eKtab
EN ع
لست ملاكا
اقرأ عينة مجانية

لست ملاكا

بقلم سهاد عبد الهادي

صفحة 1
- 1 -
 
ما ظل من العمر قد ما مضى...
 
تخطيت منتصف السبعين من السنين ومنذ أعوام حكمت عليَ قوانين الوظيفة، بأني لم أعد ذات فائدة بعد ما استهلكت زهرة حياتي بفيض من العطاء الجسدي والعقلي والعاطفي.. لطالبات علم.. لزهرات تتفتح براعم أنوثتهن على مهل..
 
أعيش الآن وحيدة في بيت كبير كان يضم عائلة تتكون من ستة أطفال، ملأوه بالضجيج والمشاجرات التي كانت تثير أعصابي، بعد عودتي من المدرسة، مرهقة من متابعة تلميذاتي، فلا يبقى لأولادي أية مساحة من المسامحة.
 
بينما كانت مسؤوليات زوجي لا تتعدى توفير المأكل والملبس، وتوجيه صفعة أو ركلة، بين الحين والآخر، لمن يعتقد أنها تقوِّم سلوكه وتدفعه للنجاح في دراسته. إذ كان يتعامل معهم منذ مراحل طفولتهم وكأنهم رجال ناضجون ، فلم يسمح لهم بالانطلاق في لعبهم داخل البيت أو خارجه مع أولاد الجيران مما جعل الساعات التي يغيب بها عن البيت أسعد أوقاتهم وأمتعها لممارسة رغباتهم الطائشة في عرفه.
 
كانت الضربات تؤلمهم جسديا وهم صغار، ثم تحول الألم إلى نفوسهم، حينما تخطوا العاشرة فأصبحوا يمعنون في المعاندة والاستفزاز، في تصرفاتهم مع بعضهم البعض وأحيانا كثيرة في تعاملهم معي فلا يلبون لي طلبا أو يقدمون مساعدة بانضباطهم في ترتيب حاجاتهم مثلاً ولكن ما أن يدخل والدهم البيت حتى يصبح الهمس سيد الكلام والتقيد بتعليماته دون مناقشة أو حتى كلمة تأفف ترتسم على شفاههم كما أراها ردا على أمر يصدر عني أو طلبي مساعدة أحدهم.
 
ولكن قسوة والدهم في تربيتهم لم تمنع عليّاً.. من حمل السجائر في حقيبة المدرسة قبل أن يتم الرابعة عشرة من عمره، ولم أنتبه لفعلته إلا بعد شهور طويلة، حينما لاحظت آثار حروق صغيرة في سراويله وقمصانه، فلم تردعه نصائحي أو خوفه من فضحه أمام والده، حتى اشتدت عليه نوبات الربو في سنيّ شبابه، وأعاقته عن إتمام تحصيله العلمي فيما بعد، وكانت إجابته التي لم تتغير منذ محاولتي الأولى في تذكيره بالمضار التي يعرض فيها صحته للخطر، بجواب لم يكن ردي عليه مقنعا لي، قبل إقناعه هو...
 
" إنت وبابا ماسكين هالحجة.. الدخان بيضر بالصحة.. وبابا بيحكي هالكلام والسيجارة في ايده، وصحته ما شاء الله عليها، زي الحصان".
صفحة 2
ولكنه لم يعلم في تلك الأيام بما ستجر السيجارة على ذلك الحصان من ويلات، حينما ملأ النيكوتين رئتيه إلى جانب توسع شريانه التاجي الذي انفجر منهيا حياته ولما يبلغ الستين من عمره بعد.
 
وصرامة زوجي عادل في تربية الأولاد لم تمنع نبيلاً المغرم بقيادة السيارات من سرقة سيارة والده وهو لم يتخطَّ الخامسة عشرة من عمره، ولم تفلح احتياطات الرجل باحتفاظ المفاتيح بجيبه دائما أو وضعها تحت الوسادة في ساعات الليل، وغاب عن ذهنه في بداية الأمر، إمكانية استخراج نسخة ثانية من المفاتيح، مما اضطره لاحقا إلى وضع قفل على المقود بعد يأسه من ردع ابنه عن شقاوته رغم ضربه له وحبسه مقيدا إلى السرير بضعة أيام.
 
وأما ما دفع زوجي للإسراع في مغادرة الحارة التي تربى فيها بعد ما كان يماطل في تحقيق رغبتي منذ سنوات ويسوّف في الخطوات العملية للانتقال إلى العيش في الأحياء الجديدة من المدينة هي إثارة المتاعب التي سببها لنا سعيد مع بعض الجيران.
 
جاء قرار عادل بالرحيل بعد أن تشاجر معه جارنا الفران أبو محمد، غير آبه بهيبة ضابط الشرطة السابق حين وقعت رسالة من ابني سعيد، موجهة إلى ابنته فاطمة في يد الشاب فتحي خطيب فاطمة مما جعله يسرع إلى فسخ الخطوبة. ونشره فضيحة للفتاة وأهلها ولم تكن يومها تتعدى الرابعة عشرة من عمرها.
 
كان الولد سعيد المغرم بمعاكسة بنات الجيران، معتدا بجمال عينيه الملونتين وغرّة شعره الأشقر المتدلية على جبينه فور ابتعاده عن البيت، تفاديا للتقريع وحتى للضرب أحيانا من والده الذي يعتقد أن تهدل الشعر على الوجه من سمات البنات غير المؤدبات أيضاً وكثيرا ما استغل الدون جوان سعيد فوازاً أصغر إخوته الذي لم يكن قد تجاوز السبع سنوات في نقل رسائل الغرام التي كان يكتبها لفتيات حارتنا والحارة المجاورة أيضاً.
 
لم يكن الضرب المبرح يؤلم سعيداً ولا الحبس في البيت، بقدر آلامه من العقاب المتمثل في قص شعره مما يجعله مادة دسمة لسخرية أشقائه ، والعلامة الدامغة لاتهامه من قبل من شباب الحارة بفساد الأخلاق.
 
أما صادق الابن البكر وشقيقه فواز فلم أشعر بمشاكل مراهقتهما كثيرا لطبيعة صادق الهادئة منذ الصغر، وقرب فواز بجانبي دائما كي يتفادى مشاكسة وسخرية إخوانه منه بسبب ضآلة حجمه.
 
ولكن شقيقتهم الصغرى رشا، آخر العنقود، المقربة من قلب والدها، فقد كانت ضحية تمردهم الصبياني، فتنال أكبر قدر من تفريغ نقمتهم على قوانين البيت، حينما يغفر رب البيت زلات وهفوات البنت الحلوة..
 
لم تسلم من سخرية أشقائها وهي تلحن في نطق حرف الراء، وتتجلى قمة سعادتهم في إثارة غضبها حين يمزقون ثياب لعبتها فتبدأ بقذف ما تطال يدها في الوجه الذي أغاظها، ثم تملأ البيت صراخا وبكاء، مستنجدة بي في غياب والدها بينما تعلو قهقهات الأولاد فرحين مسرورين.
 
كبرت رشا ودخلت الجامعة، ولم يكف أشقاؤها عن مناكفتها والهزء من اختيارها دراسة القانون مغالين في استفزازها بنعت كليّتها بأنها كلية الفاشلين.
 
رشا اليوم محامية..
 
ترعى زوجها وأولادها الأربعة، إلى جانب عملها في مهنة المحاماة.
 
تتميز بشخصية عنيدة، وكأن تجربتها في التصدي لإخوانها، أمدتها بقوة لا تثنيها عن الوصول إلى رغباتها، فوقفت بصلابة مخالفة رغبة والدها الذي لم يكن راضيا عن اختيارها الزواج من شاب يصغرها بخمس سنوات، ولمّا يمض على عملها في مكتب المحامي فؤاد عبد الرحمن سنتان، خاصة وأن الشاب الذي اختارته، كان يتردد على المكتب، لاتهامه بقضية اختلاس، بالاشتراك مع أحد كبار التجار في المدينة.
صفحة 3
أقصى ما استطاع والدها تنفيذه أمام إصرارها، هو تأخير مشروع زواجها، حتى تتم براءة المتهم، والتي كانت مؤمنة بها.
 
أذكر تلك الأحداث وكأنه لم يفصلني عنها اثنان وعشرون عاما..
 
ياه... !!
 
لم أدرك أن اثنين وعشرين شتاء من عمري قد ولًت.. منذ أن تفتحت أزاهير خمسة وعشرين ربيعا في عمر صغيرتي رشا...
 
في هذه اللحظة فقط.. شعرت بأن الحياة تتسلل من كياني..
 
أسير وحيدة.. أقترب من نهاية الطريق الطويل الذي عبرته مرغمة على تحمل وخز الأشواك فيه..
 
أتلفت إلى الوراء.. باحثة عن يد حانية تمدني بحرارة الحياة، كما وجدتها في أيام مضت، حين كنت أملك فيها طاقة تعينني على الصمود في وجه قسوتها.
 
في هذه اللحظة أشعر بألم الوحدة يحز في قلبي..تسيل دموعي خوفا من أن تدنو نهايتي دون أن يفطن أحد لغيابي الأبدي.. فابنتي ستسافر مع زوجها وأولادها في إجازة مدة أسبوعين.
 
فواز أصغر أولادي هو الوحيد الباقي في المدينة، بعد ما تفرق إخوته في قارات الكرة الأرضية بحثا عن المال والحياة الجديدة، ولكنه لا يتواصل معي باستمرار لطبيعة عمله الذي يقتضي التنقل بين المدن الفلسطينية.
 
وزوجته مشغولة دائما بالاجتماعات في الجمعيات الخيرية، والندوات، حتى إنّها لا تجد وقتا لمهاتفتي والاطمئنان علي.
 
هذه هي الحجة التي أسوقها أمام جاراتي مبررة عدم برّ ابني بي وفتور علاقتي بزوجته. مع أن الحقيقة تغاير ما أعلن، إذ إنّ حبل المودة مقطوع بيني وبينها، لإيمانها بفكرة مررتها إلى زوجها فيما بعد، بأنني أتطفل على مملكتها الخاصة، وأتدخل في ما لا يعنيني من شؤون حياتها وبيتها...
 
لم يندمل بعد جرح قلبي ولا أظنه سيشفى ولو بعد حين من الدهر.. اتهام ابني.. لي، بأنني أسعى لتدمير حياته الأسرية، بمحاولة تسيير حياته وأسرته حسب ما أرى وأرغب، دون أن أفطن إلى أنه أصبح رجلا، لا يحتاج إلى وصاية أو توجيه، مضيفا بكلمات خلت من الكياسة، بأنني ما عدت مديرة دائرة حكومية أتقيد بلوائح وقوانين لأصدر أوامري حتى تنفذ في الحال.
 
.. هكذا إذن!
 
ما عاد لرأيي قيمة..
صفحة 4
لا حاجة لأحد ولو أقرب الناس إلى قلبي للاستفادة من خبراتي التي اكتسبتها على مر السنين.. فالماضي لا يصلح للحاضر.. وعلى الآباء أن يتنحوا، جانبا، في انتظار ساعة خروجهم من الحياة ليفسحوا المجال أمام أطفال الماضي، ولا يفطن هؤلاء الشباب أنهم سيصلون، يوما، إلى مرحلة التقاعد، ويصبحون أرقاما زائدة في محيطهم كما يرونا الآن .
 
من قال أن الماضي يهترئ ويذوب في العدم؟
 
فكيف للشعوب إذن أن تعيش وتزدهر إن لم تكن تتمسك بماضيها، وتراثها، لتكوَن القاعدة التي تنطلق منها، للاندماج مع الحديث من التطور الاجتماعي، وبدوره يضبط التطور الثقافي والعلمي في مسايرة العصر دون أن تفقد هويتها!
 
كانت العاصفة التي حجبت صدق حسن نواياي عن ابني فواز وزوجته، يوم أن دار بينهما في بيتي نقاش حاد، كاد أن يصل إلى حد الخصام، بسبب معارضته رغبة زوجته، في شراء سيارة جديدة، لأنها ليست أقل شأنا من ابنة عمتها التي تسكن في منزل مجاور لها، ولا زوجها، الذي هو ابني، أقلّ شأنا من تاجر الأقمشة زوج ابنة عمتها.
 
لم يمانع ابني بشراء السيارة بخلا.. ولكنه كان يرى أن الوقت غير مناسب لشراء سيارة غالية الثمن، متزامنا مع التكاليف الباهظة التي يصرفها في بناء منزل فخم يحاكي القصور، نزولا عند رغبتها، متنازلا عن فكرة بناء عمارة تجارية كبيرة، يشيد على سطحها شقة جميلة لعائلته. وفي اللحظة التي صرح بها أنه لا يستطيع تحمل ديون أخرى من البنوك، راودتني فكرة كثيرا ما تمنيتها بصمت ، واعتقدت بأنها ستنال رضا زوجة ابني حتى تستطيع الحصول على مرادها. فاقترحت على ابني أن يوقف البناء فترة من الزمن، ليسوي أموره المالية، وفي موعد انتهاء عقد إيجار سكنه الحالي الذي يحل بعد أربعة أشهر، يمكنه الانتقال وعائلته للإقامة في بيتي الواسع ليوفر أجرته.
 
أطرق الرجل وتمتم بكلمات مبهمة بينما حدجته زوجته بنظرات، جعلت قلبي يخفق خوفا من عواقبها، فقلت بتردد:
 
- طبعا سيكون هذا إجراء مؤقتا حتى تحققي رغبتك باقتناء السيارة الفخمة ويبعد خطر الحجز عن أملاك زوجك.
 
قفزت المرأة عن الكنبة.. كما لو كان فأرا يقترب منها، ووقفت وسط الصالة، تنادي أولادها، وهم يلعبون في الغرفة التي كان يشغلها والدهم قبل زواجه، وخرجت من البيت دون كلمة وداع. جاءني ابني بعد يومين مكفهر الوجه ولم يسألني عن صحتي كعادته، بل قال بكلمات مقتضبة، مستندا إلى الباب، رافضا الجلوس بحجة ضيق وقته:
 
- أرجوك يا أمي أن توفري أفكارك واقتراحاتك لنفسك.
 
لم يفسح لي مجالا للتعبير عن محبتي له، وغيرتي على مصلحته، فتابع كلامه، شاهرا سبابته في وجهي، بعد أن أشعل سيجارة:
 
- ألا يكفي إفساد تربية الأولاد بتدليلك المفرط لهم، وتريدين، الآن، انتهاز الفرصة لبسط سيطرتك عليهم.
 
لم أصدق ما سمعت، بل لم أفهم ماذا كان يعني بكلماته، التي بدت لي بلغة غريبة من شخص غريب...
 
باغتني خوف لم أختبره من قبل، وتاهت أفكاري حائرة لتطل من عيني اللتين غشيهما الضباب برهة من الزمن، فأقفلتهما وهو يغادر باب المنزل دون أن يلتفت لي أو يودعني بكلماته التي تعودت على سماعها منه ، وهو ينظر في عيني ليقول بمرح:
 
- الحاجة أم العيون الكحلا بيلزمها شي؟
صفحة 5
- 2 -
 
لم أستطع النظر في عيني أمي الحائرة..
 
كما لم أستطع النظر، ليلة أول أمس، في عيني زوجتي التي كانت تطلق شرر البركان الذي يغلي في صدرها....
 
لاحت إشارات غليان بركان زوجتي، قبل مغادرتنا بيت والدتي، حين عرضت بيتها لاستقبالي وعائلتي، كي تخفف عني عبء الديون المتراكمة على كاهلي، متزامنة مع توقف راتبي لمدة شهرين، وتجميد الزيادة التي كنت أتوقعها في فترة قريبة، إلى أجل غير مسمى، من شركة التأمين التي أعمل فيها مدققا عاما للحسابات في جميع فروعها في الضفة الغربية، إثر خلافي مع المدير العام للشركة، واتهامه لي بالإهمال وعدم الانضباط في العمل، مما تسبب بفقدان أهم عميلين للشركة. ولم تهدأ ثورته حتى بعد أن شرحت له، أن فيروسات الكمبيوتر، كانت السبب في فقدان بعض المعلومات للمعاملات الخاصة بهذين العميلين، مما أغضبهما، ولم يقبلا عذرا، بل نقلا معاملاتهما إلى الشركة المنافسة لشركتنا، رغم اجتهادي بالرجوع إلى المستندات الورقية.
 
لم أجد مناصا من اللجوء لأخذ قرض ثان من البنك، لتسديد باقي أقساط ثمن الأرض التي اشتريتها بسعر مرتفع ، على قمة الجبل المشرف على المدينة.
 
بالإضافة إلى تسديد بعض الالتزامات للمهندس، الذي تركت له الحبل على الغارب، لتنفيذ رغبات زوجتي الجنونية في البناء، دون تحديد سقف لإمكاناتي المادية، فكان أن حفر بركة ، لا.. بل بحيرة اصطناعية صغيرة، تحيط بالجزء الشمالي الشرقي من المنزل، وبدت صالونات البيت وكأنها تشرف على لسان خليج اصطناعي. وأما الحديقة من الجهة المقابلة، فبدت وكأنها جزءٌ من هضبة خضراء. هذا عدا عن الديكورات الداخلية التي اكتظت بالرخام والزجاج الملون.
 
كان المهندس فخورا بإشرافه على بناء الفيلا التي بهرت كل من شاهدها حتى قبل انتهاء العمل فيها. وبعد إقامتي بها ببضعة شهور، عرضت شخصية هامة، تطمح بالوصول إلى أعلى المناصب في الدولة، رغبتها في شرائها بسعر خيالي.
 
جن جنون زوجتي، التي كانت تردد دائما بأنها تريد العيش في جنة عدن على أرض نابلس. وأنا الآن أجزم بأن البعض تساءل ولا أقول ربما، من أين لي بهذه التكاليف الباهظة، لبناء هذا القصر الخيالي، كما قالت عنه أمي لاحقا، حينما زارته أول مرة، مثل أي شخص عابر عرفته زوجتي، بعد إقامتنا به بسبعة أشهر، في الحفل الذي أقمناه بمناسبة نجاح ابنتي في الشهادة الثانوية العامة.
صفحة 6
كان السبب في تورطي بهذا المشروع، الذي لم أخطط له مسبقاً، وراثة زوجتي دونم أرض من بستان من بين البساتين التي كانت في أطراف مدينة نابلس القديمة، وأصبحت الآن في وسط البلدة بعد توسعها، زرع فيه جدها في الماضي أصناف الخضار المنوعة، لتزويد الناس بها، قبل زرع العمارات الحجرية مكانها. ولهذا لم أستطع كبح جماح رغبات زوجتي المبالغ فيها، بعد أن قبضت أكثر من ثلاثمائة ألف دينار ثمنا له، لقناعتها بجملة ما انفكت ترددها، في وجه كل من يستغرب هذا البذخ في البناء بلهجة متعالية:
 
- هذا مالي وأريد التمتع به على كيفي .
 
لا أستطيع القول بأني كنت سعيداً بزواجي، ولا غير سعيد أيضاً، لأنني تزوجت، طاعة لرغبة أمي، بعد حصولي مباشرة على شهادة البكالوريوس في المحاسبة ، التي رغبت بها منذ البداية، بعد ما أهدرت سنتين من عمري في دراسة الهندسة، تلبية لرغبة أبي، الحريص على إتمام الخطة التي رسمها في توزيع أبنائه على المهن التي كان يتمناها لهم، ليبلغوا أعلى مراتب طبقات المجتمع .
 
فدرس شقيقي الأكبر "صادق" الذي يستقر اليوم في السعودية منذ عشرين عاما تقريبا، الهندسة المدنية، إرضاء لوالدي.
 
ودرس "نبيل" طب الأسنان، في الجامعة الأردنية، لرفضه دراسة الطب البشري. بعد أن هادنه والدي ما دام سيحمل لقب دكتور. ثم سافر إلى فرنسا منذ خمس عشرة سنة للتخصص في تقويم الأسنان، وتزوج هناك فتاة جزائرية تحمل الجنسية الفرنسية، بعد وصوله إلى باريس بأشهر قليلة، لرغبته في التمتع بمزايا هذه الجنسية، كما أوضح لي فيما بعد، بعد أن أبديت له دهشتي من إقدامه على الزواج من فتاة لا أقيِّم جمالها بأكثر من أربع درجات من عشر، وهو المحب للجمال في كل شيء وخاصة في النساء.
 
لم يصبر على البعاد عن الجمال أكثر من ثماني سنوات فطلقها وتزوج فتاة لبنانية "تفتح النفس لبهجة الحياة" كما ورد في رسالته التي أرسلها لوالدتي حينما أنبته على طلاق الفتاة التي وقفت إلى جانبه في مرحلة حددت مصيره ومستقبله، وأنجبت له طفلين يحتاجان إلى أسرة متماسكة في المجتمع الغربي المنفتح.
 
أما "سعيد" فقد أراح الجميع من التفكير في اختيار الطب أو الهندسة قبل أن ينهي دراسة المرحلة الثانوية، بعدم بذله المجهود الكافي للحصول على المعدل اللازم لتأهيله لدخول إحدى هاتين الكليتين. فدخل كلية التربية الرياضية في الأردن، وعمل بعد تخرجه مباشرة في مركز للياقة البدنية في أحد فنادق الدرجة الأولى في عمان.
صفحة 7
وما لبث أن تزوج سيدة أعمال أمريكية، تعرف عليها خلال عمله، بالرغم من أنها تكبره بسبع سنوات، ولكنها قدمت له الفرصة التي طالما حلم بها وهو لم يزل على مقاعد المدرسة الثانوية، في السفر إلى أمريكا، إلى بلد الحريات...
 
كثيرا ما كنا نتشارك في أحلام اليقظة والانطلاق إلى العالم الجديد، ورسم الخطط المستقبلية لاقتناص الفرص لجني الأموال، ودارت الأيام وحقق سعيد حلمه، وبقي حلمي غصة في صدري كلما ضاقت بي الدنيا في هذا البلد، وأتمنى الابتعاد عنه، ولكن ما أن أغادره لبضعة أيام، حتى يعود حنيني إليه، ويرهقني ضميري بالتفكير بأمي المريضة.. والوحيدة، مع أني لا أزورها باستمرار، لظروف عملي الذي يأخذ الكثير من وقتي، ولكن شعوري بأني قربها في بلدة واحدة يعيد لنفسي الطمأنينة.
 
ولكن "علي" الذي كان مصابا بالربو، ويجبره على ملازمة الفراش فترات طويلة، فقد أخذه والدي قبل أن ينهي دراسة المرحلة الثانوية ، ليعمل معه في الإشراف على المصنع الصغير للألبان، التي تنتجها المزرعة التي أنشأها أبي لتربية الأبقار، بعد استقالته من العمل الحكومي.
 
في يوم عيد ميلاد علي التاسع عشر، وصلت خالة والدي من تركيا، وكانت قد تزوجت موظفاً تركيا، كان قد عمل وجدي في مصلحة سكة الحديد في مدينة حيفا، في سنيّ العشرينيات من القرن الماضي.
 
وافق والدي على عرض خالته باصطحاب علي إلى تركيا ، للإقامة معها في منطقة جبلية، يخلو جوها من الرياح الخماسينية المحملة بالأتربة والرمال، كما نصحه الأطباء . خاصة وأنها تعيش وحيدة بعد زواج ابنتها الوحيدة وهجرتها إلى ألمانيا منذ سنوات.
 
عمل علي في مطعم خلال الخمس سنوات التي أمضاها في أنقرة قبل وفاة العجوز، بينما كانت أمي لا تكف عن إظهار لوعتها وحسرتها على ولدها الذي ضاع منها في الغربة لرعاية عجوز خرفانه لا تخلو من الخبث، واستغلت فرصة مرض علي "حبة عين أمي" ، وأقنعت والدي بأخذه معها. ولكن "هذا الموال" الذي استمر بضع سنوات، كما كان يقول والدي وهو يصف ثورة أمي، توقف فجأة، بعد أن وصلت رسالة من علي لوالدي يعزيه فيها بوفاة خالته، ويخبره بأنها أوصت له بجميع أملاكها، التي ورثتها عن زوجها.
 
وأما المفاجأة التي لم يكن يتوقعها علي، عند تنفيذ الوصية، شراء العجوز للمطعم الذي يعمل فيه، بُعيد وصوله إلى أنقرة ببضعة أشهر ليصبح اليوم مالكه.
 
ابتهج أبي بكرم خالته، وفرحت أمي..
صفحة 8
وحان الوقت لتزويج علي من ابنة أخيها "اللي تقول للقمر قوم وأنا أقعد مطرحك" بعد ما خرس لسان أمها عن نعته بالولد المعلول. فأرسلت له رسالة مطولة تصف بها جمال وحسن ابنة خاله فريال، و"تطمنه" بأن البنت كانت مغرمة به منذ صغرها، وأمها لم تصدق أن عليّاً سيكون صهرها المدلل.
 
ولكن كثيرا ما تجنح سفن أمي وتتكسر أشرعة آمالها.. فاعتكفت في البيت خشية أن تلتقي بأخيها أو أحد أفراد عائلته، وتختلق الأعذار لتفادي استقبالهم أو مشاركتهم الزيارات. حينما جاءها الرد على رسالتها، بأن أخي قد تعرف على فتاة يونانية، ويدعو والدي ووالدتي للذهاب إلى تركيا ليحضرا حفل زواجه.
 
أسرعت أمي في تزويجي بعد تخرجي ببضعة أشهر، في وقت كان يفترض بها أن تضع العراقيل أمامي، إذ لم يكن قد مضى على وفاة والدي ثمانون يوما، ولكن خوفها من الفكرة التي كانت تراودني، بالانضمام إلى أخي سعيد في أمريكا، بحثا عن حياة جديدة، سريعة الإيقاع، وسريعة جني الأموال، كما كان يقال في ذلك الوقت، دفعها للإسراع بخطوة تضمن فيها بقائي بقربها، بعد تفرق إخوتي الواحد تلو الآخر في بلاد الله الواسعة، وزواجهم من فتيات متعددات الجنسيات، فاختارت لي إحدى طالباتها، من أسرة نابلسية طيبة ومستورة، يعمل والدها موظفا في البلدية.
 
تخرجت من الجامعة، وتزوجت،
 
ولم أسافر إلى أمريكا،
 
... بسبب القيود المشددة التي فرضتها دول العالم "الحر" بصورة عامة على تنقلات الفلسطينيين بعد حرب عام 1973بين إسرائيل من جانب ومصر وسورية من جانب آخر. بالإضافة إلى عوامل خاصة طرأت على ظروف عائلتينا، فقد توفي والد زوجتي، ومن الصعب بقاء والدتها وحيدة لكونها سورية الأصل، وتواصلها مع أهلها في ظل الاحتلال يعتبر من رابع المستحيلات.
 
ومن جهة ثانية كانت تعارض والدتي بشدة فكرة بعادي عنها، بعد أن أصبحت دائمة الخوف من الوحدة، خاصة بعد تجربتها المريرة في تمريض والدي أكثر من عامين قبيل وفاته، ولما قلت لها مرة في حضور زوجتي، أن أختي رشا موجودة بجانبها قالت بحسرة:
 
"رشا ليست خالصة لي، فزوجها وعائلة زوجها لهم حق الأفضلية في حياتها".
 
ثم أضافت بكثير من الحنان:
صفحة 9
"الله يرضى عليك يا ابني لا تنس أبدا في كل مراحل حياتك أن القناعة كنز لا يفنى".
 
لم تعلق زوجتي أبدا على ما سمعت، والأيام تمضي مشوبة بحذر غير مبرر في تعاملها مع أمي، توضحت لي أسبابه بعد أكثر من سنتين، حينما رزقنا بابننا الثاني. إذ تدهورت صحة زوجتي إثر حمى النفاس، مما جعلها لا تستطيع القيام بواجباتها نحو الوليد والبيت، فاقترحت عليها أن نقيم عند والدتي حتى تسترد عافيتها، ولكنها رفضت بشدة، لأن والدتها أحق من والدتي برعايتها وابنها.
 
- ولكن والدتك لم تشف بعد من العملية الجراحية واستئصال إحدى كليتيها.
 
قلت مستغربا كلامها.
 
لم تتوان عن الإفصاح عن عدم محبتها لأمي، وأنها لا تطيق صبرا على محاضراتها في الأخلاق، وتبيان ما يجب فعله وما لا يجب، وكأنها تحسب نفسها أنها ما زالت المعلمة، وأمامها التلميذة التي تحتاج إلى تقويم في الأخلاق وإرشاد في السلوك.
 
أعجز في معظم الأوقات، منذ الأيام الأولى لزواجي وحتى اليوم، عن التوفيق وإحلال السلام بين حساسية أمي المفرطة، من كل ما يصدر عني أو عن زوجتي أو حتى عن أطفالي الصغار، وبين عدم صفاء نية زوجتي تجاه والدتي، دون مراعاة لكبر سنها، بل إنها تحمّل كل ما يصدر عن العجوز بالنوايا السيئة، فلا تغفر لها أي تصرف أو كلمة ولو بعد حين.
 
آه كم أنا متعب..
 
ليتهما تبتعدان عن شخصنة كل ما يصدر من فعل أو قول من الواحدة نحو الأخرى.
صفحة 10
- 3 -
 
مضى على حادثة غضب زوجة ابني، من طرحي لفكرة استضافتهم في بيتي، ثلاثة أشهر، زارني خلالها ثلاث مرات فقط، مكتفياً باتصالاته الهاتفية للاطمئنان علي، وتأمين احتياجاتي وتسليمها أحياناً بحجة انشغاله لبواب العمارة التي أسكن في إحدى شققها، وبعد سؤالي المتكرر عن أحفادي، اصطحبهم قبل أيام لزيارتي مدة نصف ساعة، لم يتحركوا خلالها من أماكنهم ، ولم يتبسطوا معي كعادتهم في الحديث، أو اللعب، حتى ليث، ذي الثلاث سنوات، لم يبحث عن "الحسنات" كعادته، ونهرته أخته ذات العشر سنوات، حينما طلب المزيد من الشكولاتة التي قدمتها له.
 
... بت أخاف الوحدة،
 
بعد أن فرقت الدنيا الأهل والأصحاب من حولي بسبب انشغالهم عني بأعباء الحياة، لمن لم يبلغ بعد عتبات الشيخوخة، أما من علت الصفرة أوراق الشجرة التي أزهرت لحظة ميلاده، فقد هدَّه المرض، إن لم يكن قد وصل إلى نهاية الطريق المحتوم قبلي..
 
وتعاظم خوفي من أن يزورني ملك الموت، وأنا وحيدة، بعد حادثة موت ابن عمي، وحيدا في بيته، ولم يتنبه أحد لغيابه إلا بعد أن لاحظ الجيران ضوء المصباح المشتعل في المطبخ ليل نهار لمدة أربعة أيام، وبعد ما تردد على بابه الموظف المختص بقراءة عداد المياه أكثر من مرة، والكل يعلم أنه لا يخرج من البيت بتاتا، لخوفه من الاختلاط بالناس، بعد أن تفاقم عنده مرض الاكتئاب.
 
مات وحيدا.. ودفن وحيدا..
 
كانت زوجته وابنه يؤديان العمرة، وابنته لم تصل من عمان إلا بعد ثلاثة أيام، من اكتشاف جثته، بسبب خطورة حالة زوجها الصحية، لإصابته بجلطة دماغية حادة.
 
ما أقسى هذه الحياة التي لا نعرف كيف أُقحمنا فيها دون مشورتنا، ولكننا متأكدون من مغادرتها رغماً عن إرادتنا أيضاً، حتى وإن أبدينا ضيقنا منها، وتمنينا الخلاص من آلامنا النفسية التي تفوق آلامنا الجسدية أحياناً.
 
شعرت بأني أثقل بالحديث على رشا، لاقتضاب أجوبتها على استفساراتي، عما فعلت في هذا اليوم، لأشبع إحساسي بقربي منها، ولم تبعدني عن حياتها. ورغبتي في معرفة ما يجد من أحداث في المجتمع، فأنا أستأنس بأخبار الناس من حولي، لأشعر، بوجودي كإنسانة تتمتع بقدر من الاحترام، حين أبدي الرأي والتحليل للأحداث التي أسمعها، فتغمرني النشوة والراحة.. مؤكدة وجودي وحضوري بين من هم حولي.