تحولات الدم في شعر أمل دنقل
«مقاربة نقدية لنبوءة النص»
إنّ سهما أتاني من الخلف،
سوف يجيئك من ألف خلف ..
أمل دنقل
(لا تصالح)
«هل يصير دمي بين عينيك ماء؟
أتنسى ردائي الملطّخ..؟
تلبس فوق دمائي ثيابا مطرزة بالقصب؟
إنها الحرب!
قد تثقل القلب..
لكنّ خلفك عار العرب
لا تصالح ولا تتوخ الهرب».
يشكل الدم ومعجمه الشعري حقلا دلاليا بارزا في شعر أمل دنقل، وتحديدا في ديوانه «أقوال جديدة عن حرب البسوس»(1). فمن خلال الاعتماد على هذه الحكاية التراثية، التي تحكي تفاصيل حرب أهلية دامت أربعين سنة بين قبيلتين عربيتين من أبناء العمومة، ممن أراقوا فيها من دماء بعضهم ما لم يحدث وأن أريق مثله في أي حرب عربية/عربية في ذلك الزمان؛ لذلك فإن الدّم بصوره المختلفة، وتحولاته الممتدة على مساحة الديوان هو اللون الأكثر بروزا واستفزازا في كافة أرجاء المسرح.
يوظف أمل دنقل هذا الموروث الجمعي في قصيدة حديثة توظيفا يعبر من خلاله إلى واقع سياسي وتاريخي عربي؛ ليصوغ وجهة نظر فنية/ وموضوعية نابعة من رؤية شعرية خاصة تتأسس على التفريق بين زمنين مختلفين والمزاوجة بينهما في آن..
فالزمن الماضي مثّل الحرب بين أبناء العمومة (عرب/وعرب)
والزمن الحاضر يمثل الحرب بين ضدّين (عرب/ويهود)
فإذا كانت أول قصائد الديوان (لا تصالح) تؤسس فهما جذريا لاستحالة الصلح والسلام في الحالة الأولى، في الزمان الأول، بين العرب/و العرب. فإن الدلالة المتولدة عن ذلك تتمثل في مضاعفة هذه (الاستحالة) وتكثيفها في الحالة الأخرى، حالة الزمان الحاضر. ولإيصال هذه الرسالة يرتكز الشاعر على صورة الدم ارتكازا جوهريا محوّلا إياها إلى ثيمة (Theme).
كما أن (معجم الدم) يبرز تكرارا لافتا للنظر لمفردة الدم في قصائد الديوان الثلاث (لا تصالح/أقوال اليمامة/مراثي اليمامة)، ويمكن رصد هذا التكرار فيما يلي:
[ هل يصير دمي بين عينيك ماء؟ ]
[ أتنسى ردائي الملطخ..؟ ]
[ تلبس- فوق دمائي – ثيابا مطرزة بالقصب؟! ]
[ لا تصالح على الدم
حتى بدم ]
[ جئناك كي تحقن الدم ]
[ كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كلّ كفّ؟ ]
[ فالدم –الان- صار وساما وشارة. ]
[ وارو قلبك بالدم..
وارو التراب المقدس
وارو أسلافك الراقدين ]
* * *
[ قلبي الذي يشبه الطائر الدموي الشريد ]
[ دمه يترسب شيئا فشيئا...
فتطلع من كل بقعة دم: فم قرمزي
وزهرة شرّ ]
[ أقول لكم لا نهاية للدم.. ]
* * *
[ إن التويج الذي يتطاول:
يسقط في دمه المنسكب! ]
[ أبي ظامئ يا رجال
أريقوا له الدم كي يرتوي،
وصبّوا له جرعة جرعة في الفؤاد الذي يكتوي
عسى دمه المتسرب بين عروق النباتات
بين الرمال..
يعود له قطرة قطرة ]
[ يجيء أخي غافلا عن كتاب المواريث
عن دمه الملكيّ ]
[ قفوا يا شباب لمن جاء من رحم الغيب،
خاض بساقيه في بركة الدم ].
وفضلا عن ذلك كله يمكن رصد مجالات لغوية أخرى ذات علاقة بموضوعة (الدم) وارتباطاتها بالقتل والموت والجريمة، وذلك مثل: [ السيف، متّ، الحرب، أثكلك، السواد، الحداد، الغدر، الرماد، جثة، سهما من الخلف، الصدام، الحسام، المدنّس، قتلوك، العظام، حزن الجليلة، الثأر، يوقد النار، يد العار، القتيل، طائر الموت، اغتالني، سكّينته، الشهيد... إلخ ].
ففي قصيدة «لا تصالح» مثّلت تجليات الدم مرحلة دلالية أولية من أجل صياغة مفهوم (الدم المهدور).. وهو الحياة التي اغتالتها يدّ الغدر الآثمة من خلال ارتكابها لجريمة بشعة حين أهدر جساس دم أقرب الناس إليه؛ فانقلبت موازين العلاقة الإنسانية من الحب والحميمية الى الغدر والقتل واستباحة الروابط المقدسة، وانقلبت كذلك موازين الحياة وسيرورة أشيائها الطبيعة، وهو ما يوضّحه قول الشاعر:
(هل يصير دمي بين عينيك؟)
فمن خلال الاستفهام الإنكاري تبرز صورة مكثفة لرفض تحول (الدم) بصفته رمزا للعلاقة الالتحامية بين الإنسان والإنسان، إلى (ماء). وهنا يتم إسقاط تحول دم على التحول الدلالي المرفوض لمفهوم الماء اللذي يصبح شيئا سلبيا خاليا من القيمة - وهذا انزياح لغوي ينتهك الدلالة المقدسة للماء - فمع أن الماء رمز الحياة وحيويتها إلا أن الدم، بوصفه علاقة مقدسة تم إهانتها بالغدر والقتل الآثم يسقط تلك الرمزية الحيوية للماء ويهمشها أو يلغيها؛ إذ لا معنى للقيمة المادية أمام القيمة الروحية المقدسة التي يشكل الدم رباطها الوثيق.
والملاحظ ان الجمل الاستفهامية التي برزت فيها حركية الدم وتحولاته تبدأ من الرؤية (بين عينيك) أي أن بين الدم والدم مسافة، ثم تقترب إلى الذاكرة (أتنسى) أي أن الدم صار قابعا في زاوية ما من الذاكرة، وأخيرا تصل إلى التمازج بالجسد (تلبس فوق دمائي) أي أن الدم صار يعم الجسد.
ويمكن إيجاز ذلك التحول فيما يلي:
الرؤية (بُعد) ← الذاكرة (قرب معنوي) ← اللبس (قرب مجسد وتمازج)
هذا على مستوى التشكيل الدلالي، أما على مستوى التشكيل الفني لاستعمال اللغة فإن مقاربة الهيكل اللغوي لهذا التحول المتضمّن في:
1- [ هل يصير دمي – بين عينيك – ماء؟
2- أتنسى ردائي الملطخ..؟
3- تلبس – فوق دمائي – ثيابا مطرزة بالقصب؟! ]
توضح لنا كيف يستثمر التحليل النقدي كمية اللغة والتخلص من كثافتها كجسد مادي يتضاءل شيئا فشيئا كما يلي:
1- هل ......... (حرفان)
2- أ ......... (حرف واحد)
3- ( ) ......... ( )
فالتسلسل – كما هو واضح – يبدأ من الاستفهام ب (هل) وجسدها اللغوي يتكون من وحدتين، وينتقل إلى الاستفهام (بالهمزة)، وجسدها اللغوي يتكون من وحدة واحدة، وأخيرا يأتي الاستفهام بالتنغيم، وهنا تختفي أداة الاستفهام بالرغم من وجوده في الحقيقة لتصبح العلاقة دائرة (الاستفهام) اللذي شكّل مقدمة لصياغة جوّ من التعبير الدرامي، إلى دائرة (النهي) اللذي قطع كينونة الحوار ويخلخل البؤرة الدرامية للتعبير الشعري حين تسيطر صيغة الانفعال اللغوي «لا تصالح» كوضع أخير ونهائي تقف عنده شعرية التعبير الدرامي، فتتوتر الطاقة الشعرية، ويدمّر الكيان التصويري ليحل محله مستوى آخر من التقرير المشحون بالغضب والمباشرة اللغوية. إذ إن خلخلة البنيو التشكيلية والأبعاد الإيحائية والسقوط في المباشرة والنثرية في جملة:
«لا تصالح على الدم حتى بدم»
تقسم النص الشعري إلى مستويين: الشعرية / النثرية، وفي ذلك محاولة لنقل الوظيفه الدلالية من حقلها الخيالي (الصوري) الى حقلها الواقعي (العقلي) الانتقامي، والانصراف - ولو مؤقتا- عن حلمية الشعر وجماليات التخيل الى وضوح الواقع والرضوخ لحقيقته النثرية التي «تشير الى الاستجابة العقليه في حين ان دلالة الايحاء تشير الى الاستجابة العاطفية»(2).
اذن، يمكن القول أن بنية التحول كانت موظفة توظيفا دلاليا متميزا، يكشف عن تماسك وثيق بين عناصر النسيج الشعري لهذا النص على صعيدي الدلاله والتشكيل. فضلا عن ذلك كله يمكن للناقد ان يكشف توظيفا آخر لبعدي الزمان والمكان في العبارة المفتاحية للنص، أي عبارة (لا تصالح)، إذا تم استخدامها - بعد العنوان- بأزمنة تشكل مفاصل أساسية لعناوين مقاطع القصيدة ذاتها، فجاءت «لا تصالح» عنوانا لكل مقطع فرعي من مقاطع القصيدة، أو لكل وصية من الوصايا العشر، غير أن الشاعر - بوعي أو بغير وعي- كرر العنوان «لا تصالح» بما يقارب ضعف عدد الوصايا العشر.
ومن جانب آخر يشكل تكرا استحضار صورة العنوان الإيقاعية والدلالية عبر شرايين القصيدة من أولّها إلى آخرها، تعميقا للبعد الواقعي الذي لا يريد له الشاعر أن يضيع في خصم انشغالنا برهافة التمثل الجمالي لوهج الخطاب الشعري، فضلا عما يكمن في العنوان من تجلٍ واضح «لجوانب أساسية أو مجموعة من الدلالات المركزية للنص»(3)، زد على ذلك أن العنوان المتكرر «لا تصالح» بمثابة (اللازمة) التي تستند مع بقية أجزاء النص إلى وصية كليب التي كتبها بدمه على صخرة وفق ما ترويه الحكاية الشعبية؛ لذلك يشكّل العنوان ستارا أحمر تبدو من خلاله أحداث كل فصل من فصول المسرحية (القصيدة).
ولعل تجليات الدم بأبعادها الدلالية والأسلوبية تكتمل تأسساتها بما تضفيه على النص من تأثيرات إيقاعية مميزة من خلال قافية الميم التي تصنع - عند الوقف عليها - إيقاعا مشابها لإيقاع طبول الحرب (الدرمز) (Drums)، وتتضح ضخامة هذه الإيقاعات وسيطرتها على جو النص حين نعلم ان (الدم) يغرق المكان ويسيطر على كل شيء:
]سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم.
جئناك. كن - يا أمير - الحكم.
سيقولون
ها نحن أبناء عم
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك.
واغرس السيف في جبهة الصحراء..
الى أن يجيب العدم [
فالدم يطغى على المكان، والقبيلة تتوجه للأمير ليكون بطل هذه المسرحية؛ فيوقف سيلان الأحمر القاني وينهي آخر فصولها، إنهم يسعون الى الصلح... لكن الدم لا تتوقف تحولاته. وتغلغلاته في ثنايا المكان، فحتى لو توقف كمادة لغوية تجسد دلالة واضحة ومباشرة، فإنه لم يتوقف على أصعدة أخرى مثل ارتباطات لغوية وثيقة الصلة، من ذلك (الهلاك - وغرس السيف – والعدم). وأيضا يستمر الأثر الإيقاعي لقضية (الدم) متناسلا من خلال كلمات يتناسل منها الإيقاع نفسه، مثل (الحكم – عم – عدم)، وفي هذا النص بالذات أجد ما أشار إليه فاروق شوشة من قدرة الشاعر أمل دنقل على (تطويع الايقاع والرنين الشعري)(4) في أشد حالاته تحققا وتمثّلا.
فالدم (المادة الطبيعية / والمادة اللغوية) مسيطرة على مساحة كبيرة من الديوان. وحين نلتفت إلى الصورة الإيقاعية تتضاعف وتتزايد سيطرة المشهد الدموي من خلال بروز أكبر وأضخم لأجواء الحرب المنبثقة من موسيقى مفردة (الدم) وتكراراتها، ومن تنويعات (البحر المتدارك) فاعلن – فعلن – فاعل...، فالناحية الإيقاعية تنقل إلى أسماعنا مشهد الحركة السريعة، والمتوالية الصوتية من خلال جرس الميم، مما يكشف لنا طبيعة الانفعال الذي يضغط على الشاعر، الأمر الذي لا يسهل على اللغة الشعرية إنجازه إلا بتوفر تلاحم وتعاضد عضوي بين مستويات النص وطبقاته من معجم، ودلالة، وإيقاع... وهذا الأخير «موجود داخل اللغة، وداخل الخطاب، فهو تنظيم (ترتيب وتجل) للخطاب. وبما أن الخطاب غير منفصل عن معناه فإن الإيقاع غير منفصل عن معنى هذا الخطاب. إن الإيقاع تنظيم للمعنى داخل الخطاب»(5) وهو تنظيم قائم على فهم المبدع لطبيعة الصراع بين انفعالاته النابعة من موقف فكري وسلطة للغة التي لا تعد ملكا للشاعر أو المتلقي، مما يجعل الشاعر يحتال عبر تقنية الإيقاع، فضلا عن الصورة، من أجل الوصول إلى جو الانفعال نفسه الذي يحسه الشاعر، وهي مهمة صعبة كما يرى هيجل، فعبر الإيقاع يقوم الفنان «بترنين الحياة الكامنة للأصوات أو اختيار كلمات وتمثلات لغمرها في هذا الجو ولاستحضار شعور بالتعاطف حيالها» (6).
ولعل هذا الترنين وهذا التوقيع يشكل ملمحا أساسيا من ملامح الحداثة الشعرية في إبداع أمل دنقل التي يلجأ فيها إلى «إحالة الدلالة على الجانب الصوتي الموسيقي..ليصيح وقع الكلمة موسيقيا هوة مناط إيقاعها الدلالي» (7).
كما أن المتدارك اسم لا يخلو من دلالة في ذهن الشاعر، فلربما اختاره أمل دنقل للتعبير عن ضرورة تدارك خطأ تاريخي قد ترتكبه الأمة العربية، وفق وجهة نظر مبنية على الواقع ومعطياته، وهي ما قد يشاركه فيها قطاع عريض من جماهير هذه الأمة... لذلك شكلت صيغة النهي «لا» لافتة عريضة في عنوان القصيدة وعتبتها الأساسية (لا تصالح).
وإلى جانب البعد السياسي في النص، تتظافر دلالات اجتماعية وإنسانية للعمل على زيادة مساحة مشهد الدم (الحربي/ والثأري) من خلال استحضار مشاهد أخرى من العلاقات والأواصر الدموية:
بين الأم وطفلها........... [ لتأنيب أمكما ]
وبين الأخ وأخيه.......... [ أقلب الغريب كقلب أخيك؟... أعيناه عينا أخيك؟.. ]
وبين أبناء العمومة........ [ قل لهم إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك ]
وبين العم وابنة أخيه... [ إن بنت أخيك اليمامة زهرة تتسربل – في سنوات الصبا بثياب الحداد].
ولعل هذه العلاقة الأخيرة هي الأشد تأثيرا في سياق النص كله؛ ولهذا نجد حضور ابنة الأخ (اليمامة) في عالم عمها (الزير سالم) حضورا طاغيا استثمره الشاعر استثمارا فنيا جيدا؛ لصياغه تقنيات فنية تعمق المستوى الجمالي للنص، ومن ذلك بروز مستويات الحوار والدراما (الخارجية والداخلية)، وتوظيف (الفلاش باك). فصوت مثل:
[ إن بنت أخيك اليمامة
زهرة تتسربل – في سنوات الصبا-
بثياب الحداد... ]
فهذا صوت على لسان راوية (غائب)، يتم تحويله مباشرة وتحويل زمنه لينتقل الخطاب من حقل الزمن الحاضر حيث سنوات الصبا، وثياب الحداد/ زمن ضياع الشباب، وزمن الحزن والهزيمة.... وهي معطيات تروى على لسان غائب (ربما كان المغدور (/ إلى حقل الزمن الماضي حيث:
[ كنت، إن عدت:
تعدو على درج القصر
تمسك ساقي عند نزولي
فأرفعها – وهي ضاحكة –
فوق ظهر الجواد... ]
ونلاحظ أن معطيات هذا الزمن تتضمن معاني نقيضة للزمن الآخر، فهنا نلاحظ دلالة الفرح والحيوية والضحك، وكل ذلك يروى على لسان متكلم (عدت... كنت...) لا غائب. فهذه المراوحة بين الزمنين، والمقارنة بينهما تدعونا لاختبار الفكرة الزمنية الكلية في هذا الديوان
(أقوال جديدة عن حرب البسوس)، وهي الفكرة القائمة على جعل الماضي مرآة للحاضر، والعكس صحيح، بمعنى أن حرب البسوس كانت قدرنا، فلم نهرب من قدر أجدر بنا اليوم أن نواجهه ونتعامل معه؟! ولعل الشاعر كان قادرا على قول ما يريد بطريقة شعرية مغايرة، ولكنه آثر الاتكاء على التراث بأسلوب حداثي يساير فيه حداثة الشعر العربي المعاصر، محولا «القصة السردية إلى حدس شعري أو معادل للحقيقة (لتتصل) صورة التراث في الشعر بالنظرة العربية الحديثة له، وهذه النظرة تشغل حيزا من اهتمام المفكرين العرب لأن القضية متصلة بالوعي القومي العربي»(8). وهي كذلك عند الشاعر، ولكنه - بصفته رائيا - لا يسلّم فنه وأدبه لجماليات القصة التراثية وإيحاءاتها، وإنما يفضل -دائما- أن يكون هو سيد الموقف الشعري وصانع جمالياته الخاصة. ومن هذا القبيل استخدامه (لصيغ الاستفهام) التي تزخر بها قصيدة (لا تصالح) والتي تشكل واحدا من أبرز تجليات الهاجس التحولي، إذ يشكل هذا الاستفهام أنماطا عدة من التحولات على مستويات: - الإنسان، واللغة، والمعرفة، والزمان، والمكان...
[أ] ترى...؟
[هل] ترى...؟
[هل] يصير دمي بين عينيك ماء...؟
[أ] تنسى ردائي الملطخ...؟
تلبس... [؟]
[أ] كل الرؤوس سواء..؟
[أ] قلب الغريب كقلب أخيك...؟
[أ] عيناه عينا أخيك...؟
[أ] تتساوى يد... سيفها كان لك
بيد سيفها أثكلك..؟
[فما] ذنب تلك اليمامة...؟
[كيف] تخطو على جثة ابن أبيك...؟
[كيف] تصير المليك...؟
[كيف] تنظر في يد من صافحوك فلا تبصر الدم...
في كل كف...؟
[كيف] تستنشق الرئتان النسيم المدنس...؟
[كيف] تنظر في عيني امرأة...
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها...؟
[كيف] تصبح فارسها في الغرام...؟
[كيف] ترجو غدا لوليد ينام...؟
[كيف] تحلم أو تتغنى بمستقبل لغلام
وهو يكبر - بين يديك - بقلب منكس...؟
لا تصالح.
فقراءة بنى التحول في الاستفهام المبثوث في ثنايا النص تشير الى ما يلي :
(أ) تحول السائل / إلى مجيب (تحول الانسان).
(ب) تحول زمن السؤال من الماضي / إلى زمن الاجابة الحاضر (تحول الزمان).
(ج) تحول ميدان المعركة قديما / إلى ميدان مكاني آخر حاضرا (تحول المكان).
(د) تحول السؤال من صيغة انشائية / إلى اجابة بصيغة خبرية (تحول اللغة).
(ه) تحول الفراغ الاستفهامي / إلى امتلاء معرفي بعد الاجابة (تحول المعرفة).
وهكذا تسهم التحولات في تشكيل جانب مهم من جوانب إطار النزاع والصراع واستحالة التصالح في نظر الشاعر ما دامت العلاقة الأساسية بين عناصر النص وبناه اللغوية علاقة تحولية افتراقية، وهذا مسوغ آخر لبقاء ثيمة الدم متجلية أمام عيني الشاعر، وماثلة لعيان المتلقي. زد على ذلك كونها لازمة تقوم عليها القصيدة. فصيغة (لا تصالح) وإيحاءاتها نفذت إلى باطن
اللغة وصارت نسغا لجذورها، فتشكلت في ثنائيات ضدية تبتر أية علاقة محتملة بين الأنا والآخر، وتصوغها صياغة استحالية، فلا يعود يربط بينها أي رابط سوى الثأر وهو معنى آخر من معاني (الدم).
وبما أن المقاربة النقدية هنا تستند إلى أسس فنية في التحليل وصياغة النتائج فإنه يحسن بي أن أشير إلى اختلاف منهجي مع بعض النقاد والدارسين ممن تناولوا شعر أمل دنقل، وجانب الاتكاء على رموز التراث عنده، من أجل خلق أقنعة وتقنيات فنية حداثية، ففي هذا السياق أشير إلى ضرورة عدم الاكتفاء بأدلة خارجية لكشف علاقة الشاعر بغيره من الشعراء السابقين، وأعني ما ذهب إليه رجاء النقاش من دنقل على تجربة قسطنطين كفافي(9)، وتجريد تجربة دنقل من الخصوصية والتفرد، مع أن الأخير وظّف رموز التراث العربي توظيفا واعيا، لا مقلدا للتعبير عن مواقف قومية وغضب جامح على الأوضاع العربية بوصفها واقعا قائما، أو مستقبلا ممكنا، وبرغم مشروعية وجود التأثر والتأثير، إلا أن الجذوة الحقيقية لصناعة خطاب شعري حداثوي قائم على معطيات تاريخية وتراثية تعود إلى احساس الشاعر نفسه، وإلى رؤيته الفنية والموضوعية للمعاني والأشياء ؛ وأعني بذلك أن أمل دنقل عرف باستيعابه العميق لملامح المرحلة التي عاشها، وإحساس واضح بارهاصاتها المستقبلية بناء على فهم فكري ناضج وعميق للتراث، وبالتالي، معرفة نقاط التشابه والتلاقي بين انكسارات الأمة وأخطائها التاريخية من جهة، والعديد من الهزائم والانتصارات على المستوى القومي الشامل من جهة أخرى، الأمر الذي يتيح لشاعر راء النفاذ إلى قراءة مستقبلية تكون أشبه بقرع ناقوس الخطر والتنبيه على ما هو أشد وأعظم.
ولعل الدكتور خالد الكركي كان قد ركز بشكل واضح على فهم السياق العام لتجربة أمل دنقل وفهمها على أنها توظيف بارع، وليس مجرد تأثر وتأثير، وعلى ذلك نجده يصف قصيدة (لا تصالح) بأنها عمل متميز «في استشراف للمستقبل، ووضوح الرمز الذي يصل بين ماضي وحاضر»(10) حتى تغدو القصيدة أشبه بالنبوءة ويغدو الشاعر عرافا بارعا.
إبداع اللغة في الرمز الخمري
عند عائشة الباعونية
«مدخل ومقاربة أولية»
يظل الكون الشعري لشعراء الصوفية مفتوحاً وقابلاً لعشرات التأويلات، سواء المعتمدة على معطيات المعجم الصوفي والمعرفة العرفانية أو المعتمدة على ثراء اللغة وفيوضاتها الدلالية وديمومة التوالد الناجم عن قوة المجاز وتوثباته.
وفي هذا الإطار تدرس هذه الورقة وهج اللغة وتجليات الرمز الخمري في شعر عائشة الباعونية (11). ولأن شعر الباعونية لم يجمع في مجموع كامل مكتمل حتى الساعة، فسأعتمد على أشعار متفرقة لها في بطون المصادر والمراجع، باحثاً عن توظيفها لرمز الخمرة وسياقاته، ومعلوم أن للمتصوفة معجمهم الخاص، وعالمهم الرمزي الذي يحيط بهم، وإذا كان هذا الأمر يشكل تيسيراً للدارس في محاولة تأويل الشعر الصوفي وفهمه من جهة، فهو من جهة أخرى يعد واحداً من أهم المحاذير التي ينبغي التنبّه لها عند تناول النص الصوفي؛ ذلك أن هذه المرجعية الرمزية ربما تحيل كل النصوص الشعرية الصوفية إلى نص واحد، فلا يعود هناك أي فرق بين شاعر وآخر.
لذا ينبغي على الدارس أن يأخذ بعين الاعتبار انفتاح النص الصوفي على مرجعياته الرمزية من ناحية، وكونه بنية لغوية مغلقة ذات سمات خاصة بها من ناحية ثانية. ثم إننا في دراسة شعر عائشة الباعونية، وتناول رمزية الخمرة وتجليات معجمها اللغوي، يجب أن نلتفت إلى فرادة التجربة عند الشاعرة ذاتها، فالباعونية متصوفة لم تعتزل الحياة، بل مارست تفاصيلها التي يمارسها الإنسان العادي، وهي بذا تختلف عن رابعة العدوية على سبيل المثال، كما أن شعر المرأة في العرفان الصوفي قد يصوغ واقعاً فنياً مختلفاً عن شعر الرجل في هذا الإطار. وعلى أية حال فإن قراءتي لتجليات الإبداع اللغوي في شعر الخمرة عند الباعونية ستعنى بالنص وعناصر الإبداع الفني فيه وعلى رأسها اللغة، في محاولة لاكتناه هذه المنطقة في عالم الشاعرة، والإمساك باللحظة الجمالية التي يوظف الشاعر كل طاقاته الفنية للوصول إليها، فهذه اللحظة، أي «لحظة الاندماج الكلي، من أجلها يلجأ الصوفية إلى الرموز التي تعبّر عن نشوة المعرفة الروحية بألفاظ العشق الجسدي»(12)، وغيرها من ألفاظ اللذة والمتعة الحسيتين، لذا فاللجوء إلى الخمرة والبحث عن حال السكر مسألة تقع في صلب الرغبة بتوصيل التجربة ونقل الإحساس بها إلى الآخر على حقيقتها، خاصة وأن السكر (حال) وهو بطبيعة الحال طريق إلى (مقام).
كغيرها من المتصوفة لجأت عائشة الباعونية إلى (رمز الخمرة) للتعبير عن العديد من المعاني المتعلقة بعالمها الصوفي، وقد استفادت في هذا من تراث العرب الشعري في وصف الخمرة من ناحية، ومن تراث المتصوفة في خمرياتهم، لتعبر عن (الحب الإلهي) الذي هو غاية المتصوّف ومنتهاه، تقول:
إليها بها فيها على المدى
حنيني ووجدي وافتضاحي ولهفتي
قبيح عليَّ الصبر عنها وبيننا
عهود نراعيها بحفظ المودّةِ
ولهت بها حتى رموني بجنّة
وما بي جنون، بي غرام بجنّتي
غذيت بها في عالم الذر وانتشى
على نشوتي من شربها طفل جملتي
أنفت بها مني وأصبحت في الهوى
أغار عليها أن تمر بفكرتي
سقاني حميّا الحب من قبل نشأتي
ومن قبل وجداني طربت بنشوتي
دعاني هواه فاستجبت بجملتي
إجابة من أفنى بباقي الهويّة(13)
ففي هذا النص نجد لغة عالية الرهافة وظفتها الشاعرة لوصف (الخمرة) والموقف منها، فاستخدام (إليها) (بها) (فيها) دلالة على إحاطة الخمرة وسلطتها وشمولها لعالم الشاعرة المكاني / وكذلك الزماني في قولها على (المدى). غير أن الإحاطة الحسية (زماناً ومكاناً) هي مجرد إحاطة أو سلطة خارجية، إذ تكشف كثافة اللغة الشعرية عن سلطة أو سيطرة أشد على الشاعرة داخلياً، أي عبر معجم شعوري يعتمد ألفاظاً نفسية وعاطفية شعورية مثل:
حنيني / وجدي / افتضاحي / لهفتي
الصبر / العهد / المودّة
ولهت / جِنّة / جنون / غرام / جِنّتي
انتشى / نشوتي / جملتي
أنفت / أغار
حميّا الحب / نشأتي / وجداني / طربت / بجملتي
فكل هذا المعجم متوالد عن حضور الخمرة التي اتخذتها الشاعرة جسراً للعبور نحو عالم من المشاعر التي ينقلنا إليها المعجم بشيء من العمق الذي يصوّر لنا شدّة التأثير ومدى تمكّن السلطة الناجمة عن اختيار لغة تحيط بالجسد والعقل والحواس بحيث تشمل الإنسان في جميع أحواله، أعني (التوازن / وعدمه).
فالاتكاء على المعجمة وكثافة الحضور اللغوي أغنى الشاعرة عن جوانب أخرى من الفن فلم نعد نجد للصورة الشعرية مثلاً، ذلك التأثير أو الدور في إبداع المعنى وتصوير الأحاسيس. إذ باتت اللغة كفيلة بذلك، وكأني بالشاعرة تعيد صياغة الأشياء والمفاهيم، فلدى الصوفية (تتسع الرؤية فتضيق العبارة) لكن عائشة الباعونية ترى أنه قد (تتسع الرؤية فتتسع العبارة) تبعاً لذلك. ولنتابع ذلك في النموذج الآتي:
بشريف ذكر الواحد الخلاّق
لذّذ فؤاداً ذاب بالأشواق
وأعدد وكرِّر ذِكره يا مطربي
وأدر سلافة حبه يا ساقي
ولكم بها غابوا عن الأغيار مذ
هاموا بها في سائر الآفاق
ولكم بها ذابت قلوب فاعتدت
تجري من الآماق والأعماق
ولكم بها قد عاش بعد مماته
حب وكم قد مات من عشّاق
وإذا تضوّع نشرها في وجهةٍ
عمّ الوجود وسائر الآفاق
فمتى أنل منها رواءً موصلاً
لفنائي في ذاك الجمال الباقي
وعلى الرغم من أن الخمرة في الآخرة هي إحدى جوائز المؤمنين والأبرار، إلا أن الصوفي الشاعر أو الفنان يقدمها لنا ضمن إطارها الدنيوي مع ما يتعلق به من مناظر للحانة، والساقي، والشرب، والطرب لصناعة أبعاد درامية للعلاقة بالخمرة، تحاول الشاعرة من خلالها تطوير هذه العلاقة للوصول إلى قمتها أو ذروتها في (الرواء الموصل) إلى الفناء بالمحبة الإلهية التي يغيب بها المرء عن الأغيار.
وفي دراسة لشعر عائشة الباعونية رصد الدكتور حسن ربابعة الموقف الخمري عندها محاولاً كشف ملامح (حال السكر) فوجده ينقسم إلى ثلاثة أقسام: (الذوق والشرب والري) مشيرا إلى أنها تعتمد على تراث الصوفية في ذلك، فقد جاء عند القشيري وغيره شيء من التفصيل في هذه الاصطلاحات التي تشرح (حال السكر) عندهم. لذا فالذوق «يحصل للذائق بانكشاف الجمال له، ويحظى بشيء منه نفساً أو نفسين، وأما الشارب فينكشف له الجمال ساعة أو ساعتين، وأما المرتوي فهو الذي يتوالى الأمر به ويدام له الشرب، حتى تمتلئ مفاصله وعروقه من أنوار الله المخزونة»(14). ولما كان هذا التقسيم تراثاً عاماً للمتصوفة فإننا بحاجة إلى إعادة النظر في طرائق التعبير عند كل واحد منهم، لذا فسؤالنا هنا يدور حول طبيعة اللغة الشعرية التي عبّرت بها عائشة الباعوية عن هذا (الحال).
لقد عبّرت الباعونية في بعض أزجالها عن مرحلة (الذوق) قائلة:
يا فقرا أفنوا الإحساس
في خمرة راقت في الكاس
ذايقها في الناس قد كاس
والريان فيها سلطان
ولعل اختيارها لهذا الشكل اللغوي الشعبي والبراعة في التركيب وإبداع العلاقات داخل الجملة نمط من الكثافة البنائية التي تشكل بحد ذاتها دلالة مقصودة، لذلك جاء التركيب كما يلي (ذايقها في الناس) دلالة على عمومية مرحلة الذوق وعدم التميّز فيها، أما قولها (الريان سلطان) فالدلالة واضحة على التملك والتفرد والتميز والوصول حيث لاحظنا كيف جاءت العلاقة مباشرة بين (الريان وسلطان) دون أي فواصل لغوية كتلك التي جاءت في قولها (ذايقها في الناس..).
وإذا كان (الذوق) هو المقدمة والمفتتح، وهو مسألة عامة ومشتركة، فإن المرحلة التالية والدائمة، وفي ذلك دلالة على أن الوصول إلى مرحلة (الري) تسبقه مجاهدة ومكابدة طويلة مثلتها حال الشرب التي ستنتهي يوماً إلى (ري):
سقاني حميّا الحب من قبل نشأتي
ومن قبل وجداني طربت بنشوتي
هي الشمس، إلا ما تغيب وإنها
لتطرح أهل الشُربِ في تيه غيتي
لها البدر كأس والنجوم حبابها وندمانها الأحباب أهل المحبة
وكأس بلا كيف، وخمر مروّق
بدن تداني حل حال المحبّة
يدور بلطف يمتلي بعناية
يفوح بروح فيها روحة راحة
فاللغة وتركيباتها هنا هي التي توطّر التجربة الصوفية المتميزة بالفرادة، وتشكل له عالماً مختلفاً عن عوالم الفن الأخرى (الشعراء من غير المتصوفة) ممن يعتمدون في فنهم على الخيال والصورة الشعرية بدرجة أولى، لكن اللغة هنا ذات سلطة مطلقة في التعبير عن الحالة بدقة متناهية، فالشاعرة تجهد نفسها في إيصال فكرة (اللامدرك) في شرح حال السكر الذي لا شرح له.
فالسقيا في النص تمت من قبل النشأة (زمن المجهول) والخمرة تطرح أهل الشرب في تيه الغيبة (مكان مجهول) والكأس بلا كيف ويفوح بالروح (هيئة مجهولة).
إذن نحن أمام جهد لغوي يعمد إلى غلق عالم الخمرة وتحديداً في مرحلة (الشرب) المرحلة الوسطى ليصبح نظام السياق الخمري عندها كما يلي:
الذوق --> حالة عامة تشكّل بدايات السلوك.
الشرب --> حالة مستمرة تدخل السالك في مجهول الزمان والمكان والهيئة.
الري --> وهي نهاية طريق السالك التي تؤدي به إلى (الحقيقة) حقيقة الامتلاء بالمحبة الإلهية والقرب الأبدي من الذات المقدّسة.
البُنى الصورية في ديوان(شبابيك أتعبها الانتظار)
لعلي البتيري
تظل القراءة المثلى للخطاب الشعري مشروعاً غير منجز ما دامت القصيدة كائناً حياً يسبح في فلك التلقي ودوائر الطرح الإبداعي، غير أن اقترابنا من هذا النمط من القراءة يظل هو الآخر عملاً منوطاً بكفاءة القارئ، ومدى امتلاكه لبصيرة نافذة، ورؤى شفافة تمكنه من وضع يده على السمات الأشد اشتهاراً وبروزاً في الخطاب المقروء. وديوان (شبابيك أتعبها الانتظار) لعلي البتيري (وزارة الثقافة، ط1، 2004) تلفّه متوالية من الصور التي تجعل من اليسير وصف بنيته الكلية بالبنية الصورية، إذ لم تعد تشكل الصورة في شعر البتيري أحد عناصر البناء الإبداعي في النص الشعري فحسب، بل صارت الصورة الشعرية بانثيالاتها وتتاليها وتداخلها هي البناء الشعري ذاته.. وهذه الطاقة العالية من الخائلية الإبداعية تؤسس لنمط جديد من الخلق الشعري الذي يشترط استعداداً قرائياً جديداً، ويتطلب من المتلقي طريقة في القراءة أقرب ما تكون إلى (البصرية) وما يتعلق بها من تداخلات التلقي البصري للفنون الأخرى (الفن التشكيلي، النحت، والعمارة، السينما).
تمثل عتبة الديوان (عنوانه) نموذجاً جديداً لطبيعة البناء الصوري، إذ تشكل جملة (شبابيك أتعبها الانتظار) مدّاً بصرياً يستثير القارئ لمواجهة دال لغوي لا يمكن محاورته أو الوعي به إلا من خلال تخيل لوحة سيريالية تمثل مجموعة من الشبابيك ذات السمة الإنسانية، وقد هزلت أطرافها واتكأت على مجموعة من العصي (العكاكيز) من شدة التعب، فضلاً عن تخيل قطرات العرق يتفصّد من جبين كل شباك منها، ويمكن أن تضيف الصورة بعض الملامح لعيون ذابلة مرهقة حزينة على طريقة سلفادور دالي.. غير أن البناء الصوري مهما كانت مستويات الدلالة فيه لا يمكن عزله عن بقية آليات الدلالة النصية (اللغوية) إنما ينبغي على القراءة خلق نوع من التقاطع والتشابك بين مختلف مستويات الدلالة.. فبالإضافة إلى تلقي الصورة بوصفها دالاً لابد من فهم الاختيار اللغوي لكلمة (شبابيك) بصيغتها الجمع، وكذلك كونها نكرة وما لهذين الخيارين من دعم لغوي معجمي للبنية الصورية الكلية فيها.
يمكن القول أن قصائد ديوان (شبابيك أتعبها الانتظار) تقترب من نمط القصيدة القصيرة، وهذا النمط من الشعر فيه خصوصية تميّزه، وربما يفقدها لو طالت القصيدة وغادرت قصرها؛ لأن القصيدة القصيرة كما يقول إحسان عباس «لابد أن تكون شكلاً يؤدي وظيفة لا تؤديها الأشكال الشعرية (أو الروائية الطويلة)»(15)، ويرى أيضاً أن هذا النمط من الشعر «عميق بإيماءاته.. والمدخل الصالح لقراءته أن نرسل أنفسنا على سجيتها، وأن نتخيل جميع الأبعاد الممكنة، وجميع الشحنات المستكنة التي تمثلها اللفظة أو الصورة»(16). وهي الطريقة التي أجدها جزءاً أساسياً من اشتغالي على ديوان (شبابيك أتعبها الانتظار) للوصول إلى تحديد للبنى الصورية فيه.
وبانتقالنا من عنوان الديوان نفسه إلى (عناوين القصائد) أود أن أشير إلى أن العنوان، في هذا النوع من القصائد تحديداً، هو جزء لا يتجزأ من القصيدة ذاتها، أعني أنه أحد الدوال التي لا ينبغي إهمالها في عملية القراءة، وقد أطلقت الدراسات السيميائية الحديثة اسم (العتبات) على عناوين الأعمال الأدبية على اعتبار أن العتبة موقع ومكان بدء وانطلاق من الخارج إلى الداخل(17).
وبالعودة إلى علي البتيري، واختياره في العنونة لقصائد شبابيك (أتعبها الانتظار) يمكن رصد تكوينات صورية يمثل كل عنوان فيها (لوحة) مفتوحة على أفق النصّ أحياناً، فهي مدخل وبدء، ويمكن ملاحظة لوحات مستقلة تشكّل نصوصاً موازية (paratextuality)، أي أن اللوحة في العنوان هي بناء صوري مصغر للبناء الصوري داخل القصيدة كلها. فمثلاً (وردة الفجر) (المتوهج) (حارس الانتظار) (نواح النجوم) (همسة خفيفة) (كتاب الصمت) (وردة الاعتراف) (شبابيك أتعبها الانتظار) (قالت لي الشمس) (همسة الجذور) (مطر الروح) (وردة الدعاء) وغيرها من عناوين تشكل لوحات تشكيلية مرسومة بنسب عالية من الكثافة التعبيرية لتشي بخطاب لغوي ينبني على الطاقة الخائلية الواعية لكافة تفاصيل (البنية الصورية) لهذه اللوحات وما تقدمه من فاتحة لدالّ النص من جهة أو دائرة مغلقة من الدلالة الموازية من جهة أخرى.
وللمزيد من الإيضاح لعمل الشاعر في ترسيخ هذين الخطين من البناء الصوري
1- بنية الفاتحة الصورية
2- البنية الصورية الموارية
سأكتفي باختيار نموذجين من قصائد الشاعر في الديوان موضوع الدراسة. الأول بعنوان (وردة الاعتراف) وهو نص يشي عنوانه ببنية تعارضية Paradox بين السياق الجمالي لحضور الورد من جانب والسياق السلبي لمسألة الاعتراف التي تنبني على حضور الذنب أولاً، فنحن إذاً أمام هذه البنية التعارضية التي تفتح للشاعر أفقاً من الأبنية الصورية والدلالية لتأسيس نص كانت فاتحته (وردة الاعتراف):
ثلاثون عاماً
تفتّت قلب الطريق
وأنت تعيد لنبضك
ذاكرة الاحتراق
ونلاحظ الانطلاقة الزمنية للنص (ثلاثون عاماً) ووظيفتها السردية، ثم رسم لوحة الطريق مفتت القلب (تفتّت قلب الطريق) وهو طريق من الأخطاء والذنوب التي قادت إلى لوحة (ذاكرة الاحتراق) وما تحمله هذه الذاكرة من معان قريبة:
سألتك يا قلب:
كم مرة طاردتك الرياح
ولنعمل على جمع هذه اللوحات (قلب الطريق) (ذاكرة الاحتراق) (طاردتك الرياح) لنؤسس لرؤية تصويرية تراوح بين عناصر المحسوس واللامحسوس، وتحرص على توليف خائلية شديدة الحرص على الإحاطة بسرّ المعنى ومراوغة الدلالة ليقف الشاعر باللغة في منطقة وسطى تقترب من الإفصاح ولا تفصح، وتقل عن الإبهام فلا تنبهم. ويزداد تشكّل هذه المراوغة أيضاً عبر محاولة الشاعر لتقطيع المشاهد الصورية / اللوحات / اللقطات بشيء من الدرامية (سألتك يا قلب.. سألتك كم مرة.. قم من سرير الضلوع.. قدّم معي وردة الاعتراف.. حاول معي رغم هذي الدموع..).
فالصورة التي مثلت شرارة النص الأولى كانت بمثابة فاتحة أشرعت بوابة النص على مجالات صورية كان لابد أن تترى وتتوالى، وساعد في ذلك التوالي بنية السرد التي انطلق منها النص (ثلاثون عاماً) بالإضافة إلى تطوير هذه البنية بمزيد من اللحظات الدرامية التي يحاور فيها الشاعر (القلب) كما بدا آنفاً.
لقد مارس الشاعر في هذا النص نمطاً مدهشاً من (الرسم بالكلمات) في إطار مغلق وشديد التماسك، مسرود بطريقة سينمائية تذكرنا بتقنيات (الفيلم القصير) مكثفاً فيها عدداً من التعالقات النصية مع العيد في شعر المتنبي، والروح السريالية عند سلفادور دالي، وخيبة الأسطورة في حضور الحبيبة التي تشبه بينلوب في انتظارها ليوليسيس دون جدوى:
لعل الحبيبة تطلع
من بسمة العيد كالصبح
تلثم فيك الجراح
وتحضن من شدو الشوق ورداً
على العتبات ترامى
أما النموذج الآخر للوقوف على تجليات البنى الصورية، والذي يمثل (البنية الصورية الموازية) والتي تتكرر فيه الصور باختلاف مشاهدها وألوانها وخطوطها لتعرض لنا صورة واحدة ولكن من زوايا عدة، تماماً كما الكاميرات التي ترصد المشهد السينمائي ذاته عبر توزعها في زوايا مسرح الأحداث فهو نص (قمر الماء) الذي يسيطر على بنيته الصورية حقل دلالي واحد هو الصورة الكروية، ففي العنوان يتبدى (القمر) ثم تتكرر صورته داخل النص بشكل (قمر غاص في الماء)
مستدفئاً بثياب النجوم
وسحر استدارته
وتتكرر هذه الاستدارية الكروية فيما بعد بصورة الدوران عبر قوله (لطائر عشق يحوم على شرفة البحر) وبصورة (استدارة وجه الحبيبة) ومن ثم يبرز التجلي الأخير لهذا النمط التخيلي (تفاحة الروح) ولينغلق حقل الدلالة هنا.
إن هذا التشكيل الاستعاري (الشكلي) من خلال البناء الاستداري للصورة وتجلياتها يكشف عن بُعد نفسي تقع بؤرته في قول الشاعر (يسأل سرب النوارس) وهو السؤال الذي لا يتلقى الشاعر إجابة عنه، فيما يعني إعلاناً عن نوع من الضياع والتوهان داخل هذه البنية الاستدارية لأنماط من المتخيل الذي مثلته عوالم الأشياء الحية وغير الحية (القمر، الوجه، التفاحة، الاستدارة) فضلاً عن أفعال / أحداث مثل: (يحوم) وغير ذلك.. وهو توهان داخل هذه الدوائر ناجم عن حالة من العشق، وهي حالة توهان بحد ذاتها يرسمها الشاعر فتتشكل بعالم من الخيال الدائري الذي عكس ما أسميته (بالبنية الصورية الموازية).