eKtab
EN ع
للعمر صداه
اقرأ عينة مجانية

للعمر صداه

بقلم د. انتصار خضر الدنان

صفحة 1
تقديم
 
انتصار الدنان: عن الفدائي وجمرة الوعي المعاند
 
تطالعك أوراق انتصار الدنان بفيض الوجع الفلسطيني المنعوف في جهات الأرض.. الوجع الذي نلمسه في حياة الفلسطيني الذي يتوزع في المغتربات حاملاً بلاده أيقونةً ووشماً.. يدق جرس العودة نحو هذه الفلسطين ويعلي ترابه نجماً وضاءً.
 
"الهجاج" رواية لم تكتمل بدأ الفيلسوف والشاعر عبد اللطيف عقل بوضع تصوّرها قبل رحيله.. وأجد أن هذا المصطلح هو الأكثر مناسبة لتوصيف الحالة الفلسطينية في غربتها واغترابها وشتاتها المرّ.. و"الهجاج" مُذخّر بكل معاني الاقتلاع والتشرد والحزن والفقد وما لا ينتهي من سياقات ومدلولات الوجع والألم.
 
إذ تم "هجاج" شعبنا بفعل عدو ما زال يوغل ويتوغل في دمنا وبلادنا، محمولاً على الموت والخراب والدمار والإلغاء.
 
وها هي انتصار تنتصر لفكرة العودة والبطولة وتسلط الضوء عالياً على "هجاج" شعبنا والويلات التي تلقّاها.. فصل المعاناة هذا لم يتوقف منذ مئة عام .. والنص الذي نلمسه مساحة تحتاج إلى حمولة صبر لاحتمال ما تحتشد به أوراق انتصار الذابحة.. وهي تعيد للذاكرة صورة الفدائي الذي منح بلادنا المعنى الأجمل.. الفدائي، المفردة الغائبة والمغيبة عن قاموس التداول في راهننا المفكّك والمتشظّي.
 
يرحل الحبيب والعاشق الفدائي (هو) المفتوح على العطاء والبذل والفداء النبويّ.. وتبقى (هي) في انتظاره.. تربّي الحنين وتستحضر الذكريات وتهدهد الغياب بأنين مكتوم.. وتتعهّد ولديها الشتلتين بالعناية وأهداب الحنين.. لكنها تغيب كعاشقها الفدائي.. بعد أن نخّلها المخيم بالجوع والعوز والغربة.. المخيم الذي ما زال مثالاً في "الهجاج" على تـشريد الفلسطيني واستباحته.. ودلالة واضحة على استباحة فلسطين وتشتيت أهلنا في بلاد الله.. المخيم البطولة والعطاء والتماسك.. المخيم شارة الانتصار على الرغم من المرارة التي تتفصّد من حاراته وزنكه المحترق.. هذا ما نلمحه في أوراق انتصار ...
صفحة 2
بعد غيابها (هي) يظل الصغيران يدوران في فلك المعاناة والحرمان.. لا طفولة البتّة.. الصغيرة تتكفّل بمصير أخيها .. تعمل وتكدّ وتلتقط فتات الطعام وما تجده من المتبقى على حفافي الألم..
 
كل ذلك وقذائف الموت الصهيونية تعصف بالجنوب وأرض لبنان قتلاً وتشريداً .. وتحاصر المخيمات بحثاً عن سلاح الفدائي .. السلاح الذي تهرِّبه العاشقة بثوب الخطبة السماوي الذي احتفظت به منذ "الهجاج" الأسود سنة 1948.
 
تحمل سلاح الفدائي للرفاق لمواصلة الدرب وحمل الراية.. إنه تواصل الفعل الثوري كما هو تواصل الوعي المقاوم حتى عودة البلاد إلى بهائها عودة غير منقوصة.
 
هذا ما تؤكده انتصار الدنان في أوراقها التي تجرّعت واقعها الأليم وهي تهبُّ بأطياف الحزن الذي يتـسرب لأعماق الروح فيخلخل المنطق البارد والزمان الذي يتمدّد فيه اليباس.
 
* * *
 
انتصار الدنان تروي سردية "الهجاج" دون اقتصاد في الألم.. ولكنها تمسك بالضوء والفرح والحياة وتشتقّها من معمارها النقيّ وهي تؤكد على الإرادة وانتصار الفدائي ودم الشهداء على الطوطم النووي والدمار الذي توزعه إسبارطة الجديدة وأقصدُ العدو الصهيوني على شعبنا.
 
هو الانتصار الذي تبشر به انتصار ...
 
* * *
 
هذه الأوراق ترسّخ الوعي المقاوم والأدب المقاوم وهي تثبِّت ما قاله الروائي الشهيد غسان كنفاني: الكلمة البندقية. ما زال أدب المنازلة بخير، ما دام الفعل المشتبك والوعي المشتبك بخير.
 
مراد السوداني
 
الأمين العام للاتحاد العام
 
للكتاب والأدباء الفلسطينيين
 
فلسطين المحتلة
 
7/11/2013
صفحة 3
مقدمة
 
ليست الحياةُ طريقاً واحداً تسير فيه الشعوب، وليس الموت أو الشهادة نهاية أجل الإنسان، إنما هناك إناسٌ كثر ميّتون وهم ما زالوا على قيد الحياة.
 
من لا يعرف قيمة الوطن، ولا يدافع عنه حتماً ميّت، من ترك وطنه عنوة عنه حتماً ميّت، فالشعب الفلسطيني بنظري ميّت في هذه الحياة وعلى هذه الأرض إلى أن يستعيد فلسطين، فلسطين القضية والوطن والهوية. ما أصعب على الإنسان أن يكون ميّتاً في هذه الحياة، يرى ولا يفعل شيئاً، يصل ولا يدخل، يُقتل ولا يدافع.
 
أصعب أمر شعرت به في حياتي وجعلني أتمزّق من الداخل عندما وصلت إلى منطقة مرجعيون اللبنانية ونحن في طريقنا إلى حاصبيا، ورأيت المستوطنات التي أقامها العدو الصهيوني في بلدي. لا يفصلني عن بلدي سوى أن أترجّل من السيارة وأسير على الزفت وأدخل. لبرهة لم أصدق ما كنت أراه، فقد ظننت أن هذه المنطقة هي منطقة من لبنان ورحت أتساءل، أهي فلسطين، لا هذا لبنان، لكني عندما رأيت (اليونيفيل) بدأت أستردّ شيئاً من وعيي وأتراجع، علّي أقتنع أنها فلسطين، وذهلت أكثر عندما رأيت علم الصّهاينة الذي ابتدعوه على يميني وعلميّ لبنان وفلسطين على يساري، وعندها أيقنت أنها فلسطين، لا يفصلني عنها سوى شريط شائك، ولا أستطيع العبور إلى بلدي إلى فلسطين، إلى أرضي.
 
ترغرغت الدموع في عينيْ، وأدركت كم أننا أناس ضعفاء، سمحنا لمثل هؤلاء الأوباش أن يستخفوا بنا وبأرضنا، وبشهدائنا الذين سقطوا على مرّ الثورة الفلسطينية.
 
ففلسطين لن تعود إلا بالبندقية، ولن نستطيع استرجاع حقنا إلا بالعمليات الفدائية التي أعطت للثورة الفلسطينية طابعها الإنساني حتى لو كان ضدّها كلّ العالم.
 
العالم أجمع جرحه ليس كجرحنا، فالإنسان بلا وطن بلا كرامة وعزّة، وفلسطين عزّتنا وكرامتنا.
 
فلنعد الثورة إلى مسارها الصحيح، ولنعمل جميعاً على إعادة إحياء المقاومة من أجل استرجاع حقّنا.
 
"فسبحان الّذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الّذي باركنا حوله".
 
ولنتبارك فيه جميعاً.
صفحة 4
موتٌ بلا حدود
 
وأخيراً أسقط اللّيل همساته الأخيرة لينثرها نجوماً تتلألأ على صفحة خدّيها خجلاً من عمرها المبعثر هنا وهناك؛ لترقد بين جفنات الليل الباهت الذي أطبق بظلامه على حياتها كلّها الرّقدة الأخيرة، في قـصرٍ عاجيٍّ لا يشبه إلاّ تعاريج قلبها الّذي فارقته نبضات الحياة.
 
اقتيدت إلى قصرها، كالجندي المهزوم العائد من أرض المعركة يجرّ أذيال خيبته خلفه، فحالها يشبه حاله.
 
أسدل العمر ورقاته الأخيرة عليها، وطوى الزّمن الّذي طالما فرح لنغماتها وغنّى لكلماتها صفحات من الأمل والحبّ، وكـسّر برعمها الملون المزهوّ بأجمل ألوانه.
 
دخلت غرفتها كالنّعجة المذبوحة تدبّ على مقلتيْها دبيب الروح المتخبطة ببعضها البعض، وتنزف الجرح اليتيم الذي عاش داخلها منذ أن فارقتها أوراق ورودها، وتسكبه في أكواب صدئت أفواهها، وتعفّنت في الزوايا المهجورة في بركان من الدّمّ، وصوت الرّصاص ما زال يدوي في أذنيْها كالصّواعق ترتدّ إليها نحيباً وعويلاً.
 
هي في دوّامة تتخبط في أمرها، قد يكون الأمر ملتبساً عليها، أو تكون في حلم من أحلام اليقظة. تدور حول نفسها، أم أنّ الغرفة هي الّتي تدور بها، لتأخذها من عالمها الأرضي إلى عالم آخر لا تعلمه. لا تعلم شيئاً، لا تدري، الخوف يختلج صدرها، والدّمع محبوس في مقلتيها يأبى الاستسلام.
 
 
 
كلّ ألوان الزّينة محاطة بها، الأضواء الملونة، الـشرائط المزهوة، الحوائط المزركشة، ولكنّها لا ترى منها غير ذلك السّواد الصّاخب الّذي كتبه لها القدر زوجاً تجهل معالمه، صورته، نبرته، قلبه.
 
غاب الحبيب عنها في تأوّهات العمر بكلّ سوداويّاته. الذّكرى عنّت على بالها، واستحضرته معها في غرفتها المتماوجة بكل ألوان الزينة، هو الآن، اليوم، الماضي، المستقبل، هو العمر الضّائع هنا، في هذا المكان الضّيّق، والخوف يعتصرها ألماً وحزناً، على ماضٍ قريب ومستقبل بعيد.
 
دخل الزّوج المنتظر، وفي أفكارها الحبيب يروح ويجيء، تناجي عيونه عيونها، أن لا تذبحه مرّتين.
 
الغرفة بدت كغيمة شتاءٍ سوداء تتأهّب لبرقٍ ورعدٍ، وصبِّ مطرٍ سيّالٍ من السّماء، مطر ليس للارتواء، بل هو غضب من الزّمان على قلبها المجروح المملوء حزناً أبديّاً، هو لصبّ الزّيت الملتهب فوق الجرح الأليم الّذي ما انطفأ لهيبه؛ ليزداد اشتعالاً والتهاباً، وجمراً يكوي موضع الألم.
صفحة 5
المكان دار بها مرّةً ثانيةً، لم تعد تشعر بما يدور حولها، ولم تشعر بنفسها إلاّ وهي ملقاة فوق بساطٍ أحمر، ارتعشت من هول مصابها، وغابت عن الإدراك مرّة ثانية.
 
استفاق الزّوج على يومٍ جديد، حلم حقّقه وروى ظمأه المستدام من النعجة التي تدرّ له الحبّ بمدرار العمر الصّامت. مع صبيحة يومها الجديد ارتدت السّواد وشاحاً لأهدابها الخـضر الّتي ذابت حنيناً لعمرها الماضي، وحبّها الأوحد الّذي لن يغيب في الضّباب القاتم، وأطبقت جفنيْها السّمراوتين لتبقى صورة ميعادها مع الزّمن أملاً يعيش داخلها، ولتدفن أحلامها تحت التّراب المرويّ بدمع عينيّها، أو في خزانة عتيقةٍ تتعفّن في داخلها الأحلام الورديّة، وتصدأ أوراقها البيض الّتي كتبتها حبّاً للغريب الّذي عبر حياتها ورحل، للحبيب الّذي أخافها منظره حين رأته لأوّل مرّة. ارتعشت منه وخافت وصرخت، وقالت: من أنت؟
 
علّمها البطولة ونزع الخوف من قلبها، علّمها الحريّة كيف تكون، لكنّها لم تستطع إلا أن تكون مستعبدة لميراث عقليّ قديم.
 
شاهدته في المرّة الأولى وهو يرتدي البزّة العسكريّة، مدجّجاً بالسّلاح، فدائيٌّ فلسطيني انتزع العدوّ من قلبه الخوف، وزرع بداخله القوة والجأش والبطولة ونزع أرضه التّي سلبها عنوة، نزعها من بين براثن الصخور.
 
ذهبت لتشتري له بعضاً من الطّعام، ليأكل قبل أن يذهب إلى الأراضي المحتلة لينفذ عمليّته البطوليّة ويختفي. عادت وقدّمت له الطّعام تحت شجرة المنزل (الزّيتونة) الوارفة الظّلال، انتهى من تناول طعامه وانتفض من مكانه بسرعة، فقد غابت الشّمس، وأرخى اللّيل سدوله على فصول حكايتهما، جهّز نفسه، وقبّلها قبلة الوداع وانطلق نحو هدفه. انطلق لتنفيذ عمليّة فدائيّة في الأراضي الفلسطينيّة المحتلة، والهدف مستوطنة صهيونية. مستوطنة استوطنت قلوب بيوت فلسطينيين، حُرموا من بيوتهم.
 
انتظرته كثيراً، لكنّه لم يعد، فأغلقت خزانتها على فساتينها المزركشة على حبيبٍ قد كانت يوماً له، على الحبيب الغائب الّذي تاه وسط ركام الحياة الخائبة، وخلف قضيّة ما زالت إلى اليوم قضيّة شعب هده التّرحال والسّفر.
 
رحل خلف البحر بحثاً عن متنفّسٍ يستطيع من خلاله أن يحيا إنساناً، أن يحرّر الإنسان وكانت هي مأسورة خلف قضبان ذاك النّسيان وذاك الزّمان، وصارت مرآة للأحزان.
 
هي غفوة الصّباح على ضوء القمر النّاعس تحت الضّباب تكلّل الأفق إشراقاً وبهجةً وضياء.
 
بدأت أو انتهت حياتها مع ذاك الزّوج الّذي لم ترَ فيه إلّا رجلاً ممتلئاً شهوةً أمام ذاك الجمال، لا يهم، لا يهمها كيف يكون، فهي اعتادت أن تتغاضى عن مشاعرها وتنـسى قلبها في زحمة العمر، لا يهم، فالصّباح شروقه ما عاد يعنيها، فـشروقه أو عدمه سيّان، وغروب الشّمس الممتلئ بآهات التّعب اليوميّ صار مملاً، فهو دائماً في غروب.
 
السّنوات مرّت سريعاً، وآثار العمر بدأت تتراكم فوق أطلالها البالية، وتجاعيد العمر خطّت آثارها على ملامحها.
صفحة 6
الخريف بكّر في القدوم إليها وما كان مفارقاً اختلاجاتها، وهزّات قلبها المتوتّرة دوماً. العمر خطّ فوق حاجبيها معالمه المؤلمة، والمشيب لوّح في رأسها خيوطاً كأنها خيوط دودة القزّ تتعرّج داخله وتلتمع؛ لترسم خيوط العمر المتبقي.
 
عائلتها عاشت تحت كنفها، هي الامرأة الّتي عملت دائماً لراحة تلك العائلة الصّغيرة بقلبها المفعم بالحزن الدّفين. تكاد تضحك، أو يلامس الضّحك ثغرها ليسعد الآخرين الّذين تضحّي من أجلهم بهناءتها وسعادتها، تداوي جرحها بهم، وتعلّل القلب بالصّبر والنّسيان لأجلهم، لكنّ الحبيب لم يغب يوماً عن بالها، يحرسها بكلّ خطواتها، ويمسح دمعة حزنها، وألم وجعها وتحسب أنّها تعيش له ومعه بكل لحظةٍ من لحظات حياتها، وبكلّ ارتعاشات قلبها المتواترة تدفّقاً بالحبّ، يعيش في حضنها الدّافىء، تستكمل مسيرة الحياة المريرة الصّعبة به.
 
لا تعلم كيف تبدأ نهاراتها، ولا كيف تنتهي، لكنّها في صباح يومٍ لئيم أفاقت على حدثٍ مفاجئ، حدث لم تكن أحداثه بحسبانها، أو لم يكن ببالها ما قد يحصل لها. فاجعةٌ أصابتها في الوريد وقتلت ما تبقى من الحياة، فتزيَنت جدران منزلها بالسّواد القاتم الّذي ما زالت تتزيّن به منذ ليلتها الأولى في منزلها الجديد. علّقت مجدّداً ستائر اليأس على نوافذها الّتي قد كانت ترقب من خلالها الأفق البعيد، تنتظر وعد يومٍ جديدٍ بالحرّيّة.
 
مجدّداً القدر أوقع لمساته السّحريّة على أيّامها الميتة "أمّ ٌ لطفلين" مازال الزّغب الطّريّ ليس مفارقاً جلدهما، وعودهما الطّريّ لم يشتدّ بعد، عودان طريّان قد تدوسهما الأرجل القاسية في زحمة الطّريق، وفي لهاث الحياة المرّة.
 
قام والدهما برحلته الأخيرة الّتي انكفأ خلفها، وطوى ملفات العمر، برحلته التي لن يعود بعدها أبدا حتى ولو بصاروخ الرّيح، فقد استراح راحته الأبديّة، وتركهما لقدرهما، تتماوج بأحلامهما السنون القاسية، وتركها مع موج الحياة تعاركها وتتعارك معها، تكسرها أحياناً وتجبر جرحها حيناً، تتجاذفها أمواجها المخيفة، وتناجيها كي تفتح لها ذراعيها.
 
عصفورة الدّار وقفت تناجي غصنها الرّطب، تحاور العمر المنتظر مع فرخيها اللّذين قست عليهما الدّنيا منذ بدء تفتحهما للحياة.
 
ماذا قال لها؟
 
- "أومأ لها بأن تحلّق فوق السّحب، فوق الهضاب، فوق العمر الّذي أقفل صفحاته، وأوصد ماضيه بسهم ألمٍ آخر دقّ بابها، ألم الغربة في وقتٍ تجمّعتِ النّاس فيه من حولها".
 
- ردّت عليه "وكيف تحلّق في الجوّ ولا تسقط، وهي لا تعرف الطّيران، والأجنحة ما زالت طريّة، ماذا تفعل؟"
 
بدا المشوار صعباً، وشاقّاً، أُوصدت الأبواب كلّها في وجهها، ولم تجمع من حطام الأيّام ما تسدّبه جوع طفليها الصّغيرين.
 
موسم الحصاد على الأبواب، والمدارس ستطرق بابها بعد وقتٍ قصيرٍ، وما من معين، قسا عليها الزّمن.
 
ما الحلّ؟
 
قرّرت البحث عن عمل وسط هامات الرّجال، تحصد بدمها رغيف خبزها وقوت أيّامها، وأحلام أطفالها: كتبهم، أقلامهم، ومحافظهم.
صفحة 7
العمر مرير، ومرارته الكبيرة في حزن طفليها الرّاقدين خلف زاوية الباب، ينتظران بفارغ الصّبر عودة الأمّ لتسدّ رمقيهما، أو لتفتح عليهما باب قفصهما الموصد بأقفال الحزن؛ ليخرجا ويتنشّقا هواء العمر القادم من خلف قضبان القهر والعوز والخيبة؛ ليشعرا بأنهما طفلان يستحقّان أن يعيشا كسائر الأطفال. يمرحان، يلهوان، يتمتّعان بطفولتهما الّتي سلبتها الأيّام.
 
الطّفولة المفقودة وسط عبرات الحزن المميت والألم الجاثم في القلوب متحسّراً على ما هو آت.
 
وهي، أين هي من الزّمن القادم؟
 
وهي، أين هي من الأيّام القادمة؟
 
وهي، أين هي من العيون المفترسة حولها؟.
 
تقاسي ظلم العيون، والألسن الّتي قد تنتهشها، والألم يعتصرها.
 
وأين هي من دمع طفليها وغدر الزّمان بهما؟
 
ليس من يلملم جراحاتها سوى لقمةٍ فارغةٍ تشدو ألماً لانتزاعها من غضب السّنين.
 
الغصن بدأت أوراق طريّة تكسوه، يبـشّرها بلملمة بعض من الجراح. نظرت إليه وقالت له: "لقد أورقت أغصانك أيّها الغصن، لكنّ أوراقي يبست ومن على غصنها سقطت".
 
ساورتها الهموم دائماً بالتّفكير بيوم غدٍ، بيومٍ يأتي لا تدرك معالمه.
 
ظلّت الهموم ملحّةً باللّحاق بها طوال نهارها، حتّى سهادها.
 
الطّفلان ازداد تفتّحهما والبرعمان انسلخ عنهما الكِمّان، وبدأا يشعّان تحضّراً للمستقبل القادم على صهوة جوادٍ مجهولٍ، لا يحدّده إلّا القدر المجهول الهويّة، لكنّها كثيراً ما كانت تجلس على صخرة الأمل، وتتأمّل الأفق، وترقب شمسها عند الغروب، وتناجي الحبيب المنتظرة عودته من بين ركامات اللّهفة والشّوق لعشقٍ عتيقٍ.
 
غروب الشّمس هذا النّهار كان مختلفاً، فالحبيب أمامها تناجيه بكلّ جوارحها، والشّمس بدأت تنسحب مهزومة تجرجر خلفها هزيمة يومها الّذي مرّ بدموع الغربة وألم الفراق.
 
قالت له: "لم تغب يا نبض قلبي، وعشق روحي يوماً عن بالي، ولم يفارق خيالك سهادي.
 
أراك فارساً عملاقاً خلفك تسير الجياد، صورة الفدائيّ لازالت تركض في أحلامي، خلفك، تبحث عنك وتعلم أنه كصخرة القدس العتيّة".
 
- "تعالي عانقي معي الحريّة، اصنعي بريق فؤادك مجداً ينير سماءنا عِزّةً أبديّة".
 
ناداها أحد أولادها، استفاقت من غفوتها، وأدارت وجهها نحو الصّوت الخافت المليء بالحنيّة، وإذ بابنها الصّغير يناديها، ويطلب منها الدّخول إلى المنزل.
 
الشّمس ذهبت لترقد تحت ضوء القمر. دخلت بيتها تمسك بيد ابنها وتغلق باب بيتها على نهارٍ مرّ من عمرها بائسٍ مهزوم، تغلق بابها علّها تفتحه غداً على أملٍ بيومٍ جديدٍ.
 
فتحت بابها هذه المرّة على نهارٍ جديدٍ لم تر مثله من قبل. إنّها على موعدٍ مع الحبيب المنتظر، الحبيب الّذي غاب خلف السّحب.
صفحة 8
الاجتياح الإسرائيلي الّذي لم تكن تنتظره مع عائلتها الصغيرة أدركها على ألمٍ من نوعٍ آخر. اتُخذ قرار عسكريّ من قبل جيش العدو الإسرائيلي باجتياح لبنان، ليـضرب المقاومين (الفدائيين) الفلسطينيين المتواجدين في جنوب لبنان، وفي العاصمة بيروت، قرّر العدو الصّهيونيّ أن يشنّ حملةً عشوائيّة ضدّ المدنيين الآمنين، بحجّة ضرب المخربين. المخرّبون الّذينيريدون محاربتهم هم أصحاب قضية وأصحاب أرض، لهم الحقّ في أن يحاربوا، ويقاتلوا ويستشهدوا من أجل استعادة أرضهم واستعادة كرامتهم، هذه الأرض تصغر أمامها كلّ الدّنيا. قرّر بسياسته الهمجيّة وأطماعه تدمير الأمّة العربيّة والاستيلاء على ثرواتها الطّبيعيّة، يريد أن يقـضي على ما تبقى للعرب من كرامة.
 
بدأ غزوه على معظم الأراضي اللّبنانيّة. (هجوم بالطّائرات جوّاً، وبالدّبابات برّاً، البارجات البحريّة تمدّ حممها صوب كلّ ما يقع تحت ناظريها)، ولاتشتمّ من حولك إلا رائحة الغضب والحزن، والموت تعبق رائحته بدم الشّهداء الّذي روى تراب الأرض، رواها بدم المظلومين والمقهورين، المسلوبة منهم أرضهم.
 
استطاع جيش العدو الإسرائيليّ التّقدم نحو معظم المناطق الجنوبيّة، وبطائراته الحربيّة بدأ يشنّ هجومه على مخيم عين الحلوة وعلى منطقة صيدا، فلم يستثنِ الأطفال والشّيوخ والنّساء، بدأ يلقي بنيرانه حتى على المستشفيات، والملاجئ الّتي أوى إليها النّاس، الموت انتـشر في كلّ الأنحاء، ومقبرة ساحة الشّهداء في صيدا تشهد على مدى همجية العدو الإسرائيليّ، وفتكه بأرواح النّاس.
 
قبل أن يشنّ هجومه البريّ، عمل على حماية جنوده، فراح من طائراته يلقي منشورات كُتبَ عليها "جيش الدّفاع الإسرائيليّ يحذّركم من وجود المخرّبين بينكم، سلّم تسلم، ومن يسلم، فليرفع الرّاية البيضاء للحرص على سلامته".
 
بدأ الهجوم البرّيّ، لكن لم يسلم منهم شيء، حتّى الحيوانات. دخلوا المنطقة الّتي كانت تسكنها، ونادوا على النّاس بمكبّرات الصّوت: "جميع الذّكور الّذين هم من سن الخامسة عـشَرة وما فوق يجب عليهم التّجمع في ساحة المنطقة، ومن تبقى من النّساء والأطفال، والشّيوخ عليهم ترك بيوتهم والنّزوح نحو منطقة صيدا صوب البحر".
 
احتارت في أمرها، ماذا تفعل؟ إلى أين تذهب، وهي لا تملك حتّى قوت يومها. نظرت إلى طفليها، والمرارة تقتل قلبها، والخوف يعتريها. مالت إليها طفلتها وسط الخوف والدّمار، وسألتها عن الحل، ماذا ستفعل فهي لا تملك إلاّ بؤسها والخوف.
 
وبصوت هادئ رقيق طلبت منها ابنتها أن تفتح حصالتها، وتأخذ منها ما كانت تدخره ثمناً لتعليمها. المال الّذي كانت تدّخره من مـصروف يومها من أمّها الّتي كانت تتعب في تحصيله، وتذلّ لأجله. كانت الطّفلة تخاف أن تهدر المال على أشياء لا تعنيها هي، أو أنّها كانت تتغاضى عنها إشفاقاً لحال أمّها، فهي ليست كبقيّة الأولاد، هي من غير زمانٍ، وليست لزمانها.