eKtab
EN ع
ليلة الإمبراطور
اقرأ عينة مجانية

ليلة الإمبراطور

بقلم غازي حسين العلي

صفحة 1

خطفَ سعاد بطيارة وراح يدور بها من قارّة إلى قارّة

رأيت فيما يرى النائم، أنني أجلس القرفصاء على سجادة حمراء داخل قفص خشبي مزخرف. كان وجهي مصبوغاً بالأخضر والأحمر، وجسدي يضج بقرقعة الحليّ، وثوبي بالكاد يستر بعضاً من وركي وصدري، ويتحلق حولي رجال كثر، بشواربهم الكثة المعقوفة وذقونهم النابتة، وهم يرمقونني في شغف من قدمي حتى رأسي.. وكان أحدهم لا يتوقف عن مغازلتي ورمي الكلمات النابية في وجهي، وهو يحرّك بين الفينة والأخرى، وبطريقة استعراضية وقحة، موضع نظرات عينيه المنغرزتين في لحمي. وحينما كنت أرشقه بنظرة حادة من طرف عيني وهو يفعل ذلك، تداخلني الرغبة في البصق عليه، لكن القواد الذي كان يقف إلى جواري ويساومهم على استئجاري، لم يكن يدخر جهداً في مراقبة نأماتي وحركاتي وهو يدعوني، قبل فوات الأوان، إلى مزيد من التغنج والدلال، وإلا دفعت ثمن بلادتي وسوء فهمي وتصرفي. وفيما كانت تتناوشني نظرات العابرين ولمسات بعض العسس المندسين، كان القوّاد يدور حول القفص، يستدرج العابرين بصوتٍ ناعم سلس: اسمها سعاد.. هيفاء ميساء، وجهها أبيض مدوّر مثل البدر،وشعرها أسود مثل الحبر.. صدرها مكتنز يملأ كفين، ووركها فخيم لحيم يملأ حوضين.. خصرها ناعم مستدقٌّ، وبطنها بطن فرس حر غير مسترقّ ....

اقترب منه أحدهم وسأله: وبكم معاشرتها يا أخا العرب؟

فقال له القواد: بعشرة دراهم.

وحين وجد الرجل يعقد حاجبيه ويزمّ شفتيه مستغرباً، أردف يقول مستنكراً وهو يتملاني من فوق إلى تحت: إنه مبلغ ظالم على هذا الخصر الضامر والورك العامر.

واقترب منه آخر وسأله: يا أخا العرب، إن لي فيها رغبة والله، ولكني أخشى أن تكون مصابة بداء فتعديني، فهل عرضتها على طبيب قبل أن تحضرها إلى هنا.. فتنجيني؟

فأجابه القواد:بالطبع يا سيدي، فقد عدت بها للتو من مركز الأمراض السارية في حي الزبلطاني، وهي والحمد لله خالية من كل داء، وخاصة من هذا البلاء الأعظم الذي يسمونه الإيدز.

ويقترب منه ثالث ويسأله في ضعف وتذلل: ألا تكفيك خمسة دراهم يا أخا العرب، فنحن في سنة محل كما تعلم، وليس في الجيب ما يكفي لسد حاجة الباه. فيرد عليه القواد: اعذرني، فأنا لست ممن يلعبون بالأسعار مثل بعض التجار، وتسعيرتي هذه من وزارة التموين.

فوجدتني وأنا على هذا الحال، أشعر بالملل يحوطني، وبالتعب ينخر عظمي ويرخي مفاصلي، فاستلقيت على أرضية القفص.. وغفوت.

وإذ أصحو من النوم مذعوراً، أجدني أتحسس نفسي، فلا أجد حليّاً تخشخش على جسدي، ولا نهدين مكتنزين يتربعان على صدري، ولا وركاً لحيماً يتوسط وسطي.. فأعرف حينئذ أن كابوساً ركبني، وأنني رجلٌ ككل الرجال، فلا قفصاً يحوطني، ولا قوّاداً يقودني.. فنهضت لتوي من على السرير، رغم أن الوقت كان لا يزال مبكراً على الالتحاق بوظيفتي، فتعوذت بالله من الشيطان الرجيم، ثم سألت نفسي سؤال الحائر المستفسر: ما دخل سعاد الحلم التي كنتها بسعاد حبيبتي؟! فتذكرت في الحال أنني مساء أمس، وقبل أن أخلد إلى النوم، قرأت مئات السطور من كتاب “البغاء عبر العصور” الذي استعرته من أحد أصدقاء الدراسة. وكان ذلك الكتاب الفريد قد فتح أمام عيني باباً جديداً لم أكن أعرف عنه شيئاً من قبل، أما أحداثه وشخوصه وأمكنته فقد استحوذت على تفكيري، ما جعلني في ذلك الصباح الباكر، أعتقد بما لا يقبل الشك، أن ما جرى لي في ليل أمسي البهيم ذاك، ليس سوى أضغاث أحلام، وبقايا من كلماته وصوره، فقررت في الحال نسيانه، وعدم الغرق في تفاصيله وأوراقه.

وعلى غير عادتي في مثل هذا الوقت المبكر من النهار، فقد وجدتني أجلس إلى طاولتي لأكتب رسالتي رقم ستة وثلاثين إلى حبيبتي سعاد، التي لم أرها منذ يوم خطبتي لها، أشرح فيها ما يعتمل في قلبي، وأُعيد لها سرد قصة حبي وودي... فكتبت أقول:

(( حبيبتي الغالية سعاد...

أبثك أشواقي ولوعة أشجاني...أما بعد:

فإليك حبيبتي أهتف من أعماقي، وفي أجوائك أنفث أناشيد غرامي. أنا لا أزال كما كنت، أطوي ضلوعي على آمال أودعتها في طيات فؤادي وتلافيف دماغي، وحبك لا يزال في قلبي، كما عهدته، يدب في ربيع حديقتك، وإني يا حبيبتي شديد الإيمان بهواكِ، ولم أستطع رغم مرور كل هذه الأيام، تفسير صمتك المميت الذي يدميني! وإن عدم اكتراثك لرسائلي عرّضني لجرح مؤلم أججته عواطف ثائرة في حنايا ضلوعي..

لمَ صمتك؟ ولماذا لا تردّين على رسائلي؟ أجيبيني بالله عليك، ولا تدعيني أتخبط في بحور الحيرة والقلق، فقد كفاني انتظاراً وعذاباً واضطراباً.... حبيبك المعذب سعيد))

قرأت الرسالة مرة ومرتين وثلاث، ثم طويتها على مهل، وأنا أتخيلها تركن بحنو بين يدي سعاد، بعد أن وضعتها داخل مظروف أبيض دسسته في جيب سترتي، مستحضراً كعادتي ما قاله لي ذات يوم جد المحبين المدعو ابن حزم الأندلسي، بأن ما حدث لي ما هو إلا هجر أوجبه العتاب لذنب وقعت فيه، وأن فرحتي بالرجوع إلى حبيبتي سعاد سيكون فيه سرور الرضى عما مضى، ذلك أن رضى المحبوبة بعد سخطها، سيكون لذة في القلب ما بعدها لذة، وموقعاً في الروح لا يفوقه شيء من أسباب الدنيا.

تعرّفت إلى سعاد يوم كنت في أمانة المحافظة،أراجع رئيس دائرة مكافحة الكلاب الشاردة، في مظلمة وقعت عليّ من رئيس البلدية الذي لم يدفع لي مكافأتي الشهرية، بعد قتلي ثلاثة كلاب جعارية. وبينما كنت أنتظره حتى يفرغ من أشغاله، دخلت عليه سعاد تستوضحه في أمر، فعرفت أنها تعمل في نفس الدائرة، وأنها واحدة من معاونيه.. واستغربت لحظتئذ، سرّ دخولها عقلي واستيطانها قلبي.

صفحة 2

في البيت عرفت السر...

فسعاد أمانة المحافظة، تشبه المرحومة سعاد حسني، التي طالما استحضرتها إلى فراشي ليلاً. كنت أقول لها: أنا مغرم بك يا سعاد، ولم يفتني فيلم لك إلا وحضرته عشرات المرات. وكانت تضع عينيها في عيني، تضحك وتضحك حتى تغرق في الضحك، ثم تقول لي في غنج وهي ترمي نفسها في حضني: “وأنا كمان يا حبيبي.. بس وريني دلوقت حتعمل أيه؟” فأجدني أُقبّل شفتيها وأجوس الأرض من تحت قدميها.

لقد بان السر إذن، سعاد هي سعاد.. في حركاتها وسكناتها، في دلالها وغنجها، في تسريحة شعرها، في تطابق فمها وأنفها، وحتى في قوامها ومشيتها.

صباح اليوم التالي كنت أقف أمام مكتبها، ترددت قبل أن أدخل.. ترددت كثيراً، وقلت لنفسي غير مرة وقد اصفرّ وجهي واحمرّ: أدخل يا سعيد. ثم أعقبت: لا تدخل يا سعيد. وحين صحت في داخلي: (يا الله) وجدتني، هكذا، أقف قبالتها وجهاً لوجه..

قلت لها: صباح الخير آنسة.

قالت لي: أهلاً..

قلت لها: أنا سعيد، زميلك في أمانة المحافظة، وأعمل حالياً في بلدية عيشة.

ثم أردفتُ بعد لحظة صمت: يوم أمس، حين كنت عند الأستاذ رئيس الدائرة، شاهدتك تدخلين إليه وتسألينه عن أمر.. كنت أنا عنده... ألم تتذكرينني؟

مطّت شفتيها إلى أمام، ثم قالت بعد أن نترت خصلة من غرّتها إلى الخلف: اعذرني، لا أذكر أني رأيتك من قبل، ومع ذلك أهلاً بك وبالأستاذ.. تفضل هل لك حاجة عندي؟

وما إن تفضلت، حتى شرعت أحكي لها عن زحمة الطرق وكثرة السيارات والشوارع الضيقة التي بالكاد تتسع المارة، وكانت هي ترمقني بنظرات متفحصة لا تعرف سبب هذا الحديث، فقاطعتني تقول: لم تقل لي بعد ماذا تريدني أن أخدمك؟

قلت: لي طلب خاص جداً، بعيد عن الشغل، وقد لا يناسب المكان للحديث فيه.

وشعرتُ في تلك اللحظة أنها فهمت قصدي ومرادي، وقبل أن تعلّق على كلامي، مددت يدي في جيبي وأخرجت منه قصاصة ورق كنت قد سجلت عليها رقم جوالي. ناولتها القصاصة وأنا أتمتم لها: هذا هو رقم جوالي.

ثم أعقبتُ ثانية وأنا في حال من الارتياب والتوجس: هل يمكنني أخذ رقم جوالك؟

تناولت القلم المركون قبالتها على الطاولة، ثم خطت لي رقم جوالها على ورقة وناولتني إياها وهي تقول: من حيث المبدأ لا مانع لدي، ولكن اتركني أفكر بالأمر لبضعة أيام، وسنحكي بعدها.

هززت رأسي موافقاً، بعد أن دلقتُ في جوفي ما تبقى من كأس الماء التي كانت أمامي على الطربيزة، ثم غادرتها من دون أن ألتفت خلفي، وكان صوتها وهي تشيعني قائلة (مع السلامة) يدغدغ أذني وأنا لا أزال أمشي في الممر الطويل المفضي إلى باب المؤسسة، ثم وأنا أركب الحافلة نحو بيتي، ثم وأنا أجلس في البيت أتفرّج على التلفزيون.. وظل هكذا إلى أن خلدت إلى سريري ونمت.

ورأيت فيما رأيت،أن سعاد دخلت إلى بيتي وهي تلبس أبيض بأبيض، فبدت لي،في هيئتها تلك، مثل عروس في ليلة دخلتها...

قلت لها: لقد تأخرت.

قالت: إنها زحمة السير يا حبيبي، فالسيارات كثيرة، والطرق مزدحمة وضيقة.

قلت لها: وأنا أيضاً مزدحم النفس ومتضايق.

قالت: وماذا ستفعل؟

قلت: تعالي لنذهب في مشوار .

صفحة 3

وخرجنا من البيت بعد أن لففت ذراعي على ذراعها، ورحت وإياها نقفز من مكان إلى مكان.. فمن سورية إلى الهند والباكستان ومنها إلى بلاد الطليان فالأمريكان،ثم بتنا ليلتنا الأولى في أصفهان على سرير واحد محشو بريش النعام... ثم جعلت سعاد تحكي لي وهي تتوسد يدي: بلغني يا حبيبي سعيد، والله أعلم، أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان شاب من أهل الشام يدعى سعيد، وكان سعيد هذا فقير الحال لا يملك من أمر الدنيا إلا لقمة يومه الحلال، ولكن قلبه يا سبحان الله مثل ماء زلال.. وكان سعيد يحب بنتاً اسمها سعاد، وكانت سعاد هذه رشيقة القدّ، ذات حسن وجمال، وقدّ واعتدال، وجبين كغرّة الهلال، وخدود مثل شقائق النعمان، وفم كخاتم سليمان. وذات يوم من الأيام قال سعيد لنفسه: والله لأعملن عملاً ما سبقني إليه أحد. فخطف سعاد بطيارة وراح يدور بها من قارّة إلى قارّة، فإذا بهما يحطان في أصفهان، وينامان معاً على سرير واحد محشو بريش النعام ...

لم أعد أتذكر كم من الزمن انتظرت جوابها، ساعة أم ساعتين، يوماً أم يومين، أسبوعاً أم أسبوعين، إلى أن وجدتني أدخل إليها.. وما إن وقعت عيناها عليّ حتى نهضت من خلف مكتبها مرحبة بي، وإذ استفسر منها عن سبب تجاهلها لي كل هذا الوقت، أجدها تحلف لي أغلظ الأيمان أن رقم جوالي ضاع منها. وحين رأتني أستكبر ذلك الإهمال، شرعت تحكي لي قصة اللص الذي خطف محفظتها من يدها وهي تتسوق، ثم كيف ولى هارباً بعيداً عنها... حينئذ فقط بردت ناري واستقرت نحوها مشاعري وأحوالي...

قلت لها: لقد كانت أيام قلق وجدب .. وأكثر ما خشيته أنكِ لم تفهمي القصد.

فأجابت: بلى فهمت.. وأنا موافقة على ما نويت.

قلت: ولكنك لم تسأليني عن شغلي ولا حتى عن طبيعة عملي.

قالت: لا يهم.. فأنت زميلي وحبك لي يكفيني.

خرجت من عندها بعد أن عقدت العزم على زيارة أهلها، لأطلب يدها وأتزوجها على سنة الله ورسوله. وفي الموعد الموعود، سويت شعري بالسيشوار بعد أن غسلته بصابون الغار، ثم تعطرت وارتديت أجمل ما عندي من ثياب.. وعلى عكس ما كنت عليه في أيامي السالفة من المشي وركب السرافيس، فقد استأجرت تكسي أقلتني إلى قبالة دارهم، حتى أحافظ على هندامي أمامهم.

سألني والدها عن أهلي ولماذا جئت لوحدي، فقلت له إن أبي طلّق أمي بعد أن ضبطها مع جارنا أبو زهدي الذي تزوجته على سنة الله ورسوله وسافرت معه إلى السعودية للشغل والعمرة.. أما أبي فيقبع الآن في سجن عدرا بتهمة السرقة.

وسألتني أمها عن شغلي ودخلي، فقلت لها أعمل في البلدية صياداً للكلاب البرية وراتبي حوالي سبعة آلاف ليرة عدا المكافآت الشهرية.

وسألني أخوها عن دراستي وسنة تخرجي، فشرحت له سبب تركي للمدرسة وأنا في الصف السادس، وكيف ثقفت نفسي بالكتب التي أستعيرها من صديقي الوحيد منذ أيام المدرسة.

مرّت دقائق حسبتها دهراً بأكمله، كنت أتصفح خلالها وجوههم بعينيّ المضطربتين واحداً تلو الآخر، بينما كانت سعاد تجلس قبالتي صامتة واجمة. تنحنح أبوها بعد حين ثم قال: اعذرني يا بني فليس لك عندنا نصيب.

وقالت أمها ساخرة وهي تغمز بطرف عينيها: الله يبارك لك بكلابك وبراتبك.

أما أخوها فقد نصحني بقراءة كتب لينين وكارل ماركس ودوستوفسكي وتولستوي.

وقبل أن أكمل فنجان قهوتي، أوصلني أبوها إلى باب البيت، بينما بقيت سعاد تقبع فوق مقعدها حزينة بائسة على فشلي وقلة حيلتي، أما أنا فقد كنت كومة من لحم تمشي على قدمين، وبدت لي نفسي وكأنها تعرّت من جسدي.

في اليوم التالي زرت سعاد في مكتبها وشكوت لها موقف أهلها، فقالت لي غاضبة: لقد أسأت التصرف أمام أهلي مساء البارحة، وما كان يجدر بك أن تقول ما قلت.

ثم رجتني أن أنساها وأن أجد ابنة حلال تناسبني سواها.

فصحت بها مجروحاً: إن حبك يا سعاد قد كبر في داخلي وإنني مستعد لإصلاح ما أفسدته البارحة.

فأشاحت بوجهها عني وتمتمت دون أن تنظر إلى وجهي: لقد انتهى كل ما بيننا، وأرجوك ألاَّ تزورني ثانية في المكتب، لأنني نذرت نفسي للحلال، ولا أريد لأحد أن يلوكني بالسوء من قيل وقال.

فخرجت من مكتبها مكسور الخاطر، لأن قرارها هذا كان قراراً جائراً وفاتر، لكني عقدت العزم على أن أظل أحب سعاد ما حييت، إلى أن يأذن الله لي بها، وقد دعوته سبحانه وتعالى أن يعصمني من حيرتي ولا يحمّلني ما لا طاقة لي بمخالفته، ويقيّض لي من جميل عونه دليلاً هادياً إلى طاعته، ويهبني حباً نقياً خالصاً لسعاد حبيبتي، حتى لا أقع، مثل ما وقع غيري، في سوء الاختيار وقلة التمييز وفساد الهوى.

صفحة 4

استلمت البارودة والضروب لزوم تنفيذ المطلوب

ورأيت فيما يرى النائم، أنني أقود سيارتي في مكان ناءٍ في ساعة متأخرة من الليل (لم أملك سيارة في حياتي)، فشاهدت شبح امرأة تستنجد بي، وإذ أفرمل السيارة بمحاذاتها وأنزل إليها، أجدني أقف قبالة سعاد مذهولاً وسط الظلمة الحالكة، وهي ترتعش هلعاً وبرداً. خلعت عني سترتي ورميتها على كتفيها، ثم أجلستها بحنو إلى جانبي في السيارة.

سألتها: ماذا تفعلين في هذا الوقت المتأخر من الليل يا حبيبتي؟

لم تستطع إجابتي، وكنت أسمع تكتكة أسنانها، بعد أن كان البرد قد أخذها أخذاً شديداً، فلزمت الصمت وأنا أهرول بسيارتي العتيقة مسرعاً ما استطعت إلى بيتها.

ورأيت فيما رأيت، أنني ذهبت صباح اليوم التالي إلى بيت أهلها لأطمئن على صحتها وأسترد سترتي منها. قرعت الباب، فأطلت أمها من خلفه، وسألتني من جزع وقد هالتها رؤيتي: ماذا تريد؟

فرحت أشرح لها ما حدث معي ليلة أمس، وأنني جئت الآن لأطمئن عليها وأسترد سترتي منها.. فإذا بها تصرخ بي متهمة إياي بالخبل والهبل، وتراكض الجيران نحونا يستفسرون ما الذي يحدث، بينما كانت أم سعاد تقول وهي تكاد تجهش بالبكاء: هذا المخبول يدعي أنه كان مع المرحومة سعاد ليلة أمس، وأنه أعارها سترته وجاء اليوم ليستردها!

اقترب مني رجل عجوز، وراح يربت على كتفي وهو يقول: اذهب يا بني.. كان الله في عونك.

ثم أعقب: المرحومة سعاد ابنة جيراننا ماتت منذ سنوات ولعلك تقصد غيرها.

وحين حاولت أن أشرح له أنني أعرفها وأنني أعيش قصة حب معها، قاطعتني سيدة بدينة كانت تقف إلى جواره: اذهب من هنا قبل أن نتصل بالشرطة.

بينما علّقت أخرى: ولماذا الشرطة يا أم علي؟ هذا مجنون ومن الأفضل أن نتصل بمستشفى الأمراض العقلية.

فوجدتني أصيح بصوت متحشرج مخنوق: سعاد لم تمت يا جماعة.. لقد رأيتها بأم عينيّ هاتين اللتين سيأكلهما الدود.

وقبل أن أغادرهم، حمدت الله الذي على منوال إرادته تُنسج مقاطع الأمور، ومن ينبوع قضائه إلى لجج قدره يجري تيار الإعصار والدهور.. وسألته سبحانه –إن ماتت فعلاً- أن يجمعني بها يوم الدين.

في الشارع، مرّ من أمام عينيّ شريط ذو صور مبهمة، حاولت إزاحته لكن دون جدوى.. كان أشبه بمعمعة رهيبة علا فيها الصياح والنحيب، أولاد ونساء وشيوخ يتراكضون نحوي من كل حدب وصوب، وسعاد تقف قبالتي وقد رفعت ثوبها إلى وسطها وهي تقول: أنظر ماذا فعلوا بي يا سعيد؟ فراعني ذلك وأنا أحدق فيه.. كان هراً أمرد يسبح في دمه المتفجر تواً، فوجدتني أقول لها بملء فمي، وأنا أدس رأسي بين هضبتي صدرها النافرين: الآن عرفت لماذا قالوا لي إنك مت يا سعاد. وبعد الرجفة التي التحفتني وبددت حال المفاجأة عندي، كانت المعمعة قد هدأ صخبها وخفت رائحتها، غير أن شكل صدر سعاد المنتفخ بنهديها المهولين، وهما في حالة من الانفراط تحت قميصها، ظلت صورته بين عينيّ لا تغيب.

صفحة 5

صباحاً، وما إن استيقظت من النوم وأنا في كدر عظيم، حتى وجدتني ألعن الساعة التي قرأت فيها كتاب "الحياة ما بعد الموت" لمؤلفه ريمون موري، فلبست ثيابي وسوّيت شعري على عجل، ثم خرجت من البيت هائماً على وجهي لا أعرف إلى أين السبيل. لقد تمكن القلق والخوف مني على سعاد، وانتابني شعور أن مكروهاً أصابها. هل ماتت فعلاً أم أن ما رأيته كان مجرد كابوس سببه لي ذلك الكتاب اللعين!! لكن قلبي الطري، الذي يحب سعاد ولم يستطع نسيانها رغم الجفاء والفراق، كان يحثني على البحث عنها والاطمئنان عليها، فذهبت في الحال إلى أمانة المحافظة، وتنحيت جانباً عند باب مبنى الأمانة أنتظر قدومها. كان الوقت لا يزال مبكراً وثمة ساعة وأكثر على وقت دوامها، فسألت نفسي سؤال الحائر: لماذا لا أسأل البواب عنها فأريح قلبي وأستريح؟ وهكذا وجدتني أسأله عن حالها وأحوالها، فإذا به يقول لي، إنها انتقلت من أمانة المحافظة منذ أشهر ولا يعرف شيئاً من أمرها.

ورسائلي.. أين ذهبت رسائلي؟

كنت كل أسبوع، وأحياناً أقل من ذلك، أجيء إلى هذا المبنى الضخم الذي يسمى أمانة المحافظة،أضع رسالة لسعاد في صندوق البريد المعلق على الجدار قرب باب المبنى، ثم أقفل عائداً إلى عملي في البلدية، على أمل أن يحنّ قلبها عليّ وتتصل بي أو تخصني برسالة تريح قلبي.

تُرى أين أنت يا حبيبتي سعاد؟

مساءً، في البيت، شعرت بفرح عظيم وأنا أتصفح كتاب (تفسيرالأحلام الكبير) لابن سيرين، عند قوله إن الموت في الرؤيا ندامة من أمر عظيم، فمن مات ثم عاش فإنه يذنب ذنباً ثم يتوب.

وقلت في نفسي: هل ثمة ندامة أعظم من ندامة سعاد على جفائها وهجرها لي طوال هذه المدة ؟

ودخلني يقين، إن ما هي إلا بضعة أيام، حتى تأتيني سعاد نادمة معتذرة عما فعلته بي.. حينها سأضمها إلى صدري وأحنو عليها حنو العاشق للمعشوق دون عتاب أو جفاء، فتعود مياهنا إلى مجاري الأيام الخالية، يوم رأيتها عند رئيس الدائرة، ويوم زرتها في مكتبها، ويوم ذهبت لخطبتها.

قبل أن أدخل مبنى البلدية، استوقفني المراسل عند الباب وأخبرني أن كتاباً وصلهم من أمانة المحافظة بخصوص كلاب شاردة، وأن المعلم يريدني. صعدت الدرجات القليلة الموصلة إلى الطابق الثاني حيث مكتب رئيس البلدية، ثم عبرت الممر الضيق المفضي إلى مكتبه. دخلت إليه، وما أن رآني حتى ناولني مهمتي وهو يقول: اسمع.. لقد جاءتنا هذه الشكوى.. العنوان هنا في المهمة.. اذهب اليوم وليكن الوقت متأخراً.. أكمن لها جيداً وحاذر أن تفلت منك، لأن أمين المحافظة بنفسه مهتم بالأمر، ووصلنا هاتف توصية منه اليوم.. فهمت؟

نعم فهمت.

وخرجت من عنده إلى مستودع المهمات، لاستلام البارودة والضروب، لزوم تنفيذ المطلوب.

صفحة 6

وعدها بسيارة وأن يسجل باسمها عمارة

ورأيت فيما يرى النائم، أنه ما غربت شمس يوم الاثنين المصادف السابع من تشرين الثاني عام 1898 ميلادية عن دمشق، إلا وأنوار الطلعة الإمبراطورية قد حلّت محلها، فأُطلقت المدافع احتفاءً وتكريماً. وما إن خرج صاحبا الجلالة الإمبراطور الألماني ويلهلم غليوم وزوجته الإمبراطورة أوغستا فيكتوريا من مركبتهما في القطار حتى خفّ لاستقبالهما صاحبا الدولة العلية في جمهور غفير من الوزراء والأمراء والرؤساء الروحيين وتلامذة المدارس ومئات الألوف من خاصة الناس وعامتها.. فغصّت بهم الطرق والرحاب الفسيحة، وهم يرقبون قدوم الزائرين الكبيرين. امتطى صاحب الجلالة جواداً أشهب، وركبت صاحبة الجلالة مركبة بأربعة أفراس مترادفة، زوجين زوجين، بجِلالٍ ذات صفائح من ذهب خالص، وركبت إلى جانبها واحدة من نسوة الشرف، ما إن وقعت عيناي عليها من بعيد حتى هالني ما رأيت!! إنها سعاد بشحمها ولحمها، لكنها على غير هيئتها التي عرفت، وبدت لي وهي تجلس بمحاذاة الإمبراطورة، وكأنها أميرة من أميرات ذلك العصر. تبع المركبة وجواد جلالته مئات من المركبات تقل الحاشية ورؤوس القوم، فدخلا المدينة بين هتاف الداعين وأصوات الموسيقى الشاهانية الشجية، وكانت دمشق وهي على هذا الحال، تتلألأ بمصابيح وأنوار الزينة، فتجلّت للناظر وكأنها شعلة من نار. ولأنني من العوام وأرتدي قنبازاً متسخاً بالياً باهت اللون، فقد كنت أمشي مع الماشين، وأركض مع الراكضين، للنظر إلى الطلعة الإمبراطورية البهية... غير أني لحظتئذ، لم أكن أحمل من هم هذا الأمر شيئاً، وكل ما كنت أتمناه وأريده، أن أتأكد من أن الأميرة الجالسة إلى جانب الإمبراطورة هي نفسها حبيبتي سعاد، الموظفة في أمانة المحافظة. وفيما كنت أعدو على غير هدى، وقد أخذت مني الرعشة ثم الدهشة مأخذاً عظيماً، تعثرت بحجرٍ أسقطني أرضاً، وراحت الأرجل تدعسني دعساً، ولشدة الألم الذي ألمّ بي، نهضت من تويّ مذعوراً أنظر حولي وأتلمس جسدي، فإذا بي أجد نفسي مستلقياً على سريري في غرفتي، وأن ما كان لي مع ذلك الزمان الذي مرّ عليه نحو مئة عام، مجرد أضغاث أحلام أوجبتها قراءتي عن الرحلة الإمبراطورية في الممالك العثمانية، فتعوذت من شرور حكايات الكتب والكاتبين، ثم عقبتها بتلاوة سورة الفلق.. ونمت.

صباحاً، عند الثامنة تماماً، دخلت إلى رئيس البلدية وأخبرته بتنفيذ مهمتي، وأعلمته أن الكلاب التي نفقت على يدي بلغت سبعة جعاريات... فأثنى عليّ ووعدني خيراً بمكافأةٍ مجزية آخر الشهر.

فقلت له بعد أن شكرته: يا أستاذ.. بعض الناس يتكلمون علينا ويقولون إن قتل الكلاب حرام وإنه عمل غير إنساني.

قال: ومن هم هؤلاء الناس الذين يدوسون على طرفنا ويريدون أن يعلموننا الحلال والحرام؟

قلت: أنصار جمعيات الرفق بالحيوان.

قال: هؤلاء جماعة كلام بكلام.. لا تلتفت إليهم وانتبه إلى شغلك.

قلت:حاضر يا أستاذ.

ثم خرجت...

وددت، قبل أن أخرج من عنده، أن أقول له إن هنالك طرقاً أخرى نتخلص فيها من الكلاب الشاردة من دون بواريد وضروب ومشاكل مع الحلال والحرام وجمعيات الرفق بالحيوان. وكان سيقول لي: وما هي هذه الطرق يا فهمان يا مثقف؟ وكنت سأجيبه: هذه بسيطة يا أستاذ.. لقد قرأت منذ أيام مقالاً في الجريدة ينصح باستخدام الطعوم السامة المحشوة في رقاب ورؤوس الدجاج. وكان سيقول لي: وكيف سنعرف أنها ماتت يا فهمان؟ وكنت سأرد عليه: وهذه أيضاً بسيطة يا أستاذ.. نقوم بجولة صباحية ونلمّ ما نفق منها.. ثمّ كالعادة نحرقها ونطمرها. وكان سيقول لي ساخراً: هذه كلاب متوحشة يا حبيبي ولا تفهم إلا لغة البارود.

صفحة 7

عند الثانية عشرة ظهراً، كنت أحوص في مبنى أمانة المحافظة أتقصى أخبار سعاد علّني أعرف مكان عملها الجديد.. غير أن أحداً من زملائها في العمل لم يستطع إفادتي ولو بمعلومة صغيرة تقودني إليها، فوجدتني أقفل عائداً إلى بيتي والهم يزلزل نفسي، ذلك أن ما حلمت به يوم أمس ليس له تفسير سوى ما ذكرته لي سعاد عند زيارتي الثانية لها في مكتبها، بأن ابن عمها الضابط في الجيش سعى غير مرة ليتزوجها، وأنه وعدها –إن هي وافقت- أن يشتري لها سيارة ويكتب باسمها عمارة، وكانت هي ترفضه بشدة رغم إلحاح أمها وأبيها على الزواج منه. أما شقيقها التقدمي، الذي نصحني بقراءة لينين وماركس ودوستوفسكي وتولستوي، فكان من أشد المعارضين لهذا الزواج، وكان يقول إن ابن عمه الضابط جبان وحرامي، ولا يليق بأخته أن تكون زوجته.

في البيت جلست أتفكر بأمري، علني أجد حلاً قبل أن أفقد صبري. وفيما كنت على هذا الحال، أعلنت مذيعة التلفزيون عن بدء عرض فيلم السهرة وكان اسمه (عنترة فارس الصحراء) ولأنني ممن قرأ سيرة عنترة من الجلدة إلى الجلدة، فقد استحوذت عليَّ رغبة مشاهدته، وخاصة أني لم أشاهد من قبل فيلماً عن عنترة بن شداد وحكايته مع ابنة عمه الآنسة عبلة، فأسرعت من توي إلى المطبخ وحضّرت لنفسي فنجان قهوة، ثم عدت إلى الغرفة مسرعاً، وجلست على الصوفا قبالة التلفزيون، أنتظر الفيلم الذي كان ما يزال في سيرته الأولى، من عرض أسماء الكاتب والمخرج والممثلين ومهندسي الإضاءة وخبراء الفروسية والمصممين...

بدأ الفيلم بمشهد لعنترة يجلس إلى جانب فرسه في الصحراء. ومع بدء الموسيقى التصويرية الحزينة المرافقة للمشهد، طفق عنترة ينشد قائلاً وعيناه تسرحان في البعيد حيث مضارب بني عبس:

ومن دار عبلة نار بدتْ

أم البرق سلّ من الغيم عضبهْ

أعبلةُ قد زاد شوقي وما

أرى الدهر يدني إلى الأحبهْ

وكم جَهْدِ نائبة قد لقيتُ

لأجلك يا بنت عمي ونكبهْ

فلو أن عينيك يوم اللقاء

ترى موقفي زدتِ لي في المحبّه

ولم يكد ينتهي من إنشاده، حتى أقبل إليه أخوه شيبوب على بغل يرجوه إنقاذ عبلة ونساء عبس من الأسر، ثم يروي له وهو يلهث، إن قبيلة معادية غزت مضاربهم وعملت فيها قتلاً ونهباً لنسائها ومواشيها. وما إن سمع عنترة الهمام هذا الكلام، حتى نهض من مكانه ممتطياً فرسه وهو يصيح صيحته المشهورة التي رددت صداها الآفاق.

المشهد الثاني يرصد من بعيد مضارب عبس وهي في حال يرثى لها من القتل والسلب والنهب، وكان فرسان القبيلة الغازية يدفعون قدّامهم المواشي والجمال والنساء، بينما كانت عبلة، حبيبة عنترة وحسناء بني عبس، تصيح وتستغيث: واعنتراه.. واعنتراه...

فإذا بعنترة يظهر على فرسه كالشهاب من بعيد، وهو لا يزال يصيح صيحته المشهورة، فيدب الرعب في قلوب الغزاة، ويتركون ما بين أيديهم من غنائم، ويهربون بروحهم مولين الأدبار.

وإذ يدخلني الحماس مما أرى، يحمرّ وجهي ويصفّر، وأسأل نفسي سؤال الغاضب الحانق: لماذا لا أكون عنترة هذا الزمان، فأحمل بارودتي وضروبي، وأُردي على الأرض هذا الضابط الحرامي الذي لا تطيقه سعاد، فأريحها وأستريح، وقد يقول لي شقيقها التقدمي، وهو يشد على يدي: أنت شجاع وثوري ويشرفني أن تكون زوجاً لأختي.

وسألت نفسي أيضاً: ولماذا لا أكمل المهمة، فأردي على الأرض رئيس البلدية المستبد الذي يسخر مني، ويتمادى في احتقاري وعدم الأخذ بآرائي؟

صفحة 8

هذا الكلام يقال همساً في المكاتب وليس عند أهل الشأن والمناصب

ورأيت فيما يرى النائم، أنني وسعاد عاريان نتضاجع وسط حشد من الجمهور، وأن ابن عمها الضابط كان يؤلبهم علينا ويحثّ بعض الزعران على قتلنا. كان الجمهور غارقاً في حمى الغناء والرقص والسخرية، وكنت وسعاد نتلوى تحت وطأة آلام النشوة الجنسية. أشار ابن عمها الضابط إلى اثنين كانا يحملان مطرقة وعصاً خشبية مدببة، فشرعا يدقان العصا دقاً في جسدينا المرتجفين، على إيقاع صخب المغنين والراقصين وتعليقات الساخرين، حتى اخترقتنا اختراقاً كاملاً، ثم أخذا يشرعاننا في الهواء، ويتوجهان بنا إلى بركة ماء عكرة تتوسط ساحة فسيحة مشجرة. كنا لا نزال على قيد الحياة نتلوى من الألم، ونتعرض لهزء وإهانات الجمهور الذي كان يتبعنا، حتى أن بعضهم اقترب منا وراح يدوّر جسدينا حول العصا مثل مروحة معلقة على سقف، وهم غارقون في ضحك هستيري مجنون.

قلت لسعاد التي كانت تتمروح إلى جانبي والدم ينزف منها: ابن عمك هذا ليس لصاً فحسب وإنما دكتاتور وآكل للحوم البشر.

غير أن فمها الممتلئ بالدم، لم يكن ليساعدها للرد على كلامي، وبدت لي في دورانها ذاك، وكأنها كتلة من لحم لا حياة فيه.

عند وصولنا البركة، ونحن مخوزقان من وسطنا على العصا، صعقني ما رأيته من تماسيح عملاقة كانت تسبح في الماء العكر. ولم نكد نصبح لقمة سائغة في فكوكها القوية المسننة حتى بدأت الفقاعات بالظهور على السطح، تلتها غيمة حمراء قانية، ثم صمت مطبق... وعوم في فراغ أسود.

مرة أخرى، وقعت ضحية شرور الكتب والكاتبين، بعد قراءتي كتاب "التعذيب عبر العصور" لمؤلفة المدعو بيرنهارت ج.هرودد، الألماني الأصل، وأحد رعايا الإمبراطور غليوم، صاحب الطلعة البهية، الذي زار دمشق يوم الاثنين من شهر رجب عام 1316 هجرية.

اليوم عرفت، وبما لا يقبل الشك، أن وراء جفاء سعاد لي، هو ابن عمها الضابط الذي وعدها بسيارة وأن يسجل باسمها عمارة، وأن أمراً جللاً قد حدث من وراء ظهري جعلها تُغرق في هجري، ولعله هددها بالويل والثبور وعاقبة الأمور إن هي تزوجتني، فأذعنت المسكينة له، ليس خوفاً على روحها أن تُزهق، وإنما خشية عليّ من شروره ومكائده...

فقررت من توّي أن أخطّ لها رسالة، أشرح فيها موقفي مما يكون قد حصل لها، وأنني العبد لله، لا أخاف ابن عمها الضابط، مهما كانت عدد نجومه ونسوره ومواقعه، وأنني سأعتبره كلباً جعارياً، ولن يكلفني حينها سوى ضرب واحد من بارودتي بين عينيه حتى ينفق بين يديّ. وسأشرح لها فيما سأشرح، أنني أحبها حباً جماً، وأن طيفها الحبيب يلاحقني أينما كنت وذهبت، وأنها الملاك بلباس أبيض ناصع، والطير الذي كان ولم يزل ينشد الحب على أغصان قلبي، وأنني أنتظر اليوم الذي تكون فيه بين أحضاني، لأبثها لواعجي وأشجاني. ثم أناجيها قائلاً: أناشدك الله أن تترحمي على قلبي الذي لا يستحق كل هذا الجفاء.. فترفقي بمن أحبك وحنّ إلى لقائك.. وهاأنذا أبوح لك يا سعاد بحب قلبي الطاهر، فهل تستجيبين لندائه؟

قطع حبل تفكيري بسعاد رنين هاتفي الجوال...

- آلو..

فجاءني من الطرف الآخر صوت عبد الغفور مراسل البلدية يقول: مرحبا سعيد.

- أهلاً.

- تعال إلى البلدية حالاً .. رئيس المكتب الفني يريدك؟

- ربع ساعة وأكون عنده.. مع السلامة.

حينما دخلت إلى رئيس المكتب الفني، وجدت عنده حشداً غفيراً من المراجعين، وما أن سقطت عيناه عليّ حتى انتحى بي جانباً وقال لي: منذ ساعة اتصلوا بي من بلدية شبعا ويريدون منا خدمة بسيطة.

صفحة 9

وتابع يقول: يشتكي الأهالي هناك من وجود جعاري مكلوب على أطراف البلدة، وبما أنه ليس في بلديتهم اختصاصي بمكافحته، فقد طلبوا أن نخلصهم منه، وسيدفعون لك مكافأة مجزية، ويمكنك اعتبار هذه المهمة خاصة بك ولا دخل لبلديتنا بها.

- والبارودة والضروب؟

- يمكنك استعارة البارودة، أما عن الضروب، فأرى أن تشتريها من جيبك.

- حاضر أستاذ.. غداً عند الفجر سأكون هناك، إن شاء الله.

بعد جنون الليل بنحو ساعتين، حيث تكون الكلاب الشاردة في أوج نشاطها، كنت هناك على أطراف بلدة شبعا. كان السكون مطبقاً، وحركة المارة ضعيفة، ولم أر خلال تجوالي سوى بضعة أشخاص،بعضهم خارج من بيته وبعضهم عائد إليه، وقد هالهم وجودي مع بندقية صيد لا يعرفون سبب حملي لها، فألحظهم يبتعدون عني، إما خوفاً مني، أو ابتعاداً عن شرّ يغنّونه.

بعد مضي نحو نصف ساعة من ذرعي لأطراف البلدة جيئة وذهاباً مع السائق بسيارة البيك آب السكودا خصوص البلدية، لاح لي من بعيد كلبان، اكتشفت فيما بعد أنهما جعاري وجروه. كمنت لهما خلف زريبة أبقار مهجورة، وانتظرت اقترابهما مني. بعد لحظات أصبحا على مرمى البارودة، جهزت نفسي، وضعت الشعيرة على منتصف الجعاري الكبير، ثم بضغطة واحدة أرديته أرضاً. ركبت السيارة إلى جانب السائق واتجهت نحوه مسرعاً، وجدته ما يزال ينفق، فتركته يلفظ أنفاسه الأخيرة وحيداً ولحقت بالجرو الذي كان يتدحرج على الأرض بقدميه الصغيرين مبتعداً عني، ولم تمض لحظات حتى كنت خلفه تماماً. توقفت بمحاذاته، فإذا بالجرو يتوقف عن الركض ثم يستدير نحوي ويضع عينيه في عيني. كنت أضع فوهة البندقية بين عينيه تماماً، وكان هو يلهث لهاث المرعوب المستسلم...

قال لي: لا تقتلني أرجوك .. لقد قتلت أمي منذ أيام حين كانت تزور خالتي في بلدة عيشة، وها أنت تقتل أبي اليوم، وأنا كبير أخوتي ومعيلهم الوحيد.

قلت: أنا في مهمة رسمية ولا مناص من تنفيذها.

قال: أعرف يا عم أنك ابن حلال ومتعاطف مع جماعة الرفق بالحيوان.

قلت: هذا صحيح، ولكن هذا الكلام يُقال همساً في المكاتب، وليس عند أهل الشأن والمناصب.

قال: إذن قررت قتلي ولا مجال لعتقي؟

قلت: نعم.. وللأسف ليس بين يديك للهرب منفذ أو طريقة.

وضغطت على الزناد، فإذا به ينفجر وتتطاير منه فتات اللحم . حملت ما تبقى منه ورميته في صندوق البيك آب، ثم عدت أدراجي نحو الجعاري الكبير الذي كان قد نفق. وضعته إلى جوار فتات جروه في الصندوق، ثم رميتهما هناك، بعيداً عند أطراف بلدة عيشة، حيث مقبرة الكلاب الشاردة.

ضحوة ذلك اليوم ذهبت إلى البلدية، وأعلمت رئيس المكتب الفني بتنفيذ المهمة...سألني: ما هي أخبارك؟

قلت:جعاري ونص فقط.

ابتسم وهو يستفسرني:جعاري ونص.. وما هذا النص؟

فأجبت: أقصد الجعاري وجروه.

مدّ يده في درج مكتبه وأخرج مظروفاً، ناولني إياه وهو يقول: هذه مكافأتك.

دسست المظروف في جيب سترتي بعد أن شكرته.. وخرجت.

صفحة 10

كتبوا شهادة وفاتي وتغيرت عند الحكومة سجلاتي

ورأيت فيما يرى النائم أنني متُّ، وأن رهطاً من الأطباء كانوا يتحلقون حولي، ويتحدثون عن دائي وسبب وفاتي. ولما كنت أسمع حديثهم وأنا على هذا الحال، فقد أدركت حقيقة موتي وانقضاء سنواتي، وإن هي إلا لحظات، حتى يضعوني في البراد، ليأتي أهلي وجيراني، فينقلوا جثماني إلى البيت، ثم إلى المقبرة كي يدفنوني ويواروني تحت التراب.

ورأيت أنني مخطوف بقوة غير مرئية إلى نفق معتم، وأنني صرت خارج جسدي الذي انخلع عني. وما إن بدأت أتأقلم مع وضعي الجديد حتى رأيت وجوهاً بشرية تتوضح أمامي، فرأيت: أبي الذي يقضي محبوسيته في سجن عدرا، وأمي التي رحلت مع زوجها أبو زهدي إلى السعودية، وملامح غير مرئية لوجه رئيس البلدية. اقتربت الوجوه نحوي وعرضت نفسها لمساعدتي كي أتجاوز محنتي، فقلت لهم إني راحل لا محالة، وإن عودتي قد تنقل أطباء المشفى من حالة إلى حالة، بعد أن كتبوا شهادة وفاتي وتغيرت عند الحكومة سجلاتي، فانفضوا من حولي مبتعدين عني وهم يتهمونني بالخبل والجنون. مرّ زمن لا أعرف مدته، أهو لحظة أم لحظتان، ساعة أم ساعتان، يوم أم يومان، شهر أم شهران، سنة أم سنتان .. حتى وجدت ريحاً عاتية تأخذني بعيداً إلى حائط عال يقترب من ألف ذراع، ففهمت لتوي أن هذا الجدار يفصل ما بين حياة الدنيا وحياة الآخرة، فاجتاحتني مشاعر عارمة من الفرح والسعادة وأنا أقول لنفسي: ها قد وصلت إلى الآخرة يا سعيد، فما الذي بعد هذا كله تريد؟ وفيما كنت أنتظر دوري بالعبور، رأيت رؤيا العين، حبيبتي سعاد تقف على يميني وابن عمها الضابط على يساري. حاولت التحدث إليهما فلم يسمعاني وأظن أنهما لم يرياني، فلم أستغرب الأمر، لأنني قبل حين كنت قد تركت جسدي خلفي، وعدوت حيث الحائط وحدي. تشاغلت بالنظر إلى سعاد حبيبتي، علها تنتبه إلى وجودي، فإذا بابن عمها الضابط ينهال عليّ بالضرب والوعيد: كفّ عن حركاتك هذه يا ابن القحبة وإلا أرديتك بمسدسي قتيلاً. وإذ أحاول إفهامه أن سعاد هي حبيبتي منذ أيامنا الماضية في دنيانا الفانية وأن ليس له في قلبها من نصيب، أجده ينهال عليّ بالضرب المبرح إلى أن فقدت وعيي...

وظللت على هذا الحال ردحاً من الزمان، إلى أن صحوت على أصوات تناديني وأيادٍ تهزني، وما إن فتحت عينيّ حتى رأيت جمعاً غفيراً من الناس يتحلقون حولي بينما كان أحدهم يصيح بأعلى صوته: اتصلوا بالإسعاف يا جماعة الخير، فالرجل بحاجة إلى إبرة ضد مرض الكَلب.

وقال آخر: هذه الكلاب الشاردة خرّبت حياتنا والبلدية نائمة لا تكش ولا تنش.

وصاح ثالث: إنها مسعورة.

فقاطعه الأول بصوت مبحوح: كفوا عن الحديث واتصلوا بالإسعاف قبل أن يموت الرجل بين أيدينا.

في المشفى تحسنت حالي، وفهمت من الممرض الذي كان يعودني، أن كلاباً شاردة هجمت عليّ وكادت، لولا لطف الله، أن تقضم لحمي وتشفط شحمي، فشكرته سبحانه على نجاتي، وقررت في داخلي أن أهجر بارودتي وضروبي.

أمضيت في المشفى نحو ساعتين، ثم حملت نفسي وعدت إلى البيت. اتصلت برئيس البلدية وحكيت له ما جرى وطلبت منه أن يمنحني أسبوعاً من إجازتي السنوية، فوافق الرجل في الحال وتمنى لي الشفاء العاجل، ولم أشأ إخباره أنني قررت هجر بارودتي وضروبي، وأن عليه أن يجد مستخدماً غيري ليقوم بهذه المهمة.

في البيت، وفيما كنت ألملم بقايا فرحتي بالنجاة، تذكرت كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" لمؤلفه العبد الفقير لله رفاعة ابن المرحوم بدوي رافع الطهطاوي، ويقول فيه: إن داء الكلب معروف لسائر الناس بوصفه وعمله الرديئين، وهو يتولد من طبيعة في الذئاب والثعالب والسنانير وخصوصاً في الكلاب، ومتى عض هذا الكلب الإنسان فإن الجرح من عادته أن يلتئم بالسهولة، كأنه غير متسمم، وبعد ثلاثة أسابيع إلى ثلاثة أشهر يُحسّ بالجرح وجع مكتوم، فينتفخ أثره ويحمر ويقيح، ومادته تخرج حارة منتنة محمرة، ويذوق المريض الكآبة والخدر والكسل والبرودة، ويعسر عليه التنفس، ويمسك الوجع أمعاءه ويضطرب في نعاسه، يعطش عطشاً مهلكاً ويقاسي إذا شرب، ثم يعتريه الارتعاد من الماء والمائع، ويبح صوته، ثم يجن ويموت.

بعد أن أغلقت الكتاب وأعدته إلى مكانه في الخزانة، حمدت الله أن الكلاب التي عضتني لم تكن مسعورة، وأن المستشفيات ملأى بمصل يشفي المعضوض، وحمدته أيضاً لأنني لم أعش أيام الطهطاوي، ولن أضطر إلى استخراج الدم من جرح عضة الكلب وغسله بالماء والملح ، ثم كيه بحديدة بعد إحراقها في النار، كما جاء في الكتب القديمة والأخبار.