صفحة 1
القسم الأول : في النظرية
ماركس والدولةالنظرية الناقصة؟
مهدي، يا صديقي إليك أهدي هذه الأوراق
هل هناك نظرية مكتملة عند ماركس عن الدولة؟ أعلم بيقين تام أن مجرد التفكير في طرح السؤال عن وجود نظرية محددة عن الدولة (لدى ماركس، أو انجلز، أو لينين) سيكون له وقع جارح، بل ربما يؤخذ بمنزلة الهرطقة.
فالدولة، عند ماركس، نقطة المبتدى ونقطة المنتهى. فانتصار نمط الإنتاج الرأسمالي، أو التشكيلة الرأسمالية التي كرس ماركس فكره لدراستها وتحليلها، يبدأ بالظفر السياسي للطبقة الرأسمالية، مثلما أن نهاية التشكيلة الرأسمالية، التي استشرف ماركس قربها الوشيك، يبدأ بتدمير الدولة الرأسمالية بالثورة الاجتماعية. لهذا السبب قلت إن الدولة هي نقطة المبتدى ونقطة المنتهى، مع كامل إدراكي أن الدولة، عند ماركس، متغير تابع، أي أنها ليست قائمة بذاتها، ولا تفسر بذاتها. بل هي نتاج التطور العضوي للرأسمالية، أنها جزء من البنية الفوقية للمجتمع، حسب تحليله.
أهمية الدولة في نظر ماركس، تكمن في أنها تمثل المنتوج النهائي للرأسمالية، إن جاز التعبير، أداة استمرارها، تنظيمها الأسمى، قوتها العاتية، ومعلم وجودها.
كما تنبع أهمية الدولة من كونها أيضاً أداة لتنظيم المجتمع الجديد، ووسيلة خلقه. أن ماركس هو منظّر التسييس بلا منازع، رغم الأهمية المركزية التي يضفيها على الاقتصاد، أي حركة نمط الإنتاج. ففي التحليل الأخير، ينبغي للطبقة العاملة أن تستولي على هذه الأداة، تحطمها، وتحل محلها أداة سياسية جديدة، كيما يتسنى إرساء الأساس لزوال المنظم الجديد (البروليتاريا) وأداته التنظيمية الجديدة (الدولة الاشتراكية)، أو اضمحلالها التدريجي.
الدولة، في تصور ماركس التاريخي تقف في نقطة النضج الحقيقي للرأسمالية، أي الظفر السياسي للطبقة الجديدة، مثلما تقف في نقطة انهيارها، وعليه فإن نمط الإنتاج الرأسمالي الناضج، مثلما رآه ماركس، يقف بين نقطتين سياسيتين: نشوء الدولة الرأسمالية من هنا، ودمارها من هناك. من هنا الأهمية الحاسمة لموضوع الدولة.
الواقع أن ماركس وضع منذ وقت مبكر، لبنات نقد وتحليل الدولة الحديثة. حسبنا في هذا الصدد الإشارة إلى: نقد فلسفة الدولة عند هيغل، ثم نقد فلسفة الحق عند هيغل (انظر مثلاً الكتابات المبكرة)، أو تحليلاته في «الايديولوجيا الألمانية»، التي تتناول تاريخية الدولة، علاقتها بالمجتمع المدني، تفاعلها مع مالكي الثروة، بل مع شتى الطبقات، إلخ.
هذه الكتابات المبكرة تفصح عن نوايا ومشاريع تتناول الدولة الحديثة. إلا أنها، كما سنرى، بدايات مشاريع.
تحوّل مركز الثقل في أعمال ماركس من تحليل الدولة إلى تحليل «المجتمع المدني» (أي المجتمع الرأسمالي) بعد المخطوطات الاقتصادية ــ الفلسفية، إلا أنه لم يتخل عن إفراد مكانة أساسية لتحليل الدولة.
ولتبيان هذه الحقيقة حسبنا الالتفات إلى خطط ماركس في مشروعه لدراسة التشكيلة الرأسمالية، على خطط كتابة «رأس المال».
هناك ما لا يقل عن 14 خطة مختلفة صيغت بين أيلول 1857 ونيسان 1868 حسب قول روسدولسكي (انظر المراجع).
الخطة الأصلية تتوخى تقسيم دراسة التشكيلة الرأسمالية كنظام عالمي (لا كدولة قومية محددة) إلى ستة مجلدات يتناول كل مجلد حقلاً محدداً على النحو التالي:
1 ــ رأس المال
2 ــ الملكية العقارية
3 ــ العمل المأجور
4 ــ الدولة
5 ــ التجارة الدولية
6 ــ السوق العالمية.
تعرضت هذه الخطة الأصلية، القديمة نسبياً، إلى التعديل. فمثلاً إنّ العمل المأجور صار فصلاً من فصول الجزء الأول من رأس المال، مثلما أن الملكية العقارية بُحثت بحثاً مستفيضاً في الجزء الثالث منه. واندمجت البنود 1 و2 و3 فيما يُعرف الآن بالمجلدات الثلاثة لرأس المال(1).
هذا التعديل اختزل التقسيم السداسي إلى تقسيم رباعي على النحو التالي:
ماركس والدولةالنظرية الناقصة؟
مهدي، يا صديقي إليك أهدي هذه الأوراق
هل هناك نظرية مكتملة عند ماركس عن الدولة؟ أعلم بيقين تام أن مجرد التفكير في طرح السؤال عن وجود نظرية محددة عن الدولة (لدى ماركس، أو انجلز، أو لينين) سيكون له وقع جارح، بل ربما يؤخذ بمنزلة الهرطقة.
فالدولة، عند ماركس، نقطة المبتدى ونقطة المنتهى. فانتصار نمط الإنتاج الرأسمالي، أو التشكيلة الرأسمالية التي كرس ماركس فكره لدراستها وتحليلها، يبدأ بالظفر السياسي للطبقة الرأسمالية، مثلما أن نهاية التشكيلة الرأسمالية، التي استشرف ماركس قربها الوشيك، يبدأ بتدمير الدولة الرأسمالية بالثورة الاجتماعية. لهذا السبب قلت إن الدولة هي نقطة المبتدى ونقطة المنتهى، مع كامل إدراكي أن الدولة، عند ماركس، متغير تابع، أي أنها ليست قائمة بذاتها، ولا تفسر بذاتها. بل هي نتاج التطور العضوي للرأسمالية، أنها جزء من البنية الفوقية للمجتمع، حسب تحليله.
أهمية الدولة في نظر ماركس، تكمن في أنها تمثل المنتوج النهائي للرأسمالية، إن جاز التعبير، أداة استمرارها، تنظيمها الأسمى، قوتها العاتية، ومعلم وجودها.
كما تنبع أهمية الدولة من كونها أيضاً أداة لتنظيم المجتمع الجديد، ووسيلة خلقه. أن ماركس هو منظّر التسييس بلا منازع، رغم الأهمية المركزية التي يضفيها على الاقتصاد، أي حركة نمط الإنتاج. ففي التحليل الأخير، ينبغي للطبقة العاملة أن تستولي على هذه الأداة، تحطمها، وتحل محلها أداة سياسية جديدة، كيما يتسنى إرساء الأساس لزوال المنظم الجديد (البروليتاريا) وأداته التنظيمية الجديدة (الدولة الاشتراكية)، أو اضمحلالها التدريجي.
الدولة، في تصور ماركس التاريخي تقف في نقطة النضج الحقيقي للرأسمالية، أي الظفر السياسي للطبقة الجديدة، مثلما تقف في نقطة انهيارها، وعليه فإن نمط الإنتاج الرأسمالي الناضج، مثلما رآه ماركس، يقف بين نقطتين سياسيتين: نشوء الدولة الرأسمالية من هنا، ودمارها من هناك. من هنا الأهمية الحاسمة لموضوع الدولة.
الواقع أن ماركس وضع منذ وقت مبكر، لبنات نقد وتحليل الدولة الحديثة. حسبنا في هذا الصدد الإشارة إلى: نقد فلسفة الدولة عند هيغل، ثم نقد فلسفة الحق عند هيغل (انظر مثلاً الكتابات المبكرة)، أو تحليلاته في «الايديولوجيا الألمانية»، التي تتناول تاريخية الدولة، علاقتها بالمجتمع المدني، تفاعلها مع مالكي الثروة، بل مع شتى الطبقات، إلخ.
هذه الكتابات المبكرة تفصح عن نوايا ومشاريع تتناول الدولة الحديثة. إلا أنها، كما سنرى، بدايات مشاريع.
تحوّل مركز الثقل في أعمال ماركس من تحليل الدولة إلى تحليل «المجتمع المدني» (أي المجتمع الرأسمالي) بعد المخطوطات الاقتصادية ــ الفلسفية، إلا أنه لم يتخل عن إفراد مكانة أساسية لتحليل الدولة.
ولتبيان هذه الحقيقة حسبنا الالتفات إلى خطط ماركس في مشروعه لدراسة التشكيلة الرأسمالية، على خطط كتابة «رأس المال».
هناك ما لا يقل عن 14 خطة مختلفة صيغت بين أيلول 1857 ونيسان 1868 حسب قول روسدولسكي (انظر المراجع).
الخطة الأصلية تتوخى تقسيم دراسة التشكيلة الرأسمالية كنظام عالمي (لا كدولة قومية محددة) إلى ستة مجلدات يتناول كل مجلد حقلاً محدداً على النحو التالي:
1 ــ رأس المال
2 ــ الملكية العقارية
3 ــ العمل المأجور
4 ــ الدولة
5 ــ التجارة الدولية
6 ــ السوق العالمية.
تعرضت هذه الخطة الأصلية، القديمة نسبياً، إلى التعديل. فمثلاً إنّ العمل المأجور صار فصلاً من فصول الجزء الأول من رأس المال، مثلما أن الملكية العقارية بُحثت بحثاً مستفيضاً في الجزء الثالث منه. واندمجت البنود 1 و2 و3 فيما يُعرف الآن بالمجلدات الثلاثة لرأس المال(1).
هذا التعديل اختزل التقسيم السداسي إلى تقسيم رباعي على النحو التالي:
صفحة 2
1 ــ رأس المال
2 ــ الدولة.
3 ــ التجارة الدولية.
4 ــ السوق العالمية.
من الواضح وضوح النهار أن مارس لم يتمكن من تغطية المواضيع 2 و3 و4، لا في النصوص المنشورة لرأس المال، ولا في المخطوطات (2).
أعطى ماركس الأولوية في عمله التفصيلي لتحليل نمط الإنتاج بتلك الغزارة الأخاذة، وذلك التنقيب الدقيق، المتأني، المركّب، معتمداً على منهجية تجمع تقاليد المدرستين الألمانية والإنجليزية، منهجية هيغل التاريخية النزعة إلى البناءات الكبرى (أي ما يدعى بـــ grand narratives ، حسب تعبير ليونارد)، ومنهجية بيكون التجريبية، المتفحصة لحالات مفردة، جزئية، كمقدمة لأي تعميم.
ولا حاجة إلى القول أن هذا العمل الذي تواصل من عام 1843 حتى عام 1883 استغرق جلّ الحياة الواعية لماركس، واستنفد معظم جهده النظري. ومن الواضح أن هذا الاستنفاد أو الاستغراق يعكس أولويات منهجية، أولوية تحليل «المجتمع المدني» (أي الرأسمالي) كلحظة مقررة وحاسمة، من أجل فهم المجال الآخر السياسي والحقوقي، أو الدولة إن شئتم. إن الانتقال من لحظة المجتمع إلى لحظة الدولة لم يكن غائباً قط عن ذهن ماركس، إلا أن الانتقال من هذه إلى تلك لم يتحقق في مجال البحث النظري، مع أنه كان ملازماً لتفكيره.
لقد نشرت أعمال ماركس وإنجلز الكاملة (طبعة MEGA الألمانية) في 52 مجلداً، تشكل المؤلفات الاقتصادية منها 17 مجلداً، أما الباقي فموزع على مؤلفات الشباب، والمباحث الفلسفية والتاريخية والسياسية، والمراسلات، علاوة على المقالات الصحفية الظرفية. وخلال هذه المجلدات برمتها لن يجد المرء أيّ نص مكرس للدولة، باستثناء نقد فلسفة الحق ونقد فلسفة الدولة لدى هيغل (1843).
ويقع هذا النص في نحو 70 صفحة من القطع الصغير (حجم طبعات بنجوين Penguine الشعبية) أو نحو 45 صفحة من القطع الكبير (3). ويعود تاريخ كتابة هذا النص الهام إلى آذار ـــ آب 1843.
ها نحن أمام حساب بسيط: 45 صفحة من 52 مجلداً.
أشرنا إلى أن الاستغراق في تحليل «لحظة المجتمع» كان أولوية منهجية، منعت ماركس من الانتقال إلى «لحظة الدولة» ثم، بعد هذا المستوى الوسيط، إلى اللحظة الأشمل: السوق العالمي.
نرى في هذا النقص (خارج حدود الأولويات المنهجية) ذلك التضاد المؤسسي، المستحكم بين محدودية الكائن البشري، والامتداد اللانهائي لوقائع التطور البشري.
رغم أن ماركس لم يضع أو لم يتسن له أن يضع نظرية واضحة، مشغولة، مفصلة في الدولة، فإنه قدم حشداً كبيراً من التعليقات، والانتقادات، واللذعات الهجائية، والتصورات والوقائع عن الدولة، وبخاصة الدولة الرأسمالية كما تطورت أمام ناظريه.
ليست هناك من وسيلة بالطبع لتسويغ الافتراض أن هذه الملاحظات كانت جزءاً من نظرية مكتملة الملامح سوى أن فسحة الزمن (أو «أمنا الطبيعة» حسب قوله) لم تسنح لتدوينها. لقد ذهب ماركس في رقاده الأبدي، ولن يسعنا أن نعلم، إلا في افتراضات درامية جديرة بخيال روائي، إن كان هذا هو الحال حقاً. ولا يسعنا أن نعرف، بالطبع، إن كان ماركس سيحتفظ بملاحظاته وأحكامه المنشورة فيما لو تفرغ لدراسة الدولة بكامل الامتلاء الذي محضه لدراسة المجتمع الرأسمالي أم، كان سيعدلها في ضوء الوقائع التجريبية، أو السير الفعلي للتاريخ، الحكم الاول والأخير عنده. لكن ما نعلمه، جزماً، أن مثل هذه النظرية عن الدولة لم تكتب، والأبحاث الاولية عنها لم تكتمل.
أما تعليقات ماركس في كتاباته السياسية، وبخاصة ثلاثيته عن فرنسا (4) أو في نقد برنامج غوته، أو خطابه في اجتماع الأممية (لاهاي 1872)، أو رسائله، أو تعليقاته الكثيرة (لا يزيد التعليق أحياناً عن سطر أو سطرين)، فإنها، بمجموعها لا تشغل غير حيّز متناه في الصغر حقاً، حيّز ينبئ عن نوايا مقبلة.
2 ــ الدولة.
3 ــ التجارة الدولية.
4 ــ السوق العالمية.
من الواضح وضوح النهار أن مارس لم يتمكن من تغطية المواضيع 2 و3 و4، لا في النصوص المنشورة لرأس المال، ولا في المخطوطات (2).
أعطى ماركس الأولوية في عمله التفصيلي لتحليل نمط الإنتاج بتلك الغزارة الأخاذة، وذلك التنقيب الدقيق، المتأني، المركّب، معتمداً على منهجية تجمع تقاليد المدرستين الألمانية والإنجليزية، منهجية هيغل التاريخية النزعة إلى البناءات الكبرى (أي ما يدعى بـــ grand narratives ، حسب تعبير ليونارد)، ومنهجية بيكون التجريبية، المتفحصة لحالات مفردة، جزئية، كمقدمة لأي تعميم.
ولا حاجة إلى القول أن هذا العمل الذي تواصل من عام 1843 حتى عام 1883 استغرق جلّ الحياة الواعية لماركس، واستنفد معظم جهده النظري. ومن الواضح أن هذا الاستنفاد أو الاستغراق يعكس أولويات منهجية، أولوية تحليل «المجتمع المدني» (أي الرأسمالي) كلحظة مقررة وحاسمة، من أجل فهم المجال الآخر السياسي والحقوقي، أو الدولة إن شئتم. إن الانتقال من لحظة المجتمع إلى لحظة الدولة لم يكن غائباً قط عن ذهن ماركس، إلا أن الانتقال من هذه إلى تلك لم يتحقق في مجال البحث النظري، مع أنه كان ملازماً لتفكيره.
لقد نشرت أعمال ماركس وإنجلز الكاملة (طبعة MEGA الألمانية) في 52 مجلداً، تشكل المؤلفات الاقتصادية منها 17 مجلداً، أما الباقي فموزع على مؤلفات الشباب، والمباحث الفلسفية والتاريخية والسياسية، والمراسلات، علاوة على المقالات الصحفية الظرفية. وخلال هذه المجلدات برمتها لن يجد المرء أيّ نص مكرس للدولة، باستثناء نقد فلسفة الحق ونقد فلسفة الدولة لدى هيغل (1843).
ويقع هذا النص في نحو 70 صفحة من القطع الصغير (حجم طبعات بنجوين Penguine الشعبية) أو نحو 45 صفحة من القطع الكبير (3). ويعود تاريخ كتابة هذا النص الهام إلى آذار ـــ آب 1843.
ها نحن أمام حساب بسيط: 45 صفحة من 52 مجلداً.
أشرنا إلى أن الاستغراق في تحليل «لحظة المجتمع» كان أولوية منهجية، منعت ماركس من الانتقال إلى «لحظة الدولة» ثم، بعد هذا المستوى الوسيط، إلى اللحظة الأشمل: السوق العالمي.
نرى في هذا النقص (خارج حدود الأولويات المنهجية) ذلك التضاد المؤسسي، المستحكم بين محدودية الكائن البشري، والامتداد اللانهائي لوقائع التطور البشري.
رغم أن ماركس لم يضع أو لم يتسن له أن يضع نظرية واضحة، مشغولة، مفصلة في الدولة، فإنه قدم حشداً كبيراً من التعليقات، والانتقادات، واللذعات الهجائية، والتصورات والوقائع عن الدولة، وبخاصة الدولة الرأسمالية كما تطورت أمام ناظريه.
ليست هناك من وسيلة بالطبع لتسويغ الافتراض أن هذه الملاحظات كانت جزءاً من نظرية مكتملة الملامح سوى أن فسحة الزمن (أو «أمنا الطبيعة» حسب قوله) لم تسنح لتدوينها. لقد ذهب ماركس في رقاده الأبدي، ولن يسعنا أن نعلم، إلا في افتراضات درامية جديرة بخيال روائي، إن كان هذا هو الحال حقاً. ولا يسعنا أن نعرف، بالطبع، إن كان ماركس سيحتفظ بملاحظاته وأحكامه المنشورة فيما لو تفرغ لدراسة الدولة بكامل الامتلاء الذي محضه لدراسة المجتمع الرأسمالي أم، كان سيعدلها في ضوء الوقائع التجريبية، أو السير الفعلي للتاريخ، الحكم الاول والأخير عنده. لكن ما نعلمه، جزماً، أن مثل هذه النظرية عن الدولة لم تكتب، والأبحاث الاولية عنها لم تكتمل.
أما تعليقات ماركس في كتاباته السياسية، وبخاصة ثلاثيته عن فرنسا (4) أو في نقد برنامج غوته، أو خطابه في اجتماع الأممية (لاهاي 1872)، أو رسائله، أو تعليقاته الكثيرة (لا يزيد التعليق أحياناً عن سطر أو سطرين)، فإنها، بمجموعها لا تشغل غير حيّز متناه في الصغر حقاً، حيّز ينبئ عن نوايا مقبلة.
صفحة 3
ماركس والدولة: حقول الملاحظات
يلاحظ عدد من المفكرين الماركسيين المعاصرين، (ميليباند، هيرست، كارنوي وآخرون) أن ماركس خلّف لنا تراثاً عن الدولة لا يزيد عن «مجموعة غير منظمة» من التحليلات السياسية والفكرية، رغم أن نقد مفهوم الدولة الهيغلي (كما سنرى) شكل نقطة انطلاقه في دراسة الدولة كما في الفكاك من أسر هذا الفكر الهيغلي نفسه.
ويمكن، ابتغاء التبسيط، أن نقسم ملاحظات ماركس زمنياً إلى ثلاث مراحل:
1 ــ المرحلة الأولى هي مرحلة بداية النقد الهيغلي. النص الأساسي لهذه المرحلة هو: نقد فلسفة الحق عند هيغل، ونقد فلسفة الدولة. في هذه المرحلة تدور تحليلات ماركس في إطار فلسفي ــ تاريخي يمكن إيجازه في حقلين: الحقل الأول هو اشتقاق الدولة من المجتمع المدني، لا من الفكرة المطلقة. والحقل الثاني هو نقد انفصال المجتمع السياسي (الدولة) عن المجتمع المدني. وهما حقلان سيندمجان في ملاحظاته وتحليلاته اللاحقة عن الدولة. في هذه المرحلة يقع ماركس تحت تأثير فيورباخ الحاسم.
2 ــ المرحلة الثانية هي مرحلة تصفية الحساب مع الوعي الهيغلي ــ الفيورباخي، وعرض التصور المادي الجديد للتاريخ.
المرجع الأساسي لهذه المرحلة هو: «الايديولوجيا الألمانية» (1845 ــ 1846). ومن المفيد تبويب وفرز ملاحظات ماركس عن الدولة في هذا المؤلف، وهي أغنى مرجع مبكر من حيث كمية الملاحظات ونوعيتها.
نجد في «الايديولوجيا الألمانية» جمهرة ملاحظات وتحليلات عن الدولة موزعة في الشكل التالي:
هذه التعليقات والتحليلات والإشارات (بعضها فقرة اضافية وبعضها بضعة أسطر وإن تكن مرتبطة بسياق أوسع) تتمحور في أربعة حقول:
1 ــ الفقرات من 1 ــ 4 تتعلق بالدولة كأداة للسيطرة الطبقية بيد «البرجوازية».
2 ــ الفقرات 5 ــ 7 تتعلق بتاريخية الدولة ونشأتها في الحقبة الاقطاعية.
3 ــ الفقرة رقم (8) تتصل بالعلاقة بين الدولة والمجتمع ككل.
يلاحظ عدد من المفكرين الماركسيين المعاصرين، (ميليباند، هيرست، كارنوي وآخرون) أن ماركس خلّف لنا تراثاً عن الدولة لا يزيد عن «مجموعة غير منظمة» من التحليلات السياسية والفكرية، رغم أن نقد مفهوم الدولة الهيغلي (كما سنرى) شكل نقطة انطلاقه في دراسة الدولة كما في الفكاك من أسر هذا الفكر الهيغلي نفسه.
ويمكن، ابتغاء التبسيط، أن نقسم ملاحظات ماركس زمنياً إلى ثلاث مراحل:
1 ــ المرحلة الأولى هي مرحلة بداية النقد الهيغلي. النص الأساسي لهذه المرحلة هو: نقد فلسفة الحق عند هيغل، ونقد فلسفة الدولة. في هذه المرحلة تدور تحليلات ماركس في إطار فلسفي ــ تاريخي يمكن إيجازه في حقلين: الحقل الأول هو اشتقاق الدولة من المجتمع المدني، لا من الفكرة المطلقة. والحقل الثاني هو نقد انفصال المجتمع السياسي (الدولة) عن المجتمع المدني. وهما حقلان سيندمجان في ملاحظاته وتحليلاته اللاحقة عن الدولة. في هذه المرحلة يقع ماركس تحت تأثير فيورباخ الحاسم.
2 ــ المرحلة الثانية هي مرحلة تصفية الحساب مع الوعي الهيغلي ــ الفيورباخي، وعرض التصور المادي الجديد للتاريخ.
المرجع الأساسي لهذه المرحلة هو: «الايديولوجيا الألمانية» (1845 ــ 1846). ومن المفيد تبويب وفرز ملاحظات ماركس عن الدولة في هذا المؤلف، وهي أغنى مرجع مبكر من حيث كمية الملاحظات ونوعيتها.
نجد في «الايديولوجيا الألمانية» جمهرة ملاحظات وتحليلات عن الدولة موزعة في الشكل التالي:
هذه التعليقات والتحليلات والإشارات (بعضها فقرة اضافية وبعضها بضعة أسطر وإن تكن مرتبطة بسياق أوسع) تتمحور في أربعة حقول:
1 ــ الفقرات من 1 ــ 4 تتعلق بالدولة كأداة للسيطرة الطبقية بيد «البرجوازية».
2 ــ الفقرات 5 ــ 7 تتعلق بتاريخية الدولة ونشأتها في الحقبة الاقطاعية.
3 ــ الفقرة رقم (8) تتصل بالعلاقة بين الدولة والمجتمع ككل.
صفحة 4
4 ــ الفقرتان 9 و10 تتركزان على النقد الفلسفي لمدرسة الهيغليين الشباب.
نحن بإزاء أربعة حقول، يتميز الرابع منها بسجال ظرفي، سجال مع المدرسة الهيغلية يخدم في تأسيس التمايز الفكري عنها، وستضمحل أهميته لاحقاً، بعد هجرة ماركس إلى فرنسا وبلجيكا فإنجلترا، حيث سيواجه ظروفاً جديدة.
3 ـــ المرحلة الثالثة ــ تغطي الفترة الثانية من نشاط ماركس، التي توصف عادة بالمرحلة الناضجة. في هذه المرحلة ينتقل ماركس من التركيز على السياسة إلى التركيز على المجتمع، ومن الفلسفة الى الاقتصاد السياسي. إنّ عملية العبور تبدأ بوادرها مع «العائلة المقدسة» و«الايديولوجيا الألمانية»، و«المخطوطات الاقتصادية ـــ الفلسفية». نقطة التحول تبرز، بلا مراء في «البيان الشيوعي»، ثم، تتوطد في «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي»، الاستهلال الكبير «لرأس المال».
في هذه المرحلة يبلور ماركس مفهومه للطبقة، كفاعل سياسي، وللسياسة كمظهر أو تجل للمصالح الطبقية، من هنا ضرورة تسييس الطبقة العاملة عنده، تنظيمها في حزب خاص لتمثل مصالحها الخاصة، من جانب، وليحلّل من جانب آخر الأزمات الدورية للرأسمالية (على أساس مثال إنجلترا) كمقدمة للانهيار التاريخي.
تبرز في هذه الفترة كوكبة من المفاهيم الجديدة. القاعدة والبناء الفوقي، الطبقات ككليات فاعلة، تناحر الطبقات، القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، التضاد المستحكم بين الاثنين، الازمات الدورية للرأسمالية، الحتمية التاريخية لموت هذه التشكيلة، تنظيم البروليتاريا في طبقة مستقلة، الإعداد للانقلاب الثوري، إقامة دكتاتورية البروليتاريا، زوال الطبقات واضمحلال الدولة.
في إطار هذه الكوكبة من التصورات سيعيد ماركس صوغ تصوراته السابقة عن الدولة. إلا أن هذه التصورات لن تسقط بعض الاستنتاجات القديمة من المرحلة الهيغلية، لكنها ستغتني بوقائع التجربة التاريخية، الاوروبية.
تتوزع ملاحظات ماركس على ثلاثة حقول من المفاهيم الأساسية عن الدولة:
1 ــ الحقل الاول يقوم على مفهوم الدولة كأداة للهيمنة الطبقية والقمع الطبقي، أداة لضمان ملكية ومصالح الرأسمال ضد العمل، لجنة لتسيير شؤون البرجوازية، العنف المنظم للرأسمال من أجل اخضاع العمل. إنها نتاج التناحرات الطبقية للرأسمالية والقوة الناظمة لها.
إن هذا المفهوم المركزي يتفرع عن جملة من المفاهيم الثانوية، التابعة، منها نقد فكرة حياد الدولة، أو نقد تمثيلها للمصالح العامة، أو نقد التدابير الانتخابية، أو نقد فكرة المساواة الحقوقية ــ السياسية.
إن ماركس عدو الدولة اللدود، وداعية زوالها (5).
2 ــ الحقل الثاني يقوم على مفعهوم آخر، يرى أن الدولة كمؤسسة مستقلة عن المجتمع المدني، بل تصبح سيدة له، قوة مهيمنة عليه (6).
3 ــ الحقل الثالث يقوم على مفهوم جديد يؤكد تاريخية الدولة، أي يؤكد خصوصية كل دولة في التطور بفعل اختلاف الثقافات، والجماعات الإثنية، والعوامل التاريخية المختلفة (7).
إن الحقل الأول هو التصور المركزي الأساسي الذي بلوره إنجلز أولاً، في ضوء تحليله للتجربة الشارتية في إنجلترا. وقد تبناه ماركس ورسخه، كما أشرنا، في «الإيديولوجيا الألمانية» و«البيان الشيوعي» وفي «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي».
بيد أن تجربة فرنسا (18 برومير فالكومونة) قدمت لماركس معطيات جديدة أعادته إلى إحياء جانب من منطلقاته السابقة، أي الحديث عن استقلال الدولة عن المجتمع ككل بوصفها قوة مهيمنة عليه. كما أن التجربة العملية لحركات الطبقة العاملة قادته إلى التحول من النموذج الكلي (الدولة بعامة) إلى الحالات الجزئية (بريطانيا، فرنسا، هولندا، إلخ) مفسحاً المجال لرسم خط بياني خاص لتطور كل دولة على انفراد، مما يعني أن الدولة لم تعد تُشتق مباشرة من نمط الإنتاج. لم تعد الدولة (نموذج بونابرت) خاضعة لطبقة واحدة (أحياناً تخضع لفرد واحد)، كما لم تعد ثابتة البنية.
وبالطبع فإن هذه التمايزات في تشكّل الدولة تخضع لمنطق مشترك: إنها تجري في إطار التشكيلة الرأسمالية الأوروبية المعاصرة لماركس.
بناء عليه فإن الحقل المركزي (الأول) حقل نسبي تماماً، من حيث تعيين «جوهر» الدولة، وهو حقل نسبي أيضاً من حيث تعيين «بنية الدولة»، وهو نسبي كذلك من حيث اختزال الدولة إلى «نتاج» لنمط الإنتاج، أو اشتقاقها من هذا النمط وحده.
نحن بإزاء أربعة حقول، يتميز الرابع منها بسجال ظرفي، سجال مع المدرسة الهيغلية يخدم في تأسيس التمايز الفكري عنها، وستضمحل أهميته لاحقاً، بعد هجرة ماركس إلى فرنسا وبلجيكا فإنجلترا، حيث سيواجه ظروفاً جديدة.
3 ـــ المرحلة الثالثة ــ تغطي الفترة الثانية من نشاط ماركس، التي توصف عادة بالمرحلة الناضجة. في هذه المرحلة ينتقل ماركس من التركيز على السياسة إلى التركيز على المجتمع، ومن الفلسفة الى الاقتصاد السياسي. إنّ عملية العبور تبدأ بوادرها مع «العائلة المقدسة» و«الايديولوجيا الألمانية»، و«المخطوطات الاقتصادية ـــ الفلسفية». نقطة التحول تبرز، بلا مراء في «البيان الشيوعي»، ثم، تتوطد في «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي»، الاستهلال الكبير «لرأس المال».
في هذه المرحلة يبلور ماركس مفهومه للطبقة، كفاعل سياسي، وللسياسة كمظهر أو تجل للمصالح الطبقية، من هنا ضرورة تسييس الطبقة العاملة عنده، تنظيمها في حزب خاص لتمثل مصالحها الخاصة، من جانب، وليحلّل من جانب آخر الأزمات الدورية للرأسمالية (على أساس مثال إنجلترا) كمقدمة للانهيار التاريخي.
تبرز في هذه الفترة كوكبة من المفاهيم الجديدة. القاعدة والبناء الفوقي، الطبقات ككليات فاعلة، تناحر الطبقات، القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، التضاد المستحكم بين الاثنين، الازمات الدورية للرأسمالية، الحتمية التاريخية لموت هذه التشكيلة، تنظيم البروليتاريا في طبقة مستقلة، الإعداد للانقلاب الثوري، إقامة دكتاتورية البروليتاريا، زوال الطبقات واضمحلال الدولة.
في إطار هذه الكوكبة من التصورات سيعيد ماركس صوغ تصوراته السابقة عن الدولة. إلا أن هذه التصورات لن تسقط بعض الاستنتاجات القديمة من المرحلة الهيغلية، لكنها ستغتني بوقائع التجربة التاريخية، الاوروبية.
تتوزع ملاحظات ماركس على ثلاثة حقول من المفاهيم الأساسية عن الدولة:
1 ــ الحقل الاول يقوم على مفهوم الدولة كأداة للهيمنة الطبقية والقمع الطبقي، أداة لضمان ملكية ومصالح الرأسمال ضد العمل، لجنة لتسيير شؤون البرجوازية، العنف المنظم للرأسمال من أجل اخضاع العمل. إنها نتاج التناحرات الطبقية للرأسمالية والقوة الناظمة لها.
إن هذا المفهوم المركزي يتفرع عن جملة من المفاهيم الثانوية، التابعة، منها نقد فكرة حياد الدولة، أو نقد تمثيلها للمصالح العامة، أو نقد التدابير الانتخابية، أو نقد فكرة المساواة الحقوقية ــ السياسية.
إن ماركس عدو الدولة اللدود، وداعية زوالها (5).
2 ــ الحقل الثاني يقوم على مفعهوم آخر، يرى أن الدولة كمؤسسة مستقلة عن المجتمع المدني، بل تصبح سيدة له، قوة مهيمنة عليه (6).
3 ــ الحقل الثالث يقوم على مفهوم جديد يؤكد تاريخية الدولة، أي يؤكد خصوصية كل دولة في التطور بفعل اختلاف الثقافات، والجماعات الإثنية، والعوامل التاريخية المختلفة (7).
إن الحقل الأول هو التصور المركزي الأساسي الذي بلوره إنجلز أولاً، في ضوء تحليله للتجربة الشارتية في إنجلترا. وقد تبناه ماركس ورسخه، كما أشرنا، في «الإيديولوجيا الألمانية» و«البيان الشيوعي» وفي «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي».
بيد أن تجربة فرنسا (18 برومير فالكومونة) قدمت لماركس معطيات جديدة أعادته إلى إحياء جانب من منطلقاته السابقة، أي الحديث عن استقلال الدولة عن المجتمع ككل بوصفها قوة مهيمنة عليه. كما أن التجربة العملية لحركات الطبقة العاملة قادته إلى التحول من النموذج الكلي (الدولة بعامة) إلى الحالات الجزئية (بريطانيا، فرنسا، هولندا، إلخ) مفسحاً المجال لرسم خط بياني خاص لتطور كل دولة على انفراد، مما يعني أن الدولة لم تعد تُشتق مباشرة من نمط الإنتاج. لم تعد الدولة (نموذج بونابرت) خاضعة لطبقة واحدة (أحياناً تخضع لفرد واحد)، كما لم تعد ثابتة البنية.
وبالطبع فإن هذه التمايزات في تشكّل الدولة تخضع لمنطق مشترك: إنها تجري في إطار التشكيلة الرأسمالية الأوروبية المعاصرة لماركس.
بناء عليه فإن الحقل المركزي (الأول) حقل نسبي تماماً، من حيث تعيين «جوهر» الدولة، وهو حقل نسبي أيضاً من حيث تعيين «بنية الدولة»، وهو نسبي كذلك من حيث اختزال الدولة إلى «نتاج» لنمط الإنتاج، أو اشتقاقها من هذا النمط وحده.
صفحة 5
ماركس ومونتسكيو
تعتمد تحليلات ماركس وملاحظاته على وقائع تجريبية ملموسة، فهذا هو صلب وأساس منهجه في البحث. حسبنا التذكير بأن مراجع «رأس المال» ناهزت العشرة آلاف مرجع ووثيقة.
لكن هذه التحليلات لا تتميز في كونها ملاحظات غير منسقة في نظرية خاصة بالدولة، فحسب (كما أشرنا) بل أنها ذات محدودية أخرى، زمانية ومكانية.
لا ريب في أن ماركس درس دراسة مستفيضة تاريخ ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، بما في ذلك تطورها السياسي، وبوجه أدق تطور الدولة.
إن تعميماته وملاحظاته تعتمد أساساً على هذه البلدان. بتعبير آخر إنها تعتمد على جزء من التجربة الأوروبية المعاصرة لها.
وماركس نفسه يعترف، بتواضع العالم، أنّ دراساته عن الدولة محدودة تماماً. وهذا ما نراه في نقاشه مع الحركة العمالية في هولندا (مؤتمر الأممية في لاهاي 1872) حيث يؤكد أنه يجهل خصائص الدولة وتطورها في هذا البلد، ولا يستطيع أن يقرر إن كانت الثورة البروليتارية قابلة للتحقيق بوسائل الاقتراع العام (كما في إنجلترا) أم بوسائل العنف، كما يتوقع لها في بعض بلدان القارة (فرنسا أساساً).
الميزة الأخرى لتعميمات ماركس أنها محدودة من حيث الزمان أيضاً. فهي تتمحور بدرجة أساسية على القرن التاسع عشر.
مثل هذه المحدودية في رقعة المكان والزمان تجعل أي تعميم ناقصاً. فالاستدلال (induction) الفكري، أي استخلاص مفهوم عام من حالات فردية، لا يتحقق، كما رأى أرسطو، إلا بعد الفراغ من معاينة كل الحالات الفردية. ولربما لهذا السبب بالذات أدار أرسطو ظهره إلى الاستدلال (induction) باعتباره محالاً منطقياً. ولربما لهذا السبب بالذات أحيت الفلسفة الإنجليزية على يد فرنسيس بيكون، مبدأ الاستدلال المنطقي ارتباطاً بالنزعة التجريبية، أي دراسة الحالات الجزئية.
من المفيد هنا أن نقارن نماذج ماركس بنماذج مونتسكيو. مرد هذا الاختيار أن مونتسكيو هو أحد المنابع الأساسية لفكر هيغل السياسي الذي تعلق به ماركس، نقداً أو قبولاً، كما أن مونتسكيو هو خير مرجع كلاسيكي للنظم السياسية المقارنة.
يعتمد مونتسكيو في نظريته الحقوقية ــ السياسية (روح الشرائع) مقارنات تاريخية ــ حضارية ـــ جغرافية واسعة، مرنة، ومركّبة.
معروف أن منطلق مونتسكيو هو النظرة الحقوقية، أي دراسة القوانين.
إنه يرى، أي مونتسكيو، في القوانين أو الشرائع «عقل الإنسان» التي ستتحول إلى «العقل» أو «الفكرة» الهيغلية لاحقاً.
ونراه ينظم دراسة الحقوق من الأعلى إلى الأدنى. وهناك أولاً القانون الطبيعي (الناشئ عن تركيبنا ككائنات طبيعية)، (حق السلم، حق الاغتذاء، حق الوصال الجنسي).
هناك ثانياً القانون الوضعي، وهو يتمايز إلى حقول شتى: حق الأمم (العلاقات بين الدول) الحق السياسي العام (الحكمة البشرية التي تتأسس عليها كل المجتمعات) الحق السياسي الخاص المميز لكل مجتمع (علاقة الحاكم بالمحكوم) الحق المدني (علاقة مواطن بآخر، أي العلاقات الاجتماعية)، والحق المنزلي (الأسرة).
ولو قلبنا التسلسل لتشكلت عندنا السلسلة التالية: الأسرة، المجتمع المدني، المجتمع السياسي (الدولة)، النظام الدولي. وهو بنيان فلسفة الحق نفسه عند هيغل كما سنرى.
تعتمد تحليلات ماركس وملاحظاته على وقائع تجريبية ملموسة، فهذا هو صلب وأساس منهجه في البحث. حسبنا التذكير بأن مراجع «رأس المال» ناهزت العشرة آلاف مرجع ووثيقة.
لكن هذه التحليلات لا تتميز في كونها ملاحظات غير منسقة في نظرية خاصة بالدولة، فحسب (كما أشرنا) بل أنها ذات محدودية أخرى، زمانية ومكانية.
لا ريب في أن ماركس درس دراسة مستفيضة تاريخ ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، بما في ذلك تطورها السياسي، وبوجه أدق تطور الدولة.
إن تعميماته وملاحظاته تعتمد أساساً على هذه البلدان. بتعبير آخر إنها تعتمد على جزء من التجربة الأوروبية المعاصرة لها.
وماركس نفسه يعترف، بتواضع العالم، أنّ دراساته عن الدولة محدودة تماماً. وهذا ما نراه في نقاشه مع الحركة العمالية في هولندا (مؤتمر الأممية في لاهاي 1872) حيث يؤكد أنه يجهل خصائص الدولة وتطورها في هذا البلد، ولا يستطيع أن يقرر إن كانت الثورة البروليتارية قابلة للتحقيق بوسائل الاقتراع العام (كما في إنجلترا) أم بوسائل العنف، كما يتوقع لها في بعض بلدان القارة (فرنسا أساساً).
الميزة الأخرى لتعميمات ماركس أنها محدودة من حيث الزمان أيضاً. فهي تتمحور بدرجة أساسية على القرن التاسع عشر.
مثل هذه المحدودية في رقعة المكان والزمان تجعل أي تعميم ناقصاً. فالاستدلال (induction) الفكري، أي استخلاص مفهوم عام من حالات فردية، لا يتحقق، كما رأى أرسطو، إلا بعد الفراغ من معاينة كل الحالات الفردية. ولربما لهذا السبب بالذات أدار أرسطو ظهره إلى الاستدلال (induction) باعتباره محالاً منطقياً. ولربما لهذا السبب بالذات أحيت الفلسفة الإنجليزية على يد فرنسيس بيكون، مبدأ الاستدلال المنطقي ارتباطاً بالنزعة التجريبية، أي دراسة الحالات الجزئية.
من المفيد هنا أن نقارن نماذج ماركس بنماذج مونتسكيو. مرد هذا الاختيار أن مونتسكيو هو أحد المنابع الأساسية لفكر هيغل السياسي الذي تعلق به ماركس، نقداً أو قبولاً، كما أن مونتسكيو هو خير مرجع كلاسيكي للنظم السياسية المقارنة.
يعتمد مونتسكيو في نظريته الحقوقية ــ السياسية (روح الشرائع) مقارنات تاريخية ــ حضارية ـــ جغرافية واسعة، مرنة، ومركّبة.
معروف أن منطلق مونتسكيو هو النظرة الحقوقية، أي دراسة القوانين.
إنه يرى، أي مونتسكيو، في القوانين أو الشرائع «عقل الإنسان» التي ستتحول إلى «العقل» أو «الفكرة» الهيغلية لاحقاً.
ونراه ينظم دراسة الحقوق من الأعلى إلى الأدنى. وهناك أولاً القانون الطبيعي (الناشئ عن تركيبنا ككائنات طبيعية)، (حق السلم، حق الاغتذاء، حق الوصال الجنسي).
هناك ثانياً القانون الوضعي، وهو يتمايز إلى حقول شتى: حق الأمم (العلاقات بين الدول) الحق السياسي العام (الحكمة البشرية التي تتأسس عليها كل المجتمعات) الحق السياسي الخاص المميز لكل مجتمع (علاقة الحاكم بالمحكوم) الحق المدني (علاقة مواطن بآخر، أي العلاقات الاجتماعية)، والحق المنزلي (الأسرة).
ولو قلبنا التسلسل لتشكلت عندنا السلسلة التالية: الأسرة، المجتمع المدني، المجتمع السياسي (الدولة)، النظام الدولي. وهو بنيان فلسفة الحق نفسه عند هيغل كما سنرى.
صفحة 6
بعد تحديده لمفهوم القانون (أو الشرائع) الوضعي باعتباره «عقل الإنسان»، يبدأ مونتسكيو بحثه في اسشتقاق القوانين من «طبيعة الحكومة» أو حسب تعبيره «مبدأ كل حكومة»، فهو العنصر الحاسم، والمنبع الأصلي الذي تتفرع عنه المسارب الأخرى، سواء نزولاً إلى المجتمع فالأسرة والفرد، أم صعوداً إلى العائق بين الدول.
إن شكل الحكم (شأن روح الشرائع) يتحدد بمركّب عوامل متنوعة: خصائص الشعب المعني (الاخلاق، العادات، الدين)، ثم سبل عيشه (أو نمط الإنتاج المحدد: زراعة، صيد، رعي، تجارة)، ثم الخصائص الطبوغرافية (المناخ، تضاريس الأرض، الموقع)، ثم مستوى التطور الاقتصادي الاجتماعي، ــــــ حجم الثروة، عدد السكان) إلخ. وسيجد في هذا التعيين المركّب من حتمية ثقافية، وحتمية جغرافية، وحتمية اقتصادية، منبعاً لتعيين تنوعات هائلة في نظم الحكم، ومبادئه، وبناه المؤسساتسة، وتقاليده، وقواه الاجتماعية. إن نظام العلاقات الضرورية التي يطلق عليها اسم الشرائع، تندغم عنده، شأن بنية الدولة، في كل الأبعاد المذكورة.
يجد دارس مونتسكيو أن لديه حشداً من الدول يغطي القارات، أميركا، فرنسا، انجلترا، اسبانيا، السويد، روسيا، هولندا، ايطاليا، تركيا، اليابان، الصين، افريقيا، أو التاريخ: روما، أثينا، بابل، قرطاجة، الآشوريون، أسبارطة، إلخ.
لكنه يركز على خمسة نماذج أساسية: الجمهورية الرومانية ودولة المدينة الإثينية، الامبراطوريات الاستبدادية الشرقية (تركيا العثمانية)، النظام الملكي الفرنسي، النظام الملكي البريطاني.
يبدأ تنميط مونتسكيو للدولة من حيث أشكال الحكم: جمهوري، ملكي، استبدادي. ثم يعمل على توسيع هذا التنميط الأساسي بتنميطات ثانوية من أسلوب الحكم (ديمقراطي، أرستقراطي)، إلى المبدأ الأساسي للحكم، إلى أشكال تنظيم المؤسسات في الدولة (فصل إو دمج السلطات)، إلى أشكال التنظيمات الوسيطة الواقعة بين الدولة والمجتمع، والطبقات التي تشغل هذه المواقع.
وبقدر ما يتعلق الأمر بهذه الدراسات المقارنة يمكن القول أنّ المقايسات والمقارنات ذات ثلاثة أبعاد.
البعد الأول هو البعد الحضاري، أي المقارنة بين الدولة في الشرق والدولة في الغرب.
والبعد الثاني بعد تاريخي، هو مقارنة أوروبا الحديثة (في زمانه) بماضيها، بروما القديمة أو أثينا.
أما البعد الثالث فيعتمد مقارنة داخلية إن جاز التعبير بين النموذج الفرنسي والنموذج البريطاني، المتمايزين مؤسساتياً واجتماعياً واقتصادياً، وإن كانا يندرجان في نمط «المجتمع التجاري» أي المجتمع الرأسمالي الحديث.
ورغم الطابع الحقوقي في سِفْر مونتسكيو، فإنه يقدم نظرة أرحب إلى الدولة، وبخاصة بعدها المؤسساتي وعلائقها بمختلف الطبقات. وأن هذه الأبعاد نفذت، في حدود، إلى معالجات هيغل.
لكن ما يهمنا في هذا الصدد، الالماح إلى سعة وشمول نظرة مونتسكيو إلى تنوع الدول، وضيق ومحدودية تنميط الدولة، المختزل في كلاسيكيات ماركس.
نعود إلى حيث انطلقنا.
لم يترك لنا ماركس إرثاً كافياً في مجال دراسة الدولة، بل خلّف حقولاً فارغة، تتعلق بتشكل الدول الحديثة في أوروبا، أو في الشرق: اليابان، مصر، تركيا العثمانية. لقد عاصر ماركس ثورة الميجي اليابانية، واطلع على إصلاحات محمد علي، وكانت التنظيمات العثمانية الأولى قد بدأت في حياته.
لكن عينه بقيت لصيقة بأوروبا، بل بدولها الأرأس: فرنسا، بريطانيا، المانيا، رغم إشاراته المهمة لنمط الدولة في الشرق القائم على غياب الملكية الخاصة للأرض، معزياً ذلك إلى ظروف المناخ وطبغرافية الأرض (حتمية مونتسكيو الجغرافية؟) وخضوع المنتجين للدولة بوصفها المالك والحاكم (فرضية نمط الإنتاج الآسيوي).
إن شكل الحكم (شأن روح الشرائع) يتحدد بمركّب عوامل متنوعة: خصائص الشعب المعني (الاخلاق، العادات، الدين)، ثم سبل عيشه (أو نمط الإنتاج المحدد: زراعة، صيد، رعي، تجارة)، ثم الخصائص الطبوغرافية (المناخ، تضاريس الأرض، الموقع)، ثم مستوى التطور الاقتصادي الاجتماعي، ــــــ حجم الثروة، عدد السكان) إلخ. وسيجد في هذا التعيين المركّب من حتمية ثقافية، وحتمية جغرافية، وحتمية اقتصادية، منبعاً لتعيين تنوعات هائلة في نظم الحكم، ومبادئه، وبناه المؤسساتسة، وتقاليده، وقواه الاجتماعية. إن نظام العلاقات الضرورية التي يطلق عليها اسم الشرائع، تندغم عنده، شأن بنية الدولة، في كل الأبعاد المذكورة.
يجد دارس مونتسكيو أن لديه حشداً من الدول يغطي القارات، أميركا، فرنسا، انجلترا، اسبانيا، السويد، روسيا، هولندا، ايطاليا، تركيا، اليابان، الصين، افريقيا، أو التاريخ: روما، أثينا، بابل، قرطاجة، الآشوريون، أسبارطة، إلخ.
لكنه يركز على خمسة نماذج أساسية: الجمهورية الرومانية ودولة المدينة الإثينية، الامبراطوريات الاستبدادية الشرقية (تركيا العثمانية)، النظام الملكي الفرنسي، النظام الملكي البريطاني.
يبدأ تنميط مونتسكيو للدولة من حيث أشكال الحكم: جمهوري، ملكي، استبدادي. ثم يعمل على توسيع هذا التنميط الأساسي بتنميطات ثانوية من أسلوب الحكم (ديمقراطي، أرستقراطي)، إلى المبدأ الأساسي للحكم، إلى أشكال تنظيم المؤسسات في الدولة (فصل إو دمج السلطات)، إلى أشكال التنظيمات الوسيطة الواقعة بين الدولة والمجتمع، والطبقات التي تشغل هذه المواقع.
وبقدر ما يتعلق الأمر بهذه الدراسات المقارنة يمكن القول أنّ المقايسات والمقارنات ذات ثلاثة أبعاد.
البعد الأول هو البعد الحضاري، أي المقارنة بين الدولة في الشرق والدولة في الغرب.
والبعد الثاني بعد تاريخي، هو مقارنة أوروبا الحديثة (في زمانه) بماضيها، بروما القديمة أو أثينا.
أما البعد الثالث فيعتمد مقارنة داخلية إن جاز التعبير بين النموذج الفرنسي والنموذج البريطاني، المتمايزين مؤسساتياً واجتماعياً واقتصادياً، وإن كانا يندرجان في نمط «المجتمع التجاري» أي المجتمع الرأسمالي الحديث.
ورغم الطابع الحقوقي في سِفْر مونتسكيو، فإنه يقدم نظرة أرحب إلى الدولة، وبخاصة بعدها المؤسساتي وعلائقها بمختلف الطبقات. وأن هذه الأبعاد نفذت، في حدود، إلى معالجات هيغل.
لكن ما يهمنا في هذا الصدد، الالماح إلى سعة وشمول نظرة مونتسكيو إلى تنوع الدول، وضيق ومحدودية تنميط الدولة، المختزل في كلاسيكيات ماركس.
نعود إلى حيث انطلقنا.
لم يترك لنا ماركس إرثاً كافياً في مجال دراسة الدولة، بل خلّف حقولاً فارغة، تتعلق بتشكل الدول الحديثة في أوروبا، أو في الشرق: اليابان، مصر، تركيا العثمانية. لقد عاصر ماركس ثورة الميجي اليابانية، واطلع على إصلاحات محمد علي، وكانت التنظيمات العثمانية الأولى قد بدأت في حياته.
لكن عينه بقيت لصيقة بأوروبا، بل بدولها الأرأس: فرنسا، بريطانيا، المانيا، رغم إشاراته المهمة لنمط الدولة في الشرق القائم على غياب الملكية الخاصة للأرض، معزياً ذلك إلى ظروف المناخ وطبغرافية الأرض (حتمية مونتسكيو الجغرافية؟) وخضوع المنتجين للدولة بوصفها المالك والحاكم (فرضية نمط الإنتاج الآسيوي).
صفحة 7
الوظائف الغائبة: ماركس وهيغل
أشرنا فيما سبق إلى الحدود المعينة التي تناول فيها ماركس الدولة: الإطار الأوروبي، والقرن التاسع عشر؛ وينبغي الآن أن نتناول حدود معاينة ماركس لوظائف الدولة وبنيتها في هذا الإطار عينه.
إن مبضعه التحليلي ينصب على الوظائف القمعية للدولة بعامة، وظائفها في لجم الصراع الطبقي وضبطه، ودرجة خضوعها لقوة المال ممثلاً بالطبقة الجديدة (الرأسمالية أو البرجوازية). كما يعاين ماركس الانفصال، المدمر برأيه، بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي (فكرة هيغل المستعارة من آدم سميث) أو انفصال النواب عن ممثليهم. كما يركز نار نقده على ضيق حق الاقتراع العام، من جانب، مثلما يتطلع إلى استثمار هذا الحق وسيلة للانقلاب الاجتماعي حيثما يشكل العمال أغلبية الأمة، من جانب آخر.
وأصيب ماركس بعدوى النقد الرومانسي الألماني لمبدأ فصل السلطات (مونتسكيو) وأهميته، بل ضرورة تطويره، فنراه يدعو إلى دمج السلطتين التنفيذية والتشريعية في الدولة الثورية المقبلة، مكرراً صدى فكرة هيغل عن إعادة وحدة المجتمع المدني والمجتمع السياسي، وإن يكن هيغل يربط هذه الوحدة بوجود المجتمع المدني المحزب، بينما يربط ماركس هذه الوحدة بتدمير المجتمع المدني، وإلغاء تعارضاته، شرطاً مسبقاً لوحدة الاجتماعي والسياسي (8).
إن دراسات ماركس لا تتناول كثرة من الحقول التي تظل فارغة مثل أفواه مفغورة. ويمكن ذكر أبرز هذه الفراغات:
1 ــ دور الدولة في بناء الأمة، عملية المطابقة بين الحدود الاثنية للأمة والحدود السياسية للدولة.
2 ــ دور الدولة الثقافي، وظائفها في مجانسة اللغة، وتوطيد الثقافة العليا الموحدة، وخلق نظام التعليم الحديث.
3 ــ وظائف الدولة كمالك ومنتج (مثال الميجي ــ اليابان، أو المانيا، ق 19).
4 ــ أشكال المؤسسات لتنظيم العنف المشروع (الجيوش)، وظروف خضوعها للمؤسسات السياسية المدنية أو جموحها عنها.
5 ــ دور الدولة كفاعل مستقل في التاريخ العالمي.
هذه فراغات مؤكدة؛ فراغات لا يزال الفكر النظري السياسي ــ التاريخي يُعمل فيها محاولاً البحث والتنقيب، وهي تشي بسعة هذا الحقل وتعقيده. مع ذلك لم تكن هذه القضايا غائبة عن مجال الرؤية في الفكر الأوروبي. ولقد تناول هذه الجوانب وغيرها حشد من المفكرين السابقين لماركس (9). بل إن بعض الباحثين الماركسيين وغير الماركسيين الأوروبيين المعاصرين يعجب من اغفال ماركس لدور الدولة في تكوين الامة، وهو المعروف ببصيرته الثاقبة في التقاط أدق التفاصيل في الحقل الاجتماعي والسياسي، رغم أن القرن التاسع عشر كان يعد عصر نهوض القوميات، عصر الصراع المحتدم للمطابقة بين الحدود الإثنية والحدود السياسية التي نسميها ظاهرة تكوين الأمم القومية nation-states .
أشرنا في مطلع ورقة البحث هذه إلى عاملين: عامل منهجي أعطى ماركس بموجبه الأولوية لتحليل بنية المجتمع بوصفها العنصر الحاسم والمقرر. وعامل آخر بيولوجي ــ معرفي: قصر آماد حياة الكائن البشري وسعة أو لا تناهي حقل المعرفة.
أشرنا فيما سبق إلى الحدود المعينة التي تناول فيها ماركس الدولة: الإطار الأوروبي، والقرن التاسع عشر؛ وينبغي الآن أن نتناول حدود معاينة ماركس لوظائف الدولة وبنيتها في هذا الإطار عينه.
إن مبضعه التحليلي ينصب على الوظائف القمعية للدولة بعامة، وظائفها في لجم الصراع الطبقي وضبطه، ودرجة خضوعها لقوة المال ممثلاً بالطبقة الجديدة (الرأسمالية أو البرجوازية). كما يعاين ماركس الانفصال، المدمر برأيه، بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي (فكرة هيغل المستعارة من آدم سميث) أو انفصال النواب عن ممثليهم. كما يركز نار نقده على ضيق حق الاقتراع العام، من جانب، مثلما يتطلع إلى استثمار هذا الحق وسيلة للانقلاب الاجتماعي حيثما يشكل العمال أغلبية الأمة، من جانب آخر.
وأصيب ماركس بعدوى النقد الرومانسي الألماني لمبدأ فصل السلطات (مونتسكيو) وأهميته، بل ضرورة تطويره، فنراه يدعو إلى دمج السلطتين التنفيذية والتشريعية في الدولة الثورية المقبلة، مكرراً صدى فكرة هيغل عن إعادة وحدة المجتمع المدني والمجتمع السياسي، وإن يكن هيغل يربط هذه الوحدة بوجود المجتمع المدني المحزب، بينما يربط ماركس هذه الوحدة بتدمير المجتمع المدني، وإلغاء تعارضاته، شرطاً مسبقاً لوحدة الاجتماعي والسياسي (8).
إن دراسات ماركس لا تتناول كثرة من الحقول التي تظل فارغة مثل أفواه مفغورة. ويمكن ذكر أبرز هذه الفراغات:
1 ــ دور الدولة في بناء الأمة، عملية المطابقة بين الحدود الاثنية للأمة والحدود السياسية للدولة.
2 ــ دور الدولة الثقافي، وظائفها في مجانسة اللغة، وتوطيد الثقافة العليا الموحدة، وخلق نظام التعليم الحديث.
3 ــ وظائف الدولة كمالك ومنتج (مثال الميجي ــ اليابان، أو المانيا، ق 19).
4 ــ أشكال المؤسسات لتنظيم العنف المشروع (الجيوش)، وظروف خضوعها للمؤسسات السياسية المدنية أو جموحها عنها.
5 ــ دور الدولة كفاعل مستقل في التاريخ العالمي.
هذه فراغات مؤكدة؛ فراغات لا يزال الفكر النظري السياسي ــ التاريخي يُعمل فيها محاولاً البحث والتنقيب، وهي تشي بسعة هذا الحقل وتعقيده. مع ذلك لم تكن هذه القضايا غائبة عن مجال الرؤية في الفكر الأوروبي. ولقد تناول هذه الجوانب وغيرها حشد من المفكرين السابقين لماركس (9). بل إن بعض الباحثين الماركسيين وغير الماركسيين الأوروبيين المعاصرين يعجب من اغفال ماركس لدور الدولة في تكوين الامة، وهو المعروف ببصيرته الثاقبة في التقاط أدق التفاصيل في الحقل الاجتماعي والسياسي، رغم أن القرن التاسع عشر كان يعد عصر نهوض القوميات، عصر الصراع المحتدم للمطابقة بين الحدود الإثنية والحدود السياسية التي نسميها ظاهرة تكوين الأمم القومية nation-states .
أشرنا في مطلع ورقة البحث هذه إلى عاملين: عامل منهجي أعطى ماركس بموجبه الأولوية لتحليل بنية المجتمع بوصفها العنصر الحاسم والمقرر. وعامل آخر بيولوجي ــ معرفي: قصر آماد حياة الكائن البشري وسعة أو لا تناهي حقل المعرفة.
صفحة 8
ينبغي الآن أن نوسع العوامل إلى المناخ الفكري والاجتماعي:
يُرجع بعض الباحثين قلة اهتمام ماركس بتشريح الدولة إلى تقاليد عصر الأنوار. وحسب ايسايا برلين، فإن مفكري عصر الأنوار افترضوا أن الولاءات والنزاعات القومية ستزول لا محالة بتقدم العقلانية والليبرالية والمنافسة الحرة.
وعليه كانت الدولة ــ القومية، في نظرهم، مرشحة للأفول، وقد ورث ماركس هذا التفاؤل بقرب زوال الدولة، الذي تعزز بثقته أيضاً في قرب الثورة العالمية، ونشوء نظام عالمي، أممي، عمالي (10).
ينضاف إلى تقاليد عصر الأنوار، طبيعة حياة ماركس، نعني ضعف جذوره في وطنه المانيا، إن لم يكن بفعل انحداره الديني (وهذا وارد جزئياً) فبفعل انخلاعه اللاحق، واضطراره إلى الهجرة. إن عالم المهاجرين الثوريين كوزموبوليتي بالضرورة، من حيث تعدد اللغات وتعدد الثقافات والأديان الذائبة في أخوة كونية، بدت له ممكنة على نطاق أوسع يتجاوز النخب الراديكالية المقلوعة.
هناك حزمة ثالثة من العوامل يضيفها بيلزنسكي تتعلق بطريقة وظروف وحدود قراءة ماركس لهيغل، وبالذات قراءته لفلسفة الحق. معروف أن ماركس أعاد قراءة منطق هيغل، وهو في الخمسين، إلا أنه لم يعد إلى ما كتبه عن هيغل يوم كان في الخامسة والعشرين (1843)، وهي القراءة الأولى والأخيرة لمرجعه الأهم عن الدولة.
ومن المفيد، بل من الضروري، الاطلالة على هذه القراءة التي تحوي، حسب اعتقاد الكثيرين، تفسيرين لنظرة ماركس الناقصة.
كتاب «فلسفة الحق» هو جماع نظرية هيغل السياسية، التي يمكن وصفها بأنها نظرية تاريخية ــ حقوقية ذات نزعات دستورية ــ جمهورية، حيث يتتبع هيغل آثار نشوء الدولة من الأسرة، انحلال الأسر إلى نشوء المجتمع المدني، واحتدامات وتعارضات هذا الأخير، وصولاً إلى نشوء الدولة، وتطور الدولة بصفتها أمة، ودور الأمم في التاريخ العالمي.
هذا التخطيط الموجز، المبسط إلى أبعد الحدود، يرمي إلى وضع إطار واضح لما سيلي من عرض.
يقع كتاب «فلسفة الحق» في 270 فقرة، مبوباً على الطريقة الكلاسيكية للأبحاث العلمية عصر ذاك. وتتوزع هذه الفقرات إلى ثلاثة فصول رئيسية على النحو التالي:
يقع الموضوع الذي يعالجه ماركس في نقده لهيغل ضمن الفصل الثالث، الذي يتوزع على النحو التالي:
(نظام الحاجات، العمل، رأس المال والانقسامات الطبقية، مؤسسات القانون، المحاكم، النقابات والاتحادات، الشرطة)
وفق هذا التبويب، يقع العرض النظري لفلسفة هيغل في الدولة بين الفقرات 158 ــ 360، أي 202 فقرة، هذا إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية عضوية، أي نشوء الدولة من صلب المجتمع المدني، مثلما أن المجتمع المدني نشأ من صلب انحلال الأسر. أما تحليل بنية الدولة ووظائفها بذاتها فيقع في الفقرات 257 ــ 360، أي بنحو 103 فقرات.
يُرجع بعض الباحثين قلة اهتمام ماركس بتشريح الدولة إلى تقاليد عصر الأنوار. وحسب ايسايا برلين، فإن مفكري عصر الأنوار افترضوا أن الولاءات والنزاعات القومية ستزول لا محالة بتقدم العقلانية والليبرالية والمنافسة الحرة.
وعليه كانت الدولة ــ القومية، في نظرهم، مرشحة للأفول، وقد ورث ماركس هذا التفاؤل بقرب زوال الدولة، الذي تعزز بثقته أيضاً في قرب الثورة العالمية، ونشوء نظام عالمي، أممي، عمالي (10).
ينضاف إلى تقاليد عصر الأنوار، طبيعة حياة ماركس، نعني ضعف جذوره في وطنه المانيا، إن لم يكن بفعل انحداره الديني (وهذا وارد جزئياً) فبفعل انخلاعه اللاحق، واضطراره إلى الهجرة. إن عالم المهاجرين الثوريين كوزموبوليتي بالضرورة، من حيث تعدد اللغات وتعدد الثقافات والأديان الذائبة في أخوة كونية، بدت له ممكنة على نطاق أوسع يتجاوز النخب الراديكالية المقلوعة.
هناك حزمة ثالثة من العوامل يضيفها بيلزنسكي تتعلق بطريقة وظروف وحدود قراءة ماركس لهيغل، وبالذات قراءته لفلسفة الحق. معروف أن ماركس أعاد قراءة منطق هيغل، وهو في الخمسين، إلا أنه لم يعد إلى ما كتبه عن هيغل يوم كان في الخامسة والعشرين (1843)، وهي القراءة الأولى والأخيرة لمرجعه الأهم عن الدولة.
ومن المفيد، بل من الضروري، الاطلالة على هذه القراءة التي تحوي، حسب اعتقاد الكثيرين، تفسيرين لنظرة ماركس الناقصة.
كتاب «فلسفة الحق» هو جماع نظرية هيغل السياسية، التي يمكن وصفها بأنها نظرية تاريخية ــ حقوقية ذات نزعات دستورية ــ جمهورية، حيث يتتبع هيغل آثار نشوء الدولة من الأسرة، انحلال الأسر إلى نشوء المجتمع المدني، واحتدامات وتعارضات هذا الأخير، وصولاً إلى نشوء الدولة، وتطور الدولة بصفتها أمة، ودور الأمم في التاريخ العالمي.
هذا التخطيط الموجز، المبسط إلى أبعد الحدود، يرمي إلى وضع إطار واضح لما سيلي من عرض.
يقع كتاب «فلسفة الحق» في 270 فقرة، مبوباً على الطريقة الكلاسيكية للأبحاث العلمية عصر ذاك. وتتوزع هذه الفقرات إلى ثلاثة فصول رئيسية على النحو التالي:
يقع الموضوع الذي يعالجه ماركس في نقده لهيغل ضمن الفصل الثالث، الذي يتوزع على النحو التالي:
(نظام الحاجات، العمل، رأس المال والانقسامات الطبقية، مؤسسات القانون، المحاكم، النقابات والاتحادات، الشرطة)
وفق هذا التبويب، يقع العرض النظري لفلسفة هيغل في الدولة بين الفقرات 158 ــ 360، أي 202 فقرة، هذا إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية عضوية، أي نشوء الدولة من صلب المجتمع المدني، مثلما أن المجتمع المدني نشأ من صلب انحلال الأسر. أما تحليل بنية الدولة ووظائفها بذاتها فيقع في الفقرات 257 ــ 360، أي بنحو 103 فقرات.
صفحة 9
نقد ماركس لهيغل يتناول الفقرات 261 ــ 311، أي نحو 50 فقرة، تغطي ربع العرض النظري العام عند هيغل، ونصف عرضه المباشر للدولة، وهو يتركز على بنية الدولة كمؤسسات، أو حسب تعبير أحد الباحثين المجريين (من أتباع لوكاتش) أن ماركس درس «جهاز الحكم»، أي الحكومة، ولم يدرس الدولة عند هيغل.
أين يتركز نقد ماركس لهيغل؟ تركز ملاحظات ماركس النقدية، النافذة، في اتجاهين. الأول نقد المنهج المثالي، أي ما يسميه ماركس قلب الذات إلى موضوع، والموضوع إلى ذات، قلب الحامل والمحمول، إحلال الواحد محل الآخر، تحويل الجوهر إلى عرض، والعرض إلى الجوهر. مرد هذا أن منهج هيغل، حسب تعبير ماركس، غارق في الصوفية البانثائية (وحدة الوجود) المنطقية، النزعة الصوفية اللانقدية، والنزعة الموضعية اللانقدية، أي باختصار نقد الفلسفة التأملية.
الاتجاه الثاني لمعالجة ماركس ينصب على موضوعة انفصال المجتمع المدني عن المجتمع السياسي، انفصال المالك (في المجتمع المدني) عن المواطن (في المجتمع السياسي = الدولة)، انفصال عالم الحاجات والإنتاج عن عالم الحقوق السياسية. يسلط ماركس نيران نقده على بناء الوحدة المصطنعة، عند هيغل، بين الاثنين. فالدولة تبدو له بمثابة استلاب، إنها ليست الفكرة متجسدة، إنها ليست مشتقة من الفكرة المطلقة، إنها ليست العام الذي يوحد في جوفه الجزئي، إنها الاستلاب متجسداً.
سيحتفظ ماركس بهذه الموضوعة الهامة في نقده للدولة الحديثة ويطورها في تحليلاته السياسية لعدد من الحالات الملموسة.
خلاصة نقد ماركس أن الأولوية المقررة في نشوء الدولة تنبع من المجتمع المدني، وثانياً، إن الانفصال بين المجتمع المدني والدولة ينبغي أن يجد سبيله إلى الحل.
إن فلسفة هيغل السياسية، كما يلاحظ بيلسينزكي، تقوم على أربعة عناصر أساسية هي:
1 ــ مفهوم المجتمع المدني كمظهر هام وفريد للدولة الحديثة.
2 ــ مفهوم الدولة كجماعة سياسية أو أمة منظمة سياسياً.
3 ــ مفهوم التاريخ العالمي بوصفه مسار تشكّل ونمو، وسقوط وانحلال الجماعات الأساسية (الأمم).
4 ــ مفهوم التحقق الذاتي للوعي والحرية من خلال نشاط الأفراد في الأمم وتفاصل الجماعات السياسية (كأمم) في الزمان والمكان.
في هذا الضوء أخذ ماركس عن هيغل الحقل الأول (مفهوم المجتمع المدني)، ونبذ الحقول الثلاثة الأخرى.
يرجع هذا الموقف إلى المناخ الفكري وظروف كتابة كل من «فلسفة الحق» ونقد ماركس لهذا الكتاب.
كان ماركس، كما أسلفنا، في الخامسة والعشرين حين وضع هذا النقد، وكان قد كتبه تحت تأثير فيورباخ أساساً. (هناك من يذكر تأثير الكونت البولوني أوغست سيوكوفسكي)، وتركز المدرسة الفيورباخية على نقد صوفية ومثالية هيغل، مثلما تركز على جبنه وتراجعه السياسي بوجه الدولة البروسية.
والملاحظ في هذا الصدد أن هيغل وضع نصين مختلفين عن فلسفته السياسية. النص الأول هو سلسلة محاضراته عن «القانون الطبيعي وعلم الدولة» التي ألقاها في الفصل الدراسي شتاء 1818 ــ 1819. وفي هذه المحاضرات يعلن هيغل، جهاراً، انحيازه إلى الشكل الجمهوري، الديمقراطي والدستوري من الحكم. ولدى الإعداد لنشر الكتاب ربيع 1820، صدر ما يعرف بـ«مرسوم كارلزباد»، في فترة عودة العروش الأوروبية (بعد هزيمة نابليون)، الذي فرض رقابة صارمة على الجامعات، وأعاد نشر فكرة أن سيادة الملوك أصيلة، غير مشتقة! رضخ هيغل، صاغراً، لهذا التحول وحذف كل الفقرات التي تفصح عن نزعات دستورية أو جمهورية مباشرة. زد على هذا أنه وسّع المسودة الاصلية للمحاضرة (وتقع في 121 فقرة) وأعاد صياغة أسلوب العرض، ممعناً في طابعه التجريدي. لهذا السبب اعتبره الكثير من معاصريه كتاباً نما في حقول الخنوع والذل.
عدا عن المناخ الفكري، المؤثر بلا شك، هناك انعدام للتناسب بين عرض المجتمع المدني، عند هيغل، وعرض الدولة كجماعة قومية محددة. وهذه نقطة هامة لا يمكن إغفالها.
يستعير هيغل الفلسفة الاقتصادية (سميث وآخرين) لوصف وتحليل المجتمع المدني كنظام عام، مجرد، الفاعل فيه هو الإنسان (أو الفرد) المجرد، والفعل فيه يتركز على نظام الحاجات: المأكل، الملبس، المشرب، الذي يخلق شبكات معقدة من تنظيم وتقسيم العمل والإنتاج والتبادل والحقوق، والمؤسسات الاجتماعية الناظمة لهذه النشاطات.
يكرس هيغل لهذا الجانب العمومي (العمل، الحاجات، الحقوق، إلخ) الحيز الأكبر من مؤلفه.
لكن للمجتمع المدني مظهراً آخر، خارج حدود العمومية المجردة للإنسان الاقتصادية (العالمي؟) هو مظهر المجتمع القومي المحدد، المتميز بثقافة ولغة وتاريخ محدد، تلغي العمومية المجردة أو تضفي عليها طابعاً جديداً.
هذه الازدواجية المميزة للمجتمع المدني، التي يقرها هيغل (خلافاً للمدرسة الاقتصادية الكلاسيكية) لا تبرز عنده إلا في إشارة وجيزة (الفقرة 209 من فلسفة الحق)، حسب قول بيلزنسكي: فهيغل هنا يحذّر من أن صورة المجتمع المدني كنظام شامل للحاجات، لا تشكل سوى نصف الحقيقة، لأن الإنسان ليس مجرد عضو في مجتمع مدني مؤلف من المنتجين والمستهلكين المتعاقدين، بل هم أيضاً أفراد جماعة قومية محددة قائمة في إطار سياسي معين، وبناء عليه، يخلص بيلزنسكي، إلى أن هيغل يرى أن المجتمع المدني والجماعة السياسية القومية هما مظهران متعارضان، شكلان اجتماعيان متضادان ومترابطان ديالكتيكياً، للظاهرة الواحدة عينها.
هذه الفكرة الهيغلية، الحاسمة إلى حد كبير، تكاد أن تكون مهملة في سياق فلسفة الحق. ورم أنها تشكل الوجود الثاني، الأصح للتعبير، للمجتمع المدني، فإن نصيبها من التحليل يكاد أن يكون عابراً، وهذا الخلل يرجع إلى هيغل نفسه.
أين يتركز نقد ماركس لهيغل؟ تركز ملاحظات ماركس النقدية، النافذة، في اتجاهين. الأول نقد المنهج المثالي، أي ما يسميه ماركس قلب الذات إلى موضوع، والموضوع إلى ذات، قلب الحامل والمحمول، إحلال الواحد محل الآخر، تحويل الجوهر إلى عرض، والعرض إلى الجوهر. مرد هذا أن منهج هيغل، حسب تعبير ماركس، غارق في الصوفية البانثائية (وحدة الوجود) المنطقية، النزعة الصوفية اللانقدية، والنزعة الموضعية اللانقدية، أي باختصار نقد الفلسفة التأملية.
الاتجاه الثاني لمعالجة ماركس ينصب على موضوعة انفصال المجتمع المدني عن المجتمع السياسي، انفصال المالك (في المجتمع المدني) عن المواطن (في المجتمع السياسي = الدولة)، انفصال عالم الحاجات والإنتاج عن عالم الحقوق السياسية. يسلط ماركس نيران نقده على بناء الوحدة المصطنعة، عند هيغل، بين الاثنين. فالدولة تبدو له بمثابة استلاب، إنها ليست الفكرة متجسدة، إنها ليست مشتقة من الفكرة المطلقة، إنها ليست العام الذي يوحد في جوفه الجزئي، إنها الاستلاب متجسداً.
سيحتفظ ماركس بهذه الموضوعة الهامة في نقده للدولة الحديثة ويطورها في تحليلاته السياسية لعدد من الحالات الملموسة.
خلاصة نقد ماركس أن الأولوية المقررة في نشوء الدولة تنبع من المجتمع المدني، وثانياً، إن الانفصال بين المجتمع المدني والدولة ينبغي أن يجد سبيله إلى الحل.
إن فلسفة هيغل السياسية، كما يلاحظ بيلسينزكي، تقوم على أربعة عناصر أساسية هي:
1 ــ مفهوم المجتمع المدني كمظهر هام وفريد للدولة الحديثة.
2 ــ مفهوم الدولة كجماعة سياسية أو أمة منظمة سياسياً.
3 ــ مفهوم التاريخ العالمي بوصفه مسار تشكّل ونمو، وسقوط وانحلال الجماعات الأساسية (الأمم).
4 ــ مفهوم التحقق الذاتي للوعي والحرية من خلال نشاط الأفراد في الأمم وتفاصل الجماعات السياسية (كأمم) في الزمان والمكان.
في هذا الضوء أخذ ماركس عن هيغل الحقل الأول (مفهوم المجتمع المدني)، ونبذ الحقول الثلاثة الأخرى.
يرجع هذا الموقف إلى المناخ الفكري وظروف كتابة كل من «فلسفة الحق» ونقد ماركس لهذا الكتاب.
كان ماركس، كما أسلفنا، في الخامسة والعشرين حين وضع هذا النقد، وكان قد كتبه تحت تأثير فيورباخ أساساً. (هناك من يذكر تأثير الكونت البولوني أوغست سيوكوفسكي)، وتركز المدرسة الفيورباخية على نقد صوفية ومثالية هيغل، مثلما تركز على جبنه وتراجعه السياسي بوجه الدولة البروسية.
والملاحظ في هذا الصدد أن هيغل وضع نصين مختلفين عن فلسفته السياسية. النص الأول هو سلسلة محاضراته عن «القانون الطبيعي وعلم الدولة» التي ألقاها في الفصل الدراسي شتاء 1818 ــ 1819. وفي هذه المحاضرات يعلن هيغل، جهاراً، انحيازه إلى الشكل الجمهوري، الديمقراطي والدستوري من الحكم. ولدى الإعداد لنشر الكتاب ربيع 1820، صدر ما يعرف بـ«مرسوم كارلزباد»، في فترة عودة العروش الأوروبية (بعد هزيمة نابليون)، الذي فرض رقابة صارمة على الجامعات، وأعاد نشر فكرة أن سيادة الملوك أصيلة، غير مشتقة! رضخ هيغل، صاغراً، لهذا التحول وحذف كل الفقرات التي تفصح عن نزعات دستورية أو جمهورية مباشرة. زد على هذا أنه وسّع المسودة الاصلية للمحاضرة (وتقع في 121 فقرة) وأعاد صياغة أسلوب العرض، ممعناً في طابعه التجريدي. لهذا السبب اعتبره الكثير من معاصريه كتاباً نما في حقول الخنوع والذل.
عدا عن المناخ الفكري، المؤثر بلا شك، هناك انعدام للتناسب بين عرض المجتمع المدني، عند هيغل، وعرض الدولة كجماعة قومية محددة. وهذه نقطة هامة لا يمكن إغفالها.
يستعير هيغل الفلسفة الاقتصادية (سميث وآخرين) لوصف وتحليل المجتمع المدني كنظام عام، مجرد، الفاعل فيه هو الإنسان (أو الفرد) المجرد، والفعل فيه يتركز على نظام الحاجات: المأكل، الملبس، المشرب، الذي يخلق شبكات معقدة من تنظيم وتقسيم العمل والإنتاج والتبادل والحقوق، والمؤسسات الاجتماعية الناظمة لهذه النشاطات.
يكرس هيغل لهذا الجانب العمومي (العمل، الحاجات، الحقوق، إلخ) الحيز الأكبر من مؤلفه.
لكن للمجتمع المدني مظهراً آخر، خارج حدود العمومية المجردة للإنسان الاقتصادية (العالمي؟) هو مظهر المجتمع القومي المحدد، المتميز بثقافة ولغة وتاريخ محدد، تلغي العمومية المجردة أو تضفي عليها طابعاً جديداً.
هذه الازدواجية المميزة للمجتمع المدني، التي يقرها هيغل (خلافاً للمدرسة الاقتصادية الكلاسيكية) لا تبرز عنده إلا في إشارة وجيزة (الفقرة 209 من فلسفة الحق)، حسب قول بيلزنسكي: فهيغل هنا يحذّر من أن صورة المجتمع المدني كنظام شامل للحاجات، لا تشكل سوى نصف الحقيقة، لأن الإنسان ليس مجرد عضو في مجتمع مدني مؤلف من المنتجين والمستهلكين المتعاقدين، بل هم أيضاً أفراد جماعة قومية محددة قائمة في إطار سياسي معين، وبناء عليه، يخلص بيلزنسكي، إلى أن هيغل يرى أن المجتمع المدني والجماعة السياسية القومية هما مظهران متعارضان، شكلان اجتماعيان متضادان ومترابطان ديالكتيكياً، للظاهرة الواحدة عينها.
هذه الفكرة الهيغلية، الحاسمة إلى حد كبير، تكاد أن تكون مهملة في سياق فلسفة الحق. ورم أنها تشكل الوجود الثاني، الأصح للتعبير، للمجتمع المدني، فإن نصيبها من التحليل يكاد أن يكون عابراً، وهذا الخلل يرجع إلى هيغل نفسه.
صفحة 10
هذا الخلل الهيغلي من العرض (إن جاز قول ذلك) تعزَّز أكثر بالحذف من جانب ماركس. وكما أشرنا من قبل، فإن ماركس يقطع نقده، في الواقع، عند الفقرة 311 من كتاب فلسفة الحق، ولا يمضي أبعد من ذلك لاستكمال نقده (تقريظاً أو اعتراضاً) لبقية الفقرات التي تتحدث، بعدئذ، عن الدولة كاملة، والدولة كجماعة قومية، ودورها في التاريخ العالمي.
هذا الحذف حكم على معالجة ماركس التالية بالاختلال. وتعزز ذلك، لاحقاً،بمؤثرات فلسفة الأنوار (زوال الدولة)، أو باستنتاجاته الخاصة من أن الثورة العالمية وشيكة، وأن الدولة الحديثة ستنطلق في مسارها المحتوم إلى الاضمحلال.
إزاء الفراغ الناشئ تلقت الماركسية محاولتين كلاسيكيتين للإضافة: الأولى من إنجلز لتغطية الحقل التاريخي، والثانية من لينين، التي ركزت على الحقل الأول (الدولة كأداة قمع طبقي).
تاريخية الدولة: إنجلز
يُعدّ كتاب إنجلز «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة» النص الكلاسيكي الوحيد المكرس لموضوع الدولة.
معروف أن إنجلز يؤكد، منذ السطر الأول لمقدمة الطبعة الأولى (1884)، أنه يضع هذا الكتاب بمثابة «تنفيذ لوصية» ماركس، مؤكداً بذلك الطابع غير المنجز المشروع على يد صاحبه الأصلي.
الكتاب، إذن، هو مسعى لسدّ الفراغ النظري الذي خلّفه ماركس.
تتركز بؤرة الكتاب في الجانب التاريخي، أي دراسة الشروط التاريخية لنشوء الدولة في العالم القديم: أثينا، روما، الجرمان.
يعتمد إنجلز على الانجازات المتحققة (المحدودة بالطبع) لعلم تاريخ الاثنوغرافيا المقارنة عهد ذاك، فيغرف بإحاطة من معين أبرز المؤلفات والمؤلفين في زمانه: مورغان (المجتمع القديم)، تايلور (أبحاث في تاريخ البشرية البدائي)، ليبوك (أصل الحضارة) مالكنيان (الزواج البدائي)، ياهوفن (حق الأم)، ماورر (نظام المدينة)، طولون، مومسن، وآخرون؛ هذا إضافة إلى استقرار محدود لبعض جوانب الميثولوجيات القديمة والمدونات المتاحة، من نصوص حقوقية أو أدبية.
بتعبير آخر، يقتفي إنجلز منهج ماركس في دراسة وتمحيص الوقائع التجريبية بهدف تحليلها واستخلاص ترابطاتها، مدركاً الطابع المحدود لهذه المعطيات في علم ما زال يحبو في طفولته الأولى.
ونراه يشير في مقدمة الطبعة الثانية إلى مدى تطور هذا العلم خلال السنوات السبع الفاصلة بين الطبعتين (1884 ــ 1891)، واضطراره إلى إدخال «إصلاحات وتعديلات» و«إعادة نظر» كيما يأخذ «حالة العلم» بالاعتبار.
الفرضية الأساسية في هذا الكتاب الكلاسيكي تربط نشوء الدولة ببروز الانقسامات الطبقية إثر نشوء الملكية الخاصة، ونموها إلى ثناحرات طبقية في طور التعين من تطور القوى المنتجة داخل مجتمع القبائل المتحدة في المدينة الكلاسيكية.
يدرس إنجلز تفاصيل نشوء الاتحادات القبلية والعشائرية، ثم بدء هذه الاتحادات في الانحلال، وتحول الرئاسة العشائرية، بالتدريج، إلى «مؤسسة سلطة»، أي إلى أجهزة دولة منفصلة عن الجماعة.
هذا الحذف حكم على معالجة ماركس التالية بالاختلال. وتعزز ذلك، لاحقاً،بمؤثرات فلسفة الأنوار (زوال الدولة)، أو باستنتاجاته الخاصة من أن الثورة العالمية وشيكة، وأن الدولة الحديثة ستنطلق في مسارها المحتوم إلى الاضمحلال.
إزاء الفراغ الناشئ تلقت الماركسية محاولتين كلاسيكيتين للإضافة: الأولى من إنجلز لتغطية الحقل التاريخي، والثانية من لينين، التي ركزت على الحقل الأول (الدولة كأداة قمع طبقي).
تاريخية الدولة: إنجلز
يُعدّ كتاب إنجلز «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة» النص الكلاسيكي الوحيد المكرس لموضوع الدولة.
معروف أن إنجلز يؤكد، منذ السطر الأول لمقدمة الطبعة الأولى (1884)، أنه يضع هذا الكتاب بمثابة «تنفيذ لوصية» ماركس، مؤكداً بذلك الطابع غير المنجز المشروع على يد صاحبه الأصلي.
الكتاب، إذن، هو مسعى لسدّ الفراغ النظري الذي خلّفه ماركس.
تتركز بؤرة الكتاب في الجانب التاريخي، أي دراسة الشروط التاريخية لنشوء الدولة في العالم القديم: أثينا، روما، الجرمان.
يعتمد إنجلز على الانجازات المتحققة (المحدودة بالطبع) لعلم تاريخ الاثنوغرافيا المقارنة عهد ذاك، فيغرف بإحاطة من معين أبرز المؤلفات والمؤلفين في زمانه: مورغان (المجتمع القديم)، تايلور (أبحاث في تاريخ البشرية البدائي)، ليبوك (أصل الحضارة) مالكنيان (الزواج البدائي)، ياهوفن (حق الأم)، ماورر (نظام المدينة)، طولون، مومسن، وآخرون؛ هذا إضافة إلى استقرار محدود لبعض جوانب الميثولوجيات القديمة والمدونات المتاحة، من نصوص حقوقية أو أدبية.
بتعبير آخر، يقتفي إنجلز منهج ماركس في دراسة وتمحيص الوقائع التجريبية بهدف تحليلها واستخلاص ترابطاتها، مدركاً الطابع المحدود لهذه المعطيات في علم ما زال يحبو في طفولته الأولى.
ونراه يشير في مقدمة الطبعة الثانية إلى مدى تطور هذا العلم خلال السنوات السبع الفاصلة بين الطبعتين (1884 ــ 1891)، واضطراره إلى إدخال «إصلاحات وتعديلات» و«إعادة نظر» كيما يأخذ «حالة العلم» بالاعتبار.
الفرضية الأساسية في هذا الكتاب الكلاسيكي تربط نشوء الدولة ببروز الانقسامات الطبقية إثر نشوء الملكية الخاصة، ونموها إلى ثناحرات طبقية في طور التعين من تطور القوى المنتجة داخل مجتمع القبائل المتحدة في المدينة الكلاسيكية.
يدرس إنجلز تفاصيل نشوء الاتحادات القبلية والعشائرية، ثم بدء هذه الاتحادات في الانحلال، وتحول الرئاسة العشائرية، بالتدريج، إلى «مؤسسة سلطة»، أي إلى أجهزة دولة منفصلة عن الجماعة.