحة 7
في مساحة الصمت الواسعة، سألتْ زوجتي:
- كيف أسنانك الآن؟ هل وجدت طبيبًا؟
أجبتها:
- وجدتُ طبيبة بالقرب من بيتنا.
فسألتْ ثانية وهي تهزّ رأسها:
- وكيف أسنانك الآن؟
أجبتها وأنا أخرج زجاجة الدواء من جيبي:
- وصفتْ لي هذا المسكّن. سأتناوله لبضعة أيام، ثم ستحدّد لي جلسات للعلاج.
عادتْ زوجتي إلى صمتها. نظرتْ إلى جهاز التلفاز، ربما لأن كلامي لم يكن ذا أهمية بالنسبة إليها، وربما لأنها وجدتْ في جهاز التلفاز ما هو أكثر أهمية. صمتها أراحني، سواء أكان السبب عدم اهتمامها بكلامي، أم رغبتها في متابعة ما يجري في هذا المربع الناطق.
تناولتُ دوائي، وبعد عشر دقائق تلاشى الألم. رأيت أن أفجّر الصمت بالصمت، فتوجهتُ إلى غرفة مكتبي. أشعرني الهدوء بالارتياح. الهدوء المُسيّج بالكتب يقود النفس إلى النشوة، كما يقود جسد امرأة جميلٍ الرجلَ إلى ذروة المتعة. لا أدري كيف يعتقد البعض أن الهدوء العميق يبثّ الكآبة في النّفس، أو الملل. إن الهدوء الذي يقتل صمتَه الكتابُ هو متعة.
على أحد الرفوف، نظرت إلى رواية سومرست موم، بترجمتها العربية، "حافة السكين". قرأتُ تلك الرواية قبل بضع سنين، ووجدتُ نفسي أرغب في أن أقلب صفحات الكتاب.
إنّ مَنْ يقرأ عنوان الرواية يعتقد أن الرواية تتحدث عن القتل والذّبح، ويستبعد تمامًا أن يكون التعمّق الشديد في المعرفة هو كحافة السكين، يقطع ويذبح.
هذا ما أراد سومرست موم أن يقوله من خلال الشخصية الرئيسة في الرواية، ففي هذه الرواية، يتحدّث موم عن شاب أميركي يعود من حرب استمرت سنتيْن. يعود غريب الأطوار، ويرفض العمل، والزواج، ويصبّ كل اهتماماته على القراءة، ثم يقضي سنوات طويلة في الهند للبحث في الفلسفة الهندوسية، ويزيده التعمّق في المعرفة، وفي قضايا فلسفية، انطواءً وعزلة، ولم يحقق الشاب، حسب رأي موم، شيئاً ذا قيمة، على الرغم من قضاء عشرين سنة في القراءة، والبحث عن المعرفة، ومطاردة أسئلة فلسفية عجز عن إجابتها المفكّرون، والفلاسفة.
إن شخصية "لاري" في رواية "حافة السكين" طعنة في أعماق كل كاتب؛ فقد يجد الكاتب نفسه في شخصية "لاري"، وينتابه شعور بالخوف من الفشل، الذي يجتاح الكتّاب بين الحين والآخر، فما معنى أن يقضي شخص سنوات طويلة في البحث عن المعرفة، والعلم، دون أن يحقّق شيئًا ذا قيمة؟
تنتهي رواية موم عندما يعود "لاري" من لندن إلى أمريكا للعمل فيها كميكانيكي، فأي فشل في البحث عن المعرفة، والعلم، هذا؟
أثارت فيّ رواية موم خوفًا شديدًا من الفشل عندما قرأتها، أول مرة، قبل بضع سنين في مخيمّ عين الحلوة، حتى أنني قمتُ بوضعها على أعلى الرفوف كي أبعدها عن عينيّ، على الرغم من إعجابي الشديد بها. ثمّة أشياء كما الأشخاص، لفرط عشقكَ، وتعلّقكَ بها، ترغب في الابتعاد عنها. ولكن.. لماذا؟ ربما كي تُنْقِذ شيئًا ما في أعماقكَ.. أو كي تنقذ ذاتكَ من ذاتكَ.
* * *
أيامي في بيروت تتأرجح بين منزلي ومحل لبيع الكتب أعمل فيه، وندوات شعرية تُعقَد بين الحين والآخر.
ذات يوم، ذهبتُ مع صديق لي في بيروت لحضور ندوة حول الشعر العربي الحديث. صديقي عماد، في الثلاثين من عمره، تزوج امرأة، ثم طلّقها بعد سنتين من الزواج. لم أرغب في أن أعرف تفاصيل الطلاق عندما أخبرني حكايته.
صفحة 8
غريب أمر الزواج...
يوهم الإنسان أنه سيدخل عالم السعادة والكمال، فإذا به يجد نفسه غارقًا في الحزن والنقص.. تائهًا بين قوائم طويلة من الأسئلة، مثل: لماذا أرتبط بهذا الشخص؟ ولماذا في هذا الوقت؟ ولماذا تسير الأمور بهذا الاتجاه، وليس بذلك الاتجاه؟ ولماذا أنجب؟ ولماذا لا أنجب؟ ولماذا؟ وألف لماذا؟ ومتى؟
وغريب أمر الطلاق أيضًا...
فهو يجعل القريب بعيدًا، والخليل عدوًّا، والمكنون مكشوفًا، والخاص عامًّا.
على الرغم من تجربة الزواج التعيس، والطلاق، إلاّ أن عمادًا كان مرحًا. كيف استطاع أن يتجاوز همومه، وأحزانه، بكل هذا المرح؟ أم أنه يتظاهر بسعادة لا وجود لها في أعماقه؟ يحدث لنا، بعض الأحيان، أننا نغلّف آلامنا، وأحزاننا العميقة، بقشرة سعادة رقيقة قابلة للكسر، والتفتّت، في أية لحظة. ما سرّ هذه السعادة المعطوبة الأعماق؟
جلس عماد إلى جواري، وسألني جادًّا:
- هل تعتقد أن الشعر العربي آخذ في الارتفاع أو الهبوط؟
عجبتُ لسؤاله. قلتُ بعد صمت:
- أتعتقد أن الشعر يقع في هذين الاتجاهين فقط؟
رفع حاجبيه متعجبًا، ثم قال:
- لا أفهم ماذا تقصد.
أجبته:
- لا يمكن للشِّعر أن يظل في ارتفاع مُطْلَق، أو هبوط مُطْلَق. الإبداع الفكري لا ينحصر في فترة معينة.
لاذ عماد بالصمت، كأن جوابي لم يكن مقنعًا، أو كان مقنعًا. لم أدرِ.
أردفتُ أقول:
- أعتقد أن القافية، والوزن، نوعان من القيود، لكنني لا أرى الأمر كما تراه أنت.
قال:
- في النثر جمال أخّاذ، وقوّة...
قاطعته:
- وفي الشعر أيضًا.
سأل:
- أكتبتَ شيئًا جديدًا؟
أجبته:
- أحاول.. سحر بيروت يثير رغبة القلم في الكتابة، لكنني أشعر أن شيئًا ما ينقصني.
قال متسائلًا:
- وما هو؟
أجبته:
- لا أدري بالتحديد. الأفكار لا تأتي، كأنها أُصيبت بالعُقْم. شيء ما ينقصني كي يقتل عقمها.
قال عماد:
- لا يمكنك أن تصطاد الأفكار وهي تحلّق في الفضاء. انتظرْ حتى تهبط. انتظرْ.. ستأتي وحدها.
صفحة 9
قلتُ:
- هي لا تأتي وحدها. لا بدّ من قوة دافعة تحركها، كالمطر تمامًا، لا ينزل دون قوة الرياح التي تحرك الغيوم...
قاطعني:
- في كل الأحوال، يجب أن تنتظر.. تنتظر الأفكار، أو القوة، التي تحرّكها.
اقتربت منّا امرأة في أواخر عقدها الثاني تقريبًا. علمتُ، فيما بعد، أنها امرأة سورية متزوجة من رجل لبناني. اسمها إلهام. شاركتنا الحديث عن الشعر.
قالت:
- في شعر نزار قباني جماليّة أخّاذة، وفيه ثورة شعرية رائعة.
إنها تتحدّث بشكل حالم عن شعر نزار. تتدفّق في أعماقها رقّة جذابة، وإحساس شاعريّ، وهي تردّد بيتَين من الشعر لنزار قباني:
"لم أعد داريًا إلى أين أذهبْ
كل يوم أحس أنك أقربْ
كل يوم يصير وجهك جزءًا
من حياتي، ويصبح العمر أخصبْ"
ما أروعك يا نزار !
أَأنتَ قلتَ هذا الكلام الذي يسبي العقل؟
أتنطلق كل هذه الروعة منكَ!
تساءلت في أعماقي عن سبب اهتمام هذه المرأة بالشِّعر، على الرغم من عملها في شركة طيران.
قلت متعجبًا:
- كيف يمكن للشِّعر والطيران أن يلتقيا؟
ابتسمت إلهام، ثم قالت:
- المسافة بينهما ليست بعيدة، بل إنهما يلتقيان حد الالتصاق. الشعر يحلّق ويرتفع بقرّائه كما ترتفع الطائرة بمسافريها.
سألتُ:
- أتكتبين الشِّعر؟
أجابت:
- كم أتمنّى أن تكون لديّ عبقرية شاعر.
قال عماد:
- أنت معجبة بشعر نزار قباني كما يبدو؟
أجابت وهي تنظر إليّ مبتسمة:
- إنه ساحر النساء، كالشاعر الإنجليزي لورد بايرون.
بدا اسم الشاعر الإنجليزي مألوفًا لديّ، لكنني لا أعرف عنه الكثير.