eKtab
EN ع
لمحات اجتماعية
اقرأ عينة مجانية

لمحات اجتماعية

بقلم مي شبر

صفحة 1
تمهيد
 
منذ كنت في مرحلة الدراسة الثانوية وأنا أرصد الظواهر الاجتماعية، إيجابية كانت أم سلبية وأكتب عنها خواطر قد تنتمي لفئة المقالات ومن ثم أجمعها في دفتري الصغير الذي ما لبث أن أصبح كبيراً وبعد حين صار دفاتر عديدة· تعزز هذا الهاجس أكثر بعد أن دخلت الجامعة لأدرس علم الاجتماع وإحدى مواده (علم النفس الاجتماعي) مما أتاح لي إمكانية دراسة وتحليل بعض ما يهمني من تلك الظواهر وكان للدكتور العلامة الأستاذ على الوردي (رحمه الله) الذي تتلمذت بفخر على يديه، الدور الكبير في تعمقي بملاحظة ودراسة الظواهر الاجتماعية لاسيما السلبية منها· كذلك كان لعملي سنوات طويلة في مجال التربية والتعليم الأثر الكبير في التعرف عن قرب على طبائع البشر حيث التعامل اليومي مع أكثر من شريحة عمرية واجتماعية وثقافية واقتصادية، ولم يفتني إضافة ما سجلته من ملاحظات لظواهر اجتماعية في بلدان مختلفة من أستراليا شرقا وحتى كندا غرباً مروراً بأوربا وشمال أفريقيا·· وقد نشرت بعضها في جريدة (الغد وجريدة الرأي) الأردنيتان ولاقت صدى طيباً لدى القراء مما شجعني على جمعها في كتاب تحت عنوان (لمحات اجتماعية)·
 
عشمي عزيزي القارئ أن تجد فيها الفائدة والمتعة حيث هي لسان حالك وحال الكثيرين·
صفحة 2
كلمة
 
تحت عنوان (كلمة······) في عام 1996 كتب الراحل الكبير محمود الكايد الصفحة الأولى من كتاب (من دفتر الذكريات) الجزء الثاني من كتاب (أوراق معلمة) ما يلي: لم تكن الرأي على معرفة سابقة بالكاتبة ولم يكن هناك وسطاء بين الكاتبة ومحرري الثقافة بالرأي ومع ذلك استطاعت أن تفرض أوراقها على صفحات الرأي لأنها لاقت اهتماماَ وإقبالاً من القراء····الخ
 
كانت كلمته تلك شهادة أفخر وأعتز بها، ثم منحني شرف كبير حين جمع (أوراق معلمة) الجزء الثاني بعنوان من دفتر الذكريات ضمن سلسلة مكتبة الرأي العدد(15) وكنت حينها السيدة الوحيدة التي حظيت بهذا الشرف ضمن السلسلة التي نشرت لكبار الكتاب في الرأي، وقد خصني قبل ذاك بزاوية أسبوعية استمرت وبانتظام أكثر من عشر سنوات 1993 - 2003·
 
لم أكن أعلم في حينه ولم أسأل الى هذا اليوم عن تخصصه في الدراسة لكني أيقنت أنه كان تربوياَ من الطراز الأول إذ كيف يدعم ويشجع كاتبة صغيرة جاءت عمان غريبة لا تعرف أحداَ في مجال الصحافة وتكتب في التربية والتعليم وهو المثقف والإعلامي والسياسي المحنك؟ علمت يومها وبقناعة أن لا تخصص في الثقافة فالمثقف هو الذي يعرف شيئاَ من كل شيْ كما يعرف كل شيء عن شيء وهكذا كان····· المسؤول الذي يشجع من يجد فيه الموهبة والقدرة على إيصال كلمته بأسلوب سلس وعبارات موجزة رشيقة كما ذكر في التقديم ويقدّر الكلمة الصادقة النابعة من تجربة الحياة الثرية في أي تخصص كان ومن أي بلد كان، فإن دلّ ذلك على شيء فإنما يدل على انه استحق وبامتياز منصب وزير الثقافة بعد حين·
 
لست أنا من يعطيه حقه فقد كتب عنه الكثيرون وسيكتبون وجلهم أفضل مني ولكن القليلين من بينهم من عرف الجانب التربوي من ثقافته·
 
ففي فقرة اخرى من تقديمه لكتابي كتب يقول:
 
لا أظن أن هناك ما هو أهم من التربية والتعليم للإنسان، فالتربية والتعليم هما العدوان الأساسيان للأمية والجهل والفقر المعرفي وبدونهما لا يمكن أن تستقيم الحياة وتتقدم المجتمعات ······الخ
 
وهذا ما يؤكده اليوم جلالة الملك المعظم عبد الله الثاني وجلالة الملكة المعظمة رانيا العبد الله حفظهما الله·
 
لا بدّ لي إذن أيها الراحل الكبير ان أكتب عنك (كلمة) قد لا تكون بمستوى (كلمة····) التي كانت مقدمة كتابي قبل سبعة عشر عاماَ، لكنها تعبير صادق وصريح لذكرى ما زلت احمل عبيرها بين جوانحي، وبسماعي النبأ الجلل ظهرت من الغور السحيق إلى السطح لأكتب كلمة حق في الشكر والعرفان والإمتنان لتقديرك وتشجيعك اللذان جعلاني أواصل الكتابة الى اليوم· حقاَ كنت تربويا من طراز خاص·
 
ستبقى خالدا في قلوب المعجبين بشخصك الكريم الذي ما عرف المجاملة في العمل ولا المراوغة والنفاق على حساب المصلحة العامة فقد كنت صادقاَ صريحاَ نزيهاَ مخلصاَ لمهنتك·
 
رحمة الله عليك وأسكنك فسيح جناته وعسى أن أكون قد أحسنت الردّ على (كلمة···) بكلمة وفاء·
 
 
 
الاثنين 7 حزيران 2010
 
جريدة الرأي
صفحة 3
حقيقة الأسماء عند العرب
 
كنا صغاراً ويسألوننا: ما هو الشيء الذي تملكه أنت ويستعمله غيرك؟ وما هو الشيء الذي يلازمك لآخر لحظة في حياتك؟
 
أجل، فالإسم يلازم حامله حتى بعد مماته حين يذكر بالخير أو الشرّ· لذا لا بد من الدقة والتروي في اختيار الوالدين لأسماء مواليدهم لما للاسم من تأثير كبير في شخصية الإنسان كما يؤكد ذلك علماء النفس فالفرق كبير جداً في أن تنادي الشخص باسمه، أو تقول له: يا هذا، أو: يا أنت· ويقال أن أجمل سمفونية يسمعها المرء في حياته هي اسمه فهو يشعر بالفخر وتزداد ثقته بنفسه حين تنادي باسمه لاسيما إذا كان الاسم جميلاً وذا دلالات ومعاني سامية· ولكن قد يحصل أحياناً أن يحمل بعض الأشخاص أسماء ينفر منها السمع ويشمئز منها الذوق مما يجعل صاحبه يشعر بالنقص والخجل كلما ناداه أحد باسمه أو سأله عنه وكثيراً ما يحصل ذلك بين الطلبة في المدارس أو إذا سئل أحدهم عن اسمه في مراجعات رسمية أو إملاء أوراق ثبوتية فتراه يذكر اسمه بصوت منخفض جداً مما يزيد الطين بله حين يتكرر السؤال ما اسمك؟ والحديث الشريف يقول إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فاحسنوا اختيارها كما نهانا الإسلام عن التنابز بالألقاب {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}· صدق الله العظيم·
 
يحضرني بهذا الصدد ما قرأته يوماً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رجلاً جاءه يشكو من ابنه كونه مشاكساً ويسيء له دائماً فسأله عمر: أي واحد من أولادك؟ فهم كثر· فقال الرجل: هو (···) كان الابن يحمل اسم حشرة ! فقال عمر رضي الله عنه: لقد أسأت إليه قبل أن يسيء إليك·
 
وقيل للعتبي: مابال العرب سمت أبناءها بالأسماء المستشنعة، وسمت عبيدها بالأسماء المستحسنة؟ فكان الجواب: لأنها سمت أبناءها لأعدائها، وسمت عبيدها لنفسها من أمثال سرور ومرجان وريحانة ومحبوبة···· الخ وكان للعرب مذاهب في تسمية الأبناء، فمنها ما سموه تفاؤلاً على أعدائهم نحو: غالب وثابت وعارم أو تفاؤلاً للأبناء مثل: نائل وعامر وسعيد ومنها ما يسمى بأسماء السباع ترهيبا لأعدائهم نحو أسد وضرغام وليث··· الخ ومن طريف ما يذكر أن الرجل كان إذا خرج من منزله وامرأته تمخض أي (في حالة مخاض) يسمي ابنه بأول ما يصادفه في طريقه حتى ولوكان ثعلب أو كلب أو حمار أو جحش أو عنز وفي بعض الأحيان إذا خرج من الدار ونظر إلى أعلى وشاهد غراب يسمي ابنه غراب وهكذا· أما أسماء النساء فكان معظمها مما يتفاءل منه بالخير أو يدل على النعيم والجمال كحوراء أو هيفاء وحسناء··· إلخ·
 
هنــاك مقــولة (لكل من اسمه نصيب) ترى ما مدى صحة ذلــك؟
 
بعض الآباء يطلق على ابنه اسم (نبيل) ويبقى يحاول أثناء تربيته أن يجعله نبيلا في أخلاقه وتصرفاته لينطبق عليه قول - اسم على مسمى - وكذلك الحال في كريم ومسعود متمنياً له السعد والحظ في حياته·
صفحة 4
يقول أبو الفتح بن جني : ولقد مر بي دهر وأنا أسمع الاسم ولا أدري معناه، فآخذ معناه من لفظه فأكشفه فإذا هو بعينه أو قريب منه كقول الشاعر:
 
وكلما أبصرت عيناك ذا لقب
 
إلا معناه إن فكرت في لقبه
 
وما سُمي رسول الله (محمداً) إلا لكثرة خصال الحمد فيه، فاسمه في الأرض (محمد) وفي السماء (أحمد) وتحت الثر ى (محمود)·
 
كما أن اختيار الأسماء الجميلة وذات المعاني الراقية والمحترمة تجعل حاملها يستحي أن يأتي فعلاً مشيناً، والله سبحانه وتعالى بحكمته في قضائه يلهم النفوس أن تطلق الأسماء على حسب مسمياتها لتناسب حكمته بين اللفظ والمعنى كما يتناسب بين الأسباب ومسبباتها، ففي كتاب السيف المهند في سيرة الملك المؤيد يذكر مؤلفه (بدر الدين العيني): إن الأسماء لم تكن تعطى حال الولادة ولكنهم يطلقونها على المولود عند تفتح شخصيته لتكون مناسبة وشبيهة بأصحابها إذ لا يجوز أن يسمى أحدهم (أدهم) وهو صبوح الوجه وأشقر، أو يسمى (وحيد) وهو العاشر في تسلسل أخوته مما يسبب الهزء والسخرية منه· وهناك رواية عن - أنس - أن الطفل يسمى لثلاث أي في اليوم الثالث من مولده، وقال (البيهقي) في سننه في باب تسمية الأولاد وهل أصح من السابع؟ أي يسمى المولود في اليوم السابع من ولادته كما يذكر أن لا بد من مناسبة في وضع الأسماء للمسميات على ما اقتضته الحكمة الإلهية، فلو لم يكن ما تضمنه الاسم أو بعضه موجوداً في مسماه، لما وقع عليه الإلهام الرباني· ويستشهد بذلك أن (آدم) عليه السلام سمي آدم لأنه خُلق من أديم الأرض، و(نوح) عليه السلام سمي نوحاً لكثرة نوحه مخافة الله تعالى، و(إبراهيم) معناه (أب) في السريانية، و(موسى) هو موشا في السريانية أيضا ومكون من مقطعين: (مو) تعني ماء و(شا) تعني شجر· وكان قد وجد بين الماء والشجر يوم عثرت عليه (آسيا) زوجة فرعون· أما يعقوب عليه السلام، فقد تنازع وهو في بطن أمه مع شقيقه التوأم (عيصو) فغلبه (عيصو) وخرج قبله ثم أعقبه بلحظات يعقوب من معنى تعاقب الأشياء· وهكذا باقي الأسماء اشتقت معانيها من المناسبة التي أتى المولود متزامناً معها كي تكون أسماء ذات معنى ودلالات·
 
ولو علم الوالدان مدى الحزن والآلام النفسية التي يعيشها الأبناء (بعضهم) بسبب إساءة اختيار أسمائهم لفكروا طويلاً واختاروا لهم أسماء يفخرون بها وتشيع لديهم مشاعر الأمل والبهجة والرضا والتفاؤل والفخر والاعتزاز بالنفس·
صفحة 5
بين الموهبة والإبداع
 
ارتبطت كلمة الموهبة بالإبداع فما أن ذكر ت كلمة الإبداع إلا وأعقبتها كلمة الموهبة أو العكس رغم أنهما غير مترادفتين حتى تحير الكثيرون في تعريف كل منهما· فالموهبة يعرفها بعضهم على أنها (قدرة إنسانية متنوعة ومتميزة ينتج عنها مبدع يتسم بإيجاد فكر أو عمل ليس على مثال سابق) وهذه القدرة تتجلى في مختلف النشاط الإنساني، العقلي، التخيلي، التشكيلي، التعبيري الصناعي الخ···· ففي المدرسة لا تكفي الموهبة وحدها ليكون الطالب مبدعاً فقد يحصل أن يتفوق على الموهوب من لديه القدرة على الحفظ والبصم ! ونلاحظ كتربويين أن الكثيرين من المتفوقين دراسياً ليسوا مبدعين وغير موهوبين لكنهم يمتلكون القدرة على الصبر في الدراسة والحفظ لساعات طويلة يمل منها الموهوب والمبدع الذي يتسم بالقلق والرغبة في التغيير السريع، والذي يحلق في خيالة ويتأمل طويلا ليكتشف أمراً ما، ومما لا شك فيه أن اكتشاف الموهبة نصف رعايتها تماماً كما اكتشاف المرض مبكراً نصف العلاج مع الفارق بطبيعة الحال، فكلما اكتشفنا الموهبة عند الطفل مبكراً وتعهدناه بالرعاية اللازمة حصلنا على مبدع لاحقاً· والموهبة تولد مع الطفل فنقول مثلاً فلاناً لديه موهبة بالرسم لأنه يرسم جيداً دون أن يعلمه أحد، وآخر ينظم الشعر وهو لا يعرف علم العروض ولا قواعد اللغة وصرفها فيقال عنه: شاعر بالسليقة ويمتلك موهبة الشعر وهكذا····
 
أمّا الإبداع، فلا يكون المرء مبدعاً بالسليقة ما لم يجدّ ويجتهد ويثابر ويدرس ويتعمق بمتعة ورغبة ليكون مبدعاً في مجال من مجالات المعرفة·
 
إذن الموهوب غير المبدع، فلو رمزنا على سبيل المثال للطفل الذي يرسم جيداً قبل دخوله المدرسة برقم (1) وبعد أن يتلقى التشجيع من الوالدين يصبح رسمه أحسن، هنا نضيف (صفراً) على يمين الواحد فنحصل على طفل عشر مرات أفضل ممن هم بعمره بخصوص الرسم، وبعد التحاقه بالمدرسة وتعلمه أصول الرسم وقواعده من المعلم وتشجيع أسرة المدرسة له نضع (صفراً) آخر أمام العشرة فيصبح مائة مرة أفضل من أقرانه بمادة الرسم، وإذا تخصص لاحقاً بدراسة الرسم وسافر واطلع على المعارض العالمية لرسامين كبار نضع صفراً آخر فيصبح ألف مرة متفوقاً على غيره بالرسم وهكذا حتى يصل إلى مرحلة الإبداع لأن موهبته تطورت بالعلم والمثابرة لأنها صقلت ونمت وأينعت وأزهرت فأثمرت إبداعاً·
صفحة 6
بينما نلاحظ أشخاصاً كانوا في طفولتهم موهوبين في مجال ما ثم ما لبثوا أن أصبحوا مغمورين لا يعرفهم أو يسمع عنهم أحد فضمرت موهبتهم حيث لم تجد من يتعهدها بالرعاية، بينما برز وتألق واشتهر من عرفناه سابقاً طفلاً عادياً ذلك ليس بسب الحظ أو العلاقات كما يتهم من قبل بعضهم وإنما بسبب المثابرة ومواكبة العلم والتخصص برغبة ومتعة وإرادة لبلوغ الأفضل والأسمى لذا ينغمر الموهوب ويبرز المبدع·
 
ولابدّ أن نذكر الذكاء وأهميته بالنسبة للموهوب وللمبدع على حد سواء فالذكي هو الذي يسخر موهبته ويستثمرها في الدراسة والعلاقات السليمة والجيدة مع الآخرين فيغدو لامعاً مبدعاً، إذ ليس من المعقول أن يبدع محدود الذكاء· وهذا ما جعل الكثيرين لا يميزون بين الموهبة والإبداع والتفوق مما حدا بالدكتور (فتحي جروان) رئيس المجلس العربي للموهوبين والمتفوقين أن يتخذ (الموهبة /التفوق / الإبداع) عنواناً لكتابه الذي صدرت الطبعة الأولى منه عام 1999 لأنها كلمات ومصطلحات متداخلة في معانيها ومتقاربة في تعريفاتها وتختلط على الكثيرين في الفهم والتحليل· يقول: (تشير المراجع المختلفة إلى أن الإبداع مفهوم مركب من مفاهيم علم النفس المعرفي)، اختلف الباحثون والمتخصصون في تعريفه لدرجة يصعب حصر التعريفات المتناثرة، ويرى (موني 1993) أن هناك 28 تعريفاً وقد يزيد عن 50 أو 60 تعريفاً كما يذكر (تيلر) وكل تعريف يصنف إلى أربعة اتجاهات وأكثرها شيوعاً تلك التي محورها النواتج الإبداعية والحكم عليها على أساس الأصالة والملاءمة لأنها تعكس الجانب المادي الملموس لعملية الإبداع·(جروان المصدر السابق ص83 / وص65)·
 
نستخلص مما سبق أن المحظوظ في هذه الحياة هو من يولد بموهبة في مجال ما تتعهد ها يد المربي بالرعاية والعناية والاهتمام والتشجيع فيغدو موهوباً متفوقاً على أقرانه مبدعاً في مجال تخصصه محترماً ومقدراً من الآخرين·
 
الأحد 13/3/2005
 
جريدة الغد
صفحة 7
 
ثقافة المحبة
 
اعتادت جميع إدارات المدارس أن تقيم احتفالاً في نهاية كل عام دراسي توزع فيه الشهادات على الخريجين ويلقي المدير / المديرة كلمة تكاد تكون واحدة لجميع المدراس بذكر ما قامت به المدرسة من إنجازات خلال العام· أما هي فقد جاءت كلمتها مختلفة بدأتها بعبارة (ثقافة المحبة) وصارت تتحدث عن المحبة وأهميتها في المجتمع المدرسي، من بعض ماذكرته: لايمكن للعطاء أن يكون بذات الزخم والكم والنوع إن لم يكن مقترناً بالمحبة· ولايمكن أن ندعي لأنفسنا القدرة على فهم الآخر وقبول الإختلاف معه إذا لم يكن ذلك مقترنا بمحبة هذا الآخر، لأن ذلك يضفى قدراً كبيراً من الصدق والذي دونه لا يمكن للممارسة الديمقراطية أن تحقق أكلها وكيف يمكن أن نجتمع وأن نكون مؤمنين بقوة الجماعة إذا لم يكن رابطنا من نسيج تظله المحبة  .
 
أجل، فإذا سادت المحبة بين أعضاء الهيئة التدريسية، جاء عطاؤهم أغزر، وإن سادت المحبة بين الطلبة، جاء تحصيلهم أفضل، وإن سادت بين عمال النظافة والمستخدمين، صارت المدرسة أنظف وأجمل· 
 
وهذا فيه الكثير من الصحة فلو عدنا الى تلميذ الإبتدائية نجده متفوقاً في درس الرياضيات لأنه يحب معلمه، وإن أحب معلم الرياضة سيصبح رياضياً متميزاً·
 
إذن المحبة هي الدافع الحقيقي والقوة المحركة لا تنطبق على مجتمع المدرسة فحسب فلو سادت في الأسرة غدا أفرادها يتمتعون بصحة نفسية وسعادة عائلية تغمرهم جميعاً· وإن أحب الأبناء أولاد عمومتهم ستكون علاقتهم بذوي القربى أقوى وأجمل· وإذا أحب الطاهي عمله جاء الطعام لذيذاً، حتى الخادمة إذا أحبت ربة المنزل، أخلصت في عملها على أحسن وجه· 
 
وإن سادت ثقافة المحبة مؤسسات المجتمع المدني كانت حافزاً مؤثراً للإبداع والتطور نحو الأفضل· وإن أحب المواطنون وطنهم حرصوا على نظافته وتطويره وحرصوا على الذود عنه· وإذا أحب المرء نفسه، أحب الآخرين كذلك·
 
الخميس 29/9/2005
 
جريدة الرأي    
صفحة 8
بدعة
 
حين يكون المصاب جللا كالذي حدث ليلة الاربعاء في التاسع من تشرين الثاني 2005 تكون ردة الفعل متشابهة ومتقاربة لدى الجميع في مدى قوتها· انفعل القوم جيمعا وانطلق كل من موقعه وتخصصه، الرسام بريشته والشاعر بقصيدته والموسيقي بآلته والكاتب بمقالته و···· و·· والمدارس والؤسسات والناس جميعا استنكرو ماحدث وشجبوه وأبدوا استياءهم وغضبهم كل على طريقته تماما كما يحصل عند سقوط جدار كبير مثيرا حوله الغبار الكثيف ثم يقل الغبار شيئا فشيئا·
 
هكذا هي المصائب الجسام تبدأ كبيرة ثم تصغر لكنها لاتنسى أبداً وقد يعلل بعضهم نفسه بأقوال مأثورة وحكم وقد يلجأ الى آيات قرآنية يخفف من وطاة الحزن والأسى عنه وعن غيره كما في (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم أو ربّ ضرة نافعة وقل لن يصبنا إلا ما كتب الله لنا)· وقد يكون في ذلك شيء من الصحة فيما إذا لاحظنا التحام الشعب بفئاته وطوائفه المتنوعة حين هبت في مسيرات غاضبة لما حدث ومعبرة عن التفافها حول القيادة الهاشمية والتقت وجهات النظر المتباينة فالحدث أكبر من أن نختلف عليه وتوحدت القلوب والأفئدة في حبها وإخلاصها ودفاعها عن الوطن الغالي.
 
بعضهم ظل صامتا من ذهول المفاجاة والصمت هنا ليس علامة الرضا بالتاكيد بل هو تعبير عن شدة الاستياء حين لم يجد المرء الكلمات التي تتناسب وهول المصيبة فمهما كتب وعبر عما بداخله سيأتي مكرراً لما قاله الآخرون أو قليلا أو ضعيفا بسيطا بحق المصاب الجلل· فالمتنبي يقول:
 
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر
 
فزعت فيه بآمالي إلى الكذبِ
 
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا
 
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
 
إن ما حصل تلك الليلة وما يحصل يوميا في بقاع العالم شرقا وغربا وفي بعض البلدان العريبة هو أمر لم نسمع به من قبل ولا حتى في العصور الغابرة فنحن لم نسمع أو نقرأ عن أحد فجّر نفسه ليقتل أبرياء مهما كانت الدوافع والأهداف !! لاسيما والإسلام حرّم قتل النفس· إذن هي (بدعة) والبدعة بكسر الباء في قاموس المحيط ص 702 هي الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما استحدث بعد النبي من الأهوال والأعمال· كذلك الراحلة بدعت أي كلت وعطلت وبدّع فلان بفلان يعني فضّع به وخذله ولم يقم بحاجته وحجته بطلت·اما في الصفحة 64 من المعجم الوسيط بدعه بدعا: أي أنشاه على غير مثال سابق فهو بديع 
صفحة 9
 للفاعل والمفعول·· وأتى البديع أي البدعة ويقال أبدع بي فلان إذا لم يكن عند ظني به في أمر وثقت به في كفايته·
 
والإبداع عند الفلاسفة: (ايجاد الشيء من عدم)· 
 
ولا أدري لماذا ربط الناس الإبداع بالأمور الحسنة في الوقت الذي هو ما جيء به على غير مثال سابق خيراً كان أم شرّا· فقد يحصل أن يكون أحدهم مبدع بالسرقة أو مبدع بالكذب أو···· وهذا مايؤكده لسان العرب ج8 ص 7 يذكر ابن الاثير: (البدعة بدعتان بدعة هدى وبدعة ضلال) فما كان في خلاف من أمر الله به ورسوله فهو حيز في الذم والإنكار· وماكان واقعا تحت عموم ماندب الله اليه وحض عليه رسوله فهو في حيز المدح· ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ماورد الشرع به لأن النبي قال: من سنّ سنّة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله وأبدع وابتدع تعني أتى ببدعة· فالله تعالى يقول في محكم كتابه وفي المرجع ذاته (لسان العرب) يذكر: أبدعت الإبل: أي بركت في الطريق من هزال أو دواء كلال· وفي الحديث أن رجلا أتى النبي فقال: يارسول الله إني أُبدع بي أي: انقطع بي لكلال راحلتي وقال الأفوه:
 
ولكل ساع سنّة مما مضـــى   تنمي به في سعيه أو تبـــدع
 
إذن (البدعة) هي الأمر الذي يجيء على شكل غير مسبوق· لذا فهو يشبه الى حد كبير تعريف (الإبداع) عند الغالبية العظمى لكنهم خصوا (الإبداع للأمر الحسن والبدعة للأمر السيء) وما ذلك سوى من الاخطاء الشائعة وما أكثرها· 
 
وفي مرجع مجمل اللغة لأبي الحسين احمد زكريا اللغوي ص 118 ابتدع فلان الشيء أي استبسطه·وخلاصة القول سميت (بدعة) لأن قائلها ابتدعها من غير إمام ومهما اختلفت التعريفات في المراجع العربية فما حصل مساء 9 -11- 2005 ما هو إلا بدعه لا تمت للإسلام بصلة ولا لباقي الأديان· وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ورغم كل المآسي التي حصلت إلا أن الشعب خرج من الأزمة بقوة وصلابة أكثر مما كان عليه· لأن الضربات القوية تهشّم الزجاج ولكنها تصقل الحديد·
 
الخميس 1/12/2005
 
جريدة الرأي     
 
(*) يوم التفجيرات الإرهابية في ثلاث فنادق في عمان يوم 9/11 /2005
صفحة 10
بين العلم والمصادفة
 
ذات مساء التقيتها مصادفة···· صديقة الطفولة السعيدة وأيام الدراسة الجميلة· قالت وأقسمت بمقدساتها أنها صباح ذلك اليوم خطرت على بالها على الرغم من مرور سنوات عديدة على افتراقنا ورغم مشاغل الحياة التي أنستنا بعضنا· صدقتها مؤيدة كلامها أنه يحصل لي أحياناً أن أفكر بشخص لم أره من فترة طويلة وبلحظة تفكيري به أفاجأ بمهاتفته أو سماع خبر عنه· 
 
وقد يحصل في بعض الأحيان أن تلتقي بشخص لأول مرة لكنك تشعر وتحسّ كأنك تعرفه والتقيت به سابقا ذلك من خلال جملة يتفوه بها أو موقف يصدر منه، وأنت لا تدري هل كان ذلك في حلم أو كابوس أو خيال أو حقيقة·
 
أحياناً يتنبأ امرؤ بحدوث أمر ما ويحدد موعده، وقد يحصل بالفعل ما تنبأه· في بعض الحالات تشعر بما يفكر به الآخر وتحس بما يعتمل في صدره قبل أن يبوح به، وحين تصارحه يؤكد لك صحة إحساسك وشعورك·
 
أما هي فقد أحست بالحزن يخيم على صدرها وحال من الاكتئاب ونوبة من البكاء دونما سبب كما تراءى لها، وبعد الاتصال بأهلها البعيدين عنها الآف الأميال، علمت أن والدتها في المستشفى، والعجيب والغريب كانت قد أجريت لأمها عملية جراحية بذات الساعة التي أصابها القلق والحزن·
 
وهناك حالات كثيرة أخرى على شاكلة ما سبق ذكرها المرحوم (علي الوردي) في كتابه  خوارق اللاشعور  وأكد عليها علم الباراسيكولوجي ذلك العلم الحديث الذي ظهر في القرن العشرين والذي يبحث عن الظواهر الخارجة عن المالوف والخارقة للعادة والإدراك فوق الحسي·
 
تتكون كلمة باراسيكولوجي من مقطعين: para وتعني بالعربية·
 
(ما وراء) وكلمة psychology وتعني (علم النفس) فهو إذن ما وراء علم النفس وأول من استخدم هذا المصطلح العالم الشهير (شارل رينيه) ولكن أهم من بحث فيه هو العالم (أدجار كاسي) Adjar Kaias وقال عنه:
 
 هو العلم الذي يدرس الظواهر غير الطبيعية والخارجة عن المألوف لدى الإنسان مثل: التخاطر او قراءة الأفكار telepathy وظاهرة الإستبصار clair voyance وظاهرة الإستنباء او التنبؤ dowsing وهناك ظاهرة التزامن synchronicity وتعني وجود علاقة زمنية بين الأحداث وليست سببية تجعل المرء يشعر ويحس بالآخر رغم المسافات الشاسعة·
 
ويذكر العالم السويدي (رويتر ويلز) أنه كان يقرأ أفكار الآخرين والأشياء تتراءى أمام عينيه كالصور أو الشريط السينمائي، وبعد أن خضع لفحوصات من علماء متخصصين، اكتشفوا حول رأسه مجالاً كهرومغناطيسياً يعادل ضعف المجال الموجود حول رأس أي انسان عادي· 
 
ويبقى الباراسايكولوجي يخضع للجدل والنقاش بين مؤيدين لنظرياته باعتباره علماً وداحضين لها باعتبار ما يحصل محض مصادفة·
 
الخميس 25-8-2005
 
جريدة الرأي   
 
 
 
(*) المصدر: هويدي / صالح _الباراسيكولوجي، ص9-01