أحلام
كان علي قد سئم من الدراسة في أصيل ذاك اليوم الجميل من أوائل الربيع، بعد انقضاء عطلة نصف السنة الدراسية، وبعد أسبوعين قضاهما في استجمام كسول وأيام مملوءة باللهو والمتعة، فألقى الكتاب على الأريكة ومضى يتجول في حديقة الدار الواسعة الجميلة التي ما يزال الجنائني يعنى بها وبحيواناتها.
توقف عند الأقفاص الأنيقة التي اشتراها والده، وحبس فيها حيوانات متوحشة، نمراً شرساً، وضبعاً مخيفة، وأفاعي سوداء وملونة.. إلى جانب كلاب الصيد والحراسة.
كان يعجب من هذه المخلوقات المفزعة، كيف اجتمعت في هذا البيت، كأنها في غابة، لكنها غابة مضبوطة، ليس فيها عدوان. وتساءل: ماذا لو أفلت النمر من قفصه، أو هربت الضبع، أو تسللت الأفاعي!؟
نظر إلى النمر الرابض في عظمته.. حدق في عينيه، فبادله نظرات فاترة، ثم أدار له وجهه، وتثاءب فاتحاً فمه إلى أقصاه من شدة الكسل والملل، فبدت أنيابه الكبيرة والصغيرة كلها، مخيف حقاً هذا النمر، يأكل بنهم ولا يشبع... يقدم له العم عمران طعامه كل صباح ومساء دجاجتين كبيرتين نصف مسلوقتين، وفي المساء مثلهما.. يقذفهما إليه، فيتناولهما بنهم.. يبتلعهما مستمتعاً، ثم يجلس في مربضه يتمطى.
وكان عمران يقوم على الحديقة خير قيام بأشجارها ونباتاتها، يحدب عليها، تورق بين يديه، يعرف كل ما فيها من نبات، ويعلم فوائدها وأضرارها، لأنّه عشّاب ماهر، وجنائني خبير. يزرع لهم زهرات نادرة تحبها أمه، تستمتع بها، وتغلي بعضها شراباً طيباً منعشاً أو مهدئاً أو مسكنّاً.
وتساءل متعجباً: لماذا يحب أبوه هذه الحيوانات المتوحشة؟ لماذا لا يربي الحيوانات اللطيفة، الغزلان الرشيقة، والقرود المضحكة، والأرانب المسلية، والطواويس المعجبة بنفسها.. والبجعات الفخورات؟!.
وأحس بنفور من أشكال ما يرى... يكرهها، ويحب العصافير بشكل خاص... عصافير الحب التي تدخل إلى نفسه البهجة. يربيها هناك في أقفاصه الخاصة على الشرفات الأمامية من الدار.. تؤنس نفسه.. ونفس أمه اللطيفة.
أبوه يشبه هذا النمر الرابض.. كلا بل هو أعظم بكثير. هذا نمر حبيس، لا يقدر على فعل شيء، أما أبوه فيخيف الناس.
أساتذته في المدرسة يعاملونه معاملة خاصة من أجل والده، وكذلك المدير الذي يزدري الطلاب ويقسو عليهم، يتغاضى عن شقاواته كلها ومخالفاته، ويغفر له إساءاته المتكررة. حتى الطلاب، فإنهم يهابونه من أجل أبيه، يتهامسون من حوله بحذر.. أبوه شيء عظيم.
ومشى في الحديقة يتأمل الخدم، ينظفون حوض السباحة، ويكنسون أرض الملعب، ويقلمون الأغصان اليابسة، ويقصُّون الحشائش. وتاقت نفسه إلى معاونتهم. ولكنه تذكر أنّ أباه حذره الحديث إلى الخدم أو ملاطفتهم.. وكان يطلب منه دوماً استعمال الأوامر معهم، وخطابهم باستعلاء.
قال في نفسه: سأكون مثل أبي، مسؤولاً كبيراً.. مملوءاً قوة وعزماً... يزرع الخوف في النفوس. فيتحدث الناس إليه بحذر.
وفجأة وبينما هو يتمشى مع تساؤلاته وأفكاره وتأملاته إذ أحس بيدين تغمضان عينيه، وشخص من خلفه يضغط عليهما بمحبة، وكأنه يسأله:
- احزر من أنا؟
عرف صاحب اليدين.. وصرخ:
- عمر ابن خالتي؟!.. أهلاً يا عمر، مفاجأة طيبة.. أين أنت؟ من زمان لم تزرنا!
- وأنت لماذا لا تزورنا أيضاً؟
ملأ الحديقة صخباً، ومن وراء القضبان والحواجز هيجا النمر الرابض، وتحديا الضبع، وتحرشا بالأفاعي، ولعبا التنس.. حتى إذا دخلا الدار كانت أم علي بانتظارهما سعيدة باستقبال ابن أختها، تقدم لهما الحلويات والشاي على الشرفة الأمامية الواسعة بين العصافير في الأقفاص النظيفة الكبيرة، وحيث ببغاء في الزاوية بين النباتات المنزلية المسترخية بهدوء.. ولما رآهما صاح بصوته العجوز:
- أهلاً.. أهلاً حسني.
ضحكا، واقتربا منه يداعبانه.. اهتز يمنة ويسرة، ثم قال:
- حسني
كل الناس يخافون أباه حسني.. إلا هذا الببغاء الذي يناديه باسمه مجرداً.. لا يخاف.. يناديه هكذا كما تناديه أمه.
قال عمر:
- لطيف هذا الببغاء!
- أجل إنني أحبه كثيراً.. وأحب هذه العصافير الملونة التي لا تكف عن الزقزقة والتنقل في أرجاء الأقفاص.
كان علي يتمتع دوماً برؤية عصافير الحب هو وأمه، يُعنيان بها.. ما أجمل الحب، إنها تذكر بأجمل كلمة في الدنيا، الحب الذي يعمر الكون كما تقول أمه... وتشرق من أجله الشمس والقمر، وتورق الأشجار.
وجلس الشابان الصغيران على الأريكة الأرجوحة يهزانها بهدوء، يتحدثان بشغف كل عن الأساتذة والمدرسة وشقاواتهما فيها مع الطلاب والمدرسين..
وفي غفلة من ربة المنزل خطرت لعمر فكرة جهنمية، فسأل ابن خالته:
- أتستطيع قيادة السيارات؟
- أجل.. ولماذا تسأل؟
قال عمر هامساً:
- ما رأيك يا علي أن نذهب بعد الانصراف غداً من المدرسة في نزهة بإحدى سيارات أبيك، بالسيارة المرسيدس الجديدة؟
فحملق فيه علي، وسأله:
- إلى أين؟
- لا يهم.. إلى أي مكان نتسلى فيه.
- والدراسة..!؟
- لن يعطلنا ذلك كثيراً.. سنعوض الدراسة بعد غد.
- ولكن أمي لا توافق.
- لا تقل ذلك لأمك.. خذ السيارة دون أن تخبرها.
وبعد أن فكر علي قليلاً قال بحماس:
- فكرة عظيمة.. وأنت تعرف أن أبي مسافر، ولن يعود قبل أسبوعين.
- هل تستطيع أن تأخذ السيارة؟
- نعم بكل تأكيد.. ولن يجرؤ أحد من الخدم على الوشاية بي حين يعود أبي.
وأعجب علي برأي عمر، نظر إليه نظرة إكبار، حسده على اندفاعه وحيويته، فهو فتى رياضي مفتول العضلات، قوي البنية، ماهر في كثير من الألعاب.. واثق من نفسه جداً.. واقتنع بما اقترحه عليه.
وعلى هذا قام عمر مستأذناً، فمضى ليسلم على خالته التي كانت مشغولة في المطبخ تشرف على الخدم.. فحياها، وقبلها، فحملته السلام إلى أمه.
وحين نظرت إليهما من النافذة المطلة على الحديقة وهما يتجهان نحو الباب الخارجي رأت ابنها علياً يمشي مشية أبيه تماماً، ويتحرك كحركاته، فعاودتها مخاوفها التي تحس بها كلما رأته كذلك، مخاوفها من أن يرث في المستقبل تصرفات أبيه، وأخطاءه، وفظاعاته. وعادت إلى مخيلتها ذكرى ذلك اليوم الذي كانت تحاول نسيانه فلا تفلح، لأن الصدمة التي نزلت بها كانت كبيرة فوق الاحتمال.. ولم تصدق أنها في حقيقة، لا في حلم.. وتساءلت: أمن المعقول أن تصل القلوب إلى هذه الدرجة من التحجر والصلابة؟.. لقد طعنت في قلبها الذي نزف دماً غزيراً، وخلّف ألماً عميقاً، لجرح لا يبرأ، فآلت حالها إلى ما آلت إليه اليوم.
ولا تستطيع بعدُ أن تتحدث عن مصيبتها، ولا أن تخبر أحداً؛ وإنما فُرض عليها الصمت. بل فرض عليها أن تتكلف الرضى والبشاشة والسعادة..
شيء من المراهقة
في صباح اليوم التالي استيقظت أم علي قبل موعد المدرسة لتجهز فطور ابنها كعادتها كل يوم.. ولتملأ البيت بهجة ومرحاً، ببسماتها ولطف حديثها مع من حولها. ثم جلست مع علي لتتناول معه الإفطار، ولتحدثه أحاديث المودة مما يدخل إلى نفسه الاطمئنان بشخصيتها الآسرة..
ثم تقوم بعدُ لتودعه إلى الباب، تقبله من بيه عينيه، توصيه بالحذر على نفسه، فيمضي عندئذ نشيطاً إلى مدرسته..
أما اليوم، فكان مشغولاً عن كل ذلك، لأنه يخطط لعملية التسلل والهروب.
ولما انصرف من المدرسة عند الظهيرة واتجه إلى الدار، أمر السائق أن ينحرف به إلى باب الدار الخلفي حيث مرآب السيارات.
نزل من السيارة وأمر السائق أن يخرج له السيارة المرسيدس فاستغرب هذا الطلب.
- إلى أين تريد الذهاب يا سيدي؟
- أريد أن أذهب وحدي.
- ولكن يا سيدي.
- افعل ما آمرك، هيا بسرعة.
ذعر السائق، وانصاع لما أمره الشاب.. وما أسرع ما انطلق علي باندفاع غير معقول.
وأحس الرجل بخوف يتملكه من كل قلبه. ماذا سيقول له سيده إذا نزل مكروه بهذا الولد الذي لم يجاوز السادسة عشرة. وإذا عرف أنه هو الذي مكنّه من القيادة.. أما كان الأجدر به أن يمتنع، وأن يبلغ أمه.. وهي التي تتصرف!؟.
سأل الله أن تأتي النتائج بخير.
أما علي فكان مزهواً، يحس في قرارة نفسه أنه حقق نصراً، فأدركته نشوة وفرح غامران. ولما لحق به عمر زادت نشوته، وزاد من سرعته.
- لماذا لا تقف على الإشارات الضوئية الحمراء.
- الإشارة لغيرنا.. الإشارات لنا كلها خضراء.. الطرق كلها لنا.. أنسيت أن أحداً لا يستطيع محاسبة أبي.. أبي لا يخاف من أحد، ويريد مني ألا أخاف من أحد أيضاً.
- صحيح... ولكن قل لي: ما الفيلم الذي سنشاهده؟
- لا أدري... الأفلام كلها قديمة
- وكلها سخيفة
- أتدري.. كان ممتعاً لو أحضرنا معنا ذلك الولد الأبله الذي يجلس في المقعد الأخير من الصف، لكنا تسلينا به وقطعنا الوقت معه بالسخرية منه.
- لن يجرؤ على الامتناع من الحضور معنا، ولو أن أباه مدير معروف، فلا قيمة له، إنه ممتع برغم بلاهته.
- إذن ما رأيك في الذهاب إلى حديقة المرابع.. البنات هناك كثيرات، نقطع الوقت معهن.. أفضل من تلك الأفلام.
- لا.. ما رأيك أن نتصل بهشام ابن وزير الشؤون السياسية، سنخرج في سباق بالسيارات..سنسبقه حتماً.
- فكرة مدهشة.
وفي أثناء ذلك صدما شاباً كان يركب دراجته، فكسراها، توقفا ليوبخاه لأنه اعترض طريقهما، فأسمعهما كلاماً قاسياً، فهمّا بضربه، لولا أن الشرطة تدخلت فأخذت الشاب إلى المخفر للتحقيق وإنزال العقوبة اللازمة.. وتركتهما.
تعرضا لحوادث عدة، أوشكا أن يؤذيا أطفالاً، تحرشا ببنت في الشارع، طلبا منها أن تركب معهما، تأبت عليهما، شتماها، فردت عليهما، فتواقحا، فهددتهما بالصراخ، فآثرا السلامة، وانطلقا في سرعة جنونية، وهما يشيران إليها إشارات بذيئة.
* * *
في المنزل كانت أم علي مشغولة البال، تساورها الوساوس لغياب ولدها، لا يقر لها قرار، عيونها على النوافذ المفضية إلى الباب الخارجي، تمني نفسها أن يطلع ولدها عليها فجأة..
أجرى له مكروه.. هل صدمته سيارة، أم خطفه ناس ينتقمون من أبيه، يريدون أن يفجعوه به.. تملكها عند ذلك خوف لا نهائي..
وراحت تتصل بمن تعرف من أصدقائه، فلم ترجع منهم بخبر.. وهمّت أن تخبر الشرطة ليقوموا بالبحث عنه، لكنها خشيت الفضائح أو اتساع المشكلة إلى أمر لا يحمد عقباه، فقررت التريث بضع دقائق..
وخطر لها أن تسأل الخدم كلهم، والسائقين والجنائني ومن يسكن في الدار، فارتاعت عندما علمت من سائقه أنه خرج وحده بالسيارة.. فكبرت عليها مخاوفها.. ولامت السائق لأنه كتم عنها..
وإذا ذاك كان علي يتسلل إلى البيت من باب الخدم، يحاول الوصول إلى غرفته دون المرور بأمه لعلها تكون مشغولة عنه، ويمضي الأمر بسلام..
كان قلبه يدق بعنف، إذ كانت تلك المرة الأولى التي يفعل فيها مثل تلك الفعلة... لكن أمه المستوفزة الأعصاب بصرت به، ورأى نظراتها فجأة مصوبة نحوه، فجمد في مكانه، وصل مسامعه سؤال واضح بنبرة عالية:
- أين كنت يا علي؟
تلجلج قليلاً، واضطرب وهو يقول بصوت خفيف:
- حصص.. نعم حصص إضافية.. ألم أخبرك بها، يا أمي؟ هاه.. صحيح لقد نسيت.
وطالع في وجه أمه غضباً جارفاً.. فاستخزى، وخجل من الكذب الذي تفوه به، وتكلمت نظراتها تقول له: أنت كذاب.. تضيع الوقت في اللهو والتفاهات.
جمدت أمه في مكانها، اعتراها قرف وانزعاج ظهرا عليها.. لم تقل شيئاً، فاستاء.. تمنى لو أنها صرخت بوجهه، شتمته، وبخته. ولكنها لم تفعل ذلك كله.. لو فعلت شيئاً من ذلك لكان أهون عليه من هذه النظرات الغاضبة الثاقبة التي كانت تشعره بالخزي الكبير تلقاء شخص يحبه، أزعجه كثيراً، فلم يدر ما يفعل. كيف يتخلص من نظراتها.. ثم انطلق إلى غرقته يلقى اللوم على كل من حوله وكل ما حوله.
وإذا استلقى على سريره يريد أن يرتاح وأن ينام فإن النوم جافاه. وقال في نفسه: ألا يحق لي أن أمرح قليلاً، هل الحياة كلها جدّ وتعب؟ وهل ينبغي أن أخبر كل الناس بما أريد أن أفعل!
وثارت في نفسه اعتراضات كثيرة كهذه، لكنه في الوقت نفسه كان يحس أن الذنب ذنبه، فربما لو أخبر أمه أنه يريد الذهاب ليرفه عن نفسه قليلاً لما كانت تمانع.
وحين غاب شخصه عن مرآها جلست على أقرب أريكة، تريح أعصابها قليلاً بعد ذلك القلق المتعب، لتفكر في هم جديد، أخذ ينمو في صدرها.. ذلك أنها كانت تخشى قدراً مخيفاً، تراه أحياناً محتماً... تفزع أن يكون مستقبل ولدها شبيهاً بواقع أبيه القائم على الانحراف.. وبدأت تؤمن أن الجهد الذي بذلته في تربية هذا الولد على الفضيلة والعلم والإيمان لن يثمر فيه أبداً، ما دام يرث في نفسه تلك البذرة الخطيرة. ولكن أملاً حلواً داعبها، دفع عنها اليأس، فالتجأت إلى الله تدعو له بالخير والفلاح، وتسأله أن يجنب ولدها طريق أبيه الفظيع.
من في المدرسة؟
في اليوم التالي وعندما خرج علي من البيت كانت السيارة تنتظره أمام باب الدار، والمرافق واقف بلباسه الرسمي ووجهه الجامد، فما أن أطل حتى فتح له باب السيارة الخلفي.. فلما ركب وأغلق عليه بابها، وركب هو بجانب السائق انطلقت إلى غايتها.
كان علي معتاداً على المرافقة الأمنيّة التي تصطحبه أينما يذهب، وتلحقه كظله.. وكان أحياناً يتضايق من تلك الصحبة المفروضة، ويلح على الرجال ليتركوه حين لا تكون ضرورة لوجودهم، إذ يريد أن يحيا حياته الطبيعية مع أصدقائه، فيفسدونها عليه، ويحرمونه منها، ويُحصون عليه حركاته الصغيرة والكبيرة، وإذ ينصاعون له أحياناً ليتركوه وحده تحت إصراره، فإنهم كانوا يخافون مطاوعته في كثير من الأحيان خشية عقاب أبيه.
كان علي يفكر بما جرى البارحة، ومع أنه يريد الهروب من المسؤوليات والحياة الجادة إلا أنه يحس بذنب يحاول إبعاده عن ذهنه.. كما يحس أن شيئاً ما ينقصه، يريد أن يستكمله، لم يدر ما هو على وجه الدقة.
وكان يشعر أن هذه المدرسة التي هو فيها كئيبة، فرضت عليه فرضاً، لم يكن فيها مرتاحاً مع أنّ أباه يردد دوماً على سمعه أنها أحسن مدرسة في المدينة، مناهجها الأوربية ولغتها الإنكليزية القوية التي تعتمدها في التدريس.
واستعرض في نفسه أفكاراً تسللت إليه خلال تفتح وعيه على الحياة، تجمعت لديه من خلال الكلام غير المسموح به في النشر والإعلان.. بأن أباه يحاول أن يعوض به عن تعبه الذي مرّ به خلال طفولته وشبابه.. حين قدم من القرية البعيدة، يكافح الفقر ويدافع العوز للحصول على شهادة، يصارع بها قسوة الحياة.. يريد له هو أن يصعد في سلم التعليم الراقي، ليكون شيئاً مهماً... في مستقبل أيامه.
وإذا دخل قاعة الدروس ووقعت عيناه على الطلاب شعر بضيق شديد؛ ذلك أنه لم يكن له فيهم صديق حميم يحدثه عن خلجات قلبه.. فهم جميعاً يحسبون له حساباً لمنصب أبيه في الدولة، يخافون منه، لأنهم لا يأمنون جانبه، وربما يرافقونه بدافع الطمع بمكسب ما، أو يتملقونه، ويُحسُّ الكذب في كلامهم على نحو غامض.
ولم يكن هو من طرفه يُحسن العلاقة مع أحد، لا يعرف كيف يتقرب من الناس. لم يكن يحب أحداً من قلبه، ولا يود زميلاً، وكثيراً ما يشعر بالوحدة في مدرسة التي تعج بالطلاب والمدرسين، وتساءل: ألا يمكن أن أنتقل إلى مدرسة أخرى، لا يعرفني فيها أحد، أعيش مثل سائر الناس؟!
وأمضى حصة الدراسة الأولى شارد اللب، لم يفهم كلمة واحدة، موزعاً ما بين أحداث البارحة، وسآمة الدرس وجفافه، وضيق الحاضر.. ولم ينقذه إلا رنين الحرب، فقام ليغسل وجهه، لعله يجد بعض نشاط زاد منه رغبته بالدرس التالي، درس العلوم.
كان مدرس العلوم الأستاذ حسن بشوش الوجه أبداً، بسيط المظهر، يمشي باعتدال وتواضع. لا يحس من معاملته تكلفاً كما كان المدرسون يتكلفون معه. وكان درسه شيقاً يتابعه الطلاب بشغف.. يتكلم بحيوية، ويرفع من عزيمة طلابه ويدفعهم للعمل دفعاً.
كان الموضوع اليوم عن بعض أنواع الأشعة، فجاء الأستاذ على ذكر اليورانيوم واليورانيوم المنضب، وتحدث عن أخطاره وأضراره على الناس والبيئة، وكيف لا يقتصر أذاه على المكان الذي يستقر فيه، بل تحمله الرياح إلى الأمكنة المجاورة كذلك.
قال المدرس: لقد عانينا كثيراً من التلوث الإشعاعي في بلدنا من جرّاء المطامع والانتهازيين، وأصحاب القلوب القاسية المجرمة والعقول الرعناء، الذين خربوا الجمال، وأساؤوا إلى الطبيعة وحملوا الإعاقة والموت إلى الناس كلهم.
فتح علي أذنيه وقلبه لهذا الكلام.. إنه كلام يشبه كلامه أمه التي تحذره أبداً من قسوة القلب. وشعر بمحبة نحو هذا المدرس في قلبه.. وبميل نحو مادة العلوم التي أخذت تسليه بعض الشيء.
وتذكر قلب أمه ذلك القلب الطيب الضعيف الذي لا يحتمل الجهد أو الألم أو القلق.. تأتيه نوبات حادة تطرح صاحبته في الفراش أياماً فتبقى متعبة منهكة تتصبب عرقاً.. ومع ذلك تحاول الصبر جهدها.. وتحاول أن تبتسم إليه لئلا يشعر بآلامها.
إنه منذ زمن طويل يعرف بمرض أمه. وعندما يسأل: لماذا هي ضعيفة هكذا، فإنه لا يرجع بإجابة.
وبينما كان يفكر، بكل ذلك.. كانت هي في المنزل تتألم، يدركها الإعياء الشديد، والخدم من حولها مضطربون، يحاولون إحضار الطبيب بأقصى سرعة ممكنة. ومع ذلك فإنّ ذاكرتها كانت لا تزال عالقة بذلك اليوم الذي جرى فيه الحادث.
يوم من الذاكرة
كانوا ينتظرون قدوم الرئيس ليبدأ جلسة جمعهم إليها، قالوا: إنها جلسة هامة. كان بينهم أسامة، أحد الأعضاء القدامى في مجلس القيادة، ومعه حسني الذي لم يصل إلى هذا المنصب إلا بواسطته وإرشاده. ومع أن الأول كان يجهد دوماً لإظهاره وترقيته، إلا أن الأخير كان حسوداً تأكل الغيرة قلبه من أسامة شقيق زوجته، مع ما يظهره هذا له من المحبة والتودد. وما طمع بالزواج من أخت أسامة إلا للوصول إلى السلطة التي يطمح إليها.
وأدرك حسني أن أسامة غير راض عما يجري في البلاد من تصرفات شاذة، وما يُسنّ فيها من قوانين تظلم الناس، وما يروج من محسوبيات تتجاوز الحد؛ فجعل يبدي استياءه بين أصحابه من الأعضاء الذين يريد منهم أن يتحركوا للإصلاح اللازم، فكان هذا مؤشراً على أن وجوده بين كبار المسؤولين أصحاب المصالح لن يطول، وأن مخالفته لأصحاب القرار النهائي بالأفكار والتوجهات ستقضي عليه في يوم ما، لن يكون بعيداً.
ظهر الرئيس في صدر قاعة الاجتماع برتبه العسكرية اللماعة، ونياشينه التي تملأ الصدر، فوقف له الجميع احتراماً، فأمرهم بالجلوس، فجلسوا صامتين مترقبين، لا يجرؤ أحداً أن يبدأ الكلام قبل أن يبدأ هو، وكانوا يشعرون أن أمراً خطيراً سيعلنه اليوم عليهم، لا كسائر الأيام.
كان الرئيس متجهم الوجه، ينظر في عيون الحاضرين بإمعان، بنظرات ذات مغزى، تحمل حدّة وتكبراً.. فخالطت القلوب مهابة غامضة. ولم يلبث بعدما تحدث عن أمور رتيبة كانت تجري في كل جلسة أن قال:
- أعلم أن بيننا خونة يخربون علينا خططنا.. يعترضون على القرارات التي نتخذها، يثيرون الشغب في صفوف المواطنين.. إنهم يتجرؤون على إرادة الشعب، لأن لهم تطلعات قذرة، لا يحبون أن تهدأ البلاد، ولا أن يستقر العباد، إنهم يلعبون بالنار.. والنار سوف تحرقهم، وتستأصلهم.. وقد قررنا أن نطهر صفوفنا منهم الآن.. ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه الخيانة.
سرت في القاعة همهمة لم يعرف مثلها من قبل، ولم يجرؤ أحد على الاعتراض أو الكلام أو الاستفهام، لأنّ أقل اعتراض أو اقتراح مخالف أو تساؤل سيؤدي بصاحبه إلى القتل الفوري. وتشنجت الأعصاب، وتحفزت العقول، وارتاعت القلوب، لكن سكوت الرئيس جعل الآخرين يسكتون.. حتى ساد القاعة صمت عميق.
ثم تلا الرئيس من ورقة أمامه قائمة الموت، بصفة أسماء، فأخذت وجوه تصفر، وأخرى تتجهم أو تختلج.. إذ حملت أسماء لأشخاص معروفين، غالبهم من المخلصين، وكانوا كلهم غائبين، إلا أسامة الأحمد عضو القيادة.
قال الرئيس:
- هؤلاء الخونة سيموتون، حكمنا عليهم بالإعدام حكماً مبرماً لا رجوع فيه.. وقد أمرنا بالقبض عليهم واعتقالهم. وليس بيننا سوى أسامة هذا الحقير الذي ظنّه أنه سيفلت من العقاب.. فمن الذي سيتقدم ليتشرف بتنفيذ حكم الشعب فيه؟
كان أسامة يجلس ممتقع اللون، مصفراً... بينما كان حسني يفكر في ذات نفسه: أيقوم ليقتل أسامة.. قريبه.. شقيق زوجته؟! إنها فرصة العمر.. فرصة ذهبية، لن تتكرر.
وتساءل سريعاً: ولكن كيف أقتله مع كل ما أسداه إلي من خير؟ فقالت له نفسه: وماذا يضيرك لو قتلته، إنه سيموت على أي حال بيدك أم بيد غيرك؛ فلماذا لا تبادر إلى هذه الفرصة، فتتقرب بها من الرئيس، ليعرف ولاءك التام له. فتساءل: ولكنني إن قتلته فكيف سأواجه نوّارة الطيبة أخته؟ فقالت نفسه: نوارة، لتفعل ما تشاء إن وراء قتل أسامة منصباً رفيعاً ولا شك، وطريقاً تمشي فيه على الذهب، فهل تضيعه بالتفكير الأبله. فقال: ولكن وراء قتله أيضاً وصمة عار.. فهل ألوث اسمي بها؟ إنني أحسده، وربما أحقد عليه، ولكن ليس لدرجة القتل على الملأ. فقالت له: وما يضر هذا بإزاء ما ستحصل عليه، وستعرف القيادة أنك عنصر مخلص، تستطيع أن تعتمد عليك في المهمات بتنفيذ كل طلباتها.
طال تردده كما طال تردد الجميع، وطال حيرته وحيرة الحاضرين، وكان المجلس مضطرباً، والرئيس يتصفح الوجوه ويقرأ تعابيرها المختلفة..
وخاف حسني أن يسبقه إلى أسامة أحد غيره، فطرح فجأة كل الأفكار القلقة المضطربة المتسائلة وراء ظهره، وصرّ على أسنانه.. ونسي كل شيء..
وبثبات واندفاع تقدم نحو أسامة الذي كان يبدو عليه الذهول لهول الصدمة التي تلقاها، وقد بهت لونه.. وما أن اقترب حسني منه حتى جحظت عيناه، ولم يصدق ما يرى، وقال له بصوت كالحشرجة:
- أأنت؟ أأنت يا حسني تفعل هذا؟
تأثر حسني لكلمات أسامة، فاختلج جسمه، وارتعشت يداه التي تحمل المسدس.. أحجم قليلاً. مر في ذهنه شريط سريع لذكرياته الطويلة معه.. أحس كأن أعصابه بدأت تخونه، وأن شجاعته أخذت تتبدد.. بل شعر كأنما سيسقط على الأرض.
وبادره تفكير من طرف آخر:
- ماذا سيقول المسؤول الكبير عني؟ ماذا سيقول أعضاء المجلس بعدما قمت لأنفذ الحكم. ربما سينعكس الموقف علي.. وأخسر كل شيء... وسأكون أضحوكة، وسخرية في الأفواه.. ليتني لم أتقدم.
وبدا له أن يتراجع، همّ ليفعل، بل رجع قليلاً.. ثم عاد فصم وهو يقول:
- لا مفر.. وإلا حكمت على نفسي بالإعدام.
ثبت يده المرتجفة وهو يشهر المسدس في صدر أسامة.. وبسرعة أطلق عليه رصاصة سال لها دم الرجل غزيراً، متدفقاً، وسقط على الأرض جثة.. وصرخ في القاعة:
- قتلتني يا حسني.. قتلتني يا خائن!
ما بعد أسامة
دخل حسني منزله بوجه أحمر منتفخ، وعينين قلقتين حائرتين معكرتين يكاد الدم ينفر من عروقهما، وإن كانتا لم تتعودا أبداً إلا على الجمود.
وحين طالعت نوّارة وجهه أدركت أن أمراً ما قد حصل.. لكن هيئته أرعبتها، فلم تجرؤ على طرح أسئلة ترددت في صدرها.. فخافت خوفاً حقيقياً..
وفزع حسني عندما رن جرس الهاتف، تفوه بكلمات غريبة لم تفهمها، فازدادت مخاوفها، وما درت أتخاف منه أم تخاف عليه؟..
ردت على الهاتف.. ثم دفعت إليه السماعة وهي تتفحصه بنظرات مستريبة، تود لو تعرف ما بداخله.
أخذها بيد مرتعشة، فلما سمع الصوت من الطرف الآخر هبّ واقفاً، كأنما يؤدي تحية لرئيس حاضر أمامه..
- نعم يا سيدي، شكراً لاهتمامكم بي.. سأكون دوماً عند حسن ظنكم.. مع السلامة.
أعاد سماعة الهاتف، ثم تهاوى على الأريكة التي كان يجلس عليها، ونوارة ترمقه وهو يتصبب بعرقه، ويرتعش باضطرابه.. وإذ التقت نظراتهما، أسرع فتجاهلها وهو يمسح عرقه، فقد كانت عيناها سوطين حادين تضربانه بقسوة.
وتجرأت أخيراً، فسألته:
- من هذا؟
فاجأه سؤالها، اضطرب أكثر كمتهم ألجأه القاضي إلى الاعتراف بدليل يقود إلى ذنبه، قال متلعثماً:
- هاه... نعم.. إنه.. إنه أحد المسؤولين المهمين.
- وماذا يريد منك؟
- قال، قال: إنه معجب بشجاعتي، وقوتي، وهنأني على المنصب الجديد.
وتساءلت باهتمام:
- أي منصب جديد!..لم تحدثني عنه.. وما علاقة المنصب بالشجاعة؟!
- هاه.. صحيح، لابدَّ أنني متعب، أجل إنني أحتاج إلى الراحة وقام يمضي إلى غرفة نومه.
كان المنظر الأخير لجثة أسامة التي تهاوت أمام ناظريه ما يزال مطبوعاً على عدسة عينيه.. وكان الدم الذي سال من صدره يتهمه بعنف، يتمثل له رجلاً ينظر إليه بقرف واحتقار.. لم يكن يظن أنه سيقدم على عمل بشع.. قام مع هرج الحاضرين في القاعة، فلما أطلق رصاصاته أسكت كل همس.. فصحا في نفسه صوت لم يسمع مثله طوال عمره، أقلقه ذلك الصوت، وبقي اضطراب في نفسه مشحوناً بالقلق يعتريه، لم يكن يظن أن ألماً حاداً يأكل قلبه لم يستطع أن يسكنّه ولم يستطع كذلك أن يمحو صورة أسامة التي ملأت عليه جوانحه كلها. وأيقن أن تلك الصورة الخيرة لن تمحي من ذهنه، وأنها ستبقى فيه إلى الأبد.
ولأمر ما خرج من غرفته، لم يستطع البقاء، لم يقدر أن يخلو بنفسه كان السكون وحشاً مفترساً يريد أن يمزقه.. وجد نواره بجانب الباب الخارجي كأنها تتحدث مع أحد، لم يعرف من الشخص الذي يحادثها، وعندما التفتت إليه، لم يجد في محياها ذلك الوجد الذي يعرفه منها، لم تكن ضحوكاً ولا مستبشرة كما اعتادها... كانت كالوردة الذابلة في أواخر الصيف.
ولما رأته تساقطت دموعها من عينها، ثم جلست تنتحب صامتة بألم طافح. جلس بجوارها كمن يريد أن يواسيها.. يريد أن يعرف ما بها.. كان في قلبه شك؛ أعرفت يا ترى؟! ومن الذي سيقول لها.. وفجأة رفعت رأسها إليه، وقالت وهي تنظر إليه باحتقار:
- قتلت أسامة؟!
نزل كلامها عليه كالصاعقة، سكت، نظر إليها. ارتاح قليلاً لأنّ سرّه خرج من صدره، وذكر أنه لو لم يقتله هو لقتله غيره من الرجال المجتمعين مع الرئيس.. فتشجع وقال:
- ما كان ذلك بيدي أبداً يا نوارة. أنا آسف، آسف جداً.. لم أقتله.. أقسم لك لم أقتله، وإنما قتله الآخرون بيدي.. لو لم أفعل لكانوا قتلوني.
وصرخت بوجه الذئب المفترس:
- ولكنك تكرهه.. تحقد عليه.. وقد فعل كل ما يستطيع فعله من إحسان إليك، أما كان من الخير لك أن تدع غيرك يقتله!؟ ولو قتلوك.
جفّ حلقه، وشعر بقطرات العرق تتصبب من ظهره، ولم يدر ماذا يقول.
وفجأة قامت تهرول بهياج، ودخلت غرفتها لتغلق الباب عليها، بعد أن كبرت عليها الفاجعة بأخيها، وفقدت إخلاص الزوج الذي كانت ترجو منه الخير، فضجت إلى الله في بكائها الذي أطلقت له العنان.
وبدأ شيء في صدرها يخزها. شعرت بألم يزداد، وضعت يدها على قلبها، ثم اشتد الألم فلم تستطع أن تحبس آهاتها، فأطلقتها خافتة أول الأمر، ثم اشتدت حتى صارت الآهات صرخات ترددها أرجاء الغرفة، وشعرت بالحمى تداخلها، والبرد يغلف جسدها، وأخذت أعصابها تتمزق.
اجتمعوا حولها، أسعفوها بالحقن والمسكنات، فهدأت قليلاً، ثم استقر وضعها على الوهن والذهول والحمى أياماً، لم يفد فيها العلاج بسرعة.. وقضت ساعات من المرض يئس معه أهلها..
ثم بعد مدة أخذت أحوالها بالتحسن البطيء الذي أنحل عودها وأشحب لونها، وقامت من الفراش على تلك الحال واهنة لا تقوى على احتمال التعب.
وبقي مع حالتها الجديدة سؤال يتردد في عقلها، لا تجد الإجابة عنه:
- معقول؟! كيف أطاعته قواه فيقدم على جريمة ليست كسائر الجرائم.. لا أصدق أبداً.. بل لا أريد أن أصدّق.
وتساءلت: كيف يمكن أن تدوم حياتي في هذه الدار مع رجل بهذه الأخلاق، وطفلنا ما يزال في السنة الأولى من عمره، وهي إن كانت ستتحمل ما سيأتي في الأيام القادمة.. فلن يكون إلا من أجل علي الصغير.. ولتعمل ما تستطيع كي يكبر ليداوي الطعنة التي وجهها أبوه إليها مثلما وجهها إلى أخيها.
لكنها إن كانت ستختار البقاء في هذا البيت فلا ينبغي عليها أن تحوله إلى مقبرة أحزان.. بل يجب أن تبقى كما عهدها الجميع مشرقة الوجه باسمة الثغر، تقوم بواجباتها تجاه حسني، بل ربما تحاول أن تصفح عنه، لأنها تريد أن تكمل حياتها لئلا ينهدم هذا البيت، تريد لأصحابه أن يعيشوا برغم الظروف الصعبة.. وليكن ذلك على حساب سعادتها.
ذكرت نوارة ذلك كله بعد أن مضى عليه أكثر من خمسة عشر عاماً، وكانت الآلام تعاودها كل حين، تنسى ثم تعود فتذكر، ثم تنسى.. وهكذا.
أنذهب إلى المشفى؟
ذكرت نوارة كل ذلك عندما حضر الطبيب اليوم.. فاستقبلته أمينة رئيسة الخدم، وصحبته إلى السيدة نوارة في الطابق العلوي حين كان علي يدخل الدار.. وخفق قلب الشاب الصغير، وسأل أمينة بلهفة:
- أحصل لأمي مكروه؟
- لا تخف يا بني.. أمر بسيط إن شاء الله
وقف غير بعيد من الطبيب الذي بدا عليه الاهتمام وهو يفحصها بهدوء. حتى إذا خرج بدت نظراته غير مطمئنة، وقال للخادمة:
- ربما يحسن نقلها إلى المشفى الآن.
- المشفى؟! وأي مشفى؟
- المشفى المركزي التخصصي، القريب من هنا.
ووجد علي نفسه يتقدم من الطبيب ليقول له:
- ولماذا لا تكون في مشفى خاص.
قال ذلك لما سمعه من أفواه الناس عن الإهمال الذي تغرق فيه المشافي الحكومية، وعن التسيب والفساد.. حتى كانوا يسمون المشافي مسالخ.. وأدرك الطبيب ما يقصد إليه الشاب، فأجابه بثقة:
- ربما تكون العناية في المشافي الخاصة أكبر يا بني، لكننا لن نجد فيها التجهيزات الكافية.. ثم إن أمك لن تكون في وضع عادي كالآخرين، ستلقى العناية الجيدة الكافية في قسم خاص، نظراً لمكانة أبيك وخدماته في البلد.
أحس علي بانقباض في قلبه، شعر بأن مكروهاً سيحدث.. وهرع فدخل على أمه ليطمئن عنها..
تبسمت عندما وقعت عيناها عليه.. لقد كبر ذلك الطفل الذي بقيت في المنزل لأجله.. لتراه كما يبدو الآن.
وبدت واهنة لا تقدر على الحركة، حاول أن يخفف عنها، فأخذ يحادثها ويشد من عزيمتها..
وفي اليوم التالي ومنذ الصباح الباكر حضرت سيارة المستشفى لتحمل المريضة، وأصر علي على الذهاب معها.. لم يكن يتصور أنه سيكون في مثل هذا الموقف الذي يدفعه لتحمل المسؤولية في غياب أبيه.. وتساءل أترجع أمه سالمة يا ترى بعد أن يدب في جسدها الشفاء والعافية، أم تطول غيبتها في المشفى؟ وأحس بالحب يملأ قلبه تجاه هذه المسكينة التي عرف كم بذلت من أجله.
كانت أمه صديقته التي تفهمه جيداً، ويفهمها.. كان يحادثها وهو مطمئن تماماً، فتصغي إليه، وتشجعه.. ولئن أصابها اليوم مكروه فلن يدري ماذا سيحل به.
وما أن وصلوا إلى المشفى حتى أسرع الأطباء والممرضات، كانت الأمور مرتبة على أحسن وجه.. أخذوها، أدخلوها في الجناح المخصص لها.. وبدا أنهم استعدوا لذلك.
وعند أبواب معينة أشاروا إليه أن يقف، إذ لا ينبغي لأحد بعد هذا الباب أن يتقدم سوى المسموح لهم.. أشار إلى أمه فتبسمت له، وراقب وجهها وهو يتوارى عنه.. ووقف ذاهلاً ساكناً لا يدري ماذا يفعل، ولا إلى أين يذهب، وماذا يقول؟! ودعا الله في قلبه أن يشفي أمه.. أن يبقيها له.. وشعر بشعور طفل أضاعه أهله في سوق مزدحمة، لا يدري عنه شيئاً، فأحس برغبة عارمة في البكاء..
غامت الدنيا في عينيه لحظات، من وراء دموع بقيت تترقرق في محجريه، فاستند إلى جدار الدهليز الطويل، ثم أفاق قليلاً، اختلطت عليه الصور، رأى من حوله وجوهاً كثيرة طرق مخيلته وجه تذكر أنه يعرفه.. يعرفه تماماً، من يكون؟
آه، إنه وجه الأستاذ حسن، فما جاء به إلى هنا؟!
أهكذا نولد أم هكذا نـموت؟
ذهب عنه ذهوله قليلاً، صحا على صوت أستاذه الذي يحبه، وقد رآه وجهاً لوجه، فقال له مستغرباً:
- علي؟!
- أستاذ حسن..؟
- علي!. ماذا تفعل هنا؟
وجمدت أساريره وهو يقول:
- أمي.. هناك في الداخل، أصيب بنوبة قلبية
- وما السبب؟!
- لست أدري، منذ زمن طويل وهي تعاني ضعفاً في القلب.
- كيف حالها الآن؟
- لا أدري بعد.. أنتظر الطبيب الذي استقبلها ليخرج.
واستدرك حسن، فقال بهدوء:
- أرجو أن يعافيها الله.
وشعر علي كأنما أستاذه مشغول، فقال له:
- لعلك مشغول!؟
- لا، لا تقلق، ليس لدي ما يشغلني الآن، هل تحب أن نجلس معاً؟
وفجأة خرج الطبيب.. فتلقاه علي بلهفة، وسأل:
- كيف حالها الآن؟
- لعلها أحسن حالاً، إنها شديدة الإجهاد.
- هل أستطيع الدخول عليها؟
- لا مانع، ولكن يجب ألا تطيل البقاء عندها.
وتدخل حسن فسأل الطبيب:
- وهل ستبقى مريضتنا هنا طويلاً؟
قال الطبيب:
- أراك مهتماً بشكل شخصي يا سيد حسن بهذا الموضوع..
على كل حال لا تقلق، فلن يمضي أكثر من يومين، تخرج بعدها وقد استعادت صحتها.
وتابع يقول مخاطباً الأستاذ حسن.
- ستأتيك الآن إلى المخبر عيّنات أرجو أن تنجزها بأقصى سرعة، ولعلها وصلت لتوها.
وسأل علي:
- أتعمل هنا يا أستاذ؟
- نعم
- والمدرسة؟!
- بعد انتهاء عملي في التدريس آتي إلى هنا لأشتغل بقية يومي وفي أوقات فراغي أيضاً، حين لا يكون عندي تدريس.. على كل حال أمك تنتظرك، اذهب لتطمئن عنها.
دخل فوجدها نائمة على أثر حقنة مهدئة فيما يبدو، فجلس في زاوية بجانب شباك ينظر إلى لاشيء، لم يدر كم مضى عليه من الوقت وهو كذلك يسرح في خيالاته وعواطفه ومخاوفه.. حين سمع صوت أمينة تقول له:
- إلى متى ستظل هكذا... قم واذهب إلى دروسك يا بني
لم يجبها، وكأنه لم يسمع، فتابعت تقول:
- قم يا علي.. أمك في عهدتي، لا تخف، لن تسر إذا رأتك جالساً هكذا.. هيا لقد مل الكرسي منك ارحمه يا أخي.
كان لأمينة في نفسه ونفس أمه احترام كبير، حتى أبوه فقد كان يعاملها بشيء من لطف متميز عن الخدم.. ولم تغب يوماً واحداً عن البيت، وكأنها أحد أفراده.
خرج بصمت، مشى يتجول في ردهات المشفى على غير هدى، وفي أقسام الأمراض المختلفة.. قرأ لافتات تشير إلى الاختصاصات الهضمية والعظمية والبولية والأشعة.. قادته قدماه إلى قسم الولادات الذي جذب انتباهه، تخيل الأولاد مستقلين في أسرتهم الصغيرة أو في الحاضنات، تشرف الممرضات على الاهتمام بهم.
حث الخطا ليمتع بصره برؤية الصغار.. كانوا في ذهنه مخلوقات جميلة كالملائكة، مملوءة بالحياة تميل إليهم القلوب.. كان يتمنى أن يكون له أخ صغير يعنى به.. ولكنه وحيد لا أخ، ولا أخت كم سعداء أولئك الذين يعرفون الأخوة.. كانت الأسرة فارغة إلا سريراً واحداً رأى فيه طفلاً غريب الشكل.. ما عرف هيئته تماماً.. وقف يتأمله بدهشة حينما جاءت ممرضة تسأله بعبارة جافة:
- ماذا تريد أيها الشاب؟ هل من خدمة أؤديها لك؟
- كلا.. لا شيء.. ولكن!
- ولكن ماذا؟
- ولكن ما هذا الذي في السرير؟
- ويهمك شأنه؟!
- إذا أردت..
رأت إصراره.. خافت، لعله ذو شأن.. فقالت:
- إنه طفل مشوه.
- مشوه؟!
- نعم مشوه
- لماذا؟
- بسبب أشعة اليورانيوم..
- معقول؟
وتجمت الممرضة، وعلت وجهها صفرة وكآبة، وقالت:
- وأكثر من ذلك أتريد أن ترى طفلاً مسطح الوجه لا تدري أين أنفه ولا أين أذناه.. ولا تعرف موقع عينيه.. مواليد من غير أطراف، أو من غير أعناق، وآخرون بلا أصابع؟! تلك مناظر مروعة تجدها هنا أيها الشاب.. مناظر محزنة للغاية، لا أدري كيف أصورها.. وأنت تستقبل أرواحاً بشرية ليست تشبه البشر كأنها مواليد من كواكب أخرى.. أو كأنها أمساخ بشرية... ستشعر بكراهية شديدة لمن كان السبب.. وتزداد الكراهية في قلبك يوماً بعد يوم؛ لأنك تحس بمقدار الجريمة التي نزلت بنا في هذا البلد.
وتقبض قلب علي للهجة الممرضة المتألمة الساخرة.. فلما غابت عنه زاغت عيناه، ونظر في المكان الموحش، فسارع ليخرج من حيث قادته قدماه نحو القسم الذي فيه أمه..
ودهشت أمينة لما رأته، فقالت له:
- أما زلت هنا؟ ألم تذهب إلى البيت، لقد حان وقت الغداء هيا، اذهب.
- لا ليس الآن، سآتيك بعد قليل.
- لقد حضر السائق وهو بانتظارك
في أثناء ذلك حضر الأستاذ حسن ليطمئنه على التحاليل الأولية.. إنّ حالة أمه تحسنت، زال الخطر..
وإذا استفاقت قليلاً.. فقد نظر إليها تبتسم له بهدوء. قالت:
- اذهب يا علي إلى البيت، يجب أن تهتم بدروسك وبنفسك.. قل للطباخ يعدّ لك الطعام.
الوداع يا أمي
كان علي متلهفاً في اليوم التالي ليخبر أستاذه عن كل الذي رآه في قسم الولادات، وليخبره عن الهلع الذي أصابه.. وكان يريد أن يسأله عن أشياء كثيرة أخرى حول مخاطر اليورانيوم..
لم يستطع علي أن ينفرد بالأستاذ الذي بدا عليه أنه متعب مشغول، فظل قلقاً بقية نهاره وطوال ليله حتى التقاه، وبعد ظهر اليوم التالي عاد مباشرة من المدرسة إلى المستشفى ليطمئن على أمه التي ظهرت له مرتاحة.. فمضى حتى رأى حسناً في المخبر.
دخل عليه، كان منكباً على جهاز (الميكروسكوب).. ولما فرغ والتقت عيناهما، رحب به.
ومن غير مقدمات ولا تمهيد أخذ علي يحدثه عن الطفل الوليد المشوه الذي يقزز النفس، وعما تحدثت به الممرضة..
لم يفاجأ الأستاذ بالطبع، واستمع إلى حديث الفتى حتى النهاية، فلما فرغ من كل ما معه خيّم على الاثنين سكوت عميق جداً، وهز الأستاذ رأسه بأسىً، وقال له:
- الأمر فوق ما تتصور يا علي.. الجريمة أكبر من ذلك بكثير. لقد رأيت شيئاً.. وهناك أشياء خطيرة لم ترها.
وخرجا في جولة عبر المستشفى رأى فيها أحزان الناس وآلامهم، شاهد نساء يتقلبن في أسرتهن من شدة الألم، ورجالاً أصيبوا بسرطانات الجلد في وجوههم فشوهتها، وآخرين بدا عليهم الإرهاق والإعياء فلم يقدروا على الحركة.
كانت وجوه المرضى بائسة مصفرة، خلت من علائم الأمل، وكانت عيونهم زائفة تفكر في صمت حزين.. توقن بالموت المحتم، تنتظره غداً أو بعد غدّ.
أحس كأنه في محطة الموت، والناس من حوله ينتظرون القطارات ذات المواعيد القريبة والبعيدة، لتأخذهم فريقاً بعد فريق.
وهمس حسن في أذنه:
- مصائب الناس كثيرة يا علي، وأحزانهم كبيرة.. هم فقراء متعبون، أتعبتهم هموم الحياة في البحث عن لقمة العيش.. لم يذوقوا الراحة بعد الحروب وبعد الحرمان الذي طال إلى أمد غير معقول. أتعبهم الحصار الاقتصادي والكبت والخوف والترقب.. وافتراءات الرجال المريبين الذين يقدمون تقارير مؤذية.. حطم كل ذلك نفوسهم وبدد آمالهم..
كانت أقسام كثيرة في المستشفى لا تبعث على الراحة، ولا الاطمئنان، رأى في بعض الغرف بقية مهملات ملقاة في الزوايا، أعقاب سكائر ومناديل ورقية، وأكياساً فارغة قذرة من البلاستيك، ولم تكن الأرض نظيفة، ولا الأسرة مريحة ولا الشراشف والأغطية نظيفة، وكانت روائح غير طيبة تفوح في الجو ولم تكن الممرضات مرتاحات ولا بشوشات الوجوه.. كان البؤس والفقر يبدو على وجوههن.. ظن نفسه في مشفى آخر غير المشفى الذي فيه أمه.. وتساءل: ألأن هؤلاء فقراء يوضعون هكذا مهملين؟!
ولم يملك دمعتين سالتا على خديه حارقتين، لاهبتين، تحملان الكره لكل من كان وراء الذي أوصل الناس لهذه الحال، سارع فمسحهما.. وسار مع أستاذه صامتاً.. أخرجه الأستاذ من الصمت، فسأله:
- لقد أخذنا الحديثُ بعيداً.. كيف حال أمك؟
- أظنها في تحسّن.
- وماذا قال الطبيب؟
- قال: لا حاجة لبقائها في المشفى، وستخرج اليوم. لكنه قال: ربما ستعود إليها تلك الحالة المزعجة فجأة.. ويجب الانتباه، واستدعاء الطبيب عند اللزوم.
- هيا إذن، اذهب إليها، لا تضيع الوقت. وسأذهب أنا لأجهز لك أوراق الخروج.
ولما افترقا أحس كل منهما أن الأقدار جمعتهما على غير موعد ليعملا معاً عملاً ما، لم يكن كل منهما يدري ما سيكون، ولكن سراً غامضاً أحس به كل منهما يملأ قلبه نحو الآخر.
وفي الوقت الذي دخل فيه علي غرفة أمه في المشفى وجدها نشيطة منشرحة، بارحها المرض والألم.. ساعدتها أمينة على ارتداء ملابسها وهيأت أغراضها، واستعدت للخروج.
ارتسم البشر على وجوه الجميع، وبدت نظرات التفاؤل والأمل في العيون، وخصوصاً في عيني علي الذي ابتهج بعودة أمه.. أحس بالحب نحوها ونحو خالته ليلى التي جاءت لتصطحب أختها هي وزوجها مراد. كانا زوجين طيبين سعيدين، يحبان الناس.. ويحبهما الناس.
- كيف أنت يا خالة؟ كيف حالك يا عم مراد؟
تبسما له، وقالا:
- بخير..
وسألته خالته مداعبة:
- وهل تعتني بأمك يا علي؟
فأجابت أمه قبله:
- وهل تظنين أنه يقصر!؟ لا تعرفين يا ليلى كم هو حنون رقيق.
وقالت ليلى:
- لا تعرف كم يحبك عمر يا علي.. ما يزال يحدثني كلما رجع من المدرسة عن شقاوتكما مع المدرسين والتلاميذ.
وضحك العم مراد.. وقال:
- حدثي يا ليلى ولا حرج.. الله يهدي الشباب..
وقطع مجيء السائق حديثهم، وقال لهم:
- السيد حسني ينتظركم عند باب المشفى
دهش الجميع، وسأل علي:
- أجاء أبي من السفر؟
- نعم..
وجرى يسبق الجميع ليصل إلى أبيه مسرعاً.. فعنده كلام كثير يريد أن يبوح به إليه..
كان حسني يقف عند مدخل المشفى بكتفيه العريضتين وعينيه القلقتين القاسيتي النظرات.. ووجهه المقطب المتجهم على الدوام.. وكان يقف بعيداً من رجلان بثياب سود ووجهين متجهمين جامدين، يراقبان المكان، تدور عيونهما في كل الرؤيا البعيدة والقريبة.
واجتاحته سعادة مفاجئة.. وهو يرى ابنه يسرع نحوه يناديه.. شعر نحوه بالحب، فهو يشبهه في مظهره كثيراً، ويتمنى لو يصبح مثله عندما يكبر صاحب منصب مهم في الدولة. يهابه القريب والبعيد.. إنه يعمل ما بوسعه ليضمن له مستقبلاً سعيداً.
- الحمد لله على السلامة يا أبي.. إنها لمفاجأة طيبة أن تأتي قبل موعدك.
- كيف حال أمك؟
- بخير.. هي أحسن بكثير. لقد أمضت يومين بوضع سيء جداً.
وإذا أقبلت نوارة تمشي على مهل سارع حسيني إليها يقول:
- الحمد على السلامة..
وسلم على الجميع وتبادلوا كلمات المجاملة التي لم تخرج من قلوب صافية.. وخصوصاً قلب ليلى التي كانت ترى في وجه حسني وجه ذئب شرس، أو ضبع كاسرة.
لم يقفوا طويلاً.. كانت الحاجة إلى أن يتفرقوا في نفوس الجميع.. وودع أفراد كل من الأسرتين أفراد الأسرة الأخرى ومضى كل منهما لشأنه.
وحدّث علي أباه في الطريق بأسلوب مؤثر عن مشاهداته في المشفى وعن آلام الناس، عن كل شيء مثير، لكن أباه لم يتحرك.. كان يستمع فقط بأذن معرضة، حتى خفت حماسة الشاب، فسكت على مضض.
وعندما هبط الليل وتعشوا شعر الجميع أنهم بحاجة إلى الراحة بعدما اطمأنوا على صحة نوارة، واستمعوا إلى حديث رب الأسرة عن سفره، فمضى كل إلى سريره..
وفي هدأة الليل البهيم نهض علي من نومه منزعجاً.. كأنما أحس بكابوس هبط عليه في غرفته ثقيلاً كان يشاهد أحلاماً مزعجة.. جلس مرعوباً.. غادر فراشه ومضى إلى المطبخ ليشرب كأس ماء يُذهب جفاف حلقة المفاجئ..
وإذ مر بغرفة أبويه سمع صوتاً مكتوماً.. اقترب أكثر.. أنصت من وراء الباب، ألصق أذنه به، انتصب شعر جسمه، أحس بقشعريرة، كان أبوه ينادي أمه باسمها يكرره هلعاً خائفاً قلقاً..
- نواره.. نواره.. ما الذي جرى لك؟!
وارتفع صوته أكثر حتى ملأ المكان، فلم يملك الشاب نفسه من أن فتح الباب، ودخل عليها، كان والده يهز أمه بشيء من عنف.. وهي بين يديه فاقدة الوعي. ثم قام مرتبكاً يسرع نحو الهاتف ليستدعي الطبيب.
ودبت في الدار حركة غير عاديّة أشبه باستنفارات الثكنات العسكرية عند الخطر.. أو عند الغارات المفاجئة.
وما أسرع ما جاء الطبيب...
كانت الأنفاس مبهورة.. منقطعة..
رجت القلوب تجاوز المحنة
دارت فيها هواجس شتى..
تعلقت الآمال بالطبيب، حدقت العيون بوجهه تقرأ انفعالاته تنتظر منه كلاماً مطمئناً، ليقول إنها أزمة عارضة سوف تتجاوزها المريضة المسكينة..
لكنه سرعان ما رفع يده عن جثة هامدة..
وأعلن أسفه بكلمة عزاء مفجعة، ذلك أنه لم يستطع دفع الموت عن المسكينة.