صفحة 1
(1)
فاجأني صداع خفيف وأنا لم أُنِه ترتيب ملابسي، وحاجاتي الخاصة التي ضاقت بها الحقائب الأربع، الله يطوِّل عمر الوالدة لم تنسَ علبة البخور وزجاجتيّ دهن العود والورد، وكمية كبيرة من الهيل والزعفران، فقد دستها بعناية بين أدوات زينتي، خوفا من تناثرها·· لا أعتقد أن الرحلة من مدينة واشنطن إلى هنا سببت هذا الصداع، يبدو أنني أرهقت نفسي في ترتيب الشقة، وأحتاج إلى بعض الراحة وقرص (تايلينول) وكوب شاي بالزعفران وجلسة هادئة في الشرفة·
بعد أن تناولت قرص الدواء السحري·· صببت الشاي في أحد الأكواب الجميلة المتراصة بخيلاء في الخزانة الزجاجية التي تتصدر المطبخ الصغير الأنيق، وفي طريقي الى الشرفة لفتت نظري كومة من المجلات والنشرات الجامعية، التي استلمتها من مكتب الملحق الثقافي في واشنطن قبل سفري، كانت مبعثرة على الطاولة الخشبية التي تتوسط الصالة، تناولت بعضها وخرجت الى الشرفة، جلست على أحد الكراسي الثلاثة·· وضعت كوب الشاي على الطاولة الصغيرة، وحين حاولت أن أضع ما بيدي الأخرى من مجلات قرب كوب الشاي، سقطت إحداها على الأرض، التقطتها·· قرأت العنوان·· سحبني الحنين·· اعتدلت في جلستي، سحبت نفسا عميقا أراحني، رشفت رشفة من شاي الزعفران، بدأت أتصفح مجلة آفاق الجامعية بشغف وشوق، فجأة! ظهر وجهه الوسيم وابتسامته الشفافة، لتوقظ أحاسيسي الملتهبة، ولتزيد لمعان الورق إشراقا غريبا، تحت الصورة كتب الخبر (سيلقي الدكتور خالد محاضرة عامة عن معوقات التسويق في المدن الصغيرة وذلك في مدرج 114 الدور الأرضي، الساعة السادسة مساء الأحد)·· انغرست عيناي على وجهه·· تدحرجت دمعة·· تركت المجلة جانبا·· تنهدت·· رشفت رشفة سريعة من الشاي·· وقفت·· أرخيت جسدي على درابزين الشرفة الحديدي، نسمة هواء رطبة، أنعشت ذاكرتي·· وقبل أن تسحبني الذكرى بعيدا، نظرت بارتياح الى بعض معالم مدينة بوسطن التي تكشفها شرفتي·· يا لهذه البحيرة الجميلة المترامية·· ويا لألوان السماء الصافية·· والأجمل ذلك البساط الأخضر الذي يفترش الأرض بروعة اخضراره، وتنوع أشجاره وشجيراته·· حقا مدينة رائعة أتمنى أن تنسيني همومي، وتدفعني للمثابرة والتحصيل، أعلم أنني سأعاني الكثير من بعاد أمي وفراق الوطن·· وعدتني أمي بزيارتي في كل صيف، لأنني قررت ألا أعود إلى الوطن إلا وشهادتي تسبقني، فضلت الابتعاد لأطول مدة ممكنة، عن خالد وأجواء الحب الأول، حتى أتعود فراقه ويتعود هو على حياته الجديدة، وحتى أحقق طموحي ورغبة أمي التي دائما تردد :
- أمنيتي يا ابنتي، أن تدرسي في الجامعة التي تخرج منها والدك (يرحمه الله)·
وأجيبها :
- إن شاء الله يا أمي يتحقق الحلم·· وأدرس في جامعة (سفك ينيفيرستي) وأتخصص تمويل·
صفحة 2
ها هي، المدينة تفتح ذراعيها، تحتضنني كأم حنونة، تهدهدني كطفلة، تحاول أن تنسيني خالد والماضي، ولكن هل حقا سأنسى خالد عديل الروح؟
بعد أن هدأت روحي قليلا، نظرت إلى البعيد، وبدأت تظهر أمامي، تفاصيل ذلك المساء، يأتيني صوتي بنبرته المعهودة كأنه الآن·· فقد فاجأتها حين رددت :
- ماما حبيبتي·· ليتفضل طارق بزيارتنا الليلة·
أسرعت لتزف البشرى له، حادثته أكثر من نصف ساعة، حتى كأنني أسمع أنين سماعة الهاتف وهي تتأوه، باب غرفتي كان مواربا وكنت مستلقية على سريري، بعد أن تعبت من التنصت على أمي أغلقت الباب وعدت إلى قيلولتي·
حينما اشتد عليَََّ التفكير وتكومت التساؤلات أمامي، كيف ستنتهي تلك الليلة معه وأنا التي رفضته مرتين، وكيف سأقنع أمي برفض محام بارع وشاب وسيم؟ والأهم ابن عمتها الغنية والوحيد، وريث المال والسلطة، فوالده كان قبل وفاته من كبار رجالات الاقتصاد ومن أشهرها، معروفا بسلطته ونزاهته، وسمعته الطيبة، والتي فتحت الأبواب أمام طارق حين كبر وتخرج وأصبح محاميًا مرموقًا، فماذا عساي أن أختلق من الأعذار لرفضه؟
ما أزال ممددة على فراشي، أتقلب وأسترجع بعض القضايا والتفاصيل الدقيقة عن حياته، ولكنني لم أصل إلى الحل المناسب، محامٍ ناجح، وسيم، غني، مشهور، قريب لأمي، هل أنا مجنونة حتى أرفضه لسبب بسيط هو أنني لا أميل إليه ولا أشعر بعاطفة نحوه؟ وهل في زمننا هذا مكان للحب؟
فجأة! شعرت برعشة، هزت جسدي، وموجة هواء باردة أنعشت روحي واخترقتني بقوة، تحركت اعتدلت، وإذا بها تهمس:
- المسألة بسيطة، إحرجيه، نبهيه إلى بعض الحقائق التي حتما ستخجله·
عندما شعرت بوجودها قربي، ارتحت قليلا، تنفست بهدوء وكأنني ألقي حملا ثقيلا عن كاهلي، تشجعت لأسألها :
- ولكن كيف سأحرجه وأنا لا أعرف عنه إلا ما تخبرني به أمي عادة·
من دون تردد همست :
- طول عمرك ذكية ويطلقون عليك (كولومبو)(*) الجامعة، تعرفين أسرار الناس، وتبحثين في دفاترهم القديمة والجديدة، فهل تعجزين عن البحث في دفاتر طارق قريب والدتك؟
بشيء من الانزعاج :
- تعرفين أنني بعيدة عنه كل البعد، ولا أتقبله، لذلك لم أمارس عليه هوايتي، ولم أنبش فى دفاتره السرية، حتى إنني لم أجالسه إلا مرات قليلة وقصيرة، تحت إلحاح أمي، وتعلمين كم أحب أمي!
صفحة 3
همست بثقة :
- اتركي الموضوع عليَّ، ففي الساعات القليلة القادمة سأعرف عنه الكثير والمثير، لا تخافي قابليه بارتياح، وسنفضح ألاعيبه ونكشف أكاذيبه معا·
بحس مرتاح :
- اتفقنا، أرجوك لا تخذليني، أخشى أن أضعف وأوافق عليه إكراما لوالدتي·
همست بنبرة زعل :
- ماذا؟ وهل خذلتك قبل اليوم يا حلوتي؟
باستحياء أجبت :
- آسفة سامحيني زلة لسان·
مستسلمة همست :
- وهل أقدر أن لا أسامحك؟
الهواء البارد يغادر جسدي فجأة! دفء سريع ينتشر حولي، أبحث عن اللحاف، أندس تحته، أغفو·· أنام·
***
عندما صحوت، نظرت إلى ساعة الحائط المقابلة لسريري، يشير عقرباها الفضيان إلى الخامسة مساء، تأملت غرفتي، كانت واسعة مزدانة بأثاث فخم ثمين··· ازدانت إحدى الزوايا القريبة من النافذة الكبيرة بتلك الكراسي الخشبية الضخمة الخمسة المؤطرة بإطار من الفضة الخالصة، أما قماشها وزخرفته فتأخذك إلى قصور المهراجات الهندية، الطاولة المستطيلة التي تستقر قبالتها فكانت من خشب الزان المحفور بحرفية بديعة ذات رسومات لغابة هندية عجيبة بأفيالها الضخمة وأشجارها المتنوعة وأنهارها وطيورها، أتذكر رحلة والدتي إلى ولاية (كيرالا) الجميلة، عروس جنوب الهند والتي قضت نصف الوقت، متنقلة فيها بين المحلات والأسواق، تبحث عن الأثاث القديم والتحف الثمينة، لتزين بها كل شبر من بيتنا، سألتها مرة وهي توزع بعض التحف في غرفتي:
- يا أمي، لقد امتلأ بيتنا بتلك التحف، لم يعد هناك شبر يعتب عليك، ماذا سنفعل بها؟!
تجيب :
- يا حبيبتي، كل هذه الأشياء لك، أتمنى اليوم الذي أزين فيه بيتك وبيت أحفادي، وهي تتمتم (إن شاء الله يارب)·
وأنا أقبلها وأضمها إلى صدري :
- يا أمي، إن شاء الله، لكن هذه الكماليات يراد لها متحف وليس بيتا كبيتنا·
ساعة جميلة بعقربين فضيين تحاول تعليقها بخفة أمام سريري :
- يا سارة، لا تزالين صغيرة، وهذه هواية والدك (يرحمه الله) الذي تربيت عليها وعشقتها كما عشقته قبلها، أما بيتنا فالحمد لله واسع وكبير، ويحتمل من الأثاث والتحف أضعاف ما فيه·
صفحة 4
لم أستطع أن أكدرها برفض هذه الأشياء، بصراحة، مع الوقت صرت أتأمل هذه التحف بلهفة وشغف، فتلك السجادة الثمينة ونقوشها الحريرية لا تقدر بثمن، لجمالها ونعومتها، وتلك الفضيات المتناثرة على الطاولات والرفوف، كل واحدة فخورة بنقوشها، كم أعشق ذلك الإطار الخشبي القديم، الذي اخترته بنفسي من بين تحف والدتي ووضعت به صورة تجمعني بأبي وأنا صغيرة، وهو مزخرف بزخارف أسطورية سحرتني، علقته أمام سريري، حتى إنني كلما صحوت من نومي، يصافحني وجه والدي (يرحمه الله)، أما هذا الإطار الفضي الذي يرتاح فوق الكومدينة على يمين السرير وبداخله صورة والدي وهو يقبل والدتي في إحدى المناسبات الأسرية، فقد كان يتلألأ بألوان أشعة الشمس عند كل فجر يوم جديد، ينبهني أن الوقت قد حان لأن أبدأ نشاطي اليومي، وكم أعشق بزوغ الفجر، دائما تقفز صور جميلة في سماء أفكاري عندما يصافحني وجه الفجر وهو يغازل ابتسامتي·
أزحت الغطاء عن جسدي، سقطت الأباجورة التي لامسها الغطاء، حمدت الله أنها لم تخدش أو تنكسر، فهي من أغلى تحف الوالدة، وقد أحضرتها من مدينة البندقية من جزيرة مورانو بالذات، ولا أنكر أنني أعجبت بها وبألوانها وشفافية زجاجها·
بعد أن خرجت من غرفتي، كانت والدتي منهمكة مع إحدى الخادمات، ترتب إحدى زوايا الصالة، تدني كرسيا، وتغير مكان الطاولات الصغيرة، تضع تحفة هنا وتنقل أخرى إلى زاوية أقرب للنافذة، وكأنها ستعيد ترتيب المكان بأثاثه ورياشه وتحفه، انتبهت لوجودي قربها، عندما استدارت لتشرح لأحد الخدم مهمته الليلة، وعندما لمحتني وحقيبة يدي متدلية من كتفي، ابتسمت وبنبرة فرحة :
- لا تتأخري يا حبيبتي، طارق سيحضر الساعة الثامنة، رتوش بسيطة في غرفة الطعام، لن تأخذ مني سوى ساعة، ويصبح كل شيء جميلاً·
أجبتها بهدوء وأنا أقبلها :
- ليس هناك أبدع مما كان، لا تقلقي لن أتأخر، سأكون عند ليلى لبعض الوقت، إلى اللقاء·
لا أدري لماذا كنت هادئة وابتسامة مشرقة موزعة على كل ملامح وجهي وكأنني أتقافز من الفرحة، أية فرحة هذه؟! قبل أن أدير المقود، ارتجفت يدي، شعرت بوجودها همست بثقة:
- الساعة الثامنة، استعدي، لا تتأخري·
كأنني شعرت بابتسامتها تعلو الفراغ الذي يحيطني تفاءلت، أدرت مقود سيارتي الحمراء الصغيرة في طريقي إلى بيت ليلى·
صفحة 5
(2)
في الصباح، خرجت مسرعة من غرفتي وكتبي تثقل حقيبتي، والدتي جالسة في صالة المعيشة تصب الشاي والحليب ورائحة الهيل تعبق في المكان، أحب هذه الرائحة، لكن؟ قبل صباح الخير، رددت أمي:
- وأيضا مسرعة كالعادة صباح الخير يا حبيبتي، الفطور، الحليب، الشاي·
بعجالة :
- صباح النور يا ماما، بالعافية، تعرفين دكتور خالد وكم هو شديد، لا يسمح للطلبة بالتأخير عن موعد المحاضرة، مادة التسويق صعبة وتحتاج وقتا، وانتباها، وتركيزا·
وأنا أطبع على خدها قبلة الصباح، أكمل :
- مع السلامة·
وهي تودعني، استدركت وكأنها تذكرت شيئا مهما فقالت وهي توصلني إلى الباب:
- الحمد لله يا ابنتي أنك لم ترتبطي بطارق فقد كنت أذكى مني لتكتشفي ألاعيبه·
لم أعلق، ابتسمت لمديحها واعترافها وخرجت·
وأنا أقود سيارتي في طريقي إلى كلية التجارة، اهتز المقود في يدي حتى إنني فزعت، شعرت بها وهي تملأ فراغ السيارة، وتلك النسمة الباردة التي أنعشتني، بجرس المنتصر همست :
- يا لك من داهية، لقد أحرجت أشهر محامي في الديرة حتى إنه تلعثم، وخرج دون أن يلقي تحية الوداع·
بخبث بدأت حواري :
- الحقيقة، أنت الداهية التي أَحرجته، وأمليت عليَّ تلك الحقائق والوقائع التي فضحت نواياه الشريرة، ولأنك استطعت أن تقنعي والدتي بأنه منافق وكذاب، ودائما يحاول التسلق على أكتاف الغير لينجح·
كنت قد وصلت إلى بيت ليلى، وعندما أوقفت السيارة، كانت تطل من النافذة، أما هي فغادرتني بخفة لم أشعر بها، دلفت ليلى إلى السيارة، متلهفة قبل التحية، صاحت :
- إحكِ لي بالتفاصيل المملة، ماذا حصل البارحة؟
كعادتي سألت :
- تريدين السيناريو والحوار بأدق تفاصيلهما؟
أومأت برأسها، ووضعت يدها اليسرى حول المقعد في محاولة لتستدير بكل جسدها إليَّ، وصمتت·
رددت بفرحة :
- إذن أنصتي، ولا تقاطعيني وكأنك كنت معنا البارحة·
وبدأت أستعيد المشاهد لأرويها:
- كان يجلس قبالتي، أما والدتي فتحاذيه على الكنبة (الصوفا) الحمراء الفارهة، بثقة عالية سألته :
- طارق·· قلت لأمي إنك بنيت لي بيتا فخما في الجابرية، مساحته 1000م2 طابقين وسرداب كبير، وحديقة تسورها أشجار النخيل البرحي(*) وهو هديتك الأولى لي بعد الزواج؟
صفحة 6
من دون تردد :
- نعم يا سارة·· وسآخذكما الآن لترياه·
بصوت المحقق:
- لا حاجة لذلك، لقد رأيته عصر اليوم، إنه جميل ورائع، لكنه ليس بيتك كما تدعي، إنه لابن خالك مشعل، وأتفق معك على استئجاره لمدة عام فقط·
متوترا يفلت لسانه :
- ماذا؟ من أخبرك بذلك؟
باستهزاء:
- لم تخبرني العصفورة يا طارق، أخبرتني الوثائق والمستندات القانونية·
بصوت مرتبك:
- هذا صحيح، ولكنني نويت أن أشتريه منه بعد فترة·
بقوة استرسلت:
- ها؟ تشتريه؟ وهل رصيدك الذي يقل عن 3000 دينار سيكفي لشراء بيت قيمته لا تقل عن 250,000 دينار؟ بعد أن ضيعت ميراث والدك كله في البورصة (سوق المناخ) والشيكات المؤجلة التي وضعت اسمك في قائمة المديونيات الصعبة، ومن المحتمل أن يكون السجن مصيرك إذا لم تسدد القسط الأول للبنك بعد شهرين؟!
ثم بعصبية ظاهرة أكملت :
- وهل كنت تتوقع مني أن أسدد ديونك بعد الزواج؟ أهذه كانت خطتك الجهنمية؟!
ثم بقليل من الهدوء :
- طارق، إحمد ربك أنني لم أخبر والدتك، بأن ولدها الوحيد، بدد أموال والده، وأموالها في مضاربات سوق المناخ، وعليه ديون مستحقة الأجل بعد شهرين من الآن·
لم ينطق بكلمة، ظل صامتا للحظات كالجماد، نهض، اتجه صوب الباب، بفوضوية يردد، وألوان الخجل والذهول تغطي ملامح وجهه :
- ماذا؟ سوء فهم، هناك مغالطات، إنها نصف الحقيقة، أستأذن، لكنني سأوضح بعض الأمور غدا·
يتعثر، يستعجل خطواته، لكنه يجد الباب·
بارتياح قبل أن أصفق الباب خلفه :
- دع النصف الثاني لك يا طارق·
صفحة 7
(3)
دخلت إلى القاعة مسرعة، صافحني وجهه الوسيم بابتسامة رائقة جذابة، أنيقة تلك البدلة الرمادية التي يلبسها، والقميص الأصفر، ورباط العنق الملون بألوان ربيعية، منذ عودته من أميركا إلى اليوم، وهو يفضل لبس البدلة، مرة واحدة فقط شاهدته بالزى الوطني الجميل، الدشداشة البيضاء الناصعة، والغترة المنشاة، والعقال الناعم، وذلك قبل سبعة أشهر، في الحفل الذي أقامته كلية التجارة بنادي الجامعة، احتفاء بالأساتذة الجدد، ودعيت له لأنني مسئولة اللجنة الثقافية في جمعية كلية التجارة، وهكذا بدأ التعارف بيننا، خلال تلك الحفلة نبهتني صديقتي ليلى قائلة :
- سارة، ألم تلاحظي أنك لم تنزلي عينيك عنه؟
وكأنني كنت في عالم آخر نسجته من خيالي، انتبهت لسؤالها، ابتسمت لها وبخبث الأنثى سألتها :
- وأنت ألم تلاحظي نظراته التي غسلتني؟
تذكرت هذه الأمسية الحلوة، لأبتسم وألقي تحيتي :
- صباح الخير دكتور، أرجو أن لا أكون قد تأخرت؟
وهو ينظر إلى ساعة يده، وبابتسامة كوردة الجوري البيضاء يقول :
- صباح النور سارة، أبدا، ما زالت هناك خمس دقائق·
التفت إلى زملائي وزميلاتي مرددة قبل أن أجلس في مكاني المعتاد:
- صباح الخير جميعًا·
لم تفارقني ابتسامتي طوال المحاضرة، كنت أوزعها على من حولي، الفرحة والبهجة تلازمانني طوال حديثه، وإحساس غريب يلامس قلبي كلما دنا منى ومن مكاني·
كانت المفاجأة عندما وزع نتائج الامتحان لنصف الفصل الدراسي، كاد قلبي يقفز ليستقر أمامي فقد وزع أغلب أوراق الطلبة، وورقتي لم تظهر، كنت خائفة لدرجة الموت، لكنني طمأنت نفسي فقد بذلت كل ما بوسعي لتكون إجاباتي واضحة ووافية ونموذجية، واثقة من النتيجة لكنني مع هذا كنت أرتجف·
عندما دنا مني، كانت عيناي تغسلان حذائي الأحمر الجديد، ووردته ذات الألوان المتداخلة، في محاولة لأبعد الخوف عني، نبهني صوته الجميل:
- سارة!
رفعت وجهي، نظرت صوبه بخوف ظاهر، وحياء شبه مستتر، شعرت بحرارة تطفو على بشرتي، ليحمر خداي·
أكمل بهدوء :
- سارة مبروك، أعلى درجة (A)·
لم أصدق، ازداد ارتجافي، تناولت ورقتي ويدي ترتعش، حاولت جاهدة أن أخفي ارتعاشة يدي، لكنه أردف :
- تستحقين يا سارة أكثر، إجاباتك بمنتهى الدقة والموضوعية·
يلاحظ الارتعاشة، يبتسم وبنبرة مريحة :
- أتمني أن أرى هذه الدرجة في الامتحان النهائي·
هدأت أعصابي قليلاً وأنا أتفحص ورقتي الثمينة، بحس مبتسم:
- إن شاء الله يا دكتور، سأحاول·
صفحة 8
(4)
في طريقي إلى البيت، الشارع ممتد أمامي، لأول مرة، الطرقات هادئة من زحمة السيارات، نظرت إلى الساعة التي تتصدر مقدمة السيارة، العقارب تشير إلى الثالثة والنصف عصر يوم الأربعاء نهاية الأسبوع·
خففت من سرعتي، تذكرت حديث ليلى اليوم في الكلية حين قالت:
- سارة، لا أدري، يوسف يتصرف بشكل غريب هذا الاسبوع، كلما يذكر اسمك ألاحظ أنه يغير الموضوع ويبدي عدم اهتمام، ويظهر على ملامحه الضيق·
لم أعط الموضوع حجما كبيرا، لكنني أجبتها :
- ليلى لأنك صديقتي الحميمة، تكونين دائما حساسة من أي تصرف يقوم به يوسف، هل تعتقدين أنه من المحتمل أن يسيء إليَّ؟ الحقيقة، أنا لا أعتقد ذلك أبدا·
أخذت أفكر بما قالته ليلى، مع أنني كنت غير مكترثة بحديثها· وإذا بنسمة هواء باردة منعشة، تدخل من نافذة السيارة، يرتعش جسدي، أنتبه لوجودها حولي، بشيء من الجدية تهمس :
- أحذرك من يوسف، ما قالته ليلى ليس شيئا طبيعيًا، ألم تلاحظي تصرفاته الأخيرة، ألم تلاحظي أن شيئا من الغيرة، بدأ يلون علاقتكما·
قبل أن أطرح عليها سؤالي:
- تحذرينني من يوسف، المعجب، المدله في حبي؟ غير معقول لماذا؟
كانت قد تسربت بخفة فراشة، وتركتني مشوشة الفكر، أستحضر يوسف الصديق، الطالب الجاد الذكي المتفوق، لا يخلو وجهه الأسمر من وسامة، شخصية مرحة محبوبة، يحلم بفتح مركز لخدمات الكمبيوتر، ذلك الجهاز الذي بدأ بالظهور، وأخذنا نسمع عنه، يحلم بأن يصبح على حد تعبيره (الاقتصادي الأول في الكويت ومنطقة الخليج العربي)· عندما نجلس نستذكر دروسنا في كافتيريا الكلية، كان معظم حديثة عن طموحه الاقتصادي، يمازحني حين يقول :
- بعد أن يشتهر المركز عالميا، سأتعطف عليك بوظيفة بسيطة في المركز، لكنها محترمة، لا تخافي، ستليق بذكائك، وإذا أثبت جدارة، ستحصلين على ترقية من المدير·
ويدق بيده على صدره، يضحك بصوت مرتفع، ليكمل :
- كمساعد مدير مثلا، ها، ها، بشرط أن توافقي، أن تكوني، تكوني··
وهنا أقاطعه وبنبرة مازحة ضاحكة:
- يوسف أنت لا تناسبني، نحن مختلفان، لكننا كصديقين رائعين·
صفحة 9
يبتسم، نضحك معا، ينظر كل واحد منا إلى ساعته، ننهض بخفة مسرعين، وأنا أتمتم :
- يا إلهي، دكتور فهد لا يحب التأخير، باي باي يوسف·
وأنا أجري·
يوسف تزداد سرعته، يقول :
- مذكراتي في السيارة، والمحاضرة اليوم في المكتبة، بين المراجع والمصادر، إنها تفضل أن نتعلم كيف نبحث بأنفسنا، ونتدرب أمام عينيها، لترشدنا إلى طرق البحث الصحيحة و··
لا نزال نسرع الخطى قاطعته:
- دكتورة سهام؟ سمعت الكثير عنها، أتمنى أن أسجل عندها الفصل القادم، يقولون إنها دنيا من الأبحاث، ما شاء الله، امتلأت المكتبة بمؤلفاتها وإنجازاتها·
رد بعجالة :
- ماذا قلت؟ (دنيا من الأبحاث)؟ ياله من وصف رومانسي، على كل حال هذا كلام شعراء، بالمناسبة لا تخافي سأزكيك عندها الفصل القادم لأن العدد محدود، وهي تفضل المتميزين مثلي فقط·
أسرع، حوّل وجهته إلى مواقف السيارات حتى لا يسمع تعليقي·
هكذا كانت علاقتي مع يوسف، ضحك ومرح وكثير من الدعابات، وأهم شيء الصراحة التي تغلف علاقتنا، لذلك لا أعتقد أن يوسف كان من الممكن أن يضرني، أو يؤذيني في يوم من الأيام·
بعد تفكير مرهق، تذكرت بعض المواقف، ذات مرة طلبت منه :
- يوسف، انتظرني قليلا، سأصور بعض الأوراق الخاصة للدكتور خالد·
بشيء من الضجر :
- أوف سنتأخر يا سارة، ثم لماذا هذا الاهتمام بخالد وأوراقه؟
لم أنتبه لما بين هذه المفردات من دلائل خفية فقد انهمكت في التصوير·
ونحن نتجه إلى قاعة الدرس، كان صامتا على غير عادته، ثم فجـــأة !:
- سارة، إنك تضيعين كل يوم، مالا يقل عن ساعتين، على طلبات دكتور خالد الخاصة، تصوير، إحضار كتب من المكتبة، تلخيص بعض الموضوعات التي تهمه، و·· و·· و··
بعفوية يفلت لساني:
- يوسف، هذه الخدمات البسيطة يستحقها دكتور خالد منا جميعا، إنه يبذل كل ما في وسعه لتبسيط المادة، ومساعدتنا على استيعابها، وهذه الأمور تساعدنا نحن الطلبة ولصالحنا، ثم لماذا بدأت تكره هذا الدكتور بعد أن كنت تمتدحه في كل مكان؟
متلعثما يجيب:
- أبدا يا سارة، لكنني فقط أحاول أن أنبهك لبعض الأمور، ثم إن مادته صعبة وجافة·
لم أعلق، تركته يثرثر لأنني لم أهتم بحديثه، ودلفنا مسرعين إلى قاعة الدرس·
صفحة 10
(5)
الدكتور فهد أستاذ مادة التمويل، يقدرني ويحترمني، لدرجة أنه وبعد أن انتهت محاضرته، طلب مني أن أرافقه إلى مكتبه، لرغبته بإطلاعي على بعض الأمور بصفتي مسئولة اللجنة الثقافية، فى جمعية طلبة كلية التجارة·
جلست على الكرسي الوحيد، في غرفة المكتب، الغرفة صغيرة بالكاد تتسع لمكتب الدكتور، ورفوف صغيرة للكتب، وذلك الكرسي اليتيم الذي سحبته وجلست عليه، لأكون في وضع أقرب إلى الدكتور فهد الذي جلس خلف مكتبه·
تنهد، ثم زفر بقوة، وهو يفتح درج مكتبه، ليخرج منه بعض الملفات الملونة الجميلة·· ماداًُ يده بها إليَّ :
- تفضلي يا سارة، احكمي بنفسك، نسخ متشابهة، توائم، كل خمسة أو ستة بحوث، صورة طبق الأصل بعضها عن بعض، أصبحت ظاهرة سيئة مؤلمة·
تصبب العرق من جبيني، وأنا أقلبها بين يديَّ، هل وصلت بنا الحال، إلى هذا الحد في الجامعة، وبهذه الجرأة؟! متى سيتحمل الطالب المسئولية؟!
تمالكت نفسي، ثم بصوت حزين :
- دكتور فهد، يجب إيقاف هذه المكاتب التي تعلن بكل جرأة ووضوح من خلال الصحف، عن استعدادها لإعداد البحوث والدراسات، للطلبة الراغبين والمحتاجين لها، في جميع التخصصات وحسب الطلب، وكأن الطالب يذهب إلى الخياط، يختار الموديل والقماش، والباقي على المكتب، أما الدفع فأقل بحث بـ 50 دينارا وما فوق·
بغصة، مؤكدا، يرد :
- نعم، من الواجب التصدي لها، سواء بالطرق القانونية أو بغيرها، فأنا مثلا تخليت عن طريقة طلب البحوث من الطلبة، هناك طرق أخرى من خلالها أستطيع تقييم الطالب، فالذهاب إلى المكتبة، والاطلاع على مصادر ومراجع تخدم المقرر مثلا، وتدريبهم على مناهج وطرق البحث العلمي، أفضل بكثير من هذه البحوث المعلبة، التي أصبحت ظاهرة خطيرة وقضية جامعية، تهدد مستقبل التعليم عندنا، كما أنها شغلت الرأي العام وتناولتها الصحف المحلية، بشيء من التحليل والتنبيه، بشجاعة وجرأة·
قلت بهدوء :
- أنا معك يا دكتور، لكن التصدي لها بأية طريقة لا يحل المشكلة، وهذه المكاتب عندها من الطرق الملتوية ما تمكنها من التلاعب، فإن لم يكن الشيء في العلن، يكن في السر، أعتقد يا دكتور أن المادة سيطرت على حياتنا وجردتنا من إنسانيتنا، وأغلب الضمائر ماتت·
بوجع دفين رد :
- وما أكثرها يا سارة، نحن نسمع عن بعض المثقفين والباحثين ومن في حكمهم، الذين وبكل جرأة يسرقون أجزاء كاملة، من إنتاج غيرهم ولا يشيرون الى أن هذا الجزء، مأخوذ من إنتاج فلان أو فلانة فأين الحقوق الفكرية للمؤلف ومن يدافع عنها، فكيف نحاسب الطلبة، السرقات الفكرية والعلمية طالت المثقفين والباحثين والمبدعين والكتاب و·· و·· و··؟
خرجت من عند الدكتور فهد والألم يعتصرني والمرارة تملأ حلقي·