eKtab
EN ع
ليس مجرد سرد ... أصل الحكاية في التراث العربي
اقرأ عينة مجانية

ليس مجرد سرد ... أصل الحكاية في التراث العربي

بقلم محمد محمود البشتاوي

صفحة 1

المقدمة
(1)

كان هذا الكتاب فكرةً اختمرت، ثم اعتَصَرتُ رحيقها في أوّلِ مقالٍ، تبلورَ في ما بعد ليكونَ مُرتكزاً لعمليةِ بحثٍ أوسعَ، فكان الرحم الذي تناسلت منهُ الأفكار في متواليةٍ متناسقةٍ تتَّسقُ في سياقٍ واحدٍ يربطُ التاريخ برحابتهِ بالحكاية وما تحملهُ من فضاءات متشعّبة.

لم يكن الدخول إلى معتركِ هذا الحقل بالأمرِ السهلِ، ولا الممتنع، كان حقلاً من الألغامِ تتلمّسُ فيهِ خُطاكَ في ليلٍ أدلج، تهتدي بالنجومِ لتكون لكَ خارطة خروج؛ فالتراثُ بحرٌ أنت تقفُ على شاطئهِ، ومهما اغترفتَ منهُ فلن تبلغَ منتهاهُ؛ لأنه يعبرُ عن تراكمِ تجاربِ الأمم في قرونٍ خلتْ.

الأفكارُ تَزاحمت، وتداخلَ المكانُ بفضائهِ الرحب، مع الزمان بتلونِ فتراتهِ، وامتزجَ التاريخ بالحكاية التي نسجت ثوبها بمسلتهِ، وباتت عمليةِ فرز هذه الخيوط شاقةً؛ تحتاجُ إلى قراءة مكثفة، متنوعة في المصادرِ والمراجع.

تدرك الورطة التي وقعت بها؛ تذهب أنى شئت وأنت تفكر؛ تعمل وتكتبُ وتخاطبُ. وعقلك ما إن يستكين لـ«استراحة المحارب» حتى يُفاجَأَ مجدداً بجديدٍ، غنيٍّ وشيق؛ الشخصيات، الأحداث ومساراتها، اللغة والسرود والروايات والرواة، المقارنة والمقاربة، محاولة تفكيك الحكاية.. الخ.

تتساءل إن كان يصلحُ معالجةُ القديم بحداثةٍ يطغى عليها التنظيرُ أكثرَ من التطبيقِ والقراءة والتحليل، وتشتقُّ من السؤالِ سؤالاً إن كانت «القراءة الحداثية» ستحملُ في طياتها فوقيةً واستعلاءً على ما مضى، بحكمِ تقدُّمِ الزمن وتراكمِ التجاربِ الإنسانية، في وقتٍ لم يأخذ التراث العربي على عاتقهِ من قبلُ تجنيسَ سردهِ، إلا ما لامس السطح فقط، فكنا أمام مُسميات لا تبحثُ المُحتوى أو تتفحصه تفحّصا نقديّاً.

رُويَ التراث في جلِّ مصنفاتهِ بوصفه جزءاً من تاريخٍ، لا أدباً، ولا سرداً، وتقزّمَ أمام حالة «الشعرنة» العربية، فتداخلَ بذلك التاريخ والسرد الحكائي العربي، وباتَ من المهمِّ تناولُهُ كما نشأَ في أصلهِ، لا كما جاءت بهِ النظريات القديمة، إلا ما وردَ فيها وكان أداةٍ يمكن توظيفها لصالحِ الفهم والقراءة.

صفحة 2

(2)

تحاول الأمم عبر التشبّث بتراثها إثبات وجودها حضارياً، وكلما كان الأدب قادرا على تصوير بيئته المحلية تصويرا عميقا استطاع أن ينطلق إلى العالمية. في حين يتجه بعض المثقفين الأمميين إلى الحضارات الأخرى لإغناء رصيدهم الثقافي، وإضافة ما هو جديد ومختلف عمّا خُلِّد في تاريخهم الأدبي. وخلافاً لذلك أصيبت الحالة العربية بإنكارٍ للذات وتنكُّرٍ لها، إذ إن «التراث» في نظر شريحة كبيرة من مثقفينا، ليس إلا حجرَ الزاوية لمقام الشعر الذي عُنونَ نقديّاً بوصفه «ديوان العرب»، في حالِ الحديث عن الشعر الكلاسيكي، وأحياناً عن «شعر التفعيلة»، أما «قصيدة النثر» فلا جدالَ لدى هؤلاء في «أوْرَبَتِها» و«أمْرَكَتِها»، متناسين نثريات «النفري» و«الحلاج» و«أبي يزيد البسطامي» وآخرين.

وثمة فئة أخرى من مثقفينا تنظر إلى تراثنا بازدراء وعداء، فتحطُّ من قدرهِ، في حال تتطابقُ تاريخيّاً مع «الحركة الشُّعُوبية»*، مقابل التغني بما لدى الأمم الأخرى، فنكون بذلك أمام حالة استلاب للغرب، وانسلاخ عن «العربية» وتراثها وحضارتها، لدرجةِ أن بعضهم طالب بأن تكون الكتابة بأحرفٍ لاتينية في بعض الدول العربية**، كما طالب بعض آخر باستبدال العامية بالفُصحى***. وفي سياق هذا التجاهل المتعمد للتراث السردي العربي، نتيجةَ الاستلاب لثقافة الآخر، والتبعية، وتعمية العين عن المخزون الثقافي الحِكائي، نجد أن نخبة من مثقفينا تتجه نحو الغرب، نقديّاً وسرديّاً، بوصفه منشأَ الحكايةِ، والروايةِ، والقَصّ.

لم يكن القصور في تناول التراث السردي العربي بسبب قلة ما توفر من نصوص، أو بسبب ضعف المحتوى، بل على العكس من ذلك، كان السرد حاضراً وبأشكال وأنماط متنوعة، بيدَ أن الشعر مُيِّزَ؛ فهو «لسان العرب»، فاجتذبَ الأضواء إليه، وانجذب الدارسون له، ما أدى إلى إقصاء ما سواهُ من فنون وآداب.

إن مكمن الخلل تجسد في غياب النقد للتراث الحكائي، مذ كان الانشغال يقتصر على «بحور الشعر» و«طبقات الشعراء» و«المنحول» و«السرقات» والمفاضلة بين فرسان الشعر العربي..، علاوةً على الاهتمام البالغ الذي حظي به الشعر من قبل السلطات المتعاقبة التي أغدقت العطايا على الشعراء، الأمر الذي «شَعرَنَ» آداب العرب، فلا عجب إن صُهرت بعض القصص لتُروى شِعراً، أو دخل الشعر في كلِّ كبيرةٍ وصغيرةٍ من كلامِ العرب.

نُظِرَ قديماً إلى بعض السرد من زاوية أن ما يأتي بهِ ليس إلا خرافات وحكايات غير مألوفة في بيئةٍ تقومُ على الجدية والفروسية، والتسليم بأن قرض الشعر سمةٌ يتحلى بها العربي في قبيلته، وأمام القبائل الأخرى، فالشاعرُ لسان قبيلته في وقتِ الحربِ والسِّلمِ، وتداوُلُ الشعر شفهيا أيسرُ من النثر، وأكثر بلاغةً، وحماسةً، وتأثيراً في النفس.

ومقابل ذلك أُهمِلَ السرد؛ فهو نثر أدنى مرتبة من الشعر، وكثيراً ما خالطَ «السرد» التاريخ والتوجهات الفكرية، وإن أردنا فرز القائمين على السرد في التاريخ العربي نجد أنهم إخباريون، وحاملو فكر، ومدونون لتاريخ الحقباتِ السابقة، فانطبع في الأذهان أن السردَ وعظيٌّ (كرسائل ابن حَيَّان وبعض المقامات)، أو فلسفيٌّ (كقصة حَي بن يقظان بنسخ مؤلفيها الأربعة)، أو فكاهيٌّ (كقصص بخلاء الجاحظ ونوادر جحا)، أو خارجٌ عن المألوف (كحكايا السعالي والجن وغرائب الصعاليك كتأبّطَ شرّاً).

لا شك أنَّ «الشعر» في التاريخ العربي له مقام القلب في الجسد، بيدَ أنهُ ليسَ الجسدَ كلهُ، فثمةَ سرود شاملة تضمُّ الشعرَ في مساراتها، على أساس أنه إحدى ركائز البيئة العربية..، ومقابل ذلك التوصيف، فإن المعادلة اليوم تغيرت، ليصبحَ الشعرُ أقلَّ الأصناف الإبداعية شأناً لو قُورِنَ بالرواية، والقصة، والقصة القصيرة جدا، في ظل دعم هذه الأجناس بالنقد، وإضفاء حالة من الانبهار عليها عبر ترجمة كل ما يتصل بها عن الأمم الأخرى، وتفضيل دُور النشر في صناعتها وتجارتها السردَ الحديثَ على الشعر بتلاوينِه كلها.

«ليسَ مجرّدَ سرد» إطلالةٌ على التراث العربيّ الحكائيّ، وما اشتملَ عليه من سُرود، ومحاولة تفحُّصِها ضمن أكثر من سياق؛ قراءة تفاعليّة مع النصّ تسعى لاستنطاق الكامن فيه، ومعالجته في مقارنة تاريخيّة وثقافيّة بين العرب والأمم الأخرى، وتوضيح العلاقة بين التاريخ والحكاية، والتّأكيد أنّ الموروث العربي لا يقتصر على الشعر!

صفحة 3

الباب الأول :الحكاية العربية القديمة

عناصر الائتلاف والاختلاف

أَيْقَنْتُ أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ ثَلاَثَةٌ؛ الْغُولُ وَالْعَنْقَاءُ وَالْخِلُّ الْوَفِي

ابن تغري بردي

(المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي)

يجد قارئ الحكاية العربية القديمة المتفحص أن هذه الحكاية تتسم بخصائص مشتركة، فهي لا تجنح بعيداً في الخيال، ولا تعتمد على خوارق لتحقيق الإثارة، وربما يعود ذلك لاستنادها إلى التاريخ، مع التأكيد أن هنالك قسماً من الحكايات لجأت إلى الخوارق والأجواء العجائبية، كسيرة «سيف بن ذي يزن»، وحكاية «مصباح علاء الدين»، و«السندباد البحري»، وقصة «حي بن يقظان»، و«العنقاء»، وحكايا «الغول/ـة»، وثمة خرافات في كتب التراث أطلق عليها في الأثر «تكاذيب الأعراب»، وهي نوع من «الكذب الأبيض»، حيث يتنافسون على إطلاق كذبة مبالغ فيها أكثر من غيرها،.

وفي حال المبالغة، ضربت العرب مثلاً فقالت «من رابع المستحيلات»، إذ إن هنالك ثلاثة مستحيلات نَفَت العرب وجودها، ورأت في «حكيها» وتداولها مبالغةً خارجة عن المألوف، فقيل:

أَيْقَنْتُ أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ ثَلاَثَةٌ الْغُولُ وَالْعَنْقَاءُ وَالْخِلُّ الْوَفِي([1])

فمن جاء بأمر يستحيل حدوثُه أو تحقيقهُ رُدَّ عليه بجزمٍ وتأكيد «من رابعِ المستحيلات».

«المنتقمون» صفةٌ يمكن تعميمُها على أبطال الحكايات العربية؛ فالزير سالم ينتقم لأخيه من بني مرة، والزَّبَّاء تنتقم لوالدها عمرو بن الظرب من قاتله جذيمة الأبرش، وابن أخت جذيمة هذا، وهو عمرو بن عدي ينتقم من الزَّبَّاء لمقتل خالهِ، كما أن امرئ القيس ينتقم لأبيه، أما سابور ذو الأكتاف فينتقم من الضيزن بن معاوية خاطفِ أخته «ماه»، وحيناً يقال إنها عمته، ثم ينتقم من «النضيرة» لأنها خانت والدها..، وهكذا تستمر عملية الانتقام التي تُبنى على أساسها حبكةُ الحكاية.

ربما كان «عنصر الانتقام» أساسيا في بنيان حكايتنا الشرقية، نظراً إلى ترسخ القيم القبلية والعشائرية والمناطقية كخلفية عامة مشتركة، فأصبح الانتقام ركيزة أساسية في أيِّ صراعٍ قد يُشعلُ حرباً ضروساً تمتدُّ نيرانها لأربعة عقود كما في حرب البسوس، وبسبب أن الخطف، أو السَّبي، أو الإغارة، وما شابه ذلك من ظروفٍ كانت تعدُّ من الحياة اليومية الدارجة في عصر ما قبل الإسلام، فإن بعض العرب لجأت إلى «وأد البنات» مخافة وقوعهن في تلك النزاعات سبايا.. فكان «الوَأدُ» سُلوكاً من العرب لمنعِ الانتقام من الشرف فيما لو اندلعتْ حربٌ وأراد الخصمُ الانتقام بـ «السَّبي».

يحضر «الشعر» بقوة داخل الحكاية العربية، بل إن بعض الحكايات تبني قصتها على الشعر، من ذلك ما أوصى به «الملك» كليب قبل وفاتهِ متأثراً بجراحهِ لأخيه «الزير سالم»، وقصة الأخير مع بيتين من الشعر قالهما لعبدين ليبلغاهما ذويهِ، فلما عاد العبدان قالا لـ«اليمامة»:

من مبلغ الحيين أَنّ مُهلهلا لله دركما ودر أبيكما

فصاحت اليمامة وقالت: عمي لا يقول أبياتاً ناقصة. وإنما أراد أن يقول لنا:

من مبلغ الحيين أن مهلهلا أضحى قتيلاً في الفلاة مجندلا

لله دركما ودر أبـيــكما لا يبرح العبدان حتى يقتـلا ([2])

وإضافة إلى المهلهل، فإن أغلب شخصيات «حرب البسوس» تقرضُ الشعر، علاوةً على أن معظم أبطال الحكايات العربية هم شعراء، كامرئ القيس، وقصير بن عدي، وغيرهما.

ثيمةٌ مشتركةٌ أخرى تتجسد في «المَثَل»، وكأن الحكاية العربية وُجدت من أجل استنباط الأمثال، ويحضُرُ هذا بقوَّةٍ في قصة «الزَّبَّاء» وحربها مع «الأبرش»، وفي «حرب البسوس» أيضاً.

عنصر آخر تشترك بهِ الحكاية العربية؛ إنها تأتي في قالب «إخباري» لقصص الأولين، ومع تناقلها شفهيّاً، ومن ثم تدوينها في مرحلة لاحقة طرأ عليها بعض الإدخالات في سياق «حكائي»، فلا يستبعد «جواد علي» أن تكون بعض الأحداث، أو التأويلات من وضع القاصِّين، كما في تأويل لقب «ذو الأكتاف» للملك الفارسي «سابور الثاني».

ومن هذه العناصر المشتركة أن الشخصيات الرئيسية من النساء في الحكاية العربية كُنَّ غالبا زرقاوات الأعين، فحين أراد الجاحظ في كتابه «الحيوان» أن يعرِّف اليمامة ذكر أنها «كانت من بنات لُقْمان بن عاد، وأن اسمها عنْزٌ، وكانت هي زرقاء، وكانت الزَّبَّاء زَرْقَاء، وكانت البَسُوس زرقاء». ولا ننسى أن فكَّ طلسم «حصن الخضر» كان بدم حيض جاريةٍ «زرقاء» كما تؤكد المصادر، وثمةَ مؤشر واحد حول «زرقة العين».. إنها فألٌ سيئٌ يعود على أهلهِ بالخراب.

ورغم هذه العناصر المشتركة، إلا أننا لا نعدم وجود تمايز بين الحكايات، مثل محاولة تصوير بعض الأبطال بصورة غير مألوفة؛ كوصف أجسادهم القوية، وقدرتهم على القتال، وهزيمة البطل الفرد الواحد لمائة رجل في مواجهة واحدة، وغير ذلك، بيد أنها لا تصل لدرجة من التصوير الغرائبي والعجائبي، في حين كان «فك الطلسم» في قصة «النضيرة مع سابور ذي الأكتاف» حينما أشارت إليه بأن يخضب قدمي حمامة «الورشان» بدم حيض جارية «زرقاء» ثم يرسلها إلى حصن أبيها لينهار وينفك طلسمه، يتضمّن مبالغة، وخروجا عن مألوف الحكاية.

كانت الحرب في حكايات الجزيرة العربية وجهاً لوجه في الصحراء، فالمواجهة فيها مكشوفة بين النخيل والكثبان الرملية والواحات، فبيئة هذه الحكايات بيئة واقعية، أما في حكايات العراق وسوريا فكانت الحروب تتمُّ عبر الخدع والمكائد ورسم خرائط الغزو والإغارة، والتفكير في كيفية الهروب عبر الأنفاق، واختراق الحصون لكسر قلعة الخصم من الداخل، علاوةً على وجود موانع طبيعية تمثلها بيئة المكان، من جبال وأنهار عازلة.

صفحة 4

الباب الثاني :حرب البسوس

البَسُوس بالفتح الناقةُ لا تدرُّ إلا بالإبساس، أي التلطُّف بها بأن يقال لها: بس، بس! والبسوس أيضا امرأة مشومة، وهي المضروب بها المثل. وكانت هذه المرأة قد أعطي زوجُها ثلاث دعوات مستجابات، فقالت له: اجعل لي واحدة منهن! قال: نعم. فما تريدين؟ قالت: ادعُ الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل! ففعل، فرغِبتْ عنه! فدعا الله أن يجعلها كلبة نبَّاحة. فجاءه بنوها وقالوا: ما لنا على هذا من قرار، يعيرنا بها الناس، فادعُ الله أن يعيدها إلى حالها! فدعا لها فذهبَت الدعواتُ كلُّها بشُؤْمِها.

الحسن اليوسي

(زهر الأكم في الأمثال والحكم)

صفحة 5

تكيف المثقف مع الوعي القبلي

يقدم لنا التاريخ صورتين متناقضتين؛ جساس بن مرة البكري «الخايس» الذي خرجَ عن أمر الملك كُليب «المستبد»، وتسبب بكارثةٍ بين قبيلتين عرفت بــــ«حرب البسوس»، استمرت أربعين عاماً، نُسجت حولها كثير من القصص، وكُليب الملك الذي أرادَ «نقل العرب من حياة الصحراء إلى المدنية».

يعدُّ الخروج عن العصبية القبلية والجماعة عملاً مرذولاً مُداناً في عرف العرب قديما، فكانت القبائل العربية تعزل مخالفيها نفياً في فيافي الصحراء، وقد شكل الصعاليك مجتمعَاً خارجاً عن النظام العام، وهو ما انسحب على الخوارج في العصرين الأموي والعباسي؛ فكان الخارجيُّ مداناً؛ لأنه خرجَ عن إجماع الأمة.

أما في العصر الحديث، ومنذ أواخر الدولة العثمانية، فقد أصبحَ الخروج في كثير من الأحيان يعني «الثورة» و«التمرد» كشرطٍ لتحسين «النظام العام»، أو تغييره، سلماً أو بالقوة، نحوَ ما تصبو إليه هذه الجماعة أو تلك. بغض النظر عما يؤول إليه التغيير من نتيجة، سواءً أكانت إيجاباً أم سلباً.

تكيف وعي المثقف في مقاربته ثنائية النقيض جساس/كُليب مع شروط المجتمع القبلي حين تناول تلك الحقبة، وأسقطها أحياناً على واقعه السياسي المعاصر، ويظهر هذا جليّاً في مسلسل «الزير سالم» للأديب الراحل ممدوح عدوان، وهو من إخراج حاتم علي، والذي صور ابن مرَّة قاتلاً جباناً غدر بالملك، وصار مطارداً بعد أن ورَّط أبناء قبيلته في حربٍ حصدت الأخضر واليابس، وحولت بني مرة إلى مطاريد، وفي روايةٍ أخرى أصبحوا «نَوَرا»، أي غجرا.

من جهة ثانية كتبَ الشاعر الراحل أمل دنقل قصيدة «لا تصالح»، التي تعد من روائع الشعر العربي الحديث، ضمن السياق نفسه، فصوَّرَ غدر جساس، وربما امتلك اسمه دلالة سلبية، مقابل الظلم الذي وقع على كليب، الملك الجائر الذي لم تذكر الروايات عن عدلهِ شيئاً.

لم يكن عدوان أو دنقل استثناء في منظومة الأدب العربي حين تقارب رمزية «الزير سالم» كمظلومٍ ثائر، فهي صورة نمطية نجدها عند غيرهما في السرد والشعر، وأشير هنا إلى رواية «الخزعندار» للراحل عدنان عمامة، الذي ردّد كثيراً بين سطورها «يا لثارات كُليب»، مصورا حزن نساء «مخيم النيرب» في سورية على مصيرهِ الدامي أمام «الوغد» جساس.

يكرر الشاعر خالد أبو خالد في أكثر من حوار أجري معه أنه ليس مطلوباً من الشاعر العربي أن «يكتب ملحمة هوميروس بصيغتها الهوميرية»، فهو قد سعى في تناولهِ للأساطير العربية شعراً إلى «عصرنتها»، فـتغريبة خالد أبو خالد التي استمدت من تراث السيرة الشعرية رموزها قد عصرنت الزير سالم، وسيف بن ذي يزن، وتغريبة بني هلال، وعنترة، وشهرزاد، والسندباد، وحمّلتها أفقاً يفيد القصيدة في تكوّنها كرافعة إبداعية سياسية.

ربما جاء هذا النزوع في الأدب العربي نحوَ مناصرة «الزير سالم» جراء «ثيمة الثأر» التي يتمسك بها العرب منذ الجاهلية وحتى اليوم، وربما عزّز ذلك سبب آخر؛ فـكُليب استهانَ بجساس ولم يعرهُ اهتماماً عند المواجهة، وأدارَ ظهرهُ استخفافاً به، فما كان من ابن مرة إلا أن طعنهُ بضربةٍ قاتلة، فظهر بصورة الغادر، والغدر صفة سلبية في التراث العربي، وفاعلهُ ليسَ برجلٍ.

لكننا نجد روايات تقول إن جساس لم يغدر بكليب، بل طعنهُ في حضنيه (أي تحت إبطه)، ووفق هذه الرواية، فإن من عادة نساء العرب أن يخرجن لموارد الماء بصحبة أشجع الفرسان خوفا عليهن من الغارة والسبي، ويُسمى ورود النساء للماء «خلوف الحي».

وصادف أن خرج جساس ونديمه عمرو بن المزدلف مع نساء بكر لماء يُقال له «شُبيث»؛ وكان كليب يعلم بخروجهما مع النساء فلحق بالقوم عند «الشُبيث» فنفاهم عنه وقال: لا يذوقون منه قطرة، فانتقلوا لماء آخر يُقال له «الأحص»، فمنعهم عنه أيضاً، ثم مروا على «بطن الجريب»، فكرر ذات الفعل، فمضوا حتى نزلوا «الذنائب» بعد أن اتفق جساس وعمرو ألا يغادرا الذنائب قبل أن تقضي النساء حاجتهنَّ، لكن القوم فُجئوا بكليب واقفا بانتظارهم، فقال له جساس: طردت أهلنا عن الماء حتى كدت تقتلهم عطشا، فرد كليب بكِبْر: ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون!، فعطف عليه جساس فرسه فطعنه بين حضنيه.

تكمل الرواية قولها إن كليب حين دنا من الموت قال: يا جساس اسقني من الماء. فقال: ما علقت استسقاءك الماء منذ عهدتك إلا ساعتك هذه. فالتفت إلى عمرو بن المزدلف وقال له: يا عمرو أغثني بشربة ماء. فنزل عليه وقتله([3]). وفي هذا قال الشاعر:

المستجير بعمرو بعد كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار

إن صحت هذه الرواية، فهي تنفي عن جساس الغدر، بل وتضيف إليه صفة الشجاعة، لأن نساء بكر لن يصطحبنَ إلا فارساً، بيدَ أن السرد في هذه الرواية يعْتَوِرُهُ قصور، كما هي حال الحكايات والملاحم الشعبية، فكيف لكليب أن يتنقلَ من مكانٍ إلى آخر، عارفاً مقصدَ «بني بكر»؟!

قدَّم المنقول من الشعر في «حرب البسوس» صورة «الزير سالم» المكلوم على مصير أخيه، وإرادته للانتقام، أو الثأر، وتضحياته بألّا يعاقر النساء والخمر، وهي عوامل كافية لترسيخ صورته بطلاً، نظراً لما للشعر في تاريخ وتراث العرب من تأثير، في حين أن المتأمل في صفات «الزير سالم» يجدها صفات سلبية؛ فهو كثير الشرب للخمر (سكير)، و«زيرٌ» للنساء، وكان أخوه الملك ينظر له بازدراء، ويراهُ طائشاً وغير صالحٍ لتحمل المسؤولية، وأعباء الحُكْم!.

في أي قصة أو عمل ملحمي ثمة نقطة تحوُّل لمسار الأحداث، فـــــ«الزير سالم» تحوَّل بعد مقتل أخيه، كما حدثَ أيضاً مع الشاعر الجاهلي «امرؤ القيس» الذي قالَ قولته الشهيرة «اليوم خمر وغداً أمر» بعد مقتل أبيه، لكن هذا التحوُّل في مسار الأحداث لم يكن ثوريّاً، إذ إن الأول ذهب في طريق الانتقام دون تمييز، وهدر عُمرَه وهو حامل سيفَه، والثاني ذهب إلى الروم طالباً منهم العون لاسترجاع ملكِ أبيه!. وفي الحالتين كلتيهما كانت النتيجة سلبية، ولم تكن قائمة على أساس جذري في كيفية التصرف السليم حيال الأزمات الكبرى.

يمكن القول إن هذه الواقعة أسَّست لأول استقطاب في البيت العربي، ما زال دارجاً إلى اليوم، إذ إن الاعتراضات من مناصري الطرفين كليهما على تفاصيل الحكاية استمرت في سجالٍ يُدوِّر الأحداث ويعيد إنتاجها وفق السياق الذي يرتضيه، وهو ما دفعَ أقلاماً كثيرة إلى نقد مسلسل الراحل عدوان، بل إن البعض كان يتحدث عن «أكاذيب وفبركات سورية!» في محاولة تشويه صورة «الزير سالم» حيناً، فيما هاجم فريق آخر كاتب العمل لأنه انتقص من قدر البكريين.

بين التاريخ وما بهِ من تسجيل للأحداث والوقائع، والفن الذي يسعى لتحويل تلك المادة الجامدة إلى «مرئية مسموعة» ضمن سياق شيق من الأحداث الدرامية، ثمة بونٌ شاسع، لم يأخذ بهِ الفريقان في حالة الهجوم على «عدوان».

في رواية من الروايات المتعلقة بحرب البسوس، نجد أن الزير سالم تنازل عن ابنته لقطاع الطرق مقابل فكِّ أسرهِ، وثمة راوٍ آخر يشير إلى أنه قد تنازل عنها في عجزهِ، حيث كان في آخر عمرهِ، وظهرهُ مكسور، فزوَّجَ ابنته لأحد قطاع الطرق، مِن مَن صادفهم في الطريق، ولعلّ هذه الرواية أقرب لواقع المجتمع العربي القبلي آنذاك وقيَمِه الأخلاقية.

أفهمُ أن الراوي الذي نقل القصة شفهيّاً، أو ذاك الذي دوَّنها في مراحل مبكرة، وقف إلى جانب السلطة/القبيلة (كُليب ووريثه المهلهل) في مواجهة الخروج والتمرد (جساس ومن معه)، انحيازاً للمفاهيم القبلية وأعراف الصحراء، إلا أن ما يثير الغرابةَ، أن بعض الروايات المعاصرة تتحدث عن مشروع كُليب العربي الذي سعى إلى تأسيس قوة عربية في موازاة الروم والفُرس!، وما استوقفني أن يكون التحليل قائماً على تلك الفرضية، رغم أن الرجل حاول أن يقيمَ «مُلكاً» يكون فيه الآمرَ الناهي، ولم يكن صاحبَ مشروع في زمنٍ تأبَى فيه القبائل السلطة المطلقة المتحكمة في شؤون الحياة.

بعضُ ما يروى في التاريخ يناقضهُ منطق العقل؛ فعادات العرب لا يتجاوزها «الزير سالم» بدفع ابنته لتكون طوقاً لنجاته، وكُليب وإن سُمِّي ملكاً فلم يكن صاحب «مشروع نهضوي»، هذا ومثله يدفعنا إلى المساهمة في تنقية التراث من الأباطيل التي ألحقت به في سبيل تثبيت رأي معين.

صفحة 6

تشكُّل الصورة النمطية

قيل في المثل العربي القديم: «أشأم من البسوس»، وإذا كان السياق العام ذهب إلى أن المقصود بذلك خالة جساس بن مرة الشيباني، فإنَّ رأياً آخر ذهب إلى أن هنالك «بسوساً» أخرى في التاريخ. وفي الحـالين تظلّ البسوس مصدر شؤم.

في هذا الصدد يقول الأزهري في كتابه «تهذيب اللغة»([4]): «وَفِي البسوس قولٌ آخَر رُوِي عَن ابْن عبّاس وَهُوَ أشبَه بالحقِّ. حدّثنا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن المَخْزُومِي عَن سُفْيانَ بن عُيَينة عَن أبي سَعد الأعوَر، عَن عكرِمَة عَن ابْن عبّاس فِي قَول الله جلَّ وعزَّ: {الَّذِي ءاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} (الْأَعْرَاف: 175) الآيَة. قَالَ: هُوَ رجُلٌ أُعْطِيَ ثلاثَ دَعَوَاتٍ يُستجاب لَهُ فِيهَا، وَكَانَت لَهُ امرأةٌ يُقالُ لَهَا البَسُوس، وَكَانَ لَهُ مِنْهَا ولد، وَكَانَت لَهُ محِبَّة، فَقَالَت: اجعلْ لي مِنْهَا دَعْوَة وَاحِدَة قَالَ: فلكِ وَاحِدَة، فَمَاذَا تأمرين؟ قَالَت: ادْعُ اللَّهَ أَن يَجْعَلنِي أجمل امْرَأَة فِي بني إِسْرَائِيل، فَلَمَّا علمتْ أنَّهُ لَيْسَ فيهم مثلُها رَغِبَتْ عَنهُ، وأرادت شَيْئا آخَر، فَدَعَا اللَّهَ عَلَيْهَا أَن يَجْعَلَها كَلْبَة نبّاحة، فَذهب فِيهَا دعوتان، وَجَاء بَنُوها فَقَالُوا: لَيْسَ لنا على هَذَا قَرَار، قد صَارَت أُمُّنا كلبةً تُعَيِّرنا بهَا النَّاس، فادعُ الله أَن يردَّها إِلَى الْحَالة الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا، فَدَعَا الله، فَعَادَت كَمَا كَانَت، فَذَهَبت الدّعوات الثَّلَاث فِي البَسُوس، وَبهَا يُضرَب المَثَلُ فِي الشؤم فَيُقَال: أشأَمُ من البَسوس».

وعن الأزهري أيضاً أن «من أمثال العرب السائرة هو أشأم من البسوس، وهي ناقة كانت تدر على البسيس([5]) بها. ولذلك سُميت بسوساً، أصابها رجل من العرب بسهم في ضرعها فقتلها، فهاجت الحرب بسببها بين حييّ بكرٍ وتغلب سنين كثيرة؛ فصارت البسوس مثلاً في الشؤم»([6])..

وفي كتاب «زهر الأكم في الأمثال والحكم» لـ «الحسـن اليوسي» أن «الإبسـاس عند الحلب أن يقال للناقة: بـس، بـس، وهو صويت للراعي يقول لها ذلك لـتدر للحالب، فيقال: أبس بالناقة يبس أبساسا فهو مبس»([7]). وفي «الصحاح» لإسماعيل بن حماد الجوهري أن «البسـبس: القفر. والترهات البسابس، هي الباطل»..

وبذلك تجتمع المعاني في تشكيل صورة نمطية للبسوس، إلى جانب أن البسوس زرقاء العينين، وكانت العرب تتطيَّرُ من الزرقاء، وتعمل على وَأْدِ المولودة التي تأتي بهذه الصفة، وما تزال إلى اليوم «الخرزة» و«العين» الزرقاء تستخدم لدى البعض كتمائم طاردة للشر([8]).

صفحة 7

الباب الثالث :زنوبيا (الزباء)

وكانت الزَّبَّاء عاقلة أديبة عربية اللسان، حَسَنة البيان شديدة السلطان، كبيرة الهمة. قال ابن الكلبي: ولم يكن في نساء عصرها أجمل منها، وكان اسمها فارعة، وكان لها شعر إذا مشت سحبته وراءها، وإذا نشرته جلَّلَها، فسميت الزباء لذلك. قال: وكان قتل أبيها قبل مبعث عيسى بن مريم عليهما السلام، فبلغت بها همتها أن جمعت الرجال، وبذلت الأموال، وعادت إلى ديار أبيها ومملكته، فأزالت جذيمة عنها وابتنت على عراقي الفرات مدينتين متقابلتين في شرقي الفرات وغربيه، وجعلت بينهما نفقا تحت الفرات، فكانت إذا رهقتها الأعداء أوت إليه وتحصنت. وكانت قد اعتزلت الرجال فهي عذراء بتول.

كمال الدين الدميري

(حياة الحيوان الكُبرى)

«دَعُوا دماً ضَيّعَه أهله».

جذيمة الأبرش

صفحة 8

من التاريخ إلى الحكاية الشعبية

تنسج الحكاية الشعبية أولى خيوطها من مسلة التاريخ، وثمة صلة وثيقة لا يمكن التنكر لها، بل ويختلط الحابلُ بالنابل أحياناً، فيصبحُ من الصعب الفصلُ بينهما، لتداخل العناصر بين الأصل والصورة المنبثقة عنه، والتي أخذت في التمحور والتطورِ نحو شكل آخر.

وفي زمنٍ كانت فيه الرواية الشفهية المرتكز الأساس في عملية سرد الأحداث، تصبح الحكاية الشعبية المليئة بـالمتعةِ شكلاً متطوراً لتاريخٍ مُثقَلٍ بالأحداث الجامدة، فيعاد بذلك إنتاج «حرب البسوس»، و«سيرة الظاهر بيبرس»، وحتى «نمر بن عدوان»، وفي أحد العناوين تصبح زنوبيا ملكة تدمر الزباءَ بنت السميدع، التي تحملُ صفات الثأر والانتقام العشائري.

ملكة تدمر في التاريخ أخذت فضاءً سياسيّاً واسعاً، ولعبت في جغرافيا امتدت من قلبِ الشامِ إلى الجوار العراقي المحكوم من قبل جذيمة الأبرش (الأبرص)، وصولاً إلى الخليج العربي، وليس انتهاءً بـأرض الكنانة، علاوةً على مواجهتها لـلروم، وتوجسها من الفرس، في ظل تعاظم حدود دولتها المحاطة بقوى عظمى.

وملكة تدمر أيضاً تم إعادة إنتاجها في ثوبين؛ الأول فكري سياسي استُجلِبَ من التاريخ لتوظيفهِ في الواقع العربي المعاصر (انظر مثلاً: «زنوبيا ومشروعها القومي» لنصر الدين البحرة–سوريا)، والثوب الثاني «حكائي» ويأتي في إطارين؛ إما للتسلية وقتل الوقت في قصة درامية مشوقة ومليئة بالعقد والحبكات، ذات طراز تصاعدي في وتيرة الحدث، والإطار الآخر لسرد شيء من التاريخ بهدف تعزيز الانتماء لـرموز الأمة.

والزباء/الحكاية تختلف عن مثيلتها زنوبيا التاريخية، لأنها تتحرك في نطاق جغرافي محدد بـتدمر– الأنبار، مع استرجاع زمني لأرض اليمن، موطن الأبرش الذي جاء منهُ إلى أرض السواد للقضاء على العصبيات وصراع الجوار على العراق، وتوحيدهِ ضمن حكم عربي.

ثمة في الحكاية استعارة من «أسطورة طروادة»؛ إذ إن جيش عمرو بن عدي (ابن عم الأبرش المقتول)، يدخل إلى قلعة تدمر الحصينة عبر خديعة الوزير قصير([9])، الذي زرعه في مملكة الزباء/الحكاية، بواسطة صناديق الخشب المحملة بالجنود، فما إن تفتح أبواب السور الشاهق للإبل، حتى يخرج المقاتلون من صناديق الخشب.. وتبدأ الحرب لإسقاط مملكة تدمر.

ينتج الخلط بين حكاية الزباء وقصة زنوبيا، كما يرى الراحل عدنان البني في مقالٍ له في مجلة «الحوليات الأثرية العربية السورية»([10])، عن التقارب بين زمن الحكاية الشعبية لـلزباء المُفترضة والفترة التي حكمت فيها زنوبيا الملكة في التاريخ، وهي الفترة بين (267-
272م)، ويشير البني في مقارنته للتفريق بين الشخصيتين إلى أن زنوبيا، ويسميها أحياناً زينب، كانت متزوجة، أما الزباء/الحكاية فهي عزباء. وزينب (زنوبيا في اليونانية واللاتينية) هي ابنة زباي، أما الزباء فابنة عمرو بن الظرب. كما أن زينب لم يكن أبوها ملكاً، في حين أن الزباء كان أبوها ملكاً على الجزيرة وأعمال الفرات ومشارف الشام. ويزعم الميداني في «مجمع الأمثال» أنها ولدت في باجرمي، كما يزعم القزويني وابن قتيبة أنها ابنة ملك العراق. من جهة أخرى ليس لزينب أخت، أما الزباء فلها أخت اسمها زينب. وزينب قادرة على الكلام بعدد من اللغات، بينما لا تعرف الزباء إلا العربية فقط، وتضرب بها الأمثال وتنظم الشعر، على الرغم من أن بعض الباحثين يجعلها رومية.

ويكمل البني مقارنته مشيراً إلى أن جيوش زينب احتلت سورية كلها ومصر والأناضول، فيما الزباء لم تحارب، وظلت في حدود تحركات العشائر شمال الجزيرة العربية وجنوب سورية والعراق. وبينما كان خصم زينب الأساسي الإمبراطور الروماني أورليان، فإن خصم الزباء هو جذيمة الأبرش، ومن بعده عمرو بن عدي. وقد أُسِرَت زينب وهي في طريقها لطلب نجدة الفرس خلال حصار تدمر، أما الزباء فانتحرت بالسم.

علاوةً على ذلك كله فإن من عوامل الخلط الأساسية أن المركز الجغرافي للأحداث واحد، وهو (تدمر–الأنبار–الحيرة)، والشخصيات القائمة في التاريخ لم تُحذف من الرواية (زنوبيا/الزباء– الأبرش –جذيمة).

أشار ابن خلدون في مقدمته الشهيرة إلى أن الزباء بنت عمرو اسمها «نائلة عند الطبري، وميسون عند ابن دريد. ويقال إن الزباء الملكة كانت من ذرية السميدع بن هوثر من بني قطور أهل مكة، وهو السميدع بن مرثد بالثاء المثلثة ابن لاي بن قطور بن كركي بن عملاق، وهي بنت عمرو بن أذينة بن الظرب بن حسان»([11]).

ترد حكاية الزباء في حديث الإخباريين العرب بالشكل نفسه، في السياق العام، وإن تغيرت الأسماء وطريقة سرد القصة؛ فالطبري، على سبيل المثال، يشير في مصنفه إلى أن الزباء وجيشها من «بقايا العماليق والعاربة الأولى». ويتناول في شرحهِ ثمود وعاد وإرم السواد (العراق) وإرم الشام، مُكملاً الحكاية المعروفة حول الزباء، ورغبتها في الانتقام لمقتل أبيها من جذيمة الأبرش، في ما تنصحها أختها زينب بالخديعة كي لا تخسر ملكها في الحرب، ثم تكون الواقعة بمقتل الأبرش وحيلة الوزير قصير وانتحار الزباء قائلةً: «بيدي لا بيد عمرو» حيث ذهب قولها مثلاً.

أما المسعودي في مصنفهِ «مروج الذهب» فيكرر تفاصيل القصة نفسها مع تشكيكهِ في قومية الزباء، فيقول: «الزباء ابنة عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة السميدع بن هوبر ملكة الشام والجزيرة من أهل بيت عاملة من العماليق، كانوا في سليح، وقال بعضهم: بل كانت رومية، وكانت تتكلم بالعربية، مدائنها على شاطئ الفرات من الجانب الشرقي والغربي، وهي اليوم خراب»([12]).

لكنّ هشام بن محمد الْكلبي هو أقدم من تناول الحكاية من الإخباريين العرب، حيث قال: «ولم تكن فِي نساء عصرها أجمل منها، وكان اسمها فارعة، وكان لها شعر إذا مشت سحبته وراءها، وإذا نشرته جللها، فسميت الزباء»([13])، ويؤكد ما ذهب إليه البني في مقارنته من أنها «كانت قد اعتزلت الرجال، فهي عذراء بتول».

ويأخذ ابن هشام وابن الجوزي عن ابن الكلبي أن اسمها فارعة. وعلى الرغم من أن اسمها الحقيقي ونسبها وأصلها وفصلها في الحكايةِ، وفقَ الإخباريين والمؤرخين، لم يحسم بعد، وبقي موضع جدلٍ، إلا أن الخطوط العريضة تؤكد على وجود حكاية شعبية بُنيتْ فكرة الصراع فيها ضمن الإطار القبلي القائم على الانتقام والثأر، خلافاً لما يتمتع به تاريخ زنوبيا/ ملكة تدمر.

صفحة 9

الإخباريون ومصادر النقل

تطرق المؤرخ جواد علي إلى مسألة بالغة الأهمية تتعلق بمصادر الإخباريين العرب، موضحاً أن المؤرخين المسلمين أخذوا «تأريخ الفرس من موارد فارسية، أما تأريخ الرومان واليونان فقد أخذوه من موارد نصرانية سريانية في الغالب، ولكنهم أخذوه بقدر، ولم يتوسعوا في الطلب، لذلك كان تأريخ الرومان واليونان مختصراً جداً وضعيفاً بالقياس إلى ما دون عن تأريخ الفرس»([14]).

تأتي ملحوظة جواد علي المهمة في ظل إهمال الإخباريين العرب لتاريخ الملك أذينة العربي التدمري وحربهِ مع الملك سابور الأول الفارسي، وتحقيقهِ نصراً على خصمهِ، وينسحب هذا الأمر لاحقاً على ابنته الملكة زنوبيا المهمة في السرديات العربية القديمة، والتي لا تُذكر، وإنما يُشار إلى الزباء صاحبة الأبرش. وفي هذا الصدد يقول علي: «لم يشر الطبري ولا غيره من المؤرخين المسلمين إلى حروب أذينة مع سابور على أهميتها، وبلوغ ملك تدمر فيها العاصمة طيسفون. وهذا أمر يدعو إلى العجب حقاً، إذ كيف يهمل المؤرخون والإخباريون هذا الحدث الخطير؟ فلا بد أن يكون هنالك سبب. ورأيي أن سببه الموارد الأصيلة التي اعتمد عليها المؤرخون المسلمون والإخباريون وأخذوا منها، وهي موارد فارسية الأصل متعصبة للفرس، أو موارد عراقية ميّالة لهم».

ثم يتابع قائلاً: «لذلك أيضاً أدمج أكثر ما دون عن تأريخ الغساسنة وعرب الشام في الأوراق التي دُوِّنت عن تأريخ الحيرة وعرب العراق. وقد انتزعت من موارد فارسية/عراقية، ففيها تعصب للفرس وللعراق على الروم والرومان وبلاد الشام».

ويستطرد في موسوعته «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»: «أظن أن الموارد الأولى التي نقل منها الإخباريون والمؤرخون كلامهم عن تاريخ الفرس لم ترقها الإشارة إلى انتصارات ملك كوّن مملكة في البادية بنفسه، على سابور صاحب إمبراطورية واسعة تتباهى بنفسها على الرومان، فأهملت الكلام عنها بدافع العاطفة والنزعات القومية. فلما ترجمت تلك الموارد إلى العربية أو نقل منها، لم يجد الإخباريون والمؤرخون شيئاً يقولونه عن انتصارات أذينة على سابور، وإلا ذكروه».

ويؤكد ذلك أيضاً محمد بيومي مهران قائلاً خلال تناولهِ لمصادر الإخباريين العرب: بل إننا نرى إطنابا في مدح الفرس لا يتفق وحقائق التاريخ، بل هو مديح لم يقل مثله مؤرخو الفرس أنفسهم، الأمر الذي نراه كثيرا من المؤرخين المسلمين، وبصورة واضحة، حين يتحدثون عن تاريخ اليهود، وربما كان السبب في ذلك أن مصادر المؤرخين الإسلاميين، وبخاصة في تاريخ مصر وسورية والعراق فيما قبل الإسلام، إنما هي مصادر فارسية ويهودية في الدرجة الأولى، وهي مصادر لا يمكن أن توصف بأقل من أنها متحيزة لأصحابها، وأن الإخباريين إنما كانوا، في أغلب الأحايين، يتساهلون في نقل أخبارهم عن عصور ما قبل الإسلام بدرجة لافتة للنظر، بل إن الواحد منهم إنما كان ينقل الأخبار عن اليهود أو الفرس دونما تعقيب أو تعليق، وكأنها حقائق ترقى فوق مظان الشبهات، لكن ما يحدث هو غير ذلك تماما حين يتعلق الأمر بالمصادر اليونانية والرومانية([15]).

وفي موضعٍ آخر يقول مهران: «من ثم فإن المتصفح لما كتبه كبار المؤرخين الإسلامين، كالطبري، والمسعودي، والبلاذري، والدينوري، وابن الأثير، وابن خلدون وغيرهم، ليعجب للدقة والتحري الصحيح الذي عالجوا به تاريخ الإسلام، في معظم الأحايين، بقدر ما يأسف على الإهمال والخلط، الذي صحب كتاباتهم عن عصور ما قبل الإسلام»([16]).

وفي تحليلهِ لهذا التوجه لدى الإخباريين يرى مهران أن التفسير التقليدي لإهمال التاريخ العربي القديم وعدم تدوينه، هو أن الإسلام قد اتجه إلى استئصال كل ما يمت إلى الوثنية في بلاد العرب بصلة، اعتماداً على الحديث الشريف: «الإسلام يهدم ما قبله»، ومن ثم فقد انصرف العلماء عن الدراسات المتصلة بالجاهلية، ما أدى آخر الأمر إلى ضياع كثير من أخبارها، وبالتالي نسيانها، وإلى ابتداء التاريخ عند المسلمين بعام الفيل. ثم يضيف: «وإني لأظن، وليس كل الظن إثماً، أن أصحاب هذا الرأي قد جانبهم الصواب إلى حد كبير، فالحديث الشريف إنما كان ردّاً على أسئلة بعض الصحابة، رضوان الله عليهم، عن ما ارتكبوه في جاهليتهم، من ما لا يتفق وشرائع الإسلام، أو بالأحرى كان ردّاً على عمرو بن العاص، حين اشترط قبل مبايعته سيدنا ومولانا رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، أن يغفر له، فقال الحبيب المصطفى، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله»([17]).

في ضوء ذلك، يرى توفيق برو أن «الرجوع إلى الآثار المكتشفة، على قلَّتِها، في التأريخ للعرب الجنوبيين([18]) أجدى من الاستناد إلى ما كتبه مؤرخو العرب المسلمون؛ لأن ما ذكره هؤلاء عن هذه الحقبة لا يعدو كونه مقدمة موجزة لتواريخهم المـفصلة عن العصر الإسلامي»([19]).

ويشير برو إلى أن «ما كتبوه عن عهد ما قبل الإسلام بأجمعه بعيدٌ عن الروح العلمية، لا بل يغلب عليه العنصر القصصي المنقول عن السماع، والمليء بالأساطير. وقد بلغ بُعْدُه عن الدقة أن أسماء الدول والملوك والحوادث التي أوردوها قد جاء فيها كثير من الخلط، فضلا عن التناقض والخلاف بين ما كتبه مؤرخ وآخر».

وفي وقتٍ تناقل فيه الإخباريون سيرة الزباء المُنتقمة، وإن اختلفوا في أصلها وفصلها، وحربها مع جذيمة الأبرش، مقدمين حكاية شيقة تكثر فيها المعارك والأمثال، فإنهم أهملوا في المقابل سيرة ملكة تدمر زنوبيا، والتي تمثل ملحمة تاريخية كانت بحاجة لمتابعة بحجمها.

صفحة 10

«زنوبيا».. ليست مجرد زباء!

لا شك أن تلك المرأة القوية (زنوبيا) واحدة من الشخصيات المهمة في تاريخ الشرق الأدنى القديم. ويصفها المؤرخون بأنها امرأة قوية الشخصية، قوية البنية، شجاعة، جميلة، ذات هيبة ووقار، كانت تستوي في الجمال مع كيلوبترا، وإن فاقتها عفة وطهارة، وجرأة وشجاعة، كانت من ألطف بنات جنسها، وأكثرهنّ بطولة، كانت سمراء الوجه، ذات أسنان ناصعة البياض كاللؤلؤ، تفيض عيناها السوداوان حيوية غير عادية، مع رقة جذابة إلى أبعد حد، كان صوتها قويا مطربا، وكانت سيرتها أقرب إلى سِيَر الأبطال منها إلى سِيَر النساء، فلم تكن تركب في الأسفار غير الخيل، وقد سارت على قدميها في بعض المرات أميالاً على رأس الجيش، وكانت تلبس في المناسبات الرسمية ثوباً من الأرجوان موشّىً بالجواهر، مشدوداً عند الخصر، وإذا ما استعرضت جيشها في الميادين العامة تمر أمام الصفوف فوق جوادها، وعليها لباس الحرب، وفوق رأسها الخوذة الرومانية، تاركة إحدى ذراعيها عاريا حتى الكتف، كما يفعل المحاربون من اليونان القدامى، تحرِّض جندها على الصبر في القتال، والشجاعة عند لقاء العدو، فإذا ما كان عندها فراغ من وقت، قضته، كما كان يفعل أذينة، في صيد وحوش الصحراء الكاسرة، كالأسد والدب والنمر.

د. محمد بيومي مهران

(دراسات في التاريخ العربي القديم)

«يا قلوديوس أغسطس نجنا من فكتوريا ومن زنوبيا، يا قلوديوس أغسطس أغثنا من التدمريين».

صرخات الاستنجاد هذه التي أطلقها أحد أعضاء مجلس الشيوخ في روما أثناء تنصيب القيصر الجديد لم يكن القصد منها الزباء صاحبة الأبرش، كما عرفها بعض الإخباريين، وإنما قصد بها زنوبيا الملكة.

وعلى الرغم من أن الملكة زنوبيا والزباء المنتقمة، تحمل كل منهما صفات التحدي، والمخاطرة، واستخدام التكتيكات الذكية في الحرب للنيل من العدو، إلا أن زنوبيا لم تكن هي الزباء بأي حال من الأحوال. بيدَ أن هنالك فارقاً من جملة الفوارق يثير الجدل؛ ففي وقتٍ تُجمِعُ فيه الإخباريات العربية القديمة على انتحار الزباء، عملاً بمقولتها التي ذهبت مثلاً «بيدي لا بيدِ عمرو»، فإن مصير زنوبيا مثار جدلٍ، ويحتاج إلى تمحيصٍ وتدقيق، وهذا ما سوفَ نعمل عليه.

نُقطتا تحوِّلٍ مرّتا على مملكة تدمر؛ الأولى تمثلت بمقتل أذينة أو اغتياله، إذ يقال إنه كان يحضر لاستقلال حكمه عن الرومان، وثمة من يتهم التدمريين باغتيالهِ لأنه كان كثير التقرب من روما! وهنالك من شكك بزنوبيا ابنته. ونقطة التحول الثانية هي «الانقلاب الذي وقع في مملكة الفرث (الفرس)، وكان له أثرٌ كبير، إذ استأنف الملك أردشير بن بابك بن ساسان الحرب على الرومان([20]).

وقد وظف أذينة هذه الحروب لصالح مملكته، وحين تقلدت زنوبيا زمام الحكم «اتبعت سياسة عربية تعتمد على التقرب من الأعراب، والتودد إليهم والاعتماد عليهم في القتال والحروب. وذلك بعد أن رأت أن الرومان هم أعداء تدمر، وأنهم لا يفكرون إلا في مصالحهم الخاصة. وبهذه السياسة تقربت أيضا إلى العناصر العربية المستوطنة في المدن، وأخذت تعمل على تكوين دولة عربية قوية واحدة بزعامتها، خاصة بعد أن أدركت أن الأعراب قوة لا يستهان بها، وأنهم لو نُظِّموا واستُغِلُّوا استغلالا جيدا، صاروا قوة يُحسب لها كل حساب، فأخذت تعمل لتكوين هذه القوة»([21]).

حققت زنوبيا انتصارات كبيرة وزحفت بجيوشها على الجوار الإقليمي، فدخلت مصر وهزمت الرومان، ثم صدَّت هجوما مرتدّاً عن أرضها، وقد «ساعد عرب مصر من سكان الأقسام الشرقية جيشَ تدمر مساعدة كبيرة»([22]) في مواجهة الروم، وحرّض الزعماء المصريون، وعلى رأسهم تيماجنيس وفرموس، زنوبيا على فتح مصر، بل وقدموا لها العون المادي على هذا الفتح([23]).

وهكذا تحرك زبدا قائد جيش زنوبيا، على رأس حملة، قوامها سبعون ألف رجل إلى مصر، وهناك دارت معركة رهيبة بين الفريقين، انتهت بنصر مبين لجيش زنوبيا، وهزيمة ساحقة لجيوش الرومان، وضمّ مصر إلى دولة تدمر، و«لكن ما إن يمضي حين من الدهر، حتى يعود زبدا بجيشه إلى تدمر، تاركا الأمور بيد (تيماجنيس) مع فرقة صغيرة لا يتجاوز عددها خمسة آلاف جندي، وفي الوقت نفسه كان (بروبوس) قد علم بما حدث، فأسرع عائدا إلى مصر، وأخذ يتعقب الجنود التدمريين، ويطاردهم في كل مكان، وتعلم زنوبيا بالتطورات الجديدة، فتأمر زبدا بالعودة إلى مصر، حيث يشتبك الرومان والتدمريون في معارك ضارية، يلعب فيها عرب مصر من سكان المناطق الشرقية، فضلاً عن تيماجنيس، وهو مصري على رأي، وعربي متمصِّر على رأي آخر، أخطر الأدوار إلى جانب التدمريين، خاصة في المعارك التي دارت حول حصن بابليون»([24]).

وحول نهايتها يقول توفيق برو: «ولم ترَ زنوبيا في النهاية، وبعد أن استبدَّ بها اليأس، إلا أن تفرَّ إلى الصحراء في محاولة منها للالتجاء إلى الفرس، لكن أورليان تمكن من أسرها عند ضفاف الفرات، واقتادها معه إلى روما، فقضت بقية أيام حياتها منسية في العاصمة الرومانية، ولم يعاقب الإمبراطور بالقتل سوى كبار قوادها ومستشاريها بعد محاكمة أُجريت لهم في حمص»([25]).

ويتابع برو: «أما تدمر فقد وضع عليها حاكماً رومانيّاً، وفرض عليها غرامة كبيرة، فلم تلبث بعدئذ أن أعلنت على الحكم الروماني ثورةً قضت فيها على الحامية الرومانية، فكان على أورليان أن يعود أدراجه إليها ليخمدها، وقد استباح تدمر لجنوده ودمرها، وأعمل السيف في رقاب أهلها. وهناك رسالة لأورليان نفسه يعترف فيها بأن الإعدام الرهيب لم يقتصر على المتمردين المسلحين، بل تعداه إلى الشيوخ والنساء والأطفال والفلاحين. وقد سببت هذه الأعمال ضعف تدمر وانحطاط شأنها، ولم يسمع لها خبر حتى الفتح الإسلامي».

ثمة خلاف حول نهاية زنوبيا، فهنالك من يقول إنها أُخذت أسيرةً إلى روما مصفَّدةً، وقد عُرضت على الجمهور للفرجة، بيدَ أن هنالك من قال إنها ماتت في قصرٍ مهجور، في حين أُخذت بناتها سبايا لأشراف الرومان!!.. والكلام على ذمة الرواة.. وهنالك من يقول إنها انتحرت بالسم، وهو الرأي الأقرب لواقعها، في حين يرى بعض الباحثين أنها أضربت عن الطعام حتى ماتت في روما. وهنالك رواية تقول إن القيصر عرض على الزباء التسليم بشروط معتدلة، إلا أن الملكة العربية ترفض العرض بإباء وشمم، مذكرة إياه بأنها تفضل ما فعلته كيلوبترا على عار الاستسلام له، وأنها سوف تلقنه درسا قاسيا على جرأته على الكتابة إليها([26]).

القول الأقرب إلى واقع زنوبيا أنها انتحرت بالسم لأسباب عدة، منها أن ملكة تدمر كانت على الدوام تفخر بنسبها إلى الملكة كيلوبترا من جهة الأم، وهذه الملكة ماتت بتجرع السم، كما أن شخصية زنوبيا العسكرية الصارمة، التي كانت تشاركُ جيشها في الحرب ضد العدو، لا تتوافق مع فرضية الاستسلام والرضوخ. ويرى بشار خليف أن زنوبيا أسرت ولكن الذي حصل فيما بعد إمّا أنها أضربت عن الطعام حتى الموت أو تجرّعت السم وهي في طريقها إلى روما([27]).

لا ينتهي الجدل حول زنوبيا، فقد اختلف الدارسون حول ديانتها؛ ومن أعجب الآراء تلك التي تقول إنها تهَوَّدَتْ، وأن الذي هَوَّدَها هو الأسقف «بولس السميساطي». بيدَ أن محمد بيومي مهران يرد قائلاً: «لست أدري كيف يُهوِّدُ أُسقفٌ مسيحي الزباء، أما كان الأولى أن يُنَصِّرَها؟ ومن ثم فإن التحيز، فضلا عن الاضطراب، في هذه الرواية، لا يحتاج إلى إثبات، وربما كان السبب أن هذا الأسقف المسيحي قد أبدى رأيه في «الثالوث» بما لا يتفق وآراء الكنيسة وقت ذاك، ومن ثم فقد حُكم عليه في أنطاكية عام 269م بالعزل من الأسقفية، وعلى أي حال، فهناك الكثير من الشواهد التي تدل على أن اليهود إنما كانوا ناقمين على الملكة وعلى الدولة كذلك، ربما بسبب حروب أذينة ضد الفرس؛ ذلك لأن الزواج المختلط إنما نتج عنه جيل جديد أضاع الدين والتقاليد الإسرائيلية، وأن الحروب ضد الفرس قد ألحقت ضررا كبيرا بالجاليات اليهودية التي كانت تسكن شواطئ الفرات، ومعظمها من التجار الذين كانوا يتاجرون مع الفرس والروم، وبين العراق والشام»([28]).

في المقابل ثمة من قال إن زنوبيا كانت نصرانية، إذ «حرص فريق آخر على أن يجعل الزباء([29]) نصرانية، وإن ذهب فريق ثالث إلى أنها إنما كانت مُحِبَّة للنصارى، ولكنها لم تكن نصرانية، بينما اتجه فريق رابع إلى أن المرأة لم تكن يهودية ولا نصرانية، وإنما كانت بين بين، كانت تعتقد بوجود الله، سبحانه وتعالى، وترى التوحيد كما يراه الفلاسفة، وليس كما تصوره ديانة الكليم أو المسيح عليهما السلام»([30]).