صفحة 1
عن الكاتب
الكاتب William R. Polk وليام آر بولك ليس كاتباً عادياً، حيث درس في جامعة اكسفورد وهارفارد وحصل على الدكتوراه، وعمل أستاذاً في هارفارد بين 1955 و1961 حين اختاره الرئيس كنيدي عضواً في مجلس تخطيط السياسة الأمريكية لوزارة الخارجية، حيث كان مسؤولاً عن تخطيط السياسة الأمريكية لآسيا وافريقيا، وكان عضواً في (لجنة إدارة أزمة الصواريخ الروسية في كوبا)· تعلم العربية والتركية في أكسفورد، ودَرَس في جامعة بغداد والجامعة الأمريكية في القاهرة· ساعد في تنظيم (الدائرة المستديرة) التي وضعت مبادئ إنشاء الاتحاد الأوروبي· استدعاه البيت الأبيض سنة 1967 ليعمل مستشاراً لرئيس مجلس الأمن القومي آنذاك مع ماك جورج بندي (McGeorge Bundy) أثناء حرب الأيام الستة، ثم عمل أستاذاً للتاريخ بجامعة شيكاغو، وأسس هناك (مركز الدراسات الشرق أوسطية) وكما سيتضح للقارئ فإنه يعرف أدق التفاصيل عن العراق، موضوع كتابنا هذا، وله حوالي عشرة كتب أخرى·
وجدت من المفيد أن أضع هذا الكتاب بين يدي القارئ العربي لما يحتويه على معلومات مهمة من عالم تاريخ مارس السياسة وعرف بواطن أمورها على أعلى مستوياتها· اتصلت مباشرة مع السيد وليام بولك وأعلمته بأني قرأت كتابه هذا، وعرّفته أنني مستشار لشؤون البترول أساساً، وأكتب أحياناً حيث كتبت كتباً بالعربية والإنجليزية والألمانية، وأنني أيضاً من خريجي جامعات الولايات المتحدة في الهندسة والإدارة والإدارة العُليا، بما في ذلك كلية الدراسات العليا للإدارة من جامعة هارفارد، وأني أجد من المفيد ترجمة كتابه هذا إلى العربية· أجابني: لقد سرني اقتراحك وأوافق على ترجمتك لكتابي، وأرجو إعلامي أين أستطيع شراء كتبك· فأرسلت إليه آخر كتابين أصدرتهما وهما (امبراطورية الشر الجديدة) و(حروب البترول الصليبية) ثم أرسل لي تفويضاً بنشر الكتاب بالعربية، آملاً أن يكون علماً يُنتفع به· ولقد عَهدت للأستاذ الدكتور حازم طالب مشتاق بترجمة الكتاب إلى العربية· والدكتور حازم تخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت، ونال شهادة الدكتوراة من جامعة أكسفورد سنة 1960· كما عمل أستاذاً في الجامعة الأردنية وجامعة بغداد، وأستاذاً زائراً بجامعة كاليفورنيا، وعايش وشارك في أحداث (العراق الثوري)، حيث عمل مستشاراً إعلامياً بسفارة العراق في لندن، ورئيساً لتحرير جريدة الثورة في بغداد·
د· م· عبد الحي يحيى زلوم
صفحة 2
المقدمــة
احتلال العراق
إحدى حروب البترول الأمريكية
كتبها : د· م· عبد الحي يحيى زلوم
مستشار لشؤون البترول
ومؤلف (نذر العولمة)، (إمبراطورية الشر الجديدة)،
و(حروب البترول الصليبية)
نود أن ننوه بأن هذه المقدمة تُعبر فقط عن رأي كاتبها، د· م· عبد الحي يحيى زلوم، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الدكتور وليام آر بولك· كما أن ما جاء في الكتاب يعبر عن رأي د· وليام بولك فقط ولا يعبر بالضرورة عن رأي د· م· عبد الحي يحيى زلوم·
يبدو أن الإدارة الأمريكية برئاسة جورج دبليو بوش تعني دائماً ما تقول؛ فالرئيس بوش يقول إنه يسعى إلى نشر الحرية في جميع أنحاء المعمورة، فهو حتماً لا يعني نشر الحرية للشعوب والأفراد، وإنما الحرية للشركات عابرة القارات في الوصول إلى أي سوق أو مصدر طبيعي تبتغيه دونما عوائق· فالذي جعل من معاقل سجون الاتحاد السوفيتي السابقة سيئة الذكر، ومن القواعد العسكرية الأمريكية كما في غوانتنامو مراكز اعتقال لوكالة المخابرات المركزية CIA دونما أي اتهام أو محاكمة، لا يمكن أن يكون في باله نشر الحريات الشخصية أو الفكرية· وهو عندما يقول بأن الأمور في العراق تتقدم بشكل جيد، على الرغم من مقتل أكثر من 2500 جندي أمريكي وجرح حوالي 20.000 آخرين حتى تاريخ كتابه هذه السطور، وتدمير البنية التحتية والاقتصاد والأمن السياسي في العراق، فهو على ما يبدو صادق أيضاً· فالتقدم المهم بالنسبة له هو زيادة أرباح التجمع الصناعي العسكري الأمريكي، الذي رشحه للرئاسة، والذي يقدم البرامج للحكومات، وينتدب أعضاءً من تجمعه للقيام بتنفيذها داخل الإدارات الأمريكية وخارجها·
زادت إيرادات شركة هاليبرتون (Halliburton) بعد سنة من الغزو الأمريكي للعراق (أي ما بين الربع الأول لسنة 2003، والربع الأول لسنة 2004) بـ 80% حسب ما ورد في جريدة الفاينانشال تايمز· أما شركة بكتل (Bechtel) والتي عهد إليها الكثير من مشاريع إعادة إعمار العراق؛ فزادت إيراداتها في الفترة نفسها بـ 158%· أما شركة شيفرون تكسكسو للبترول (Chevron Texaco) والتي عهد إليها بيع إنتاج العراق من البترول، فزادت أرباحها بـ 90% خلال النصف الأول لسنة 2004 مقارنة مع الفترة نفسها لسنة 2003· أما أكبر شركات السلاح في الولايات المتحدة (Lockheed Martin) فلقد تضاعفت أسعار أسهمها ثلاث مرات ما بين سنة 2000 وسنة 2004· ولكن ما شأن هذه الشركات واحتلال العراق؟
شكل روبرت جاكسون Robert Jackson، وهو ما زال على رأس عمله في شركة تصنيع الأسلحة لوكهيدمارتن في سنة 2002، ما يُسمى بـ (لجنة تحرير العراق) Committee For The Liberation Of Iraq، والتي كانت تدعو إلى تغيير النظام في العراق· وكان جاكسون هو الذي كتب برنامج عمل الحزب الجمهوري في سنة 2000· أما رئيس هذه اللجنة لتحرير العراق فكان السيد جورج شولتز (George Shultz) الرئيس التنفيذي لشركة بكتل ووزير الخارجية الأسبق للولايات المتحدة· أما شركة هاليبرتون فلقد قدمت رئيس مجلس إدارتها السيد ديك تشيني (Dick Cheney) ليكون نائباً لرئيس الولايات المتحدة، وهو الداعية الذي كان لا يمل ولا يكل لاحتلال العراق· كانت عقود هاليبرتون وبكتل في العراق قد تم الاتفاق عليها مع الإدارة الأمريكية دون مناقصات وقبل الغزو الأمريكي للعراق بشهور· أما شركة شيفرون، فالآنسة الفاضلة كونداليزا رايس أتت من مجلس إدارتها، فعهد إليها بيع نفط العراق!· ولقد دشنت شركة شيفرون ناقلة للنفط عملاقة حملت اسم كونداليزا رايس· بعد خروجها من الخدمة في مجلس الأمن القومي الأمريكي في إدارة بوش الأب، وفي فترة التسعينات من القرن العشرين، عهدت شركة شيفرون إلى الآنسة كونداليزارايس بالمفاوضات مع دول نفط أواسط آسيا عموماً، وكازاغستان خصوصاً بوصفها خبيرة بأمور دول منظومة الاتحاد السوفيتي السابق· ناهيك عن أن الرئيس جورج دبليو بوش كان حاكم إحدى أكبر الولايات الأمريكية المنتجة للنفط، وهو، أباً عن جد ابن النفط، يمتلك إحدى شركاته· وهكذا جاء القابضون على السلطة من وراء ستار في الولايات المتحدة بفريق متكامل رائحته النفط لافتراس العراق ونفطه، ولإعادة رسم خريطة النفط العالمية·
صفحة 3
المتأمرك زلماي خليل زاد، الأفغاني المولد والمندوب السامي الأمريكي في العراق ساعة كتابة هذه المقدمة، وكذلك السيد حميد قرضاي عملا مستشارين مدفوعي الأجر لشركة يونيكال UNOCAL Oil Corp، والتي اشترتها شركة شيفرون لاحقاً، وذلك من أجل تمرير صفقة بناء خط لنقل الغاز الطبيعي طوله 890 ميلاً عبر أفغانستان· كذلك فلقد عمل زلماي خليل زاد مستشاراً لإسرائيل مع زمرة أخرى من المحافظين الجدد·
كانت الإدارات الأمريكية إبان الحرب الباردة وحتى العقد الأخير من القرن العشرين، تكتفي بتنفيذ أجنداتها عبر حكام محليين ومن وراء ستار، مستخدمة منظوماتها السرية، والعصا والجزرة حيناً وليّ الأذرع أحياناً أخرى، وتبديل هؤلاء الوكلاء الحكام كلما حادوا عن طريق واشنطن وأجندتها لهم· لكن قوى النخبة الأمريكية، المتمثلة في التجمع العسكري الصناعي وحكماء سوق المال (وول ستريت)، الذين يخططون ويضعون الأجندات ويمولون وينصبون الإدارات في الولايات المتحدة، هذه القوى رأت أن قرناً جديداً قد جاء، أسموه بالقرن الأمريكي الجديد، وأصبحت استعمالات القوة العسكرية، والحروب الاستباقية، واحتلال الدول ومصادرها الطبيعية مباشرة دون وسطاء الوكلاء أو العملاء، سياسة رسمية تم إعلانها جهاراً ونهاراً في (مبدأ بوش) Bush Doctrine أو ما أُسمي أيضاً (استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة) National Security Strategy of The United States of America، والذي جعل مبادئ القوة والحروب الاستباقية ومع (ليس معنا فهو ضدنا)، سياسة رسمية للولايات المتحدة الأمريكية، كما أعلن في سبتمبر 2002·
من المثير فعلا أن تكون أولى حروب النفط في القرن العشرين قد دارت على أرض العراق، فمن أجل حماية شركة النفط الانجليزية الفارسية ومصفاة عبادان، أرسلت الامبراطورية البريطانية، في بداية الحرب العالمية الأولى، بالجيش الهندي إلى المنطقة للاستيلاء على البصرة والعراق في الحملة التي عرفت بـ (حملة بلاد ما بين النهرين)، التي دامت أربع سنوات· وطبقا لما أورده المؤلف انطوني كييف براون (Antony Cave Brown) في كتابه : (النفط··· الله··· والذهب)، فإن قوات الاستعمار البريطاني فقدت 252 ألف جندي بين قتيل وأسير ومصاب في واحدة من أسوأ الصراعات، الأمر الذي يعكس مدى الأهمية التي كانت توليها بريطانيا للخليج وثروته النفطية)
كما أن المثير فعلا، أن تكون آخر الحملات النفطية التي تشنها الامبراطورية الأمريكية الجديدة في أوائل القرن الحادي والعشرين موجهة ضد العراق وعلى أرضه·
وكانت السلطات الأمريكية قد أعدت خططا مفصلة للاستيلاء على النفط العربي في أوائل السبعينات، سواء من خلال الشركات النفطية أو بالتدخل العسكري المباشر، بل إن الحديث عن هذا الأمر يعود إلى قبل ذلك بكثير، ففي الحرب العالمية الثانية، كتبت قيادة الأسطول الأمريكي مذكرة مرفوعة للرئيس روزفلت، تتضمن اقتراحا بالاستيلاء على حقول نفط أرامكو في السعودية، باعتبار أن الحصول على احتياطات نفطية خارج الأراضي الأمريكية أصبح من المصالح الحيوية للولايات المتحدة· وقبل ذلك في الحرب العالمية الأولى، حصلت البحرية البريطانية على الجزء الأكبر من ملكية الشركة الانجليزية الفارسية للنفط، والتي أعيد تسميتها لتصبح بريتش بتروليوم (BP)، وقامت بتعيين ضباط في البحرية ضمن مجلس إدارة الشركة· وفي 30 يونيو 1943، صادق الرئيس الأمريكي على إقامة مؤسسة الاحتياطات البترولية، التي ستتملك كامل امتيازات (ارامكو ) في السعودية، وتم تعيين وزير الداخلية هارولد آيكس (Harold Ickes) على رأس الشركة، ووزراء الحرب والأسطول والخارجية أعضاء في مجلس إدارة الشركة، حيث تم عقد أول اجتماع بتاريخ 9 اغسطس 1943 بحضور نائب وزير الحرب جون مكلويJohn Mcloy· وبتاريخ 8 أبريل 2003 أي قبل بضعة أيام من الغزو الأمريكي واحتلال العراق، نشرت الواشنطن بوست مقالا مثيرا للكاتب جون مكسالين John Mccaslin تحت عنوان (خطة كيسنجر) جاء فية القول (لو سألت النائب جون كونيارز John Conyers عن قراءته في هذه الأوقات المقلقة، فسيخرج لك نسخة من مجلة (مذر جونز) Mother Jones· الواقع أن ما أثار اهتمام النائب الديمقراطي عن ولاية ميشيغان في المجلة، مقالة حديثة عن التحركات الأمريكية الخاصة بإقامة وجود أمريكي دائم في الشرق الاوسط، لدرجة أن النائب حرص على اصطحاب المجلة معه إلى قاعة المجلس· فالنائب كونيارز يعتقد بأن النفط هذا، الذي يحرك القوة العسكرية ويدعم الميزانيات القومية، ويثير السياسات الدولية، لم يعد مجرد سلعة تباع وتشترى ضمن حدود موازين العرض والطلب في السوق التقليدية للطاقة، بل تحول إلى عامل حسم في قضايا الأمن القومي والقوة العالمية)
ومن أبرز ما جاء في مقالة للكاتب روبرت دريفوس (Robert Dreyfuss) في المجلة القول: (إن المفتاح الرئيسي للأمن القومي في التصور السياسي وراء السياسة الأمريكية الحالية تجاه العراق، يكمن في الهيمنة العالمية والسيطرة على جميع المنافسين المحتملين· وفي سبيل تحقيق ذلك، فإنه لا يكفي أن تكون الولايات المتحدة قادرة على نشر قوتها العسكرية في كل مكان وفي أي زمان فحسب، بل إن عليها السيطرة على المصادر الرئيسية، ومنها النفط ونفط الخليج بوجه خاص)
صفحة 4
وينقل المقال عن السفير الأمريكي في السعودية في عهد الرئيس بوش الأب، شاز فريمان (Chas Freeman) القول(بأن الإدارة الجديدة تعتقد بأن السيطرة على المصادر هو وحده الذي يضمن القدرة على الوصول إليها)
وفي ظل تراجع الإنتاج النفطي في ألاسكا والمحيطات، فإن الإدارة الأمريكية (ترى في نفط العراق مصدراً متاحاً ورخيصاً، حيث لا يكلف إنتاج برميل واحد أكثر من 1,5 دولاراً، الأمر الذي يجعل النفط العراقي الأرخص إنتاجا على المستوى العالمي)، إنها خطة كيسنجر القديمة كما يرى السفير الأمريكي السابق لدى السعودية جايمس اكينز، الذي خدم في عهد كيسنجر· ويضيف اكينز (اعتقدت أن الخطة ماتت، إلا أنها أعيدت إلى الحياة كما هو واضح)، ويقول اكينز إنه في أعقاب الصدمات النفطية في السبعينات، تسربت للصحف الأمريكية أنباء عن وجود خطط أمريكية للاستيلاء على حقول النفط العربية، (بعدها أقدمت على خطأ جسيم، فقد قلت في مقابلة تلفزيونية بأن أي أحد يجرؤ على اقتراح مثل هذا الأمر سيكون إما شخصاً مجنوناً أو مجرماً أو عميلاً للاتحاد السوفياتي)، بعدها تبين للسيد اكينز أن الشخص المجنون أو المجرم هذا لم يكن سوى رئيسه الوزير كيسنجر، الذي قيل بأنه عرض مقترحه لاحتلال منابع النفط العربية خلال اجتماع رئيسي ضم كبار أركان الإدارة الأمريكية· وبعد تصريحات اكينز المثيرة بوقت قصير، قام كيسنجر بطرد السفير اكينز من الخدمة·
لعب هنري كيسنجر دوراً رئيسيا في الترتيب لحرب أكتوبر 1973، لأهداف اقتصادية وسياسية أمريكية، كان أحدها رفع الأسعار إلى 400 %، فقد تم الإعداد للحرب في سلسلة من الاجتماعات التي ضمت هنري كيسنجر، وأنور السادات الذي أرسل مبعوثه الخاص حافظ إسماعيل للالتقاء سرا بالوزير الأمريكي مراتٍ عدة· كانت خطة كيسنجر تقضي بترتيب إشعال حرب محدودة بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا ؛ لتمهيد الطريق أمام صلح منفرد بين إسرائيل ومصر، والتسبب برفع أسعار النفط، وهما هدفان يصبان في صالح السياسة الأمريكية في المقام الأول·
فعندما أقدم السادات على طرد المستشارين الروس من مصر، طلب وزير الدفاع ميلفن ليارد (Melvin Liard) من الرئيس نيكسون المباشرة بمفاوضات سرية مع السادات، وهو لا يعلم بأن مثل هذه القنوات مفتوحة مع مصر منذ بعض الوقت· وللإعداد للحرب والجولات المكوكية التي أعقبتها، تم عقد اجتماعات مكثفة بين كيسنجر والمبعوثين المصريين· وفي زيارته للولايات المتحدة في فبراير 1973، رتب كيسنجر لمبعوث السادات حافظ إسماعيل جدول زيارة تقليديًا في الظاهر، يشتمل على لقاء مع الرئيس نيكسون أولا، ومن ثم عقد مشاورات روتينية مع كبار مسؤولي وزارة الخارجية· أما جدول الزيارة الفعلي، الذي لم يطلع عليه أحد في الخارجية، فكان يتركز على عقد اجتماعات سرية مع كيسنجر لمدة يومين في منزل خاص اُعد لهذا الغرض في إحدى ضواحي نيويورك، وفي ذلك يقول كيسنجر مستذكرا (لم أشارك أَياً من المسؤولين في وزارة الخارجية في اجتماعات مبعوث السادات· وفي الوقت ذاته، فإن وزارة الخارجية لم تكن على علم بأي من الاجتماعات السرية التي عقدتها مع إسماعيل على مدار يومين، لاستعراض شامل للعلاقات المصرية الأمريكية)، وقبل وصول إسماعيل إلى واشنطن، كتب نيكسون إلى كيسنجر يقول (لقد حان الوقت للتوقف عن رعاية المواقف الإسرائيلية المتصلبة، فقد أدت مواقفنا السابقة إلى ترسيخ انطباع لديهم بأننا سنقف إلى جانبهم حتى في ممارساتهم اللامنطقية)
جاءت خطة كيسنجر على عكس موقف الرئيس نيكسون وتوصياته، ومؤيدة لخط إسرائيل في قرارها بتاريخ 19 يونيو 1967، الذي ينص على إمكانية الدخول في مفاوضات مع المصريين والسوريين ولكن ليس حول الضفة الغربية وغزة· كان كيسنجر يخطط لإهمال الأردن واستبعاده من مفاوضات الخطوة خطوة، بل وطلب من السادات والزعماء العرب الآخرين من (أصدقاء) الولايات المتحدة بضرورة إبعاد الأردن عن موضوع الضفة الغربية، وهو ما تحقق في القمة العربية المنعقدة في الرباط بعد ذلك·
بتاريخ 6 مارس 1973 تم إطلاع السعوديين على ما يجري في قناة مباحثات إسماعيل كيسنجر السرية· كانت السعودية هي أكبر منتج للنفط، وسيكون لها دور رئيسي في عملية حظر النفط العربي عن الغرب وللزيادة المتوقعة في أسعاره، وفي الوقت نفسه، حصل تطور آخر في الانخفاض الكبير الذي طرأ على سعر الدولار بنسبة 40 % مقابل المارك الألماني خلال شهري فبراير ومارس 1973، وأصبح النظام المالي العالمي يعيش حالة من التقلب المتزايد·
في مارس 1973، زارت غولدامايير Golda Meir، رئيسة وزراء إسرائيل، الولايات المتحدة، حيث رفضت، وكما هو متوقع منها، أفكار نيكسون والخضوع لأي ضغوط لتغيير موقف إسرائيل المتعنت· وأبلغت غولدامايير نيكسون بأن العرب لا يملكون أي خيار عسكري، وبأن الوضع بالنسبة لإسرائيل لم يكن أفضل مما هو عليه الآن·
بتاريخ 11 أبريل 1973 تم عقد الاجتماع الثاني بين كيسنجر وإسماعيل، وكانت الاستعدادات الحربية قد بدأت بعد اجتماعهما الأول، حيث تم تحريك قوات من دول عربية حليفة لأمريكا إلى الجبهتين المصرية والسورية، بعلم وموافقة ضمنية من واشنطن· وفي هذا الصدد، تم تحريك طائرات سعودية إلى مصر، ووحدات مغربية إلى سوريا· وهكذا وفي 20 أبريل 1973، صدر عن السي· آي· إيه تقرير سري يؤكد بأن عملاً عسكرياً يلوح في الأفق، وإن كانت ساعة الصفر لم تحدد بعد·
صفحة 5
بعدها بأيام تم عقد اجتماع للجنة بيلدبيرغ لوضع التفاصيل السياسية الدقيقة، وتوزيع المهام على المشتركين في تنفيذ الخطة الخفية للمنظمة· وفي أقرب ما يكون إلى سيناريو أحد أفلام هوليوود الناجحة، عملت واشنطن ولندن على ترتيب حرب السادس من أكتوبر 1973 بين مصر وسوريا من جهة، وإسرائيل من جانب آخر، لعب كيسنجر فيها دور المخرج والممثل، كما شارك في كتابة النص الذي تولته في الأساس لجنة بيلدبيرغ·
في مايو 1973، عقد 84 من كبار رموز السياسة والمال في الغرب اجتماعا لهم في فيلا عائلة والنبيرغ Wallenburg المالية اليهودية المتنفذة في السويد، والواقعة في جزيرة سولتجوبيدر Saltsjoeboder، وكان من بين الحضور هنري كيسنجر وعدد من كبار مدراء الشركات النفطية والمصارف والمؤسسات المالية العالمية· كان الموضوع الرئيسي قيد البحث هو الاستعداد (وليس منع) الزيادة المتوقع تسجيلها في أسعار النفط في المستقبل القريب· استمع الحضور إلى عرض من والتر ليفي Walter Levy حول هذا الموضوع، وكان السؤال الذي يحاول المشاركون الإجابة عنه هو كيفية إدارة عملية (إعادة تدوير تدفقات الدولارات النفطية) إلى البنوك الأمريكية والبريطانية، على حد تعبير هنري كيسنجر· كان من بين أبرز المشاركين في الاجتماع :
* من الولايات المتحدة : جايمس اكنز James Akins (البيت الأبيض)، روبرت اندرسون Robert O. Anderson (رئيس مجلس إدارة شركة اتلانتيك رشيفيلد النفطية)، جورج بول George Ball (نائب وزير الخارجية الأسبق، ومدير دار ليهمان برذرز Lehman Bros المصرفية)، زبيغنيو برزنسكي (مستشار الأمن القومي لاحقا)، وليام بندي William P. Bundy (عضو مجلس العلاقات الخارجية، نيويورك)، اي· جي· كولادو E.G. Collado (نائب رئيس شركة اكسون النفطية)، آرثر ديين Arthur Dean (شريك قانوني لدار سوليفان آند كرومويل Sullivan and Cromwell)، هنري· جي· هينز Henry J. Heinz II (رئيس مجلس إدارة شركة هينز Heinz)، هنري كيسنجر (مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض)، وولتر ليفي Walter J. Levy (مستشار نفطي ومعد ورقة بيلدبيرغ)، روبرت ميرفي Robert D. Murphy (من كبار موظفي وزارة الخارجية سابقا)، جون تاور John G. Tower (سيناتور)، وكارول ويلسون Carroll Wilson (أستاذة في جامعة ام· آي· تي)·
* من بريطانيا العظمى : سير إيريك دريبيك Sir Eric Drake (رئيس مجلس إدارة بريتش بتروليوم British Petroleum)، سير دينيس غدينهيل Sir Denis Greenhill (مدير شركة بريتش بتروليوم British Petroleum)، دينيس هيلي Denis Healey (عضو برلمان)، سير إيريك رول Sir Eric Roll (نائب رئيس شركة ووربيرغ Warburg وشركاه)، وسير ريجنالد مالدينع Sir Reginald Maulding (عضو برلمان)·
* من فرنسا : رينيه غداينير دو ليلياك Rene Granier de Lilliac (شركة البترول الفرنسية)، البارون ادموند دي روتشيلد Baron Edmond de Rothschild (مصرفي)·
* من المانيا : ايفون باهر Egon Bahr (وزير وزارة الحزب الاشتراكي الديمقراطي)، هيلموت شميدت Helmut Schmidt (وزير المالية،الحزب الاشتراكي الديمقراطي)، بريجيت برويل Birgit Breuel (مجلس مدينة هامبورغ، الحزب الديمقراطي المسيحي)، ثيو سومر Theo Sommer (ناشر صحيفة دي زييت Die Zeit)، اوتو وولف فون اميرنوجن Otto Wolff von Amerongen (غرف التجارة الألمانية)·
* من ايطاليا : جيفاني اغنيللي Givanni Agnelli (شركة فيات FIAT)، المركيز سيتاديني سيزي ورافائيل جيتروتي Merchese Cittadini Cesi, Raffaele Gitrotti (رئيس مجلس إدارة شركة ENI)، وراييغو ليفي Arrigo Levi (من جريدة لاستمبا La Stampa)·
* من السويد : أولوف بالمه Olof Palme (رئيس الوزراء)، ماركوس والنبيرغ Marcus Wallenberg (رئيس مجلس إدارة سي _ بانكين)، كريستر ويكمان Krister Wickman (حاكم البنك المركزي)·
* من هولندا : اف·جي· فيليبس F.J. Philips (رئيس مجلس إدارة شركة فيليبس Philips)، غيريت أ· واجنر Gerrit A. Wagner، وماكس كوهنستامن Max Kohnstamm· (رئيس مجلس إدارة شركة رويال دتش شل Royal Dutch Shell)·
يلاحظ هنا وجود كبار القائمين على الشركات النفطية الأمريكية والأوروبية، ورجال المال والمصارف، وهنري كيسنجر ممثلا للبيت الأبيض، وخبراء الطاقة ومسؤولين سياسيين وحزبيين أوروبيين، ويكفي القول بأن عائلة والينبيرغ السويدية المصرفية، التي استضافت الاجتماع في فيلتها، تملك القرار والحصص في مؤسسات مالية وتجارية تجاوز حجم مبيعاتها السنوية عام 1997، 112 مليار دولار، وهو رقم لا يتجاوز الناتج القومي الإجمالي لأكبر دولة مصدرة للنفط في تلك السنة فحسب، بل يزيد على إجمالي المبيعات النفطية لسائر الدول الأعضاء في منظمة أوبك في العام المذكور·
وكانت الاستعدادات لاجتماع لجنة بيلدبيرغ في مايو 1973 قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر· ففي يناير 1973 تم تعيين جورج شولتز George Shultz مساعدا للرئيس نيكسون للشؤون الاقتصادية، بالإضافة لمنصبه كوزير للخزانة· يذكر أن شولتز كان أحد الذين شاركوا في إلغاء نظام سعر صرف الدولار الذهبي الثابت طبقا لاتفاقيات بريتون وودز، كما تم تعيين تاجر سندات سابق في الوول ستريت على رأس لجنة سياسة النفط المهمة مع الاحتفاظ بمنصبة كنائب لوزير الخزانة· وشهد الشهر التالي تشكيل لجنة البيت الأبيض الخاصة بشؤون الطاقة، والتي ضمت هنري كيسنجر، وجورج شولتز George Shultz، وجون ايهرليخمان John Ehrlichman، وقد لعبت هذه اللجنة دوراً كبيراً في التحضير لاجتماع لجنة بيلدبيرغ في مايو 1973·
صفحة 6
اما سيناريو الحرب والدبلوماسية المكوكية التي ستليها، فقد كان من مسؤولية كيسنجر· وفي حين كان الاعتقاد السائد في وزارة الخارجية بأن على إسرائيل الانسحاب إلى حدود 1967 طبقا لخطة روجرز، فإن كيسنجر كان يفكر بصورة مختلفة· وفي ذلك كتب كيسنجر يقول في كتابه المعنون (سنوات الجيشان)، كانت نقطة البدايه بالنسبة لي من الطيف العاطفي··· فمع أنني لست باليهودي الملتزم، إلا أنني لم أستطع أن أنسى حقيقة أن 13 من أفراد عائلتي ماتوا في معسكرات الاعتقال النازية· ولهذا لا أحتمل التفكير بتشجيع حصول محرقة أخرى من خلال سياسات حسنة النوايا يمكن أن تخرج عن نطاق السيطرة)، كما أن أجندة كيسنجر كانت تختلف عن الرئيس نيكسون، حيث يقول في كتابه (كان نيكسون يؤمن بالكثير من الأفكار العنصرية المتجذرة في أبناء الطبقة المتوسطة في كاليفورنيا التي ينتمي إليها، فقد كان يرى بأن اليهود يشكلون جماعة متنفذة مترابطة في المجتمع الأمريكي··· وبأن هيمنتهم على الإعلام تجعل منهم خصوماً خطيرين· وفوق ذلك، كان نيكسون يعتقد بأنه يجب إجبار إسرائيل على القبول بتسوية سلمية، وبأنه لا يسمح لها بتعريض علاقاتنا العربية للخطر)، ومع أن خطة كيسنجر كانت تختلف عن تفكير الرئيس وعن تصورات وزارة الخارجية، إلا أنه مع ذلك مضى في تنفيذها، فكان أن فتح قنوات تفاوضية سرية مع الرئيس المصري أنور السادات، دون علم وزارتي الخارجية والدفاع ولا السفارة الأمريكية في القاهرة· كان كيسنجر ينظر إلى كبار موظفي الخارجية باعتبارهم مؤيدين للعرب، وهي نظرة إسرائيل نفسها إليهم· كان كل من هو على خلاف بالرأي مع إسرائيل أو اللوبي اليهودي يُعد حليفا للعرب، وبالتالي يجب تجنبه·
كان نيكسون وقتها يعاني من فضيحة ووترغيت Watergate، التي فجرتها الصحافة، التي قال الرئيس الأمريكي بأنها تحت سيطرة اليهود· وقد تفاعلت القضية بفعل معلومات حصل عليها أحد الصحفيين المطلعين، واستخدم خلالها تكتيكات أقرب إلى عمل أجهزة الاستخبارات· وفي ظل الوضع الصعب للرئيس، كان كيسنجر في الواقع يتصرف كرئيس فعلي للولايات المتحدة· ومع أنه تجاوز وزارة الخارجية تماماً في محادثاته السرية، إلاّ أنه كان بحاجة إلى الهيمنة الكاملة على الوزارة لإنجاح خطته القادمة التي ستعقب حرب أكتوبر المخطط لها، وهي دبلوماسية الخطوة - خطوة· وفي سبيل ذلك، تولى كيسنجر حقيبة الخارجية قبل حرب أكتوبر بأسابيع قليلة ؛ ليصبح صاحب الكلمة الفصل في سياسة الولايات المتحدة الخارجية، خاصة في ظل تعاظم الفضيحة التي كانت تحيط بالرئيس نيكسون، وبشكل جعلته أقرب إلى الرئيس العاجز·
تحققت النتيجة الرئيسية بالنسبة لمخططيها، وهي رفع أسعار النفط بنسبة 400%، وطبقاً لما تم الاتفاق عليه في اجتماع مجموعة بيلدبيرغ في مايو 1973، أي قبل اندلاع الحرب بخمسة أشهر· ومثل هذا الارتفاع الفلكي في سعر النفط أمر لم يكن بالإمكان السماح بحدوثه لولا رغبة الولايات المتحدة ومصلحتها في المقام الأول· وطبقاً لدراسة أعدها البروفسور جورج· سي· لودج George C. Lodge، وتشكل جزءاً من المنهج الذي يدرس لطلبة الماجستير في مساق شؤون النفط الدولي بكلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد، فإن ضمان الإمدادات النفطية للغرب ليس وحده الذي يشكل أحد مطالب الأمن القومي فيما يتعلق بموضوع النفط، بل هناك سعر النفط أيضاً· وفي أواخر السبعينات، تم تشكيل قيادة خاصة للتدخل في دول الخليج المنتجة للنفط، كما جاءت عقيدة كارتر لعام 1980 لتنص على أن نفط الخليج يشكل أهمية استراتيجية بالنسبة للأمن القومي للولايات المتحدة، وبأن الولايات المتحدة ستستخدم كل الوسائل الضرورية، بما فيها القوة العسكرية، لضمان مصالحها والإمدادات النفطية من الدول المنتجة للنفط في الخليج العربي· كانت عقيدة كارتر هذه تكراراً لعقيدة لاندسداون Landsdowne الإنجليزية في العقد الأول من القرن العشرين، والتي نصت على أن الخليج (الفارسي) والدول المحيطة تشكل مصدر أهمية كبيرة للإمبراطورية البريطانية آنذاك، وعليه فلن يسمح لأحد ببسط نفوذه في المنطقة باستثناء بريطانيا العظمى·
الواقع أن خطط الحرب الأمريكية الخاصة بالتدخل العسكري القادم بدأت قبل 12 عاماً من حرب الخليج الأولى· ففي الصفحة رقم 158 من عدد مجلة فورتشين Fortune Magazine، الصادر بتاريخ 7 مايو 1979، تحدثت مقالة بعنوان (ماذا لو غزت العراق الكويت؟) عن ردة الفعل الأمريكية تجاه غزو عراقي محتمل للكويت· وأعرب معد المقالة عن الرأي الأمريكي القائل بأن العمال اليمنيين في السعودية، وحوالي 400 ألف فلسطيني في الكويت، يشكلون عناصر عدم استقرار في الخليج· وهكذا جاءت حرب الخليج الأولى لتخلص البلدين من عبء مئات الألوف من أبناء الجنسيتين الذين غادروا دول الخليج النفطية بعد الحرب·
بتاريخ 8 يونيو 1974، وقع وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر اتفاقية خاصة بتشكيل لجنة أمريكية سعودية مشتركة للتعاون الاقتصادي، وبهدف رئيسي هو التعاون في المجال المالي· وفي هذا السياق، وقعت وزارة الخزانة الأمريكية اتفاقية مع سلطة النقد السعودية SAMA بهدف (إقامة علاقات جديدة مع الخزانة الأمريكية فيما يتعلق بعمليات الإقراض، وذلك من خلال بنك الاحتياط الفيدرالي - نيويورك)، وبموجب هذه الاتفاقية، فإن سلطة النقد السعودية ستشتري سندات خزانة أمريكية جديدة مع فترة استحقاق سنة على الأقل·
تأثرت الدول المتقدمة في أوروبا واليابان بالصدمة النفطية التي أعقبت حرب أكتوبر 1973، إلاّ أن اقتصادياتها المتطورة وحقيقة أنها كانت على علم مسبق بما سيحدث، حيث تلقت تحذيراً بذلك قبل ستة أشهر من الحرب، وتحديداً بعد اجتماع مجموعة بيلدبيرغ في مايو، الأمر الذي مكن هذه الدول من استيعاب الصدمة من خلال تعديل سياساتها الاقتصادية بسرعة· وحدها الدول النامية كانت الأشد تأثراً بما حصل، فقد أوقعتها أثار الصدمة النفطية في مصيدة الديون، التي لا تزال تعاني منها حتى الوقت الحاضر، بل إن أغنى الدول النفطية وجدت نفسها، وبعد شهر عسل قصير، تنضم إلى نادي الدول المدينة بما فيها السعودية بعد حرب الخليج الأولى· أما الرابحون الوحيدون من خطة كيسنجر تلك فكانوا : الوول ستريت وبنوك نيويورك ولندن والشركات النفطية العملاقة·
صفحة 7
بدأ العد التنازلي لاحتلال منابع النفط في الخليج خطوة خطوة·
* في سنة 1977 صرح وزير الدفاع الأمريكي هارولد براون Harold Brown أن مشكلة النفط (هي أكبر تهديد للأمن القومي الأمريكي على المدى البعيد)
* ثم نشرت مجلة فورتشن في عددها الصادر في 7/5/1979 السيناريو المتوقع للعبة الحرب هذه في الخليج العربي، حيث وصفت الكيفية التي سيكون عليها رد الفعل الأميريكي في حال قيام العراق بغزو الكويت بسبب النزاعات الحدودية وغيرها· وفي الصفحة 158، وتحت عنوان (إذا قام العراق بغزو الكويت والسعودية···)، قالت المجلة: (تتمكن القوات المدرعة العراقية، مستخدمة في معظمها معدات سوفييتية، من اجتياح أي من الدولتين بكل سرعة· وفي حال طلبها، فإن المساعدة الأميركية ستكون في البداية عبارة عن ضربات جوية تكتيكية أميركية ضد القوات المدرعة العراقية وقواتها الجوية - وربما بعض التهديدات بتدمير المنشآت النفطية العراقية· ولطرد القوات البرية العراقية، فستكون هناك حاجة إلى قوات المارينز من الأسطولين السادس والسابع، ولقوات المشاة من الفرقتين ال 82 وال101) وصوّرت هذه الخطة (جيشاً في السماء) لتحريك القوات واستخدام الجسر الجوي الاستراتيجي لقوات سلاح الجو الاميركي - المكون من 70 من طائرات C-5A العملاقة و234 طائرة C-141 الأصغر حجماً، إلى جانب 700 من طائرات KC-135 المستخدمة في تزويد الطائرات بالوقود أثناء تحليقها في الجو·(رأت تلك الدراسة نفسها بأن عرب الشمال (خصوصاً الفلسطينيون) في الخليج، واليمنيون في الجزيرة العربية، يشكلون عناصر عدم استقرار، ويفضل العيش دون وجودهم في أول فرصة سانحة·
* تم تكوين قيادة للتدخل السريع في الخليج العربي، وكذلك تكوين القيادة المركزية Central Command·
* في (الرسالة للأمة) لسنة 1980 أعلن كارتر مبدأه، والذي عبر فيه (بالاعتماد الهائل للديمقراطيات الغربية على بترول الشرق الأوسط) مهدداً باستعمال القوة لتأمينها، ومحذراً (بأن أي محاولة··· للسيطرة على الخليج الفارسي ستعتبر هجوماً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية··· وسوف يتم صدها بكل الوسائل الضرورية، بما في ذلك استعمال القوة العسكرية)
* ثم بدأنا نرى بنية تحتية جديدة من المطارات والموانئ ذات استعمال مزدوج (مدني وعسكري) وكذلك المدن العسكرية التي أنشأها أهل النفط في سائر دول الجزيرة العربية، وكذلك زيادة في الأساطيل العسكرية التي جعلت من الخليج بحيرة أمريكية· أما كيف حصل ذلك خطوة خطوة وفق ذرائع مختلفة، فكان وفق سيناريوهات محكمة، فأصحاب النظام العالمي الجديد هم أصحاب هوليود، لا تعوزهم السيناريوهات والإخراج، واستمر التصعيد خطوة خطوة، حتى كانت حرب الخليج الأولى، درع صحراء انقلب بقدرة قادر إلى عاصفة·
في عام 1990، كانت الولايات المتحدة في وضع فريد لم تعشه من قبل: لقد أمست القوة العظمى الوحيدة في العالم بعد الانهيار الداخلي والتفكك الذي حلّ بالاتحاد السوفييتي، وبات ممكناً الآن إيجاد العولمة الاقتصادية وتوسيع (سوق الشركات عبر القطرية) لتشمل العالم بأسره بوصفه أصبح مهيأ تماما· وبصفتها القوة العظمى الوحيدة الآن، فقد بات بمقدور الولايات المتحدة، أكثر من أي وقت مضى، أن تتحكم في النفط وتسيطر عليه· فقد استوردت 45% من نفطها عام 1989، وتشير دراساتها أنه قد يتوجب عليها استيراد أكثر من 65% من النفط مع نهاية عقد التسعينيات! وقد كان حوالي 40% من العجز التجاري الأميريكي عام 1989 ناجماً عن الواردات النفطية، وتضاءل دور الطاقة النووية إلى أن همشت، حيث أنها كانت مصدراً ل7% من الطاقة فقط عام 1989، شكل النفط في عام 1989 ما نسبته 41.9% من إمدادات الطاقة للولايات المتحدة، فيما شكل الغاز 24%، والفحم والكوك 23.3%، والقوة الكهربائية المائية 3.5%، وبقية المصادر 0.5%· وأصبح بمتناول يد أميركا الآن أن (تساعد) جمهوريات بحر قزوين ودول آسيا الوسطى، على أن تنال (استقلالها عن الاتحاد السوفييتي)، وبذلك تصبح مخزوناتها النفطية آمنة تحت السيطرة الأميركية·
وعلى طريقة التحرير الأمريكية التي أصبحت مألوفة للعالم هذه الأيام بوضوح أكثر مما مضى، ذهبت القوات الأمريكية إلى الصومال، خصوصاً بعد الانقلاب الذي أطاح بالنظام الموالي لها· كانت 70% من الصومال قد أعطيت إلى أربع شركات نفط أمريكية، وتزايدت احتمالات الاستخراج بعد تطوير الحقول اليمنية· تقول جريدة لوس أنجليس تايمز (Los Angeles Times) (بأن شركة CONOCO للبترول قد سمحت أن يصبح مركز إدارتها في مقديشو وكأنه في واقع الأمر سفارة أمريكية، وذلك قبل هبوط قوات المارينز الأمريكية في العاصمة)
بعد انتهاء حرب الخليج الأولى قامت مجموعة من موظفي وزارة الدفاع الأمريكية في عهد الرئيس بوش الأب بإصدار (توجيهات خطط الدفاع) (Defense Planning Guidance) وذلك سنة 1992· شارك في إعداد تلك التوجيهات ديك تشيني (وزير الدفاع أنذاك)، بول ولفويتز Paul Walfowitz، زلماي خليل زاد، سكوتر ليبي Scooter Libby، اريك إديلمان Eric Edelman، وكولن باول، وجميعهم خدموا في إدارة بوش الأول، ثم جاءوا إلى إدارة بوش الثاني· ومن ضمن ما جاء في تلك التوجيهات : أن هدف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أن (تبقى الولايات المتحدة القوة الخارجية المهيمنة للمحافظة على حصولها على إمدادات النفط) كما أن هذه التوجيهات قد أفصحت عن أحادية القطبية للولايات المتحدة وضرورة المحافظة عليها بسائر الوسائل، كما أشارت إلى اللجوء إلى الحروب الاستباقية وعدم ضرورة العمل ضمن أطر الأمم المتحدة، بل ضمن مجموعات من التحالفات لذوي المصالح المشتركة·
صفحة 8
في سنة 1997 اتحد فريق مجموعة بوش الأول المذكور أعلاه، وأسسوا (مشروع القرن الأمريكي الجديد) كان من بين أعضاء هذا المشروع أيضاً دونالد رامسفيلد، حيث وقع هو مع الآخرين في تلك السنة على رسالة إلى الرئيس كلينتون يطالبون فيها بتغيير النظام في العراق·
أطل علينا القرن الواحد والعشرون وأطل معه جورج دبليو بوش، والذي تم ترشيحه داخل الحزب الجمهوري من جورج شولتز، وتم تدريبه على الشؤون العامة والخارجية أثناء حملته الانتخابية من قبل كونداليزا رايس وبول ولفوتيز· كانت عملية التدريس تتم كل يوم اثنين عبر اتصال هاتفي مشترك Conference Call· وحتى بعد مرحلة التدريب هذه، بقي الرئيس بوش قليل المعرفة بشؤون التاريخ والجغرافيا· فعندما سأله مراسل مجلة غلامور Glamor (عدد مايو 2000) إن كان يعرف ما هي (طالبان)، أجاب بوش بأنه سمع بهذا الاسم من قبل· وبعد فترة من التفكير قال: أظن أنها فرقة روك آند رول! فإذا كان بوش الثاني قليل المعرفة بشؤون الدنيا والآخرة، فإن القوى التي أوصلته إلى الحكم لينفذ أجندتها تعرف تماماً ماذا تريد· لقد علق أحد القادة البارزين الأمريكيين أثناء تنصيب كلينتون للرئاسة (تتغير الوجوه في البيت الأبيض، أما القابضون على زمام الأمر فهم هم أنفسهم لا يتغيرون)
عندما كان لا يزال على رأس أكبر شركة لخدمات النفط في العالم (هاليبرتون Halliburton)، تحدث نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني Dick Cheney في اجتماع مغلق نظمه المعهد البريطاني للبترول - لندن في خريف 1999 عن اختلال التوازن بين العرض والطلب للبترول، ومما جاء في حديثه القول (من الواضح لنا جميعاً بأن إنتاج النفط آيل للنضوب، ولهذا يترتب استكشاف المزيد من الاحتياطات النفطية وتطويرها كل عام، بما يعادل حجم الإنتاج في ذلك العام، وذلك لتحقيق التعادل المطلوب، وهي حقيقة لا تمس الشركات النفطية فحسب، بل تمس القطاع الاقتصادي على مستوى العالم بشكل عام· وعلى سبيل المثال، فإن شركة نفطية مثل ايكسون- موبيل Exxon-Mobil مطالبة بتأمين احتياطات نفطية جديدة بحجم 1.5 مليار برميل سنوياً لتعويض حجم إنتاجها السنوي الحالي·· وهذا يعني استكشاف حقل نفطي رئيسي جديد بحجم 500 مليون برميل كل أربعة أشهر· أما على المستوى العالمي، فإن الشركات النفطية مطالبة باستكشاف ما يكفي من النفط واستخراجه لتعويض الاستهلاك السنوي، الذي يتجاوز حالياً 71 مليون برميل يومياً (ذلك في 1999)، بالإضافة إلى تلبية الزيادة على الطلب الآخذ في التعاظم، والذي تضعه بعض التقديرات بحدود 2% سنوياً، يضاف إليها 3% هي نسبة التراجع الطبيعي في الإنتاج من الاحتياطات الحالية، وهذا يعني أننا سنجد أنفسنا عام 2010 بحاجة إلى 50 مليون برميل إضافية يومياً لتلبية الزيادة في الاستهلاك العالمي من النفط) ويضيف تشيني قائلاً : (في الوقت الذي توفر فيه بعض المناطق في العالم فرصاً حقيقية، يظل الشرق الأوسط، بما يملكه من ثلثي حجم الاحتياط العالمي من النفط، يشكل منطقة الجائزة الكبرى)
طبقاً لحسابات تشيني فإن حجم الزيادة من استهلاك النفط عام 2010 سيتطلب اكتشافات جديدة، تقوم بإنتاج خمسة أضعاف ما تنتجه المملكة العربية السعودية في الوقت الحاضر··· وهو أمر لن يتحقق كما تؤكد الدراسات كافة·
توقعات ديك تشيني قام بتكرارها هاري لونغويل Harry Longwell، مدير ونائب الرئيس التنفيذي لشركة ايكسون موبيل، الذي كتب في مجلة وورلد انييرجي World Energy (العدد 3 لعام 2003) يقول : (الفكرة الأساسية هنا هي أن ازدياد الطلب على النفط يقابله نضوب في الإنتاج الحالي· وبلغة الأرقام، تشير التوقعات إلى أنه بحلول عام 2010 سيحتاج العالم إلى رفع الإنتاج بمعدل يزيد على نصف حجم الإنتاج الحالي لتلبية الزيادة المتوقعة في الطلب على النفط، وهي زيادة تفوق قدرة المنتجين الحالية، الأمر الذي يشكل تحدياً كبيراً لهم) أما جون ثومبسون John Thompson رئيس شركة ايكسون موبيل للاستكشاف، فقال أمام اجتماع للهيئة العمومية عام 2003 : (بحلول عام 2015 سنكون في وضع يحتم علينا استكشاف كميات من النفط والغاز وتطويرها وإنتاجها، تعادل 80% من حجم الإنتاج الحالي) وهو الرقم نفسه الذي أورده تشيني من قبل· وجاء تقرير لجنة دراسة الطاقة التي أمر بتشكيلها تشيني نفسه بعد أن أصبح نائباً للرئيس ونشر عام 2001، جاء على القدر نفسه من التشاؤم والتحذير، حيث جاء في التقرير (الفرق الأهم بين الحاضر وما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمان هو التآكل السريع وغير العادي الحاصل للطاقات الاحتياطية في بعض قطاعات سلاسل الطاقة، وبخاصة في قطاع النفط)
أما وزير الطاقة الأمريكي سبنسر ابراهام Spencer Abraham فيقول في هذا الشأن (ستواجه أمريكا أزمة رئيسية في إمدادات الطاقة على مدار العقدين القادمين، وأي فشل في مواجهة هذا التحدي من شأنه أن يهدد ازدهارنا الاقتصادي ويعرض أمننا القومي للخطر، وسيكون له أثره الكبير في إحداث تغيرات جذرية في حياة الأمريكيين)
صفحة 9
نجد في الفصل الثامن من وثيقة السياسة الوطنية للطاقة، الصادرة عن مجموعة تطوير السياسة الوطنية للطاقة التي يرأسها ديك تشيني، إشارة واضحة إلى أهمية الشرق الأوسط كمورد نفطي رئيسي إن لم يكن الأهم في العالم· ومما جاء في الوثيقة القول (من المتوقع أن تنتج دول الخليج ما بين 54 - 67% من النفط العالمي بحلول عام 2020، الأمر الذي يستمر معه الاقتصاد العالمي في الاعتماد على نفط الدول الأعضاء في منظمة أوبك OPEC وبخاصة دول الخليج··· ولهذا ستبقى هذه المنطقة حيوية بالنسبة للمصالح الأمريكية)
بينما كان سعر البترول في حدود 20 - 30 دولاراً / البرميل توقعنا في كتابنا (حروب البترول الصليبية) بأن يتراوح سعر البترول بين 50 إلى 60 دولاراً للبرميل لسنة 2005، ولربما لسنة 2006 وهذا ما حصل فعلاً· إلاّ أنه مع ازدياد الفجوة ما بين العرض والطلب قبل دخول محطات توليد طاقة نووية قبل سنة 2010، فإن السعر عندئذٍ سيصل إلى ما بين 100 و105 دولارات للبرميل· تبدو هذه الأرقام شبه خيالية، لكنها ليست كذلك، فلقد كان سعر البترول في سنة 1980، معدلاً بدولار اليوم، يساوي أكثر من 75 دولاراً للبرميل··· ذلك قبل ربع قرن حين كانت هناك وفرة في الإنتاج·
إذا كان نصيب أوبك، وبسعر 100 دولار للبرميل، 35 مليون برميل في اليوم لسنة 2010؛ فذلك يعني أن بترول أوبك سيتيح فرصة لمطابع الدولار الأمريكية أن تطبع 3500 مليون دولار يومياً دونما أي غطاء، وبتكلفة خمسة سنتات لكل ورقة مئة دولار، مادام الدولار هو العملة الوحيدة للمتاجرة بالبترول· إن مجرد السماح بتحويل تسعير البترول من الدولار إلى عملات أخرى، سيكون بمثابة سلاح دمار شامل للاقتصاد الأمريكي والإمبراطورية الأمريكية· نعم : سلاح دمار شامل!
في تقريرها الصادر في أبريل 2004، نشرت إدارة معلومات الطاقة Energy Information Administration توقعاتها الخاصة بحجم إنتاج منطقة الشرق الأوسط من النفط للسنوات العشرين القادمة:
وطبقاُ للتقارير، فإن حجم إنتاج دول الخليج من النفط لعام 2001 كان يمثل 29% من إجمالي الإنتاج العالمي، في حين أن التوقعات، كما يوضح الجدول أعلاه، تشير إلى أن حصة دول الخليج سترتفع إلى 60% من الإنتاج العالمي بحلول عام 2025، مما يعني بأن الحياة الاقتصادية للولايات المتحدة ستعتمد وبشكل كبير على الشرق الأوسط، وكذلك الأمر بالنسبة لنجاح أجندتها الخاصة بالرأسمالية والعولمة والإمبراطورية، ولهذا لم تعد الهيمنة على المنطقة بالوكالة بواسطة الأصدقاء أو العملاء كافية بحد ذاتها، بل حان وقت الاحتلال المباشر، وقد وقع الاختيار على العراق لتوافر ظروف مواتية جعلت من هذا البلد الضحية الأولى والأسهل للمخطط الأمريكي الكبير· ولو أن هناك تغييراً سيطرأ على هذه الإستراتيجية فسيكون في الأسلوب لا في الهدف نفسه، اللهم إلاّ إذا كانت تجربة العراق المريرة قد استدعت مراجعة، لكن المشكلة هي أن الموضوع برمته يتعلق بمصير الإمبراطورية الأمريكية ومشروع قرنها الجديد·
وعودة إلى التقرير الصادر عن لجنة دراسة الطاقة، التي أمر ديك تشيني بتشكيلها، والصادر في أبريل 2001 (قبل هجمات 11 سبتمبر)، فإن التقرير يتحدث عن خطط أمريكية للتعامل مع مشكلة النقص المتوقع في الإمدادات النفطية· فبعد توضيح حقيقة أن الشعب الأمريكي مستمر في المطالبة بتوفير كميات وافرة من النفط الرخيص، دون الاستعداد لتقديم أي تضحيات، ينتقل التقرير إلى القول بأن أمريكا تبقى أسيرة معضلة الطاقة، الأمر الذي سيدفعها إلى الإقدام على (التدخل العسكري) لتأمين إمداداتها النفطية· وهكذا فإن خيار (التدخل العسكري) ورد قبل 11 سبتمبر·
صفحة 10
إن السبب في الاندفاع المفاجئ نحو العراق، واستعجال بوش في اتخاذ قرار الحرب، وعلى الرغم من معارضة أكثر دول العالم له، فيتعلق بما أطلق عليه الخبراء اسم (الذروة النفطية) ويعود التوقيت وسرعة اتخاذ القرار بالحرب إلى الصدمة القاسية التي تلقتها الخطط السياسية الأمريكية الخاصة بنفط بحر قزوين، حيث انتهت الأحلام الأمريكية بالعثور على احتياطات نفطية هائلة تعوضها عن الاعتماد على نفط الشرق الأوسط ولو مؤقتاً·
ففي منتصف التسعينات، كان المخططون في واشنطن على قناعة بأن السيطرة المباشرة للشركات النفطية الأمريكية والبريطانية على حقول نفط أذربيجان وقازاخستان، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة الوقت الكافي المطلوب للتخطيط المتأني للانتقال إلى بدائل النفط وكذلك للسيطرة العسكرية على حقول النفط الأضخم في الشرق الأوسط وبالتدريج· كانت ظروف دول حوض بحر قزوين مواتية للخطط الأمريكية، فقد كانت تلك الدول، الخارجة حديثاً من العباءة السوفياتية، تعاني من الضعف والفوضى ومنزوعة السلاح تقريباً، الأمر الذي جعلها جاهزة لسيطرة النفوذ الأمريكي· وفي عام 1998، كانت النظرة الأمريكية إلى افغانستان من زاوية كونها تشكل حلقة مهمة تربط بين حقول النفط والغاز الطبيعي في حوض بحر قزوين وطرق خطوط النفط الجديدة، الأمر الذي سيمنح الولايات المتحدة فسحة من الوقت قبل انفجار أزمة الذروة النفطية، الخارجة عن نطاق السيطرة الأمريكية·
الواقع أن بعض الصقور في البنتاغون تحدثوا صراحة عن أن الحرب على العراق هي من أجل النفط وليس نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة· فهذا نائب وزير الدفاع بول وولفوتز يقول في مقابلة في سنغافورة بتاريخ 31 مايو 2003 (دعونا ننظر إلى الأمر ببساطة··· فالفرق الأهم بين كوريا الشمالية والعراق يكمن في الناحية الاقتصادية··· لم يكن أمامنا من خيار آخر في العراق، فتلك البلاد تطفو على بحر من النفط) علماً بأن الحقول المستغلة في العراق لتاريخه هي فقط 17 حقلاً من أصل 80 حقلاً أثبتت الدراسات عن وجود كميات هائلة من البترول داخلها!
لا داعي لنا نحن لنسهب في الإشارة إلى الأكاذيب والذرائع التي استخدمت لاحتلال العراق· ولعلنا نكتفي بما كتبه بعض كبار السياسيين الأمريكيين أنفسهم· فقد قال الرئيس الأمريكي كارتر (لقد كانت حرباً لا مبرر لها على الإطلاق· ولقد تم تبريرها بناءً على ادعاءات كاذبة) أما مستشار الأمن القومي السابق Zbigniew Brezinski زبيغيو برجينسكي فقد كتب في صحيفة The Astralian بتاريخ 14 اكتوبر 2005 : (قبل حوالي 60 سنة لخص آرنولد توينبي Arnold Toynbee بحثه الكبير (دراسة التاريخ) بأن السبب النهائي لانهيار الإمبراطوريات كان (سياساتهم الانتحارية)· وبكل أسف سيدخل جورج بوش التاريخ، بل وبكل أسف على مستقبل الولايات المتحدة، فإن (السياسة الانتحارية) تبدو أكثر فأكثر وصفاً ينطبق تماماً على سياسات الولايات المتحدة منذ 11 سبتمبر) ويضيف برجينسكي : (كانت الدعوة إلى الحرب على العراق من قبل دائرة ضيقة من أصحاب القرار لأهداف مبهمة لم يتم الإفصاح عنها بعد، لكن حججها كانت دموية وكلفتها كانت أكثر مما كان متوقعاً)
وهكذا تم احتلال دولة عربية ذات سيادة جهاراً ونهاراً··· بحرب استباقية، وبحجج كاذبة··· وسيذكر الآخرون يوماً يرونه بعيداً ونراه قريباً أنهم أُكلوا يوم أُكل الثور الأبيض·
ابتداءاً من 6 مايو 2003، وحتى 28 يونيو 2004، حكم العراق بول بريمير Paul Bremer بعد فترة قصيرة من حكم جي غارنر Gay Garner الذي عزله وزير الدفاع لتباين أرائه معه· وبول بريمير يتمتع بخبرة 4 عقود من العمل في القطاعين العام والخاص· عمل مع جورج شولتز، ودونالد رامسفيلد في الدولة، وفي القطاع الخاص عمل مع شركة كيسنجر ومشاركوه كعضو مجلس الإدارة المنتدب· قبل الغزو بشهور قامت الولايات المتحدة بتكليف شركة بيرنغ بوينت Bearing Point بإعداد خطة Master Plan لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي ليصبح نظاماً اقتصادياً حراً· شركة بيرنغ بوينت كان اسمها KPMG Consulting قبل أن تغير اسمها، وكانت كلفة إعداد الدراسة 250 مليون دولار· كانت مهمة بريمير هي تنفيذ خطة Bearing Point بحذافيرها· بعد احتلال العراق كانت الخطة تقتضي تغيير النظام الاقتصادي العراقي من سيطرة الدولة إلى سيطرة السوق· أما سيطرة السوق فهي الاسم المستعار لسيطرة الشركات عِبر القطرية· كان بريمير يتمتع بصلاحيات لا حدود لها، ويستطيع إصدار قوانين جديدة أو إلغاء قوانين قائمة بجرة قلم· وهذا ما فعله بإصداره 100 تعليمة أو أوامر لتغيير الخارطة السياسية والاقتصادية العراقية· أما تلك التعليمات فهي تحمل قوة القانون وتلغي كل ما يتعارض معها· كان الأمر الأول من أوامره المئة التي صدرت أثناء حكمه، يقضي بالاستغناء عن خدمات 120.000 موظف عراقي كبير في وزارات الدولة كافة، ذلك أنه قد لا يمكن إحداث التغيرات الجوهرية المطلوبة بوجودهم· جاء بعد ذلك أمر تسريح سائر قوى وزارة الدفاع والجيش العراقي، والبالغ عددهم أكثر من 500.000 شخص· تتالت الأوامر الواحد بعد الآخر، بحيث تم تفكيك النظام السياسي والاقتصادي برمته· وهذه بعض من الأوامر والقرارات:
* الأمر (39): (أ) يسمح بخصخصة 200 شركة عامة مملوكة من الدولة لتصبح قطاعاً خاصاً· (ب) السماح للأجانب بامتلاك 100% من الشركات العراقية· (ج) إلغاء تفضيل العراقيين عن غيرهم لعقود الدولة· (د) تحويل أموال الأجانب والأرباح بلا قيود أو ضرائب·