eKtab
EN ع
ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ
اقرأ عينة مجانية

ليوناردو داڤنشي - تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ

بقلم سيجموند فرويد

صفحة 1

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة

الترجمة التي أقدمها هنا من أحلى وأمتع الدراسات في التحليل النفسي، وتعد أنجح دراسة قام بها فرويد وتوفّر على بحثها، وأجاب بها على أسئلة كثيرة طرحها النقّاد، ويمكن أن يطرحها غيرهم، حول: جدوى وإمكانية مثل هذه الدراسة لإنسان عظيم مثل ليوناردو دافنشي فنّان عصر النهضة الأكبر.

وليوناردو إنسان يختلف عليه النقّاد، ومنهم من يرفعه إلى مستوى الآلهة والأبطال، ودار حوله نقاش وجدل كثير، وترك ليوناردو مجموعة ضخمة من الكتابات، وكانت له حياة مضطربة، ووجد فرويد في كلْ ذلك مادة خصبة لتأكيد نظريته النفسية، ولو لم يجد فرويد في شخصية وحياة وكتابات ولوحات ليوناردو، الفرصة التي من خلالها يستطيع شرح نظريته في النفس البشرية، وفي الشخصية، وفي نشأة الأمراض النفسية، لما تعرّض لحياته وأعماله. وإذاً فليوناردو شخصية مثالية بالنسبة لفرويد، بمعنى أنه يمّثل بالنسبة له التجسيد الحيّ الأمثل لكل ما ذهب إليه في النفس والصّحة والمرض من آراء وأفكار.

لكن من هو ليوناردو دافنشي أولاً؟

***

يكاد يجمع المؤرّخون على أن داڤينشي ولد بمدينة ڤينشي بإيطاليا، عام 1452، مسافحًة، وإذاً فهو وَلَد زنى، وكانت أمه فلاحة، وأبوه موظفاً عاماً مرموقاً من أسرة محترمة. وبالطبع لم يعترف به الأب، وظل الطفل مع أمه نحو خمس سنوات. وتزوّج الأب من فتاة من عائلة، ولكنه لم ينجب، فاضطر إلى المطالبة بابنه، وانتزعه من أمه، وضّمه إليه في كنف زوجته العقيم.

صفحة 2

تلك كانت ظروف الضغوط البيئية العنيفة التي تهيّأت للطفل ليوناردو، والتي يرى فرويد أنها تهيء الفرصة لتشجيع الاضطراب النفساني نتيجة الشعور بعدم الأمان: لأنه حُرِم الأب لمدة خمس سنوات هى سنوات التكوين الحاسمة من حياته؛ ولأنه عاش مع أم حُرِمت الحب والزوج فانقلبت على ابنها تصنع منه الزوج الذي فقدته، وترتوى بحبه استعاضةً عن حبّ ضائع وحياة غير دافئة وغير مشبعة، فأثارت فيه ما كان هاجعاً، وأيقظت نوازع وغرائز لم يكن أوان بعثها، ودفعته دفعاً إلى الإحساس بعوامل نضج جنسي مبكر، زاد قلقه ودفعه بدوره أن يتساءل عن ماهية ما يحدث له، ولم يجد أحداً يشفى غل سؤاله، ويروي ظمأه للمعرفة، ومن ثم دفعه إلى أن يبحث لنفسه ويستقصى معاني ما لم يحط به علماً، وتربّى لديه حبّ استطلاع عنيف، كان أُولى لَبِنات شخصيته الفنية العارفة: شخصية «الفنان - العالم».

ويدرس فرويد، من خلال حياة ليوناردو، أثر السِّفاح والعيش في كنف الأم وزوجة الأب، وأثر الأب والبيئة على نفسية وتفكير الطفل ليوناردو، وقد جعله حبّه لأمه لا يقرب النساء، ويرى فيهن أمه، ومن ثم ألهمه حُّبه لأمه لوحات حيّرت العالم والنقاد، وجعلت منه أنبغ رسامي النهضة، وعبقرية على قمة فن هذه الدنيا قديمها وحديثها.

ويجد فرويد أن ليوناردو على هذه الصورة نموذجاً مثالياً لآرائه، فهو يرى أن اللبيدو في الطفل يترّكز في أناه، ومن ثم يسمّيه «لبيدو الأنا»، والطفل لا يحتاج للعالم الخارجي، كل ما يهمه هو أمه وحدها، وأمه ليست من العالم الخارجي، بل جزء منه هو نفسه. ويستمر هذا الوضع لمدة الأربع أو الخمس سنوات الأولى، ثم يبدأ الطفل يدرك أن هناك عالَماً خارجياً، ويتغيّر اللبيدو لديه ليصبح لبيدو نرجسياً، وبعد أن كان الطفل أنانياً فقط، يصبح الطفل أنانياً بالإضافة إلى بعض الإحساسات الشهوية التي بدأت تتمّيز لديه. ويحب الطفل نفسه كما كان يفعل نارسيسوس (الذي اشُتقت منه الصفة «نرجسي»). وبعد سن السادسة يتخلى الطفل عن بعض نرجسيته، ويأخذ بالمقابل لبيدو الناس الآخرين، ومن ثم يتطور لمستوى أرقى من التوافق، لمرحلة اللبيدو المتعلق بالموضوع. وتتحقق له هذه المرحلة في سن الحلم، وفيها يتوزع إحساسه الشبقى على الجسم كله ولا ينحصر في المنطقة التناسلية وحدها، ويفلح كذلك في كبت نوازعه الجنسية، والتسامي بجزء منها، وتخصيص الجزء الباقي لغرض التكاثر والإنجاب؛ وفي سن الحلم أيضاً يتطلّع ويستعرض ويلمس ويعتدى ويتذوّق ويتشمّم، بحثاً عن موضوع لحبه. ويقدم فرويد مصطلحين هما الموضوع الجنسي والهدف الجنسي، ليصفا السلوك الجنسي؛ فأمّا الموضوع الجنسي فهو الشخص الذي يشدّه إليه سحره الجنسي؛ وأمّا الهدف الجنسي فهو الغاية التي تسعى إليها الغريزة الجنسية. والموضوع الجنسي شخص من الجنس الآخر، والهدف الجنسي هو الرغبة في الجماع العادي. غير أن هناك انحرافات تخصّ الموضوع، وأخرى تخص الهدف. وانحرافات الموضوع تضم اللوطيين وغيرهم. وموضوعهم الجنسي شخص من نفس الجنس، فالرجل يعشق الرجل، والمرأة تعشق المرأة، بل إن الرجل المنحرف أو اللوطي، أو المريض بالجنسية المثلية، ليحسّ بالنفور من المرأة، وهو ما يسمى horror feminae. ولا ينبغي أن نفهم أن اللواطة تتخذ لنفسها التعبير الصريح السافر دون غيره، فهناك لواطة كامنة، أي نزوع كامن، وهو ما رآه فرويد في حالة ليوناردو، وما لمسه في تاريخ حياته من إحاطة نفسه بمجموعة من الفتيان الذين يتّسمون بالصباحة المفرطة، ومن عزوفه المستمر عن الجنس الآخر. وأمّا انحراف الهدف، أي الانحراف في الفعل الجنسي نفسه، فيكون بتضخيم جزء من أجزاء العملية الجنسية، كأن يبالغ المنحرف في العدوان أو في اللمس أو في التطلّع، ويرجع فرويد السبب إلى تجربة عارضة في الطفولة، تربط العض أو الضرب أو العدوان عموماً، أو اللمس، بالفعل الجنسي، وتكون مصاحبة له. وتعاود الأعراض، بشكل مضخم، الفرد المنحرف في البلوغ، فيتحوّل إلى سادي أو ماسوشي أو استعراضي أو متطلِّع إلخ، من ضروب الانحراف الجنسي. ويحدثنا التاريخ والأدب عن رجال برزت عندهم سمة اللواطة، فالتوراة مثلاً تصف لنا لوعة وحزن داود على يوناثان ابن شاول وصديقه، حين يبكيه فيقول «كان حبي لك رائعاً يفوق حبي للنساء» (صاموئيل 1/1)؛ ويصف بلوتارخ حب دامون وبيثياس أروع وصف حتى لتحسبه حب رجل لامرأة. ومؤرخو ليوناردو يذكرون أنه قد قُبض عليه وحوكم بتهمة اللواطة، رغم أنه بريء من التهمة، ولكن الواقع أن ليوناردو كان لوطياً، واشتركت عوامل كثيرة في انحرافه، تناولها فرويد بالشرح، وأسهب في تحليلها، حتى عرّى ليوناردو تماماً. ومن ذِكرَى رواها ليوناردو لحادث، قال إنه وقع له في طفولته، بنى فرويد بناءً نفسياً شامخاً لأعظم رجال عصر النهضة، وتوغّل في دهاليز لا شعوره، وحلل حياته ولوحاته، مستخدماً منهج التحليل النفسي، راسماً له خريطة حياة بدأ فيها بمذكرات ليوناردو، وتتبَّعها تاريخياً، وربط بين أقواله وأحداث حياته، وبحث عن معناها الخاص عند ليوناردو، وبذلك اكتسبت الأقوال التي كانت غير مهمة أبعاداً جديدة هامة، وظهرت المواد التي كانت مهملة، ووضعها فرويد في إطارها الكلّي الصحيح، وجمعها حول الذكرى التي وصفها للحادث المتوهَّم، الذي أطلق عليه اسم وهم النسر، وبذلك وضح سلوك ليوناردو.

صفحة 3

وتضم أعمال ليوناردو لوحتين له في شبابه وكهولته، ونحسّ من لوحة شبابه أنه كان فتى جميلاً، وكانت له، كما يذكر مؤرخه فاسارى وغيره من المؤرخين، مقاييس جسمية غاية في التناسق، كما كان يحبّ الملابس الزاهية والأبهة والرفاهية.

وهناك أروع لوحاته والأسطورة الخالدة على مرّ الزمان، وهى لوحة الموناليزا ديل جيوكندا، وهى نموذج للإضاءة الكاملة التي تتساوى في الشدّة، حتى بالنسبة للصخور والسماء في الخلفية، وكانت الابتسامة الغامضة الملغزة وسيلة ناعمة لإحداث الانكسار المطلوب في الإضاءة، وكانت كأنما هى البؤرة المولِّدة للضوء، وكأنما اللحظة لا يمكن أن تتكرر، وكأنما هى لحظة تبلغ في روعتها حّد التفرُّد، وبالفعل لم يكرر ليونارُّدو هذا الأسلوب المركّز على شدة الإضاءة.

وتعد لوحته "ليدا" نقطة تحوّل في فن التصوير، وعاملاً مؤثراً في تاريخ الفن الأوروبي. واللوحة حافلة بالعناصر الدينامية المعقّدة، فهناك الجسم الملتوى الذي صار عَلَماً ونموذجاً لكل الأجسام الكلاسيكية في القرن السادس عشر.

ويتحدث فرويد عن أثر ابتسامة الموناليزا على لوحاته اللاحقة، ويضرب لذلك المثل بلوحاته: "الأسرة المقدسة"، أو "القديسة آن والعذراء والطفل"، وتظهر الابتسامة من جديد ولكن بشكل متطوّر.

وفي لوحة "يوحنا المعمدان"، تبدو طريقة ليوناردو في استغلال الضوء، الذي يصفّيه وهو يخرج من الخلفية المظلمة إلى المستويات المتقدّمة للوحة، ليعطى الإحساس بالمساحة، وليزيد ملامح الوجه تعبيراً، مختلطاً أو مندمجاً في الوجه وهو يبتسم في غموض، وفي الجسم وهو يميل للأمام، وفي الإصبع وهو يرتفع في رمزية. ونجد هنا أن يوحنا لم يعد الصوت المدوّى في الفلاة، ولكنه إنسان يحمل سرّاً، أو هو شاهد على سر، ووسيلة لإدراك جوهر الإنسانية وكل الوجود.

وفرويد – مؤلف هذا الكتاب، هو مؤسس مدرسة التحليل النفسي، من مواليد فرايبورج بالنمسا سنة 1856، وتعَلّم في ڤيينا متخصصاً في طب الأعصاب، ولكنه بتأثير من أستاذيه شاركو وبروير، وكانا من أعظم الداعين إلى العلاج النفسي، وأصحاب مدرستين فيه، فتحوّل فرويد إلى دراسة الجوانب للأمراض التي يغلب على الإصابة بها التاريخ النفسي للمرضى. واستطاع فرويد أن يطور كشوف شاركوه وبروير، وأن يرسى في بضع سنوات دعائم مدرسته في التحليل النفسي التي ما زالت حتى اليوم تمارس تأثيرها في الحياة الثقافية في العالم العربي والرأسمالي، وأن يعقد أولى مؤتمر عالمي للتحليل النفسي في سالزيورج سنة 1908. ورغم أن تلاميذه من علماء التحليل النفسي بدأوا في الانفصال عنه والانقلاب عليه، ابتداءً من سنة 1911، إلا أنه اعتبر ذلك منهم ظاهرة طبيعية ومتمشيه مع نظريته في التمرد على الأدب الذي يعتبره أصل الشعور بالذنب وأساس الحضارة. وكان ممن انفصلوا عنه محللون كبار أصحاب مدارس كبيرة في التحليل النفسي، وكان منهم: أدلر وشتيكل سنة 1912، ويونج سنة 1914، ورانك سنة 1924. ورغم تمردهم وتأسيسهم لمدارس نفسية منافسة فقد ظلت شخصيته محورية كشخصية هيجل في الفلسفة بالنسبة لمن تمرّدوا عليه من الفلاسفة من تلاميذه. وصار تاريخ حركة التحليل النفسي هو تاريخ التأييد لفرويد من تلاميذه أو تاريخ الخروج عليه منهم. ومن أهم الكتب التي ألّفها كتابه "تفسير الأحلام Die Traumdeutung" (1899 – ترجمة الدكتور عبد المنعم الحفني – مكتبة مدبولي)، ومحاضرات تمهيدية في التحليل النفسي Vorlesungen zur Einfuhrung in die Psychoanalyse. وفرويد متعصب ليهوديته جداً، ونظرياته في التحليل النفسي أصولها توراتية. ومن تعصبه نقده الشديد للألمان، وإدعاؤه أنهم أعدموا إخوته الأربعة ولا دليل واحد على ما يقول. وربما يكون فرويد مخطئاً في نظرياته أو مغالياً فيها، فقد اقتصر بحثه في السلوك العصابي والاستحوازي والاكتئابي عند البالغين، وقَصَر بحثه فيه على مواقف الطفولة ومخاوفها، وكلها مواقف جنسية، ولم يشر إلى أسباب اقتصادية أو إجتماعية أو چينية. والمؤيدون لفرويد يعتبرون اكتشافه للجنسية في الطفولة إسهاماً حقيقياً قامت عليه نظريته في الجنسية التي يفسِّر بها وفي ضوئها دعواه في اللّذة الشرجية والفمية، ويربطها باللذة التناسلية، بدعوة أن اللذة الجنسية تتوزع على مناطق الجسم المختلفة، وتكون مصارد للاستثارة الجنسية تبعاً لمراحل التطور النفسي. ومن رأي فرويد أن الوالدين والمجتمع يعملان باستمرار على تقييد سعي الطفل للإشباع، ويحاولان توجيهه اجتماعياً، ومن ثم كان الطفل عرضة للاضطرابات، وأن لا يتم تطوره في يسر وبلا تناقضات. وفرويد يقول بالصراع Conflict، ومن رأيه أن أطفالنا جميعاً يمرون بصراعات تلعب فيها أحداث الواقع وخيالات الطفل أدواراً رئيسية. واكتشف فرويد أن هذه الخيالات أو الأوهام سمة من سمات الطفولة، ولذلك لم يكن فرويد وهو يصف الموقف الأوروبي بأنه موقف يتميز برغبة طفولية في قتل الأب والزواج من الأم – تقول إنه في قوله ذاك ما كان يقدّم صورة أدبية، ولكنه كان يصف وصفاً مجازياً الأوهام والخيالات الطفولية التي تأتيه تعبيراً عن رغبات يتم في ضوئها فَهْم أسباب الشعور بالذنب والقلق. وهذا الارتباط بين خيالات الطفولة وحوادثها وظهور سمات معينة في البلوغ هو إحدى السمات الكبرى لفلسفة فرويد، وفي ضوئها سنستطيع فهم ما ذهب إليه من معاني الكبت والتسامي واللاشعور، فالتجارب المؤلمة جداً، تدفعها الذاكرة إلى زوايا النسيان، أي يتم كبتها طالما أن الإنسان بطبيعته يسعى للذة، ويفطر للتكيف مع الواقع المادي والاجتماعي، ومن ثم يعاد توجيه لدوافع التي لا تجد لها منصرفاً، أي يتم التسامي بها. وهذا تماماً هو ما حدث مع ليوناردو داڤنشي، فتوجهاته للرسم وللفن عموماً، وشخوصه التي كان يرسمها، كانت تصويراً لما يجري في نفسه من صراعات وتوافقات وتداعيات، حيّرت النقّاد لفنه وجعلتهم يقولون ما قالوا عنه.

تُرَى .. هل وفِّقت فيما أردت شرحه؟

هناك دائماً مسافة بين ما يريد الكاتب وبين تحقُّق إرادته، بين رغبته وبين إنجازه، بين الصورة الذهنية وبين الصورة المتعيّنة على الورق .. ولأني أدرك ذلك وأعرف أن كثيرين يدركون ما أدرك، أحس أنكم ستعذرونني إذا كنت لم أوفق في إيصال ما أريد أن أبلغكم إياه .. والله الموِّفق.

عبد المنعم الحفني

صفحة 4

الفصل الأول

عندما يقترب التحليل النفسي – الذي يُقصر نفسه عادة على نواحي الضعف البشري – من الشخصيات الإنسانية الكبيرة، فإن ما يدفعه إلى ذلك ليس ما يلصقه العامة به غالباً من دوافع، فهو لا يحاول «أن يشوّه سمعة أصحاب الأسماء المتألقة، أو أن يمرّغ الأسماء الرفيعة في الوحل»، ولا يرضيه أن يقلّل الشقة بين كمال الكبار وعجز العامة، ولن يسعه إلا أن يرى أن كل ما يمكن أن يُدرَك من خلال هذه الطُرُز من الشخصيات لجدير بمحاولة فهمه، وأنه لا يوجد شيء يمكن أن يكبر ويَضخُم حتى لنخجل من إخضاعه لنفس القوانين التي تخضع لها الأفعال السوية والمريضة بنفس الدّقة.

ولقد كان ليوناردو دافنشي (1452 – 1519) دائماً محط إعجاب الجميع حتى معاصريه، كواحد من أعظم رجال عصر النهضة الإيطالية، ومع ذلك فقد كان يبدو لهم غامضاً كما يبدو لنا الآن. وكان ليوناردو عبقرياً من كل النواحي، ولا يمكن أن نحس بشخصيته إلا حدساً، لكننا لحسن الحظ لن نستطيع سبر أغواها»[]. وكان له أثره الحاسم جداً على عصره كفنان، وتبقى لنا أن نقر بعظمته كعالم تاريخ طبيعي، وهو ما اندمج فيه بالفنان. ومع أنه خلّف روائع في فن التصوير، بينما ظلت كشوفه العلمية غير منشورة وغير مستخدمة، فإن الباحث فيه لم ينفصل أبداً عن الفنان، وكثيراً ما آذى الباحثُ فيه الفنانَ أذى بالغاً، وربما طمس الباحتُ الفنانَ في النهاية طمساً تاماً. ولقد أنحى ليوناردو على نفسه باللائمة، طبقاً لرواية فاسارى Vasari مؤرخه، خلال الساعة الأخيرة من حياته، لإهانته الله والماس، بعدم تأدية واجبه تجاه فنه[]. وحتى لو كانت رواية فاساري ينقصها الاحتمال وتنتمي لتلك الأساطير التي بدأت تُنسَج حول ليوناردو كمُعِلّم متصوف، فإنها برغم ذلك تحتفظ بقيمة لا تناقش كدليل على حكم هؤلاء الناس وتلك العصور.

ما الذي باعد بين شخصية ليوناردو وفهم معاصريه؟ لم تكن يقيناً جوانب قدرته ومعرفته المتعدة التي مكّنته من تنصيب نفسه كعازف على القيثارة، الآلة التي اخترعها بنفسه، في بلاط لوديفيكو سفورزا، المكنّى المورو دوق ميلان، أو التي يسّررت له أن يكتب إلى نفس الشخص تلك الرسالة الشهيرة التي يفاخر فيها بقدراته كمهندس مدني وحربي. ولقد كان اجتماع مواهب متعددة لدى شخص واحد أمراً غير عادي في زمن النهضة، وقدّم ليوناردو نفسه حقاً كأروع نموذج يمثل هذا الشخص. ولم يكن ليوناردو ينتمي إلى ذلك النمط العبقري من الناس الذين بخلت عليهم الطبيعة في الشكل الخارجي، والذين لم يكونوا بدورهم يقيمون أهمية للأشكال الخارجية للحياة، والذين كانوا يفرّون من العلاقات الإنسانية إلى ظلمات مشاعرهم المؤلمة. ولكن ليوناردو كان على عكس ذلك، طويل القامة متناسق البنيان، قسمات وجهه متكاملة، ويتمتع بقوة بدنية غير عادية. وكان سلوكه آسراً، سيد لغته، أنيساً ولطيفاً مع الجميع. وكان يحبّ الجمال في كل ما حوله، مغرماً بارتداء الرائع من اللباس، ذوّاقاً لكل ترف في السلوك. وفي كتيبه[(]1) عن فن التصوير، قَرَن في فقرة رائعة فَن التصوير بالفنون الأخرى، واسترسل في وصف ما يجد المثّال من مصاعب، قائلاً: «إنّ وجهه قد تلطّخ آنذاك وانتثر عليه تراب الرخام حتى ملأه، وبدا كما لو كان خباّزاً غطّته شظايا الرُّخام الدقيقة وظهرت كالثلج على ظهره، وامتلأ بيته بشظايا الحجر والتراب. ولكن المصوِّر يختلف حاله كثيراً، لأن المصوّر يقف مرتدياُ ملابسه كاملة، ويجلس إلى عمله في راحة كبيرة، ويُجرى فرشاته برقة زائدة بالألوان الجميلة، ويرتدي ما يحلو له من ملابس زاهية، ويمتليء بيته بالصوّر الجميلة، ويبدو نظيفاً للغاية، ويهش لزيارة الناس، ويطرب للموسيقى، وقد يقرأ له أحدهم بعضاً من مختلف الكتب اللطيفة، وكل ذلك يمكن أن ينصت له بلذة فائقة لا تعكّرها ضربات الإزميل وغيرها من ألوان الضوضاء».

ومن الممكن جداً أن نصدّق هذه الصورة عن ليوناردو الذي عاش الفترة الأولى والأطول من حياته ضحوكاً سعيداً ممراحاً، ولكنه بعد ذلك، منذ أن اضطره سقوط حكم لودوفيكو سفورزا على مغادرة ميلان، ملعبه ومناط أَمنه، قضى حياة غير مستقرة وغير ناجحة حتى لجأ أخيراً إلى فرنسا، وربما أفل نجمه الضاحك بعدها، وبرزت بعض ملامح شخصيته الشاذة. ولابد أن اهتمامه تحوّل من الفن إلى العلم، وهذا التحوّل الذى ازداد مع الزمن، كان مسئولاً عن اتساع الهوة بينه وبين معاصريه. وبدت كل جهوده، في رأى معاصريه، ضياعاً لوقت كان من الممكن أن يفيد به في تلبية طلبات الزبائن والإثراء، ربما كزميله السابق في الدراسة بيروجينو[(]1)، أو إشباعاً لأهواء مترفة، أوربما جعلتهم يظنونه في خدمة «البحر الأسود»، ولكننا الذين نعرفه من مسوداته نفهمه أحسن. وفي زمن بدأت فيه سلطة الكنيسة تضمحل وتحلّ محلها سلطة العصور الوسطى، ويتواجد فيه البحث النظرى، كان ليوناردو، سلف فرانسيس بيكون[(]2) وكوبرنيكوس[(]3)، أو بتعبير أصح الجدير بمنافستهما، معزولاً بالضرورة. وعندما كان يقوم بتشريح جثث الخيل والآدميين، ويبنى أجهزةً طائرةً، أو عندما كان يقوم بدراسة تغذية النباتات وسلوكها تجاه السموم، كان ينحرف بالطبع عن اتجاهات أرسطو، ويقترب أكثر في اتجاه الكيميائيين المنبوذين، الذين عثر على ملاذ له في معاملهم، يجرى فيها بحوثه التجريبية في تلك الأزمان غير المواتية.

صفحة 5

وكان من آثار ذلك على صُوَره أن عافت نفسه الفرشاة، وبدأ يرسم أقل، والأسوأ من ذلك أن ما كان يرسمه لم يكن يتمه غالباً، ولم يعد يهتم الاهتمام الواجب بمستقبل أعماله، وكانت تلك الطريقة وهذا الأسلوب في العمل، هما ما كان يأخذه عليه معاصروه الذين ظل فنه بالنسبة إليهم لغزاً محيّراً.

ولقد حاول الكثير من المعجبين اللاحقين بليوناردو أن يمحوا وصمة اللاثبات من شخصيته، وادّعوا أن ما يلام عليه ليوناردو إنْ هو إلا سمة عامة يتمّيز بها كل الفنانين الكبار. وقالوا إن ميخائيل أنجلو[] نفسه، وهو المعروف بنشاطه الجم وانهماكه في فنه، قد خلّف أعمالاً كثيرة لم تكتمل، ولم تكن الغلطة غلطته مثلما لم تكن غلطة ليوناردو. ثم إن بعض الصور لم تكن ناقصة كما يدّعون، وما يمكن أن يعدّه الناس العاديون روائع ربما تكون في نظر الفنان المبدع أعمالاً ناقصة، لأنها تجسّد نواياه التي ظلت ظامئة للإشباع. وربما كانت لليوناردو فكرة واهية عن الكمال قد حاول يائساً إخراجها وتجسيدها. ثم هل الفنان مسئول عمّا ينتظر أعماله من مصير؟

وبرغم ما قد يبدو من قوة بعض هذه الأعذار فإنها لا تقدّم لنا تفسيراً لكل ما نجده بحالة ليوناردو، فصراعه المؤلم مع فنه، وهروبة النهائي منه، ولا مبالاته إزاء مستقبله، قد نراها في حياة الكثير من الفنانين، ولكنها تبرز كأقصى ما يمكن في حالة ليوناردو. ويكرّر سولمى ما قاله أحد تلاميذه: «يبدو أنه كان دائماً يرتجف عندما يبدأ في الرسم، ولم يكن لذلك يُتم ما يبدأه قط، وكانت روعة الفن تطغى عليه أبداً، حتى أنه كان يرى الأخطاء فيما كان غيره يراه رائعاً»[(]1). وظلت رسومه الأخيرة: ليدا، ومادونا، والقديس أونوفريو، وباكوس، والقديس يوحنا المعمدان، ناقصة. ويشير لومازو في قصيدة له إلى عجز ليوناردو المعهود عن إتمام أعماله، منوّها بلوحة العشاء الأخير. وكان بطء ليوناردو في العمل مضرب المثل. وبعد ثلاث سنوات من الدراسة المستفيضة أتمّ رسم العشاء الأخير في دير سانت ماريا بميلانو. ويقول ماتيو بانديللي، أحد معاصريه والمؤلف الروائي، وكان وقتها راهباً شاباً في الدير، إن ليوناردو كان يصعد السقاله في الصباح الباكر ولم يكن يترك الفرشاة حتى الغسق، لا يفكر أثناءها في الطعام أو الشراب. ثم تمر الأيام دون أن يلمس الفرشاة، وكان يقف أحياناً بالساعات أمام رسمه يجد الإشباع في دراسته بنفسه، وأحياناً كان يقصد الدير مباشرة من قصر قلعة ميلانو حيث كان يصمم تمثال فرانسيسكو سفورزا راكباً جواداً، ليضيف بضع ضربات من فرشاته إلى أحد أشخاص رَسْمِه ثم يتوقف فوراً. وطبقاً لرواية فاساري فإن ليوناردو انكبّ لسنوات على صورة الموناليزا زوجة الفلورنسي دي جيوكوندا دون أن يتمكن من إتمامها، وربما كان ذلك هو سبب عدم تسليمها لصاحبها وإنما ظلت مع ليوناردو الذي نقلها معه إلى فرنسا حتى حصل عليها الملك فرانسيس الأول، وهى الآن أحد كنوز متحف اللوفر.

وعندما نقارن هذه الأوصاف لطريقة ليوناردو في العمل مع وجود هذا العدد الفائق من المسودات والدراسات التي خلّفها، لا يسعنا إلا أن نرفض فكرة اتّسام شخصيته بالهروب واللاثبات، وأنهما كانتا صفتين، لهما أدنى التأثير على علاقة ليوناردو بفنه، وعلى العكس فإننا نلمس استغراقاً فائقاً من جانب ليوناردو في عمله، وثراء في الإمكانيات لا يسع المرء إزاءه إلا أن يتردد في اتخاذ القرارات، ومطالب من الصعب إشباعها، وتقاعسا عن التنفيذ لا يمكن تفسيره حتى بأنه تخلّفٌ حتمى للفنان عن مواكبة هدفه المثالي. وكان البطء البارز في أعمال ليوناردو منذ البدايات الأولى عَرَضاً للكف[(]1) عنده، وهو السابق على انصرافه عن التصوير الذي أفصح عن نفسه فيما بعد[(]2). وكان بطؤه هو الذي حسم المصير المؤسف للعشاء الأخير. ولم يكن ليوناردو يهوى فن التصوير الجصِّى الذي يتطلب العمل السريع بينما المهاد (أو الخلفية) ما يزال طرياً. وكان هذا هو السبب في تفضيله الألوان الزيتية التي كان جفافها يسمح له بإكمال الصورة وفق مزاجه وعلى راحته. ولكن هذه الألوان كانت تنفصل عن المهاد الذي كانت ترسم عليه، والذي كان يعزلها عن الحائط القرميدي. وأسهمت فيما يبدو عيوب الحائط والتقلبات التي كانت تجرى على الحجرة في التلف الحتمي التدريجي للصورة[(]1).

ويبدو أن صورة معركة فرسان أنجيارى، والتي بدأ رسمها فيما بعد منافساً ميخائيل أنجلو[(]2)، على حائط سالا كونسيجليو بفلورنسا، والتي تركها كذلك ناقصة، قد جرى عليها نفس ما لصورة العشاء الأخير. ويبدو هنا أن الاهتمام الخاص بالتجريب والذي كان دعامة فيما سبق للفنان، هو الذي أتلف فيما بعد إنتاجه الفني.

صفحة 6

وتظهر شخصية الإنسان ليوناردو سمات أخرى غريبة ومتناقضات واضحة، ويبين فيها بعض التواني واللامبالاة. وفي الوقت الذي يسعى فيه كل فرد إلى بذل أقصى نشاطه، وهو مالا يمكن أن يتم دون تطوير ميوله العدوانية الدءوبة على الآخرين، كان ليوناردو يُدهش كل الناس بمسالمته، وبزهده عن كل ما يتنافس عليه الناس، وبترفعه عن كل ما يثير الجدل والنزاع. وكان رقيق الحاشية حانياً على الجميع، وقيل إنه كان يرفض أن يقتات باللحم لأنه لم يكن يرى من حقه أن يسلب الحيوان حياته. وكان شراء الطيور في أقفاصها من الأسواق وإطلاق سراحها مصدراً من مصادر بهجته[(]1). وأدان ليوناردو الحرب وسفك الدماء، ونصّب الإنسان لا ملكاً على عالم الحيوان ولكنه اختاره كأسوأ الحيوانات المتوحشة[(]2). ولكن هذه الرّقة المتأنثة لم تمنعه من السير وراء المجرمين المحكوم عليهم بالإعدام في طريقهم إلى المقصلة، لدراسة ملامحهم التي يشوهها الخوف، ورسْم مسودات لهم. ولم تمنعه أيضاً من اختراع أقسى الأسلحة الهجومية، ومن الدخول في خدمة سيزار بورجيا كرئيس لمهندسيه العسكريين. وبدا في كثير من الأوقات وكأنه لا يهتم بما هو طيّب وبما هو شر، أو أنه راغب إلى معيار معين. واحتل منصباً كبيراً في حملة سيزار التي درّت على أعتى أعدائه وأغلظهم قلباً امتلاك الروماجنا. ولم يعثر أحد على سطر واحد في مسودات ليوناردو تفصح عن أي نقد أو تعاطف مع أحداث تلك الأيام. ومقارنته في هذا الخصوص بجوته[(]1) خلال الحملة الفرنسية مقبولة ولا نرفضها تماماً.

وإذا كان من الممكن محاولة النفاذ إلى الحياة النفسية لأحد الناس من خلال جهد التأريخ لحياته، فإن هذه المحاولة لا يجب أن تمر في صمت، كما يحدث في أغلب السير عن حكمة أو تحفُّظ، على النشاط الجنسي أو الخاصية الجنسية لصاحب السيرة. وما نعرف من ذلك عند دانتي إلا النزر اليسير، ولكنه مليء بالدلالة مع ذلك. وفي زمنٍ تمّيز بالصراع المستمر بين الفسق المتمرد والزهد الخالص كان ليوناردو مثلاً للرفض الجنسي البارد الذي لا نتوقعه من فنان ومصوّر للجمال الأنثوي. ويردد سولمي[(]2) الجملة التالية عن ليوناردو مدللاً على بروده الجنسي: «إنّ عملية التناسل وكل ما يمت لها بصلة لمقززة، ومع ذلك سرعان ما يموت البشر ما لم تكن هذه العملية عادة متأصلة، وما لم توجد الوجوه الحلوة والميول الجمالية». وإن أعماله التي ظهرت بعد وفاته، والتي تتناول أكبر المسائل العلمية، وتضم في نفس الوقت موضوعات من أكثر الموضوعات سذاجة، حتى لتبدو لنا غير لائقة بعقلية مثل عقلية ليوناردو (قصص رمزية من التاريخ الطبيعي وأساطير حيوانية ومُلَح ونبوءات)[(]1) - أعماله هذه تتسم بعفة مبالغة حتى ليمكن وصفها بأنها زاهدة، وحتى لتثير في مجال الأعمال الفنية العجب لزهدها حتى في أيامنا هذه . وهى تتحاشى تماماً كل ما هو جنسي، وكأن الإيروس[(]2) وحدها التي تحفظ كل شيء حياً مادة مهملة لا تستثير الدافع العلمي للباحث[(]3). ومن المعروف أن الفنانين الكبار كثيراً ما يجدون لذة في تجسيد خيالاتهم في أشكال جنسية، وربما كانت مسرفة في جنسيتها حتى الدعارة، ولكن ليوناردو، عكس ذلك، لم يترك سوى بضعة رسوم تشريحية لأعضاء المرأة الداخلية الجنسية، ولوضع الطفل في الرحم إلخ.

ومن المشكوك فيه أنه كانت لليوناردو علاقة غرامية بامرأة، ولم يعرف أحد أن له صلة روحية حميمة بأية سيدة كالتي كانت بين ميخائيل أنجلو وبين فيتوريا كولونا. وعندما كان ما يزال يعيش في بيت معلمه فيروشيو، يظله مع غيره من التلاميذ الصغار، اتهم بالشذوذ الجنسي ولكنه بُرأ منه. وربما كان سبب ذلك أنه استخدم صبياً له سمعة سيئة كموديل له. وعندما صار أستاذاً أحاط نفسه بصبيان وشبان لهم وسامة ملحوظة، اتخذهم تلاميذ له، وكان آخرهم فرانسيسكوميلزى، الذي رافقه إلى فرنسا وبقى معه حتى وفاته، وعيّنه ليوناردو وريثاً له. وإني لا أشارك المؤرخين المحدثين فيما يذهبون إليه من آراء تبلغ حد اليقين، رافضة بطبيعة الحال إمكان قيام علاقة جنسية بينه وبين تلاميذه، بحجة أنها إهانة لا أساس لها من الصحة تلحق برجل عظيم كهذا، وأعتقد أن الشيء الأكثر احتمالا ان ما قام من علاقات وطيدة بين ليوناردو وهؤلاء الشباب لم يؤد إلى ممارسة جنسية، وأكثر من ذلك أني لا أنسب إليه إفراطاً في الممارسة الجنسية.

ولا يمكن أن نفهم تفرّد حياته العاطفية والجنسية فيما يتعلق بطبيعته المزدوجة كفنان وكباحث إلا بهذه الطريقة. وعندي أن المؤرخين الذين يجهلون وجهات النظر السيكولوجية لم يقترب أحد منهم من حل اللغز سوى إدم سولمي Edm.Solmi. ولكنّ كاتباً مثل ديمترى سير جيفتش ميريكوفسكي[] اختار ليوناردو كبطل لروايته التاريخية الطويلة، وبرر اختياره على أساس هذا الفهم لهذا الإنسان غير العادي، وعّبر عن ذلك تعبيراً تشكيلياً شعرياً. ويقضى سولمي في ليوناردو قائلاً: «ولكن رغبته التي لم تشبع لفهم كل ما يجرى حوله، ولسير أعمق أسرار كل ما هو كامل بالتفكير البارد، كل ذلك قضى على أعمال ليوناردو بأن تظل ناقصة»[(]2). وفي مقال منشور بكتاب Conferenze Fiorentine تسجيل لأقوال ليوناردو التي تكشف عن إيمانه وتزودنا بمفتاح شخصيته. وهو يقول: إنّ المرء لا يحقّ له أن يحب أو أن يكره أي شيء ما لم تتحقق له المعرفة الكاملة بطبيعته[(]1). ويكرر ليوناردو هذا القول في فقرة من «مقال عن فن التصوير»، يدافع فيه عن نفسه ضد اتّهامه بالإلحاد، يقول: «لكن أمثال هؤلاء النقاد ربما كان من الأوفق لو صمتوا، لأنه بالمعرفة يتم التعرف إلى روائع الأشياء، وبهذه الطريقة يتحقق حب مكتشف عظيم كهذا، لأن الحب العظيم في الواقع لا يتأتّى إلا بالمعرفة الكاملة بموضوع الحب. وإذا كنت غير قادر إلاّ على القليل من المعرفة به، فإنك لن تستطيع أن تحبه إلا أقل الحب إن لم تحبه إطلاقاً»[].

ولا توجد أية قيمة سيكولوجية لأقوال ليوناردو هذه. وما تدلّ عليه لا يعدو أن يكون زيفاً واضحاً، ولابد أن ليوناردو كان يعرف ذلك كما نعرفه نحن، فليس صحيحاً أن الناس تمتنع عن الحب أو الكراهية حتى تدرس وتألف طبيعة الموضوع الذي تهفو إلى إسلامه مشاعرها، وعلى العكس فإن الناس تحب تلقائياً، يهديها في ذلك دوافعها العاطفية التي لا شأن لها بالمعرفة، وأن نتائج حبّها يضعفها الفكر والتفكير. وربما كان ليوناردو يعني أنّ الحب، كما يمارسه الناس، ليس بالحبّ السليم الذي لا غبار عليه، وأن على المرء أن يحبّ الحبّ الواجب بأن يقيّد عواطفه وأنْ يُخضعها للفحص العقلي، فإذا اجتازت اختبار العقل أطلق لها العنان؛ وعلينا أن نفهم بناءً على ذلك أنه يريد أن يقول لنا أن هذا هو الشأن معه، وأن على كل الناس الآخرين أن يُعاملوا الحب والكره كما يعاملهما هو.

ويبدو أن الأمر كان معه فعلاً كما قال، فكان متحكماً في مشاعره، وكان يخضعها لدافع التدقيق. ولم يحدث أنْ أحبّ أو كره إلا وسأل نفسه عن حقيقة مشاعره وعن ماهية ما يحب أو يكره، وما الذي يعنيه ذلك، وبذلك اضطر في أول الأمر إلى أن يبدو غير مبالٍ بالخير أو بالشر، ولا بالجمال أو القبح. ولقد نزع عن الحب والكره ثيابهما وحولهما إلى اهتمام فكري، ولم يكن ليوناردو في الحقيقة إنساناً بارد الحسّ، ولم يعدم الشرارة المقدّسة التي تكمن كقوة دفع مباشرة أو غير مباشرة خلف كل نشاط بشري. ولم يفعل سوى أن أحال انفعالاته وآلامة إلى عاطفة بحث ورغبة في التحرّي، ثم انهمك في الدراسة بمثابرة واستقامة وغزارة يغذيها الانفعال والآلام. وعلى قمة العمل النفسي، وبعد أن تتحقق له المعرفة، كان يسمح للانفعال الذي طال حبسه أن يفك إساره وأن يتدفق بحرية كنهير، بعد أن يحقق لنفسه عمله. وعلى قمة معرفته، وعندما كان يستطيع أن يختبر جزءاً كبيراً من الكل، كان يتملكه الشجن، وفي كلمات منتشية كان يمتدح روعة ذاك الجزء من الإبداع الذي درسه، أو مغلِّفاً كلماته بغلاف ديني، كان يمتدح عظمة المبدع الخالق. ولقد أحسن سولمي حدس هذه العملية التحويلية في ليوناردو. وطبقاً لما يقوله في مثل هذه الفقرة، وفيها يُحيِّى ليوناردو الدافع الأعلى للطبيعة فيقول: مثل هذا التغير الذي يحدث في شكل العِلم والطبيعة، محيلاً إياهما إلى انفعالات، أو ربما يمكن أن نقول إلى دين، هو إحدى السمات الرئيسية لكتابات فينشى، والتي نعثر عليها معبَّراً عنها مئات المرات. (Solmi: La Recurrezione, etc. p. 11).

صفحة 7

ولقد أُطلق على ليوناردو إسم «فاوست» الإيطالي، لما يتّسم به من رغبة نهمة لا تكل في البحث. ولكن حتى لو تناسينا أن مأساة فاوست[(]1) يغلب عليها تحوّل الرغبة في البحث إلى رغبة في الحياة وملذاتها، فإننا يمكن أن نجازف بالقول بأن طريقة ليوناردو تذكّرنا بطريقة تفكير سبينوزا[(]1).

وربما يكون تحوّل قوة الدافع النفسي إلى أشكال مختلفة من النشاط أمراً جائزاً، إذا تم بشكل ضيق جداً ودون خسارة للقوى البدنية مثلاً. وحالة ليوناردو تعلّمنا وجوب اتّباع أشياء كثيرة في تلك العمليات، كأن لا نحب قبل أن نعرف موضوع الحب معرفة تامة، وهذا يقتضي تأخيراً في الحب قد يضره. وعندما تتحقق للمرء أخيراً المعرفة فإنه لن يحب أو يكره بطريقة سوية، لأنه سيكون قد تجاوز الحب والكراهية، فهو قد قام بالبحث بدل أن يقوم بالحب، وربما لهذا السبب افتقرت حياة ليوناردو للحب أكثر من أي من كبار الفنانين والناس. ولقد افتقد ليوناردو الانفعالات العاصفة المحركة للروح من النوع المُحرق، والتي ذاق فيها الآخرون أحلى أيام حياتهم.

وهناك مزيد من النتائج لاتّباع قول ليوناردو المأثور، فبدلا من العمل والإنتاج، يكتفي المرء الذي يبدأ في حدس روعة الكون وعظمة متطلباته، لينسى ذاته التي تصمحل حتى لتصبح غير ذات معنى. وعندما يُبَده المرء بالإعجاب ويتواضع حقّاً، فإنه لينسى بسهولة أنه جزء من تلك القوة الحية، وأنه ليصبح له الحق - حقاً يكبر أو يصغر بقدر كبر أو صغر شخصيته - أن يقوم بمحاولة لتغيير مجرى العالم، العالم الذي يستوى فيه التافه والعظيم في الروعة والأهمية.

ويرى سولمي أنّ بحوث أو استقصاءات ليوناردو بدأت بفنه[(]1)، بالباعث إلى بحث واستقصاء خواص وقوانين الضوء واللون والظلال والمنظور. وكان يتمنى أن يسود اتقان الطبيعة، وأن يتأكد فعلا من سيادته له، وأن يتمكن من أن يهدي الآخرين إلى الطريق إلى ذلك. وربما كان ليوناردو قد غالي في تلك الأيام في قيمة هذه المعرفة بالنسبة للفنان. ولقد اندفع، بحكم تتابع السلسلة وحاجة المصوّر، ‘لى المزيد من البحث والتقصّى، ثم المزيد من بحث موضوعات فن التصوير، كالحيوانات والنباتات ونِسَب الجسم البشري، وأن يتابع الطريق المؤدية به من هيكلها الخارجي إلى تركيبها الداخلي ووظائفها الحيوية، والتي تعبر عن نفسها حقاً في الأشكال الخارجية لها والتي ينبغي أن يصوّرها الفن. وتأدّى به الأمر في النهاية أن تدفعه تلك الرغبة العارمة الطاغية أمامها حتى انقطعت به الصلة عن متطلبات فنه، واكتشف القوانين العامة للحركة، وحدس تاريخ تطبُّق (من طبقات) وتحفير وادي أرنو، وحتى استطاع أن يدوّن في كتابه بالحروف الكبيرة «إن الشمس لا تتحرك Il sole non si move». وهكذا أمتدت بحوثه واستقصاءاته إلى كل مجالات العلم الطبيعي تقريباً، وفي كل منها كان ليوناردو مكتشفاً، أو على الأقل نبياً[(]1) وصاحب طريقة[(]2). واستمر حبّ استطلاعه متّجهاً إلى العالم الخارجي، وباعدَ شيءٌ بينه وبين استقصاء الحياة النفسية للناس، وكان هناك مكان صغير لعلم النفس في أكاديمية ڤينيسيا التي رسم لها شعارات فنية جداً وشديدة التعقيد.

وعندما حاول من بعد أن يعود أدراجه من استقصاءاته إلى الفن الذي بدأ منه، أحسّ أن دروب اهتماماته الجديدة والطبيعة المتغيّرة لعمله النفسي ما تزال تقلقه. وكانت الصورة التي تشده أكثر من غيرها مشكلةً، وخلف هذه المشكلة كان يرى مشاكل أخرى عديدة في طريقها إلى الظهور، وهو نفس ما كان قد اعتاده في استقصاءاته اللانهائية المتعذر الفصل فيها في مجال التاريخ الطبيعي. ولم يعد بقادر على الحّد من مطالبه، وعلى عزل عمل الفن، وعلى انتزاعه من هذا الارتباط الشديد بالعلم الذي كان يعرف أنه يشكّل جزءاً منه. وبعد محاولات مضنية لإخراج كل ما بنفسه تعبيراً، وكل ما يرتبط به في أفكاره، اضطر إلى تركه ناقصاً، أو إلى الإعلان عن عدم اكتماله.

وحاول الفنان مرةً أن يلحق الباحث بخدمته لمساعدته، ولكن الخادم صار الآن هو الأقوى وأخضع سيده.

وعندما نعثر في صورة إنسان على باعث مفرد واحد قد نمى نمواً ظاهراً، محُب الاستطلاع في حالة ليوناردو، فإننا نفتش عن التفسير في الجِبِلّة[(]1) الخاصة به، وفي احتمال وجود عوامل حتمية عضوية لا نعرف عنها شيئاً. وتدفعنا دراستنا التحليلية النفسية للعصبيين إلى التفتيش عن عنصرين نتوقع وجودهما، ونحب أن نتحقق من هذا التواجد لهما في كل حالة. وإننا لنرى احتمال وجود وفاعلية هذا الباعث الشديد القوة في طفولة الشخص الباكرة، واحتمال أن يكون تسلطه الطاغي قد ثبت بانطباعات الطفولة، ونفترض تبعاً لذلك أنه نشأ أصلاً بفعل قوى جنسية محرّكة واعتمد عليها في ترسيخه، حتى ليأخذ من بعد مكاناً في الحياة الجنسية. وإن هذا الشخص ليبحث مثلاً، ويتقصّى ويتحرى بكل هذا التفاني الُمَولّه، تفان وتكريساً يهبهما شخص آخر لحبه. وهكذا نجده يتقصّى بدلاً من أن يُحبّ، ويتفاني في الاستقصاء بدلاً من أن يتفاني في الحب، وإننا لنجازف بأن نختم فنقول إنه يدعّم الجنس في باعث الاستقصاء، وأيضاً في كل الحالات الأخرى التي لها حدة الباعث الخاصة.

وتطلعنا ملاحظة الحياة اليومية على أشخاص لهم القدرة على توجيه جزء كبير من قواهم الجنسية الدافعية إلى أوجه النشاط المهني والعملي التي يمارسونها. وهذا الدور يناسب الدافع الجنسي بصفة خاصة، لأنه قد وُهب القدرة على التسامي، أي القدرة على تغيير هدفه الأقرب إلى أهداف أخرى لها قيمة أكبر وليست جنسية. وإننا لنعد هذه العملية كشيء ثابت فعلاً، إذا أوضح تاريخ طفولة الشخص أو تاريخ تطوره النفسي أن هذا الباعث القوى كان في خدمة أهداف جنسية. وإننا لنعدّه برهاناً إضافياً عندما تتجنب الحياة الجنسية لسنوات النضج توقفاً ملفتاً عن النمو، كما لو كان جزء من النشاط الجنسي قد حلّ محله الآن نشاط الدافع المسيطر.

صفحة 8

ويبدو أن تطبيق هذه الفروض على حالة الدافع إلى الاستقصاء المسيطر يصادف عراقيل خاصة، لأن هناك من يرفض الموافقة على أن هذا الدافع الخطير يوجد لدى الأطفال، أو أن الأطفال لديهم أية اهتمامات جنسية، ومع ذلك فتجنب هذه العراقيل أمر سهل، فما نلاحظه من لذة لا تُخمد لدى الأطفال الأسئلة ليبرهن على أن لديهم حب استطلاع يحير الشخص الكبير طالما أنه لا يفهم أن هذه الأسئلة ما هى إلا إسهاب ومواربة تدور حول المعنى، وأنها أسئلة لن تنتهي، لأن الطف يرغب أن يحل سؤال واحد محل كل تلك الأسئلة، ولكنه لا يزال غير قادر على أن يفعل ذلك، ولكنه عندما يكبر ويفهم أكثر تختفي لديه ظاهرة حبّ الاستطلاع هذه فجأة. ويعطينا الاستقصاء التحليلي النفسي تفسيراً كاملاً لذلك، ويعلمنا أن الكثير، بل ربما أغلب الأطفال، وعلى الأقل أعظمهم موهبة، يمرون بمرحلة تبدأ في السنة الثالثة، يمكن أن نسمّيها مرحلة الاستقصاء الجنسي الطفلي. وعلى قدر ما نعرف، لا يستيقظ حبّ الاستطلاع لدى الأطفال في هذه السن تلقائياً، ولكنه يستثار من خلال تأثير تجربة هامة، بميلاد أخ أو أخت صغيرة، أو من خلال الخوف الذي تفجره تجربة خارجية برؤية الطفل لخطر يهدد مصالحه الذاتية. ويوجه الاستقصاء نفسه بطرح السؤال: من أين يأتي الأطفال؟ كما لو كان الطفل يتلفت حوله باحثاً عن وسيلة يحمي بها نفسه ضد حادث كهذا غير مرغوب فيه. ولقد أدهشنا أن نجد أن الطفل يرفض تصديق ما يُنقل إليه من معلومات، ومن ثم فهو يرفض بهمة الأسطورة المحبوكة التي تقول أنَ طائر اللقلاق هو الذي حمله إلى الوالدين، ومن ثم يبدأ استقلاله النفسي الذي يرجع تاريخياً إلى حادث عدم التصديق هذا، ويبدأ يحس من بعد أنه يختلف كثيراً اختلافاً بيّناً عن الكبار، ولا يغفر لهم أبداً أنهم خدعوه، وأخفوا عنه الحقيقة يوم أن طلبها، ومن ثم يبدأ الطفل يستقصى بنفسه وبطريقته، وسرعان ما يحدس رحلته في رحم الأم. ولأنه يحسّ أحاسيس جنسية خاصة به فإنه يبدأ يشكّل لنفسه نظريات حول حقيقة أصل الأطفال، ويخمن أنهم ربما أتوا من الطعام، وأنهم يولدون عن طريق الأمعاء، ويبدأ تخمينه لدور الأب الذي يشق عليه تفهمه. وحتى في ذلك الوقت فإن الطفل تتكوّن لديه فكرة غامضة عن الفعل الجنسي الذي يراه فعلاً معادياً وعنيفاً، ولكن حيث أن بناءه الجنسي لم يكتمل بعد، ولم يصبح كفئاً لمهمة إنتاج الأطفال، فإن سؤاله عن المكان الذي تأتي منه الأطفال لابد أن يجنح كذلك، ولابد أن يهمل في المكان الحرج الذي توقف عنده بوصفه سؤالاً ناقصاً. ويبدو أن لهذا الفشل في أولى محاولات الاستقلال الفكري تأثيراً له طبيعة تُوقع الكآبة في النفس بشكل حاد ودائم[(]1).

فإذا توقفت مرحلة الاستقصاء الجنسي الطفلي من خلال القوة المحرّكة لكبت جنسي فعّال، فإن الارتباط المبكر بالاهتمام الجنسي قد ينتج ثلاثة احتمالات مختلفة تتعلق بمصير الباعث على الاستقصاء، فإما أن يشارك الاستقصاء النشاط الجنسي مصيره، فيظل حبّ الاستطلاع من الآن فصاعداً مكفوفاً ويضيق النشاط الحرّ للذكاء لمدى الحياة؛ ويقوّى هذا الاتجاه، فيما بعد، التعاليم والزواجر الدينية القوية، وهذا هو طابع الكف العصابي؛ ونعرف جيداً أن هذا الضعف العقلي المكتسب بهذه الطريقة يتيح أكبر فرصة لاندلاع المرض العصابي. وفي النمط الثاني قد يكون التطور الفكري بالقوة التي تمكنه من تحمّل الكبت الذي يفت فيه، وأحياناً - وبعد اختفاء الاستقصاء الجنسي الطفلي، يساعد التطور الفكري الارتباط القديم كي يتحاشى الكبت الجنسي، ويعود الاستقصاء الجنسي المكبوت من اللاشعور في شكل استدلال قهري، ولن يكون بالطبع إلا استقصاء مشوّهاً وليس حرّاً، ولكنه استقصاء فيه قوة حتى ليجعل الفكر نفسه جنسياً ويركز العمليات الفكرية على اللذة والحصر إزاء العمليات الجنسية الفعلية. وهنا يتحوّل الاستقصاء إلى نشاط جنسي، وغالباً ما يُقصِر نفسه على النشاط الجنسي، ويحل الإحساس بحّل المشكلة أو تسويتها، وبتفسير الأشياء تفسيراً عقلياً، محل الإشباع الجنسي، ولكن سمة الغموض التي كانت للاستقصاء الطفلي تكرّر نفسها أيضاً بأن تجعل الاستدلال لا نهائياً، وبأن يتراجع الشعور الفكري بالحل المرغوب تراجعاً مستمراً مبتعداً.

أما النمط الثالث، وهو أندر الأنماط وأكملها جميعاً، فبفضل ما يتصف به، يفلت من الكف الفكري والاستدلال القهري، ويتم هنا أيضاً الكبت الجنسي، ولكنه كبت لا ينجح في تحاشي بعض من باعث اللذة الجنسية الصادرة عن اللاشعور. ويفلت اللبيدو[(]1) من مصير الكبت بالتسامي منذ البداية وبأن يكون حُباً للاستطلاع، وبأن يُدعِّم ويُعزّز الدافع القوي للاستقصاء والبحث. وهنا أيضاً يصبح الاستقصاء، إلى حد ما، قهرياً وبديلاً عن النشاط الجنسي، ولكن بسبب اختلاف العملية النفسية التي وراءه اختلافاً مطلقاً (التسامي بدلاً من طغيان اللاشعور) تبوء طبيعة العصاب في التعبير عن نفسها، ويختفي الخضوع للعقد الأصلية للاستقصاء الجنسي الطفلي، ويصبح في إمكان الدافع إلى الاستقصاء أن يُلحق نفسه بحرية في خدمة الاهتمام الفكري، وأن يدين بالولاء للكبت الجنسي الذي جعله قوياً هكذا بأن يلحق به اللبيدو المتسامي، ويقدم له فروض الطاعة بتحاشي الانشغال بأية أفكار جنسية.

وعندما نرى أن الدافع القوى للاستقصاء يلتقي عند ليوناردو بتوّقف الحياة الجنسية التي اقتصرت على ما يمكن تسميته بالجنسية المثلية المثالية، نميل إلى اعتبار ليوناردو نموذجاً للنمط الثالث، ونرى أنه بعد أن وظّف حّب استطلاعه الطفلي في خدمة اهتماماته الجنسية، استطاع حينئذ أن يتسامى بالجزء الأكبر من قوته الحيوية الدافعة (اللبيدو) في الدافع إلى الاستقصاء، وكان هذا هو نواة وسِرّ طبيعته، ولكنّ إثبات هذه النظرية ليس سهلاً بالتأكيد. ولكي نبرهن على ما نقول لابد لنا أن نغوص في التطور النفسي لسنوات طفولته الأولى، ولكن من العبث أن نأمل في الحصول على المادة التي نريدها طالما أن المعلومات عن حياة ليوناردو ضئيلة وغير مؤكدة. وبالإضافة إلى ذلك فنحن نعالج معلومات عن مواقف ينكص الناس حتى من جيلنا عن لفت نظر القارئ إليها.

ونحن لا نعرف إلا القليل عن صبا ليوناردو، فلقد ولد سنة 1452 في مدينة فينشي الصغيرة بين فلورنسا وإيمبولي، وكان طفلاً غير شرعي، ولم يكن ذلك بالوصمة الشنيعة في تلك الأيام، وكان أبوه، سير بيرودافينشي، كاتب عدل وسليل أسرة كلها كتبة عدل ومزارعون، واكتسبوا اسمهم من اسم المدينة، وكانت أمه تدعى كاتيرينا، ومن المحتمل أنها كانت فلاحة تزوّجت من بعد فلاحاً من فينشي. وليس ثمة أثر آخر لأمه في حياة ليوناردو، ولم يقل أحد أنه يعرف شيئاً آخر عنها إلا الكاتب ميريكوفسكي الذي ادّعى أنه قد عثر على بعض آثارها، وليس ثمة معلومات محدّدة عن طفولة ليوناردو إلا ما تمدّنا به وثيقة رسمية ترجع إلى سنة 1457، وهى عبارة عن سجل ضرائب لفلورنسا، ذكر فيه اسم ليوناردو الفينشي بين أسماء أعضاء أسرة سير بييرو، كطفل غير شرعي في الخامسة من عمره[(]1) ولم ينجب سير بييرو من زوجته دونا ألبييرا، ولذلك رَبِّي ليوناردو في بيت أبيه، ولم يتركه إلا عندما التحق صبياً باستديو أندريا ديل فيروشيو، ولا نعرف متى كان ذلك. وفي سنة 1472 نعثر على اسم ليوناردو في سجل أعضاء Compagnia dei Pittori، وهذا هو كل ما نعرفه.

صفحة 9

الفصل الثاني

وعلى قدر ما أعرف لم يحدث أن أذكر ليوناردو شيئاً عن طفولته إلا مرة واحدة في معرض كتاباته. وفي فقرة كان يتحدث فيها عن طيران النسر توقّف فجأة ليتابع ذكرى من سنينه الباكرة طرأت على باله.

«يبدو أنه كان من المقدور علىّ من قبل أن أشغل بالي تماماً بالنسر، لأنه يطرأ على بالي كذكرى باكرة، عندما كنت في المهد، فلقد حّط على مهدي نسر وفتح فمي بذيله وضربني عدة مرات بذيله على شفتي»[].

لدينا هنا ذكرى طفولية ومن أقوى الأنواع بالتأكيد، وهى ذكرى غريبة بحكم محتواها، وبسبب الزمن الذي تحدّدت به، فربما لم يكن من المستحيل أن يستبقى المرء ذكرى حادث وقع له في مرحلة الرضاعة، لكنا لا يمكن أن نأخذها قضية مسلماً بها. ثم أن ذاكرة ليوناردو تقول بأن النسر فتح فم الطفل بذيله وهو أمر غير محتمل ومغرق في الخيال. ولا ريب أن المشهد ليس ذكرى من ذكريات ليوناردو ولكنه وَهْم طاف به فيما بعد، ثم حوّله إلى طفولته. وكثيراً ما تكون لذكريات الطفولة عند الناس أصول لا تختلف عن أصل هذه الذِّكرى عند ليوناردو، ولاريب أن ذكريات الناس عن طفولتهم لم تشكّلها تجارب كالتي تشكل الذكريات الواعية لأحداث زمن النُّضج والتي يثيرها تكرارها، ولكن ذكريات الطفولة تتشكل فيما بعد عندما تكون الطفولة في خبر كان، ولذلك فهى ذكريات لأحداث قد تغيّرت وزُيِّفت وأُلحقت بخدمة الاتجاهات والميول البعدية، ومن ثم فلا يمكن اعتبارها ذكريات بالمعنى الحقيقي وإنما هى لا تفترق عن الأوهام. وربما نستطيع أن نفهم طبيعتها بتذكر الطريقة التي نشأت بها كتابة التاريخ بين الشعوب البدائية، فطالما كان الشعب ضعيفاً وصغيراً فإنه لا يفكر في كتابة تاريخه، وهو يحرث أرضه ويدافع عن وجوده ضد جيرانه ساعياً إلى الاستيلاء على أرضهم ومحاولا الإثراء، ولم يكن زمن الشعوب البدائية زمن البطولات وكتابة التاريخ، ثم جاء زمن آخر، مرحلة تحقيق الذات يحسّ فيه الشعب أنه غني وقوي، وفيه يحس بحاجته إلى اكتشاف أصله التاريخي وتطوّره. وكانت كتابة التاريخ التي بدأت بتتبع تجارب الحاضر والتلفت إلى الماضي، ومن ثم جمعت الأساطير والتقاليد وحاولت تأويل ما عاش من الأزمان القديمة في الأخلاق والعادات، وهكذا خلفت تاريخاً للعصور القديمة، وكان حتمياً أن يكون هذا التاريخ القبلي، أو تاريخ ما قبل التاريخ، تعبيراً عن آراء ورغبات الحاضر أكثر منه صورة طبق الأصل للماضي، لأن ذاكرة الشعوب أفلت منها الكثير، وشوّهت الكثير، وأساءت فهم الكثير، وأوّلت الكثير في ضوء الحاضر، ثم أن الشعوب لا تكتب تاريخها بدوافع من حب الاستطلاع الموضوعي، ولكن لأن المؤرخين يريدون أن يؤثروا على معاصريهم بشكل خاص، وأن يثيروهم وأن يمجدوهم، أو أن يضعوا المرآة أمامهم. والتذكّر الواعي للمرء لتجارب مرحلة نضجه يمكن مقارنتها من كل النواحي بكتابة التاريخ، كما يمكن مقارنة ذكريات الطفولة، نشأتها وحقيقتها بتاريخ ما قبل التاريخ، أو تاريخ المرحلة البدائية لشعب من الشعوب، الذي يجمع فيما بعد ويصحّح عن عمد[].

وإذا لم تكن قصة ليوناردو عن النسر الذي زاره في المهد إلا وهما من أوهام العمر اللاحق، فقد يظن البعض أنها لا تستحق منه عناء التفكير، أو قد يرضيه كتفسير لها إنشغال ليوناردو الصريح بمسألة طيران الطائر، هذا الانشغال الذي يكون أساساً نوهمه. ولكن هذا التقليل من شأن القصة يظلمها، تماماً كالذي يتجاهل مادة الأساطير والتقاليد والتأويلات التي يحفل بها التاريخ الأصلي للشعب. وبرغم كل التشوّهات وسوء الفهم، فإنها ما تزال تمثل حقيقة الماضي، وما تزال تلقى الضوء على ما يفعله الشعب بتجارب ماضيه البدائي تحت تأثير دوافع وجدانية كانت قوية في يوم من الأيام وما تزال حتى الآن. وإذا استطعنا أن نتتبع هذه التشوّهات من خلال معرفتنا بكل القوى الوجدانية، فإننا حتما سنكتشف الحقيقة التاريخية تحت تأثير هذه المادة الأسطورية. ويصدق نفس الشيء على ذكريات الطفولة وعلى أوهام الأفراد. ولا يختلف ما يظن المرء أنه يستدعيه من طفولته عن ذلك في طبيعته. وتُخفى بقايا الذاكرة، كقاعدة عامة، شواهد لا تُثَمَن لأهم سمات تطور الضرر النفسي. ويزوّدنا تكنيك التحليل النفسي بوسائل رائعة لدفع هذه المادة المخبوءة إلى الضوء، وسنجازف بمحاولة سدّ الثغرات في تاريخ حياة ليوناردو بتحليل وَهْم طفولته، فإذا لم نبلغ في ذلك حدّاً مُرضياً من اليقين، فغزاؤنا أن استقصاءات كثيرة أخرى عن هذا الإنسان العظيم المحيّر لم يكن مصيرها أحسن من مصير استقصائنا.

وعلى ذلك فنحن عندما ندقق في وهم النسر لليوناردو بعيون المحلل النفسي فلن يبدو لنا غريباً لمدة طويلة، وسنذكر أننا كثيراً ما نعثر على أشكال مشابهة في الأحلام، وبوسعنا على ذلك أن نترجم هذا الوهم من لغته الغريبة إلى كلمات مفهومة للجميع، وستسير ترجمتنا على نسق جنسي، فالذيل «Coda» من أكثر الرموز ألفةً، ويرمز لعضو الذكورة في اللغة الإيطالية وفي غيرها من اللغات. وموقف الوهم، الذي يضم النسر الذي يفتح فم الطفل ويضربه بذيله، يناظر فكرة وضع قضيب شخص في فم شخص آخر. والغريب في الأمر أن هذا الوهم له طبيعة سلبية تماماً، وهو يشبه أحلاماً وأوهاماً معينة للنساء وللوطيين السلبيين[(]1) (الذين يأخذون الدور الأنثوي في العلاقات الجنسية).

صفحة 10

وإني لأطلب من القارئ الهدوء للحظة، وألا يغضب فيرفض متابعة التحليل النفسي بحجة أن تطبيقاته الأولى أدّت إلى وصمة لا تُغتَفر لذكرى إنسان عظيم طاهر. ولكن هذا الغضب لن يحلّ لنا معنى وَهْم طفولة ليوناردو؛ ثم إن ليوناردو قد اعترف بوهمه بطريقة لا تدع مجالاً لشك، ولذلك فنحن لن نتخلى عن توقّع – أو إن شئت، عن الفكرة المسبقة التي لدينا – أن يكون للوهم بعض المعنى أسوةً بكل المنتجات النفسية كالأحلام والرؤى والهذيان، وبناءً عليه أدعوك إلى أن تصغى بأذنين غير منحازتين لبعض الوقت، إلى ما يقوله التحليل النفسي الذي لم يقل كلمته الأخيرة حتى الآن.

إن رغبة إدخال عضو الذكورة في الفم ومصّه، وهو ما يعد عموماً أكثر الانحرافات الجنسية المقزّزة، شيء شائع مع ذلك بين نساء اليوم، وكما توضحه التماثيل القديمة، كان كذلك في الأزمان الباكرة، وهو يفقد تماماً صفة التقزّز عندما يتم في حالة الحب. ويلتقي الطبيب بأوهام تقوم على هذه الرغبة، حتى بين نساء لم يحدث أن قرأن عن شيء كهذا، كما يحدث للبعض اللاتي يقرأن كتاب كرافت إيبنج[(]1) «الاعتلال النفسي الجنسي»، أو عرفن بأخباره من أي مصدر. ويبدو أن النساء يسهل عليهن أن يفرزن تلقائياً أوهاماً وأماني كهذه، وهنا نعلم من بحوث علم النفس أن مثل هذا الموقف، وقد أدانته العادة بشدة، يمكن تتبعه إلى أكثر الأصول مسالمة. وهو موقف ليس إلا تطويراً لموقف آخر أحسسنا فيه يوماً ما بالراحة. هذا الموقف الآخر هو سنّ الرضاعة (عندما كنت ما أزال في المهد) - عندما كنا نضع أثداء أمهاتنا أو مرضعاتنا في أفواهنا ونمصّها. ويظل الأثر العضوي لهذه اللذة الأولى في حياتنا أثراً مطبوعاً فينا لا يمّحى. وعندما يتعلم الطفل فيما بعد أن للبقرة ضرعا، وأن وظيفته هى وظيفة الثدي، ولكنه يرى له شكلاً ومكاناً على بطن البقرة يشبه القضيب، فإن انطباعاً معيناً أولياً يتخلّف لديه ويكون أساساً لما يتشكّل لديه فيما بعد من ذاك الوهم الجنسي المُقزِّز.

وهكذا نكون قد فهمنا سبب إرجاع ذاكرة ليوناردو لتجربة النسر المزعومة إلى فترة الرضاع، فهذا الوهم لا يخفى شيئاً قليلاً أو كثيراً إلا ذكرى من ذكريات الرضاع، أو الإرضاع، على ثدي الأم، وهو مشهد جميل وإنساني، ظل ليوناردو وغيره من الفنانين يحاولون رسمه بالفرشاة في شكل أم الإله وطفلها.

ولكننا نلاحظ شيئاً لم نفهمه بعد، فرغم أن هذه الذكرى شيء مفهوم لدى الجنسين من الرجال والنساء، إلا أن الرجل ليوناردو غيّرها إلى وهم لوطي سلبي. ولن نناقش حالياً العلاقة المحتملة بين الشذوذ الجنسي ومص ثدي الأم، وسنذكر فقط أن الرواية جعلت من ليوناردو شخصاً له أحاسيس شاذة جنسياً، أي شخصاً لوطياً. ولن يشغلنا حالياً صحة أو زيف هذا الاتهام للصبي أو الشاب ليوناردو، لأن طبيعة الإحساس، وليست الممارسة الفعلية للشذوذ الجنسي، هى التي تقرر لنا ما إذا كان من الممكن أن ننسب صفة الشذوذ الجنسي للشخص.

وثمة سمة غير مفهومة أخرى في وَهْم ليوناردو الطفولي تثير انتباهنا، فالأم المفروض أن ترضع الطفل يحلّ محلها في الوهم النسر، فما أصل هذا النسر وكيف جاء إلى هذا المكان؟

هنا يخطر على البال خاطر معين حتى ليغرى بعده على إسقاطه، فمن المسلم به أن الكتابات الهيروغليفية المقدّسة في مصر القديمة كانت تصوِّر الأم في صورة نسر[(]1). وعَبَد هؤلاء المصريون إلاهة، إمّا كان رأسها على شكل رأس نسر، أو كانت لها عِدّة رءوس منها رأس - أو رأسان على الأقل - كهيئة رأس النسر[(]2). وكان اسم هذه الإلاهة مت Mut. وقد نتساءل ما إذا كان التشابه بين نطق مت Mut وبين نطق أم Mutter مسألة صدفة؟ وإذن فهناك ارتباط ما حقيقي بين النسر وبين الأم، لكن ما قيمة ذلك بالنسبة لنا؟ وهل يحق لنا أن ننسب هذه المعلومة لليوناردو مع أن فرانسوا شمبيلون نجح لأول مرة في قراءة الرموز الهيروغليفية بين سنتي 1790 و1832؟[(]1)

وقد يثير اهتمامنا أن نكتشف السبب الذي حدا بالمصريين أن يختاروا النسر كرمز للأمومة. والواقع أن الإغريق والرومان اهتموا علمياً بالدين والثقافة المصرية، وقبل أن نتمكن نحن من قراءة الآثار المصرية، كانت لدينا بعض المعلومات عنهما بلغتنا من الأعمال المحفوظة عن الآثار القديمة. وبعض هذه الكتابات قام عليها كُتّاب مشهورون مثل: سترابو، وبلوتارك، وأمنيانوس، ومارسيلوس، بينما كان لُكتّاب آخرين أسماء غير مألوفة، وأصلهم وزمنهم مشكوك فيهما، مثل كتابات هورابوللو نايلوس الهيروغليفية، وكِتاب الحكمة الكهنوتية الشرقية القديم الذي يحمل اسماً إلهياً Hermes Trismegistos. ونعلم من هذه المصادر أن النسر كان رمزاً للأمومة، لأن القدامى كانوا يعتقدون أن هذا الضرب من الطيور كان كله من الإناث وليس فيه ذكور[(]2)! ويضع التاريخ الطبيعي للقدماء خنافس الجُعْل أو الخنافس السوداء ضمن نفس المرتبة، ويقدّسها المصريون القدامي ويقولون إنها كلها من الذكور وليس فيها إناث[(]1).

فكيف يتم الحمل في النسور إذا كانت كلها إناث؟ نجد الجواب كاملاً في فقرة من هورابللو[(]2)، وعنده أن تلك الطيور في وقت معين تفتح مهابلها فتنكحها الرياح!

وأعتقد الآن أننا بلغنا فجأة نقطة يمكن أن نصدق فيها الأمور ونقول بأن إمكان حدوثها شيء محتمل، وكنا منذ وقت قصير نرفض أن نصدّق ما يقال ونحكم عليه بالزيف والسُّخف. وربما كان ليوناردو عارفاً بالأسطورة العلمية التي بمقتضاها صوّر المصريون فكرة الأم في صورة النسر. وكان ليوناردو قارئاً نَهِماً شملت اهتماماته كل مجالات الأدب والمعرفة. وفي كتاب Codex Atlanticus ثبتٌ بكل الكتب التي كانت بحوزته في يوم من الأيام[(]3)، وملحوظات عديدة لكتب أخرى اقترضها من أصدقائه. ولكننا لن نكون مبالغين كثيراً في عدد ما قرأ من كُتب، مستندين في ذلك إلى المقتطفات التي جمعها Fr. Richter[(]1) من رسومه. وضمّت هذه الكتب فيضاً من المؤلّفات القديمة والمعاصرة في التاريخ الطبيعي، وكانت كل هذه الكتب متداولة في زمنه، وتصادف أن ميلانو كانت مركز فن الطباعة الحديث في إيطاليا.