صفحة 1
رهف
اجتماع عائلي، والصغيرة "رهف" كأنها اسمها، هيكلها نحيل جداً، تكاد وهي تسير أن تنحني من شدة الضعف...
وجهها جميل، وشعرها له لون البنّ المحمّص. هادئة جداً رهف.
ولأني أعلم مواهبها الموسيقية، وقدرتها على العزف بمجرد أن تضع أصابعها على مفاتيح "الأورغ"؛ كنت أطلب منها أن تعزف لي بعض المقاطع الموسيقية... تفعل هي، تاركةً اللعب والمرح لأقرانها من الأطفال.
قالت لي:
- طلبت يوماً أن أعزف أغنية "شادي" لفيروز.
- نعم... أُحبُّ هذه الأغنية.
- أنا تدربت عليها من أجلك.
- اعزفيها!
تهادت النغمات الجميلة، ساد الصمت القاعة التي ضمّتنا، وعَلَتْ نغماتُ رهف أكثر وأكثر... ثم عاد الحديث مرة أخرى وعلا ضجيج النسوة... وانشغلت أنا بحديث جانبيّ مع الجالسة بجواري عن صوت فيروز... نسينا رهف...
التفتّ أبحث عنها، كانت تحمل "الأورغ" الأكبر من حجمها، وتخرج من الصالة بصمت.
اجتماع عائلي، والصغيرة "رهف" كأنها اسمها، هيكلها نحيل جداً، تكاد وهي تسير أن تنحني من شدة الضعف...
وجهها جميل، وشعرها له لون البنّ المحمّص. هادئة جداً رهف.
ولأني أعلم مواهبها الموسيقية، وقدرتها على العزف بمجرد أن تضع أصابعها على مفاتيح "الأورغ"؛ كنت أطلب منها أن تعزف لي بعض المقاطع الموسيقية... تفعل هي، تاركةً اللعب والمرح لأقرانها من الأطفال.
قالت لي:
- طلبت يوماً أن أعزف أغنية "شادي" لفيروز.
- نعم... أُحبُّ هذه الأغنية.
- أنا تدربت عليها من أجلك.
- اعزفيها!
تهادت النغمات الجميلة، ساد الصمت القاعة التي ضمّتنا، وعَلَتْ نغماتُ رهف أكثر وأكثر... ثم عاد الحديث مرة أخرى وعلا ضجيج النسوة... وانشغلت أنا بحديث جانبيّ مع الجالسة بجواري عن صوت فيروز... نسينا رهف...
التفتّ أبحث عنها، كانت تحمل "الأورغ" الأكبر من حجمها، وتخرج من الصالة بصمت.
صفحة 2
تسابق؟... أسابقك!
ما زلتُ قابعاً في تلك الغرفةِ.
جُدُرُ المدرسةِ موشاةٌ برسومٍ غبيّةٍ، بيوتٌ قديمةٌ بألوان جديدةٍ، رجلٌ يحمِّلُ على ظهرِ حمارِهِ قِرَبَ الماء،ِ ويقفُ أمامَ بابٍ خشبيّ قبضتُه من حديد...
أقفُ أمام الجدارِ مُتأملاً، أتوسلُ إليه لينطقَ.
- تُسابق؟!
-... أُسابقك.
صَديقي في الصفِّ الثالثِ، والمختبرُ في آخر المدرسةِ، وفي قت الفسحةِ يطيبُ لنا أن نتسابق...
- تُسابق؟
- أُسابقك.
... أسبقه، وأدخلُ المختبر، أجد مدرِّسَ العلومِ هناك، فأنالُ منه "علقةً" أو نظرة غاضبةً، أخرج فزعاً، ولكن الفوزَ يبدد كل الألم... يظل هو حانقاً لا يكلمني حتى اليوم الثاني.
- تُسابق؟!
- أُسابقك...
وجريت كعادتي، سبقتُه، ودخلتُ... لم يكن مدرِّس العلوم موجوداً، انتظرته...
أُغلِق الباب، وسمعت صوت المفتاح يدور.
- يا ملعون، افتح الباب!
- فلتفرح بفوزك الآن!
كان يجب أن أفهم تلك الصور، لم أسأل أحداً، انتظرت حتى علّمتني الأيام؛ أنها بيوتٌ قديمةٌ، وهو رجلٌ يكدحُ لعيشهِ، يجلبُ الماءَ من البئر على ظهر حماره.
ما زلتُ قابعاً في تلك الغرفةِ.
جُدُرُ المدرسةِ موشاةٌ برسومٍ غبيّةٍ، بيوتٌ قديمةٌ بألوان جديدةٍ، رجلٌ يحمِّلُ على ظهرِ حمارِهِ قِرَبَ الماء،ِ ويقفُ أمامَ بابٍ خشبيّ قبضتُه من حديد...
أقفُ أمام الجدارِ مُتأملاً، أتوسلُ إليه لينطقَ.
- تُسابق؟!
-... أُسابقك.
صَديقي في الصفِّ الثالثِ، والمختبرُ في آخر المدرسةِ، وفي قت الفسحةِ يطيبُ لنا أن نتسابق...
- تُسابق؟
- أُسابقك.
... أسبقه، وأدخلُ المختبر، أجد مدرِّسَ العلومِ هناك، فأنالُ منه "علقةً" أو نظرة غاضبةً، أخرج فزعاً، ولكن الفوزَ يبدد كل الألم... يظل هو حانقاً لا يكلمني حتى اليوم الثاني.
- تُسابق؟!
- أُسابقك...
وجريت كعادتي، سبقتُه، ودخلتُ... لم يكن مدرِّس العلوم موجوداً، انتظرته...
أُغلِق الباب، وسمعت صوت المفتاح يدور.
- يا ملعون، افتح الباب!
- فلتفرح بفوزك الآن!
كان يجب أن أفهم تلك الصور، لم أسأل أحداً، انتظرت حتى علّمتني الأيام؛ أنها بيوتٌ قديمةٌ، وهو رجلٌ يكدحُ لعيشهِ، يجلبُ الماءَ من البئر على ظهر حماره.
صفحة 3
لم تعد تبالي
أدْرَكَتْ من نَظراتِهم التي تزدرد صمتَها... من الهمسِ حَوْلها، أنّهم يعلمونَ؛ وسرُّها الصّغير لم يعد مكتوماً بين جنباتها، ولا مدفوناً بين أضلِعها...
لم تَبُحْ لأحدٍ، لم تباهِ به أمامهم.
كان ملاذَها؛ تغْترفُ منهُ الحنان، وتجدُ في رفقته الأُنسَ والطمأنينةَ متى ما شعرت بالغربة والوحدة.
كيف عَلِموا؟
هي لم تلجأ إليه إلا في غيابة الحزن، لم تحتضنه إلا في لحظات البكاء...
كيف عَلِموا؟!
كلٌ منهم له سرٌ تعرفهُ...
هذا الذي لا يفتحُ فاهُ إلّا لينفث من سيجارته أنفاسه الرتيبة،
وتلك التي تتأمل أظفارها الطويلة ثم تقضمها،
وذاك يشدّ شعيرات بيضاء تنبتُ تواً في لحيته،
وآخر ينكشُ بقايا اللحم من بين أسنانه الصُفر...
كلٌّ منهم
له سرٌّ
تعرفهُ...
هم الآن أمامها كالأصنام، يُحدّقون بسرِّها الصغير...
عيونهم بلا بريق، لا يُخيفها تجهّمُ وجوههم، لا ترتعدُ من اقتراب خطواتهم.
أدنَت كفَّها من وجهها...
أدخلت إبهامها الصغير بين شفتيها...
وأخذت ترتشفُ منه الحنان والأمن... لم تعد تبالي.
أدْرَكَتْ من نَظراتِهم التي تزدرد صمتَها... من الهمسِ حَوْلها، أنّهم يعلمونَ؛ وسرُّها الصّغير لم يعد مكتوماً بين جنباتها، ولا مدفوناً بين أضلِعها...
لم تَبُحْ لأحدٍ، لم تباهِ به أمامهم.
كان ملاذَها؛ تغْترفُ منهُ الحنان، وتجدُ في رفقته الأُنسَ والطمأنينةَ متى ما شعرت بالغربة والوحدة.
كيف عَلِموا؟
هي لم تلجأ إليه إلا في غيابة الحزن، لم تحتضنه إلا في لحظات البكاء...
كيف عَلِموا؟!
كلٌ منهم له سرٌ تعرفهُ...
هذا الذي لا يفتحُ فاهُ إلّا لينفث من سيجارته أنفاسه الرتيبة،
وتلك التي تتأمل أظفارها الطويلة ثم تقضمها،
وذاك يشدّ شعيرات بيضاء تنبتُ تواً في لحيته،
وآخر ينكشُ بقايا اللحم من بين أسنانه الصُفر...
كلٌّ منهم
له سرٌّ
تعرفهُ...
هم الآن أمامها كالأصنام، يُحدّقون بسرِّها الصغير...
عيونهم بلا بريق، لا يُخيفها تجهّمُ وجوههم، لا ترتعدُ من اقتراب خطواتهم.
أدنَت كفَّها من وجهها...
أدخلت إبهامها الصغير بين شفتيها...
وأخذت ترتشفُ منه الحنان والأمن... لم تعد تبالي.
صفحة 4
لعبة ممزَّقة القدمين
تحملُ لعْبَتَها الممَزقَةَ القدمين وَتُغنِّي لَها:
"قَمرَه يا قَمَرَه، لا تطلعي عالشجره، والشجره عالْيهِ وإنتِ بَعدِك زغيَّرَه يا يا قَمَرَه"...
لم يُعرْها أَحدٌ أيَّ اهتمام...
انتعلت حذاءَها الجديد، وخَرجَت من المنزل...
كلُّ الطرقِ متشابهةٌ...
سارت...
تذَكَّرت أنها ذَهبتْ يومًا مع أُمِّها إِلى خياطٍ يقبعُ محلُّهُ بالقربِ من منزلهم، وكم من مرةٍ ارتفعَ صوتُ أمِّها غاضباً حين لا يتقنُ الخِياطَةَ، أو لا يضبط قياسَ الثوبِ؛ يجعله واسعاً جداً، أو ضيقاً... قصيراً، أو طويلاً:
- "أنا جايبتلك قياس تفصّل عليه ليش هالّلخبطة؟!".
يعتذرُ ويطلبُ منها أن تأتي في الغدِ لتأخذَ الثوبَ كما تشتهي أن يكون...
هل ضلّت الطريق؟... تتساءلُ وهي تبحثُ عن دليلٍ للعودة.
وقفت وسط الشارع... شعرت بحاجةٍ إلى البكاء...
- "إنتِ دايم تبكين... ما تعرفين تتصرفين أبداً؟!". صوتُ أمِّها تَبادَرَ لسمعها.
- لم يكن الخطأ خروجي أما كان بإمكان أمِّي أن تخيط لي لعبتي؟...
تلفتت حولها، عليها أن تعود
نظرت إلى الطريق...
لو أنها عَمِلت كما تلكَ البنت في القصةِ، وأخذت مَعها شيئاً ترميهِ للطريقِ ليكون دليلَ العودةِ
نسيت
كما نسيت سبب خروجها.
وقفت وسط الذهول بيدِها اللعبة ُممزَّقة القدمين.
تحملُ لعْبَتَها الممَزقَةَ القدمين وَتُغنِّي لَها:
"قَمرَه يا قَمَرَه، لا تطلعي عالشجره، والشجره عالْيهِ وإنتِ بَعدِك زغيَّرَه يا يا قَمَرَه"...
لم يُعرْها أَحدٌ أيَّ اهتمام...
انتعلت حذاءَها الجديد، وخَرجَت من المنزل...
كلُّ الطرقِ متشابهةٌ...
سارت...
تذَكَّرت أنها ذَهبتْ يومًا مع أُمِّها إِلى خياطٍ يقبعُ محلُّهُ بالقربِ من منزلهم، وكم من مرةٍ ارتفعَ صوتُ أمِّها غاضباً حين لا يتقنُ الخِياطَةَ، أو لا يضبط قياسَ الثوبِ؛ يجعله واسعاً جداً، أو ضيقاً... قصيراً، أو طويلاً:
- "أنا جايبتلك قياس تفصّل عليه ليش هالّلخبطة؟!".
يعتذرُ ويطلبُ منها أن تأتي في الغدِ لتأخذَ الثوبَ كما تشتهي أن يكون...
هل ضلّت الطريق؟... تتساءلُ وهي تبحثُ عن دليلٍ للعودة.
وقفت وسط الشارع... شعرت بحاجةٍ إلى البكاء...
- "إنتِ دايم تبكين... ما تعرفين تتصرفين أبداً؟!". صوتُ أمِّها تَبادَرَ لسمعها.
- لم يكن الخطأ خروجي أما كان بإمكان أمِّي أن تخيط لي لعبتي؟...
تلفتت حولها، عليها أن تعود
نظرت إلى الطريق...
لو أنها عَمِلت كما تلكَ البنت في القصةِ، وأخذت مَعها شيئاً ترميهِ للطريقِ ليكون دليلَ العودةِ
نسيت
كما نسيت سبب خروجها.
وقفت وسط الذهول بيدِها اللعبة ُممزَّقة القدمين.