eKtab
EN ع
ما هو العلم - رحلة التفكير العلمي
اقرأ عينة مجانية

ما هو العلم - رحلة التفكير العلمي

بقلم د. نزار دندش

صفحة 1
مقدمة

بعد قراءة هذا الكتاب والتمعن به، رأيت بأنه يهدف إلى نشر الثقافة العلمية ووضعها في متناول الجميع. لم يتفق المتعاطون مع الثقافة على اعطاء هذه الكلمة تعريفاً واحداً جامعاً يغطي المواضيع الواسعة التي يشملها هذا التعبير. فاذا كانت الثقافة هي التمكن من العلوم والآداب والفنون فالمثقف هو الشخص الذي صار حاذقاً في الاختصاص الذي يعالج. وقد كثرت الاختصاصات لدرجة صعب على الكثيرين حصرها بعد أن تجاوزت المئتين بنظر المشتركين باحد مؤتمرات اليونسكو التي بحثت موضوع دور التربية في نشر الثقافة.

الأستاذ الدكتور نزار دندش الذي كتب عن التلوث الكهرومغناطيسي سنة 2004 وعن البيئة سنة 2005 وعن سموم في طعام الانسان سنة 2007، لم يكتف بهذا القدر من المعلومات الشيّقة والحديثة عن مواضيع تهم مختلف طبقات المجتمع بل حاول بطريقة فذة إيصال ما يفكّر به إلى القرّاء، بوضعه رواية سلسة يفهمها بسهولة ودون عناء كلّ قارئ. أقصد روايته "حوار في الممنوعات" سنة 2007، التي تناول فيها هذه المرة ناحية اجتماعية من بيئة الانسان. أي أنه بعد أن طرق باب البيئة من الناحية الطبيعية والجسدية ودور الانسان في الحفاظ عليها، انتقل الكاتب بلباقة إلى معالجة موضوع البيئة الاجتماعية مستعملاً اسلوب الحوار في رواية لم تترك ناحية من التصرفات البشرية إلا وطرقتها.

الكتاب الجديد الذي بين أيدينا اليوم يدل مرة أخرى على مدى تعمق المؤلف في مختلف العلوم وسعة اطلاعه على تاريخ العلوم منذ فجر الانسانية حتى يومنا هذا. وقد توقف الكاتب عند أهم المحطات التي قادت الانسان منذ القدم إلى الوصول إلى المستوى الحضاري والتقني الذي نشاهده اليوم. من أهم هذه المحطات ما يتعلق منها بالعلوم الصحية والبيولوجية على مختلف مستوياتها وعلوم الفيزياء والكيمياء دون أن ننسى العلوم الحديثة من الكترونيك وسواها. وكعادته في كتبه السابقة، تُدهش المطالع الدقة في العرض والسهولة في استعمال المفردات والحذاقة في إيصال المعلومات للقارئ. مما يدلّ على تفنن الكاتب في الأصول التربوية وجهده كمربٍ غيور على نقل المعرفة قبل سواها إلى من يحب الوصول إليها. وقد سرد بعض وقائع الاكتشافات الحديثة مزيّناً خلفيتها العلمية مما يساعد على نقلها إلى الجميع ولا سيما الطلاب.

هذا الكتاب بحد ذاته موسوعة معروضة بطريقة معمقة وسهلة تدل على تنوع الكتب والمراجع التي قرأها الكاتب ومدى عمق اطلاعه على نواح عديدة من نشاطات الباحثين الذين طوروا مكاسب الإنسانية والحضارة الحالية وزوّدوها بمعلومات وتقنيات معمقة سهّلت طرق المعيشة وساعدت الانسان على مقاومة المرض وعلى الحصول على المياه والأطعمة النظيفة وعلى التنقل بسهولة في جميع الاتجاهات حتى الوصول إلى القمر والكواكب.

المكتبة العربية بأشد الحاجة إلى مثل هذا الكتاب، كما سبق وقلنا عند تقديم كتاب البيئة. ومهما تحسنت الكيفية في الوصول إلى المعرفة عن طريق الانترنيت وسواها من الوسائل، تبقى المطالعة من أهم الوسائل المعتمدة للتعلم والتثقف والتعمق في إيجاد المعرفة تتوجها جميعاً. إنّ الذي يطالع هذا الكتاب يستطيع أن يتوقف عند أي نقطة فيه ويراجع المقالات العلمية والمستندات الغنية التي يشير إليها المؤلف بغية توسيع آفاق معرفته. فكتابنا هذا خير مثال لمن يحب أن يطّلع على مختلف الحقبات التي قطعتها علوم الانسانية منذ أجيال وعلى السلّم الذي ارتقته بجهد وتضحيات للوصول إلى ما نحن عليه اليوم.

ولا بد من أن أشير في النهاية إلى أنّه من جملة مهام المجلس الوطني للبحوث العلمية وجوب تبسيط الثقافة العلمية والعمل على نشرها. ولذا أشكر صاحب الكتاب على عمله وأهنّئه داعيا له بالتوفيق. وكثّر الله من أمثاله.

رئيس مجلس ادارة المجلس الوطني للبحوث العلمية

جورج طعمه
صفحة 2
توطئة

لأول مرة في تاريخه يظهر العلم في صورتين متباعدتين ومتناقضتين الى هذا الحد. ففي الصورة الأولى تبرز العملية الحضارية وقد ارتبطت بتطور العلم وبانجازاته التي لا تحصى، فالفيزياء الذرية قد أدخلت الإنسان الى قلب المادة بكل تفاصيلها واكتشفت له الطاقة الذرية التي بدأت تحرّره من الاعتماد على المصادر الطبيعية الجاهزة؛ وعلم الوراثة قد فتح امكانية بناء اشكال عضوية جديدة وتعديل الكائنات العضوية القديمة لتصبح أكثر إنتاجية وأكثر استجابة لمتطلبات الإنسان وملاءمة لظروفه المستجدة. أما الكيمياء فقد ابتكرت عدداً من المواد التركيبية الاصطناعية التي تتفوق على المركّبات الطبيعية، ما يبشر بثورة حقيقية في قلب الطبيعة، قد نندم عليها، كما يُحذّر من ذلك أنصار البيئة (لأنها تهدد الأصالة في الطبيعة)، وقد لا نندم. ونجاحات علم الفلك في النصف الثاني من القرن العشرين قد قرّبتنا من تحقيق احلامنا التاريخية في كشف أسرار الفضاء والاجابة عن سؤال: من نحن؟ وأي مكان يحتل كوكبنا في هذا العالم الفسيح؟

وفي الصورة الثانية تبدو نتائج العلم مثيرة للقلق الاجتماعي والأخلاقي، والخوف من أن تكون سبباً للإضرار بالحياة على كوكب الأرض، وربما تخريبها بالكامل! فالمفاعلات النووية (والأسلحة النووية أيضاً) ما زالت تسبّب أفظع الكوارث؛ وعلم الوراثة أضحى واقفاً على أبواب الخصوصية الإنسانية مما يثير الخوف من أن يخرق جدارها بطريقة خاطئة؛ المركّبات الكيميائية المستحدثة يُخشى من أن تساهم في سيطرة الكيمياء على معظم جوانب حياة الإنسان فتأخذه رهينة دائمة؛ والأبحاث في مجال الفضاء قد تُشكّل تهديداً جِدّياً للنظام الإيكولوجي العام في غياب الضوابط اللازمة.

من هنا تتسابق التساؤلات والأسئلة التي تختلف باختلاف اختصاص السائل ودرجة نضجه وغنى ثقافته وعمق معلوماته: هل هناك علم نافع وآخر ضار؟ هل ينبغي التعاطي مع العلم كما مع السياسة والأخلاق أم أن العلم نفسه يجب أن يتحلى بالأخلاق؟ وهل تبقى مدنيتنا مطمئنة الى مستقبلها مهما وكيفما تطوّر العلم، علماً بأنها قد شُيّدت على أكتاف العلم وازدهرت بفضل نجاحاته المتواصلة.

كل هذا يدعونا الى البحث عن ماهية العلم والتعرف إلى ماضيه وحاضره لاستشراف مستقبله والتنبؤ بتوجهاته. وهكذا بحث لا يمكن ان يؤدي الى نتيجة إلا اذا تمّ استعراض سيرة العلم وتجلياته التي تغيرت مع تغيّر الزمان والمكان... وقبل السؤال عن وجهة سيره وكيفية تطوّره في المستقبل من الطبيعي والمشروع أن نسأل عن ماهيّته وعن وثيقة ولادته وصفاته المميّزة، عن كيفية تعاطي الإنسان معه في الماضي وعن دوره في كل ما شهد تاريخ حضارتنا من تقلّبات واندفاعات وثورات....

أسميناه العلم تجاوزاً، لأسباب تتعلق بتاريخ اللغة وتاريخ الفكر والتفكير، لكن ما هو؟ أين، كيف، متى ولماذا ولد؟ وكيف نما وتطور؟ من هم أعداؤه ومن هم أصدقاؤه؟ هل كان له بداية محددة، وهل سيكون له نهاية مقدّرة؟ الى أي حدّ كان ضرورياً في الماضي، وهل سيبقى ضرورياً الى الأبد؟ هل نشأ العلم بقرار أم كان نشوؤه حتمية تاريخية من جملة الحتميات التي رافقت حياة الإنسان وحضارته؟ هل هو مقياس تقاس عليه حضارتنا أم تابع لها تُنشّطه وترفع شأنه عند اللزوم حيناً، ثم تضعه في ثلاجة الانتظار حيناً آخر؟ هل هو نتاج عقول مميزة أم خاصة من خواصها؟ وهل هو من نتاج الفرد أم من نتاج الجماعة؟ وهل هو من صنع الإنسان نفسه أم أنّ في الأمر سرّاً لم يكتشف؟ واذا كان من صنع الإنسان فهل يمكن أن يكون أكبر من الإنسان نفسه، وهل من الممكن أن يُستعمل في غير مصلحة الإنسان ولغير خيره؟

هل هو حقل معرفي منفصل، أم جزء من معرفة الإنسان وجزء من نظامه المعرفي المتكامل؟ هل هو مستقل عن الفن والأدب وسائر فروع المعرفة أم هو جزء لا يتجزأ من نتاج العقل الإنساني والنشاط الحياتي الاجتماعي؟ وهل يقوى الإنسان على الحياة بدونه؟ هل يتكفل بحمل أعباء الحياة أم أنه ضرورة من ضروراتها؟ هل هو مصدر للحقيقة ام معيار لها ومقياس لصدقها ودقتها وحقيقيتها؟ واذا كان للحيوانات حقائقها التي تنتقل من جيل الى جيل بالغريزة وبالوراثة فهل للحيوانات علومها؟ أم أن العلم لا ينبت ولا ينمو خارج المجتمعات البشرية؟

كلّ هذه الأسئلة تطرح بالحاح في عصرنا والأجوبة عنها ليست في حكم البديهيات، بل أن كل جواب على حدة يجب أن ينطلق من حقل مسلّمات تختلف باختلاف الفئة العمرية التي يتوجّه اليها.

إن تحديد هوية العلم وابراز أوراقه الثبوتية يقتضيان تعريف ماهيته والتعرف على تاريخه. لكن ماهيته ليس لها تعريف موحّد حائز على اعتراف الجميع، فلكل عالم كبير تعريفه ولكل فيلسوف مشهور أو مدرسة فلسفية تعريف أو أكثر. فلو جمعنا التعاريف التي حفظت لكانت بالمئات (أكثر من ثمانماية تعريف). وهذا الغنى في التعاريف ليس نابعاً من تقاطع المسألة مع الفلسفة وحسب، إنما يعود السبب أيضاً الى تطور مفهوم العلم عبر التاريخ والى التغيرات في وظائفه وفي الدوافع اليه عبر كل الأزمنة وفي كلّ الحضارات. فليس من العدل أن نطبّق الدقة على تعريف العلوم البدائية كما على العلوم المعاصرة.
صفحة 3
في البداية كانت ضرورات الحياة هي دافع الإنسان الأول نحو العلم وكانت أيضاً علاقته بالطبيعة- كان ذلك في مرحلة فطرية العلم. أما اليوم فتعتبر علاقة الإنسان بالإنسان من الدوافع المهمّة والفعالة لممارسة البحث العلمي. ويبقى النشاط المعرفي دافعاً قوياً نحو العلم في كل الأزمان.

لقد ظهر العلم على خلفية الحصول على المعلومات الضرورية لاستمرارية حياة الإنسان، فدراسة تصرفات الحيوانات ونمو النباتات كانت من مهمات الإنسان البدائي مذ بدأ بممارسة الزراعة وتدجين الحيوانات. ونما العلم على خلفية تحسين الظروف الحياتية للإنسان، وعلى خلفية أرواء فضوله العلمي والبحث عن تفسير للظواهر المحيّرة، وعن اتصال الظواهر بالأسباب. بدأ مع بداية التفكير المنطقي- مع بذور السببية والفهم المجرد، ومع استعمال الأعداد، ثم انتقل الى وعي الطبيعة متخذاً منها هدفاً كبيراً، فتعاطى معها بالجملة قبل ان يدخل في التفاصيل، ثم درس الظواهر المنفصلة والمنفردة وبحث في أسبابها ونتائجها فقاده ذلك الى التفرُّع وظهور الفروع العلمية المختلفة.

بدأ العلم يلقى قبولاً، وأفكاره تُحقّق انتشارها عندما لم تعد تفسيرات الميثالوجيا مقنعة ما فيه الكفاية، كان ذلك في الحضارات الشرقية القديمة، في مصر وبابل والهند والصين. وفي بلاد الاغريق كان العلم جزءاً من الفلسفة يعيش في كنفها ويؤدي واجباته بالقدر الذي يتناسب مع تطلعاتها. وفي مختلف مراحله كان العلم يستعمل نتائجه لبناء الاستنتاجات والخلاصات فيرسم صورة للكون كما يراه في وظيفته الحياتية. رافق العلم الإنسان منذ طفولته وحتى اختراقه جدار السماء وهبوط مركباته على القمر والمرّيخ، مروراً بتدجين الكائنات الحية وتعديل جيناتها، ومروراً باكتشاف الميكروبات وايجاد سبل محاربتها والقضاء عليها والمحافظة على سلامة الإنسان، ووصولاً الى اختراع كل أدوات الراحة في المنزل وأدوات الانتاج في الحقل والمصنع ووسائل الاستجمام في المنتجعات السياحية. وفي وظيفته المعرفية رسم العلم على الدوام لوحات تمثل الكون كما يراه الإنسان المتسلح بالعلم، وكانت هذه اللوحات تتغير من حقبة تاريخية الى اخرى، فهي في النهاية معيار لمستوى نضج العلم في كل حقبة من حقبات التاريخ.

ان جزءاً من عقيدة العلم يتمثل برسم صورة شاملة ومتكاملة للعالم هي عبارة عن بيان بكل سنن الطبيعة كما يراها العلماء. وصورة العالم هذه تشكّل مرآة لمستوى رقيّنا الحضاري وهي تتعدّل مع تطوّر العلم ومع اكتشافه لقوانين جديدة، فالعلم نفسه يخضع للتطور بصورة دائمة فتتّسع مهماته وتصبح أكثر دقّة وتعقيداً.

إنّ الحضارة الإنسانية أشبه بشخص مغامر يهرول قاصداً قمة الجبل، فكلما ارتقى أكثر يجد نفسه قد أشرف على مساحة أكبر. والعلم جزء من حضارة الإنسان، بل هو القلب النابض لهذه الحضارة وهو مرشدها الأمين. والمعارف العلمية وإن كانت تختلف عن بقية مكونات المعرفة إلا انها جزء مكمّل لها ولا تنفصل عنها.

والمعرفة العلمية التي ترفد المعارف اليومية باستمرار تنهل بدورها من بحر هذه المعارف وتحوّل بعضها الى نظريات. فقبل أن تُنسج للمعرفة قوالب فلسفية وقبل أن تصاغ لها القوانين والنظريات، كانت المعارف المتفرقة تُصنع على مدار الساعة وعبر كل الأزمان وفي كلّ المجتمعات دونما استثناء، بما فيها افقرها وأبسطها وأقربها الى البدائية. فقبل ان تصبح المعرفة بحد ذاتها هدفاً للبحث والدرس والمعالجة كانت موجودة في أساس الكثير من مجالات النشاط الإنساني. والإنسان يدرك بالفطرة ماهيّة المعرفة قبل أن تصاغ لها التعريفات ويرمز اليها بالاشارات. فالمعرفة هي عن حق فعالية من فعاليات الإنسان المجتمعي الذي يمارس نشاطه الإنساني وهي شرط من شروط وجوده وعنصر مكمّل لخصائصه. ان كل ما نطلق عليه صفة المعارف ونعني به المعارف اليومية هو جملة من الحقائق التي يعرفها البشر في سياق حياتهم اليومية. فالجزء الأكبر من المعارف هو ما يملكه كل البشر، هو معرفة الحياة اليومية حيث "مصنع المعارف" وهو يمثّل المستوى ما قبل النظري للمعرفة.

المعرفة اليومية، ما قبل النظرية، هي ذاكرة شخصية واجتماعية وهي طريقة لحفظ تتابع المعلومات واستعمالها وهي تشكل بالنسبة للإنسان المجتمعي الاحتياط المعرفي عن الطبيعة، عن اشكال النشاط الحياتي وطرقه؛ وعن نماذج تصرفات الكائنات الحيّة وعن معايير التواصل والاختلاط وما شابه.

ومع المعرفة النظرية نرتقي الى التعليل النظري للعالم، هذا التعليل يتعاطاه عدد قليل من البشر يشكلون نسبة صغيرة من المجتمع. في صياغة المعارف النظرية نحتاج الى الأفكار والنظريات والعقائد، ونحتاج الى الفن والأدب ونحتاج بالأخص الى العلم والفلسفة. ونحتاج أيضاً الى المعارف اليومية التي لا يمكن بدونها صنع المعارف النظرية فلا يكتمل عالم المعرفة إلا بالتئام المعارف النظرية مع المعارف اليومية، ولا تستمر وتنهض المجتمعات ولا يرتقي الإنسان المجتمعي إلا بتطوّر وارتقاء المعرفة النظرية. ولقد ساهم العلم منذ طفولته بمد الإنسان بالمعارف التي كانت وما تزال تشكل العمود الفقري لحضارته وبقائه وارتقائه.
صفحة 4
يعرف الإنسان منذ طفولته أنه اذا وضع أصبعه في الماء الحار فانه يسخن (أو يحترق) واذا وضعه في الثلج يبرد (أو يتجمد) مع ان الإنسان القديم لم يكن يعرف معنى الحرارة من وجهة نظر علمية، فالعلم نفسه لم يكن قد توصل الى معرفة هذه الظواهر ولا الى ايجاد تفسير لها، والإنسان العادي لم يكن على دراية بنتائج العلم على أية حال. وعندما فسر العلم فيما بعد ظاهرة الحرارة والبرودة معتمداً في ذلك على النظرية الذرية والفيزياء الجزيئية، فإنه قد ارتقى بالمعلومة إلى درجة النظرية العلمية. فالمعارف اليومية كانت تشكل على الدوام حوافز قوية للعلم وتحدياً للنظريات العلمية لكي تبحث عن أسبابها وعن تفسير للظواهر وتعليل للعمليات التي تجري في هذا الكون.

ان المتتبع لتاريخ العلم يلاحظ أن مفهوم العلم قد تغيّر على مرّ التاريخ، وان العلم قد تطوّر، وقد جاء تطوّره بالتراكم حيناً وعن طريق الوثبات والثورات العلمية حيناً آخر.

من القفزات العلمية نذكر مثلاً تلك القفزة التي حققها العلم الاغريقي الذي سجل شمولية فاقت شموليته في مراحل تاريخية لاحقة. ونذكر أيضاً ماكشفه تلسكوب غاليليه من تشابه بين سطح الأرض وسطح القمر حيث لم تعد، بعد ذلك، قوانين السماء متميّزة عن قوانين الأرض.

الثورة العلمية الكبرى الأولى التي سيحفظها تاريخ العلم بدأت مع نظرية كوبرنيك التي شكلت انقلاباً في العلم وفي كل الثقافة المعرفية، واستُكملت هذه الثورة مع غاليليه، ديكارت ونيوتن، واستمرت خلال القرن السابع عشر والنصف الأول من القرن الثامن عشر فتكللت بما سُمي بالعلوم الكلاسيكية ورسم اللوحة الكلاسيكية (الميكانيكية) للكون.

الثورة العلمية الثانية بدات مع نهاية القرن الثامن عشر واستمرت خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر وكانت نتيجتها صياغة لوحات جديدة للعالم خارج اللوحة الميكانيكية، هي اللوحة البيولوجية واللوحة الكيميائية. وقد تمت المحافظة على عملية المعرفة الكلاسيكية وطرق التفكير الكلاسيكي.

الثورة العلمية الثالثة هي تلك التي شهدها العلم في نهاية القرن التاسع عشر واستمرت حتى أواسط القرن العشرين وجاءت بالنظرية النسبية والنظرية الكوانطية أي الفيزياء ما بعد الكلاسيكية أو"الفيزياء الحديثة". كما جاءت بعلم الوراثة ومفهوم الكون غير الثابت، وانتعشت بنتيجتها السببية الاحتمالية على حساب السببية الكلاسيكية.

أما الثورة العلمية الرابعة فقد بدأت في منتصف القرن العشرين ومازالت مستمرة حتى الآن حيث مخاض ولادة علم جديد يرجح أن يطلق عليه تسمية العلم ما بعد الحديث. وأدت هذه الثورة الى تغيرات جذرية في اسس المعارف والنشاطات العلمية، وقد شهدت هيمنة الكمبيوتر على العلوم وشهدت تعقيدات في الأجهزة المخبرية التي يستعملها العلم، كما شهدت تنامي الأبحاث في الحقول المشتركة بين الاختصاصات والتئام الأبحاث النظرية مع الأبحاث الامبيريقية والأساسية مع التطبيقية. ومن المهم جداً أن نلاحظ أن هذه الفترة قد شهدت تفاعل اللوحات العلمية المختلفة التي رسمتها فروع الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا إضافة إلى علم الكون.

الثورات العلمية دليل عافية في الحركة العلمية يستطيع من خلالها العلم تنقية نفسه من النظريات القديمة، ويرتقي بنتيجتها الى مستويات أعلى. لكن هذه الثورات تتطلب ظروفاً ناضجة على الصعيد العلمي النظري وعلى صعيد الكادر العلمي البشري، كما تحتاج الى تهيئة العقول لتقبّل نتائجها. ويلاحظ انّ النهضة العلمية في أوروبا قد جاءت بعد جهود النهضويّين، الذين روّجوا هناك لفكرة أنّ الإنسان بحدّ ذاته مبدع وخلّاق؛ هذه الفكرة تمّ التعبير عنها بواسطة الفن أولاً، لذلك كان للفن فضل كبير على العلم في عصر النهضة.

لكن مع أن عصر النهضة قد حمل لواء فكرة الإنسان الخلاق فإن الفيزياء الكلاسيكية التي سادت حتى بداية القرن العشرين قد ركزت على مبدأ الوجود الموضوعي للطبيعة الذي تحكمه السنن الطبيعية، مهملة دور الإنسان فيها.

في العلوم الكلاسيكية لعبت الميكانيكا دور النموذج الذي اعتمده العلم في بقية الفروع. وبعد الانتقال الى العلوم الحديثة تمّ استبدال النظرة الميكانيكية والميتافيزيقية بالنظرة الشمولية وبالمفهوم التطوّري، فلم تعد مواضيع العلم معزولة عن بعضها، بل صارت مادة تفاعل مع الأشياء المحيطة وتشترك في دراستها مختلف الفروع العلمية. واستبدلت الحتمية الكلاسيكية بالحتمية الكوانطية، كما ذكرنا، ولم تعد المعرفة عبارة عن عملية انعكاس ميكانيكي للواقع الطبيعي في ذهن الإنسان، بل اعترفت العلوم " الحديثة" بوجود بصمات للإنسان على نموذج العالم.

اذا كان ينظر الى العلم حتى الماضي القريب على أنه خير مطلق فإن الحاضر والمستقبل يجعلاننا ننظر اليه مع شيء من الريبة والحذر، فما يحدث من تغيّرات في نظام المعرفة العلمية المعاصرة من تجيير لمصلحة أيديولوجيا مسيطرة، وما يحدث من تغيير في العلاقات والشروط الحضارية الاجتماعية للتطور، وما يقود اليه سوء استعمال العلم، أو استعماله لأهداف تجارية أو عدوانية بحتة، كل ذلك جعلنا ننظر الى العلم المعاصر نظرة ترقّب. فالعلم في نظر الكثيرين (خاصة أنصار البيئة) لم يعد يُستعمل للخير المطلق ولخدمة الإنسان وبيئته تحديداً. بل ان ما تشهده بيئتنا اليوم من تلوّث متعدّد الوجوه ومن خطر على وجود الطبيعة وكل ما فيها وما يقوم به الإنسان المتسلح بالعلم من تعديات على الطبيعة تؤدي الى الاحتباس الحراري وتحلل طبقة الأوزون، وما شابه من مشاكل خطيرة، كل ذلك يوحي بأننا في خضم مرحلة انتقالية من تاريخ العلم.
صفحة 5
هناك اتفاق على حتمية الانتقال الى العلوم "ما بعد الحديثة"، لكن الاختلافات والتمايزات كبيرة في تحديد خصائص العلوم الجديدة؛ وتدخل في رسم التوقّعات الى جانب آراء العلماء الباحثين في العلوم الطبيعية، آراء الفلاسفة والادباء وعلماء الاجتماع وغيرهم. هناك أولاً توقّعان هما أقرب الى شرطين يوضعان على العلوم الجديدة ألا وهما أنسنة العلم وضبط استعمال نتائجه، حيث يوضع الى جانب كل اكتشاف جديد اكتشاف مكمل يقضي على العوارض الجانبية التي تؤذي البيئة والإنسان.

العلوم الجديدة يجب أن تولي اهتماماً للعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية لذلك يُتوقع أن تظهر فروع مشتركة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.

واذا ما نظرنا الى اللوحة الجديدة التي سيرسمها العلم الجديد للعالم فاننا سنرى فيها دوراً للإنسان مكملاً لدور الطبيعة ونتوقع أن ينظر للحيوانات ككائنات فاعلة وان يُحفظ دور للكائنات الحية بشكل عام سيّما وان هذه الكائنات تلعب دوراً في تغيير تركيبة الغلاف الجوي وتركيبة سطح الأرض وقاع البحر.

والإنسان الذي أصبح لاعباً مؤثراً في مجريات الطبيعة ضمن اطار بيئته وصار سبباً لظواهر جديدة ومتجددة تدخل في موضوعات الأبحاث العلمية، قد تحوّل هو الى هدف تتقاطع في جسده تأثيرات العوامل "الطبيعية" الناتجة عن النشاط البشري. هناك أمور مستجدة وتساؤلات مشروعة وملحة، آن للعلم أن يجد إجابات لها: فكيف يتفاعل جسم الإنسان مع الاشعاعات الكهرومغناطيسية الناتجة عن أجهزة البث الفضائي اللاسلكي المختلفة والتي تنتشر في كل الفضاء، وكيف يتفاعل مع الاشعاعات النووية الناتجة عن التجارب أو المفاعلات أو القنابل الذرية. وكيف يتفاعل جسم الإنسان مع المركبات الكيميائية المستحدثة والتي تدخل في طعامه وشرابه ودوائه، وهوائه فهذه المركّبات ليست من نتاج الطبيعة الذي تعودت عليه اجسام الكائنات الحية عبر آلاف السنين. هذه الأمور وأشباهها سوف تكون في صلب اهتمام العلم الجديد، وعلاقة الإنسان بالطبيعية سوف تكون في صلب اللوحة العلمية الجديدة.

في الماضي كان يُنظر الى الكون على انه مبني من لبنات أولية اطلق عليها اسم الذرات، أما اليوم فلا بدّ من أن تؤخذ بعين الاعتبار الموجات الكهرومغناطيسية المختلفة والمنتشرة في كل مكان ولا بد من البناء عليها والبحث عمّا قد أنجز بناؤه.

اللوحة العلمية للكون، التي تجددت مراراً على مر التاريخ هي في مرحلة التجدد مرة أخرى، وسرعة تجددها الى ازدياد مضطرد...... لكن هل ما زال الإنسان يتقبل هذا التجدد؟ وهل الإنسان قادر على تحضير نفسه ليكون مستعداً لاستيعاب التحولات الثقافية والمعرفية السريعة؟ إن تجربة الحضارة البشرية تعلمنا ان الإنسان في طبعه محافظ ولا يتخلى عن معارفه القديمة بسهولة، وبما ان ثقافة العلم لا تستطيع أن تتخلّف عنه فإن على العلوم الجديدة أن تأخذ على عاتقها مَهمَّة تعميم الثقافة العلمية لتحقيق نوع من التجانس الثقافي في العالم على أساس علمي، فالعلم وحده قادر على توحيد البشر. واذا كانت هذه المهمة قابلة للتحقيق في عصر النهضة وفي موازاة الثورات العلمية والفكرية التي حدثت في اوروبا فهل سيكون تحقيق المهمة ممكناً اليوم في ظل الاسترخاء الفكري الحاصل وفي ظل انهماك الاهتمام العالمي بالمسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية؟

قبل حوالى العقدين من الزمن بدأتُ بتحضير أطروحة دكتوراه في مجال فلسفة العلم (بعد أطروحة الفيزياء) بعنوان "دور العرب في تطوير مفهوم العلم". ومع أن ظروف الحرب في لبنان قد حالت دون اتمام المهمة يومها فقد وجدتُ في حينه أن البحث في تطوّر مفهوم العلم وارتقاء الفكر العلمي عبر التاريخ متعة لا تضاهيها متعة أخرى فرأيتُ ان أتوسعَ ما استطعت في البحث حتى أَقْدَمَ البدايات التاريخية الممكنة وآخر النهايات المسجلة ولخّصت كل ما وفّقني الله بتحقيقه في هذا الكتاب في محاولة لاستعراض سيرة الفكر العلمي من منطلقات علمية وباسلوب علمي مبسّط متوخياً التجرد الذي يفرضه الوفاء للحقائق العلمية، وتعمّدتُ استعمال اللغة البسيطة والتعابير التي تستدعي الابتسامة أحياناً لكي أحمي القارئ من جديّة الموضوع المفرطة.

لم أتطرّق الى تاريخ العلم في ما هو سيرة للاكتشافات العلمية والنجاحات التقنية وتوثيقاً للأحداث العلمية إلا بالمقدار الذي يخدم موضوع البحث في تاريخ الفكر العلمي وتطوّر مفهوم العلم على مدى التاريخ؛ وتعاطيتُ مع تاريخ العلم فقط في وجهه المعبّر عنه بحركة الأفكار والمفاهيم والنظريات وتطوّر أنماطها، ومع تاريخ تطور العلم عبر عمليات التراكم وعبر الثورات العلمية. ومرد هذا الأمر الى ضرورة حصر البحث في موضوع يتّسع له حجم هذا الكتاب وليس لأية أسباب فلسفية أو ايديولوجية مسبقة.

لم أتماد أكثر من اللزوم في توصيف دور العرب في عملية تطوير الفكر العلمي لضرورة العدل في توزيع مساحة الكتاب، لكنني أزعم أنني قد أضأت على جوانب لم تُعطَ حقّها من قبل.

حاولتُ في هذا الكتاب التركيز على تحديد موقع العلم في حضارة الإنسان وعلى أهميته ودوره وتأثيره على ادراك الإنسان ومعرفته وعلى مستواه الحضاري. وكان من الطبيعي التطرّق الى حقول نجاحه وحدود فشله والى مهماته المستقبلية والى مصيره بشكل عام.

إنّ ما دفعني الى هذا العمل كان في جانب منه فضول علميّ، كما ذكرت، وفي الجانب الآخر رغبة في وضع ما جاء فيه من معلومات بتصرف مُحبّي المعرفة وخاصة الطلّاب والتلامذة. وقد هالني أن نُدرّسُ طلّابَنا في الجامعات نظريّات عمرها مئات السنين ويبقى معظمهم يجهل روحيّة العلم ومهمّاته الحالية والمستقبلية.
صفحة 6
الفصل الأول

العلم جزء من حضارة الإنسان

لوعدنا بعكس الزمن بعيداً إلى الوراء لتفحص حياة الإنسان في كل العصور الغابرة والتعرف إلى مستوى معيشته والى الأدوات التي كان يملكها ويستعملها، وللاطلاع على مقدار معارفه وطرق ومستوى تفكيره، ولو قارنا كل مقومات عيشه بين عصر وآخر لوجدنا علاقة واضحة بين مستواه العلمي وامكاناته التقنية وبين مستوى معيشته وطريقة تعاطيه مع الطبيعة المحيطة به. هذه العلاقة لم تكن دائماً في نفس الوضوح، وربما كانت غير واضحة للبعض في بعض المراحل التاريخية، خاصة في مرحلة مشاعية الإنسان البدائية، لأن الإنسان الأول لم يكن يختلف كثيراً في أسلوب عيشه البدائية عن أساليب عيش الحيوانات التي عايشته تلك المرحلة. فالإنسان البدائي لم يكن يملك في نظر البعض لاعلماً ولاحضارة، مع أن هذه المسألة بحاجة الى تدقيق.

لكن الحضارة لا تبدأ من فوق الصفر بكثير ولا تبنى على العدم، ولا بد لها من بداية ولو متواضعة، "فاكتشاف" الحجر المسنن واستعماله اداة لصيد الحيوانات، أو لقطع الأغصان، كان بداية من بدايات الإكتشافات والإختراعات التي نمت وتطورت على مر التاريخ، كان نموها بطيئاً في بداية الأمر، ثم تسارعت وتائر تطورها الى أن وصلت الى الحد الذي نعرفه في هذا الزمن- الى الحد الذي نستطيع معه تحقيق رحلتنا بعكس الزمن التي اقترحناها في هذه الفقرة. هذه الرحلة لم تكن واقعية قبل مئتي عام، ثم أصبحت ممكنة في الوقت الحاضر فكلما ابتعدنا عن الماضي يخولنا العلم أن نصبح أقرب اليه، فمن عاش قبل الفي عام يعرف عن حياة الإنسان القديم وعن بداية الحياة أقل مما نعرفه نحن بكثير.

الإنسان الذي افترق منذ بداياته الأولى عن عالم الحيوان، وعن عالم النبات طبعاً، قد بنى لنفسه حضارة تتسع كل يوم، وفي ذلك خاصة هامة، ولعلها الخاصة الأهم، في خواص الإنسان.

وقد يكون من المفيد أن نعطي العلم أوراقه الثبوتية قبل التوسع في شرح وظائفه واستراتيجيته وخططه وطرق عمله، فهو من خاصيات الإنسان دون غيره من الكائنات، ومرة أخرى، فهو جزء من حضارة الإنسان التي كانت أدوات صيده الأولى ووسائل انتاجه البدائية أولى ظواهرها. وكان اجدادنا الأوائل أول من بدأ بتأسيس هذه الحضارة التي ما زالت مستمرة وفي حالة تطور حتى اليوم. الأدوات البدائية هي التي ساعدت الإنسان على الإستمرار في الحياة وأمنت البقاء للجنس البشري، وحمته من الأخطار الخارجية، والأدوات المتطورة هي التي ساعدته فيما بعد على تغيير الظروف المحيطة به.

لقد لعبت الحضارة الإنسانية الدور الأهم في حماية حياة البشر وتسهيل سبل عيشهم عبر تأمين الغذاء والحماية من الأعداء، وتغيير الظروف المحيطة لكي تصبح أكثر ملاءمة للحياة. وعلى عكس الحيوانات والنباتات التي تتأقلم مع الظروف المحيطة فإن الإنسان يؤثر في محيطه ويغير في ظروفه ويسعى دائماً الى الأفضل. والحضارة الإنسانية التي تميز الإنسان عن باقي الكائنات تشمل فعاليات عدة، والعلم منها إن لم يكن أهمها.

يمكننا إذاً، ان نصنف العلم على أنه جزء من حضارة الإنسان، وان نصنف المعارف العلمية، على أنها جزء من ثقافة الإنسان، بغض النظر عن مكانة هذه الثقافة في سلم الأولويات.

ولكي تقوم الحضارة بواجبها تجاه الإنسان تتعاون كل فروع هذه الحضارة فيما بينها. والعلم كواحد من هذه الفروع يتكامل مع المكونات الحضارية الأخرى فيساهم في حماية الإنسان وفي تحسين معيشته...

ان حماية الحياة من الأمراض ومن الظروف الخارجية، من جهة، وتطوير أساليب العيش بشكل دائم، من جهة أخرى، يتطلبان فهم ما يدور حولنا، حيث لا بد من ادراك الواقع والحصول على أكبر قدر من المعلومات عن الطبيعة بكل مكوناتها الحية والجامدة. ولا بد من دراسة الإنسان نفسه، دراسة تركيبه الجسماني، ومتطلباته الجسدية والنفسية، وامكاناته الصحية والعقلية وغيرها. من هنا نرى دور العلم رائداً في هذا المجال، فهو الأقدر على تنفيذ المهمات الحضارية والإجابة عن الأسئلة المطروحة في شتى المجالات.

والعلم متميز عن باقي فروع الحضارة الإنسانية، فهو يتميز عن الفن بالموضوعية والعقلانية واستخدام المفاهيم والنظريات لا النماذج الفنية (العلم يسعى إلى تعميم الملاحظات والمشاهدات الفردية الخاصة وصياغة القوانين والنظريات التي تقود اليها هذه المشاهدات، بينما يسعى الفن الى تخصيص العام وسبكه في نماذج فنية)؛ ويختلف العلم عن الفلسفة بامكانيته على التدقيق في معلوماته واختبار نظرياته للتأكد من صحتها وصحة استنتاجاته؛ ويختلف العلم عن الدين باعتماده على العقل دون الإيمان المسبق؛ ويختلف عن الميثالوجيا في كونه يتعاطى مع أجزاء العالم، ويتعاطى مع صياغة القوانين. والعلم يرفد عالم المعرفة بالمعارف العلمية التي تتكون من معطيات يتم التحقق منها بواسطة التجربة، ومن استنتاجات يتم التوصل إليها على قاعدة قوانين المنطق. هذه المعارف العلمية هي الأقدر على المساهمة في فهم العالم لتحويل وتعديل ما لا يتناسب منه مع أسلوب عيش الإنسان (بغض النظر عن رأينا في هذا التعديل).

العلم ينتج المعارف العلمية فيتم الإعلان عن بعض هذه المعارف ويبقى البعض الآخر كجزء من أسرار الدول والمؤسسات الممولة.

ويشمل العلم حالياً حوالى 15 ألف فرع من موضوعات مختلفة. وحتى نهاية القرن العشرين كان عدد العلماء، والعاملين في حقل العلم حوالى خمسة ملايين شخص، أي حوالى الواحد بالألف من سكان الكرة الأرضية. وهناك مئات الآلاف من المجلات العلمية المسجلة التي تنشر نتائج الأبحاث العلمية، أو تعمل على تقديم هذه النتائج مبسطة إلى القراء، هذا اضافة الى مواقع الإنترنت التي لا تحصى. والجدير بالذكر ان حوالى 90% من نجاحات العلم قد تحققت في القرن العشرين.

المعارف العلمية، كما ذكرنا، هي مجموعة من المعارف الموضوعية، تنتجها النشاطات العلمية، من أبحاث وتجارب وفرضيات ونظريات. ويتم تمييز ثلاثة حقول من هذه المعارف هي:

- أولاً: المعارف عن الطبيعة، وتقوم بانتاجها العلوم الطبيعية.

- ثانياً: المعارف عن المجتمعات، وتقوم بابرازها العلوم الاجتماعية.

- ثالثاً: المعارف عن الإنسان، ككائن يفكر وله شخصيته، وتعتبر من اختصاص العلوم الإنسانية بشكل رئيسي.

هذه الحقول العلمية ليست على تناحر فيما بينها، رغم أنه يوجد بينها فروقات كبيرة، ففي العلوم الطبيعية، مثلاً، يجب أن يكون التحليل (والتجربة أيضاً) موضوعياً لا يتأثر بالإنسان، أما في العلوم الإنسانية فإن الإنسان هو المحور والموضوع. لذلك تتأثر النتائج بالشخص ولو كان الباحث مجرداً عما حوله. فالعلوم الإنسانية التي تدرس الآدمي وتعطيه تقييماً معيناً، لا بد أن تأخذ في الحسبان المعايير الأخلاقية؛ بينما لا يمكننا ان ننعت الظواهر الطبيعية مثلاً بالقبيحة أو اللئيمة أو الطيبة او ما شابه ذلك من صفات... هناك مكان لذاتية الموضوع وهنا مطلوب موضوعية الى آخر الحدود (مع الإحتفاظ بالتفريق بين انشطار الذرة كعلم، وبين صنع القنبلة الذرية كنزعة عدوانية عند الإنسان).

وهناك حقول تتطلب الإستعانة بأكثر من فرع من فروع العلم؛ هذا ما نراه مثلاً أثناء دراسة المحيط الحيوي ومشاكل البيئة. فعند البحث عن حلول للتدهور البيئي تتم الإستعانة بقوانين الفيزياء والكيمياء، لدراسة الغلاف الجوي؛ وبعلم النفس وعلوم الحياة، لمعرفة سلوكيات الكائنات، وهكذا دواليك...

ولقد وصل الإنسان اليوم الى مرحلة يصعب فيها تصوره مستمراً في حضارته بدون العلم. فالعلم يؤمن في أيامنا حتى البقاء على قيد الحياة للجزء الأكبر من بني البشر، فلولا العلم لقضى الكثيرون برداً وجوعاً ومرضاً. ومما لا شك فيه ان للعلم دوراً ريادياً في هذا العالم، وان لم يكن يلعب دوراً قيادياً في حياة كل المجتمعات.
صفحة 7
المعارف العلمية والمعارف غير العلمية

العالم من حولنا مليء بالحقائق وغني بالمعلومات، غنى تنوعه واتساعه وامتداد تاريخه؛ فكوكب الأرض عمره أكثر من 6.4 مليارات سنة، والكائنات الحية ظهرت عليه منذ مئات ملايين السنين. أنواع الكائنات الحية تعد بالملايين، وأنواع المركبات الكيميائية تعد بعشرات الآلاف، وكل هذه الأنواع على تماس فيما بينها وتربطها علاقات متبادلة، وتربطها علاقة بأشعة الشمس وبالاشعاعات الآتية من أعماق المجرات البعيدة، فما أكثر ما يمكن ان نعرفه أو نتعرف عليه من حقائق ومعلومات... لكن هل كل المعلومات التي نتلقاها، أو نتوصل إليها يمكن نعتها بالعلمية؟ وهل المعلومات العلمية وحدها هي المعلومات الصحيحة والضرورية؟ هل المعلومات العلمية دائماً صحيحة، هل هناك حقائق خارج إطار العلم؟ وما الفرق بين معلومة علمية وأخرى غير علمية؟...

في أجوبتنا المختصرة على هذه الأسئلة نقول: ان هناك حقائق ومعلومات قد تجمعت على امتداد وجود الإنسان على هذه الأرض، منها معلومات موضوعية عن العالم وعن الحياة، ومنها ما هو ناتج عن نشاطنا اليومي وتفاعلنا الحيوي مع الطبيعة ومع بعضنا البعض، ويمكننا تصنيف هذه المعلومات الى علمية وغير علمية، بعضها علمي وبعضها لا يدعي ولا يريد الإنتماء الى العلم. فلو جمعنا كل المعارف والمعلومات في" بنك للمعلومات" لوجدنا ان المعارف العلمية تشكل جزءاً من موجودات هذا البنك ولا تشكل كل موجوداته.

من الحقائق غير العلمية ما هو صحيح بنسبة مئة في المئة ومنها ما هو خاطئ بكل تأكيد؛ فمعلومة "ان الله واحد" هي حقيقة صحيحة مئة في المئة، لكنها حقيقة غير علمية، بل هي خارج اطار العلم؛ ومقولة " فلان يمارس الرياضة كل صباح" قد تكون صحيحة مئة في المئة، لكنها ليست حقيقة علمية. وعندما يخبر الجار جاره بأن محلاً للكتب قد افتتح في الشارع الذي يسكن فيه وان اخاه الصغير يذهب كل صباح إلى المدرسة، خمسة أيام في الأسبوع، وانه يرتدي مريولاً أزرق وانه ينتقل من المدرسة واليها بواسطة " الأوتوكار" فانه بذلك يعطيه معلومات صحيحة لكنها غير علمية. فهناك شروط ومعايير تميز الحقائق العلمية، فلا تنتمي أية معلومة الى حقل العلم إلا بتوفر هذه الشروط والمعايير.

من أهم المعايير التي نميز بها المعارف العلمية عن المعارف غير العلمية معيار الموضوعية، فإذا توصل أحد العلماء الى نتيجة علمية معينة يجب ان يتوصل اليها نفسها أي عالم آخر فيما لو اتّبع نفس الطريقة التي اتّبعها العالم الأول، فالنتائج العلمية يجب أن تكون مستقلة عن العالم الذي يتوصل اليها، والا كانت علمية لفئة من الناس وغير علمية لفئة أخرى! وهذا ما لا يجوز في اطار العلم. ومن المعايير العلمية أيضاً يقينية المعارف العلمية، فالعالم يقوم بفحص نتائجه بصورة دائمة للتأكد من صحتها. ويتميز العلم بنقديته، فهو يخضع استنتاجاته للشك واعادة النظر عندما لا تصمد أمام التجربة والبرهان. ولا يتوانى العلم عن شطب أية نظرية اذا لم تصمد أمام التجربة مهما كانت هالتها ومهما طال الزمن الذي سادت خلاله. ومن المعروف في العلم أن القانون الذي تثبت صحته آلاف التجارب يتم دحضه وسحب "شرعيته" اذا لم يصمد أمام تجربة ولو واحدة. لذلك يركز مبدأ الخضوع للتكذيب على البحث عن التجارب المضادة التي تثبت خطأ القوانين أو النظريات. ان الحقيقة العلمية لا تخجل ولا تخاف من الخطأ، فهي على استعداد للإعتراف بكل أخطائها، وربما كان في ذلك سر نجاح العلم الذي "لا يتشبث برأيه عن غير حق".

ومن منهجية العلم في تفنيد الحقائق مبدأ التحقق، فاعتماداً على هذا المبدأ يجب أن يخضع كل رأي جديد للتجربة المباشرة لكي يكون ذا مغذى. واذا كان من الصعب اخضاع بعض النظريات العلمية المتطورة للتجربة، فإنه من الضروري اللجوء الى التحقق من علميتها (من صحتها) بطرق غير مباشرة، كأن يتم التحقق من استنتاجاتها؛ فإذا كنا لا نستطيع رؤية الإلكترونات للتحقق من صحة نظرية الكهرباء فإن بامكاننا رؤية عمل المحركات الكهربائية، ورؤية نور المصباح الكهربائي وغيره، ونحن نستخدم الراديو والتلفزيون يومياً على أية حال. ان مبدأ التحقق يساعدنا على تصنيف النظريات الى علمية وغير علمية.

ومن معايير العلم النظامية أو النسقية، فالعلم ليس مجموعة من المقولات الصحيحة، بل هو نظام متكامل لا يمكن حذف أي جزء من بنائه بدون أساس موضوعي صحيح. والمعارف العلمية تقدم كأنظمة فيها مبادئ- منطلقات وبديهيات أساسية (Axioms) تستخرج منها أو على أساسها، معارف ومعلومات.

ان بنك المعلومات لا يشكل علماً، فالعلم نظام منسق ومتكامل فيه بنك من المعلومات، اذا صح التعبير، تزداد موجوداته يوماً بعد يوم، بل لحظة فلحظة. لكن النظامية أو النسقية لا تؤمن بمفردها الشرط الكافي للانتساب الى العلم، فهناك بعض قطاعات المعرفة التي تتمتع بنظام (مثل الدين) لكنها ليست علماً.

والعلم ليس نظاماً معرفياً وحسب، بل هو نشاط للحصول على المعلومات (المعارف) حيث يتطلب ذلك وجود منهجية لانجاز أبحاث نظرية وتطبيقية، ووجود أشخاص مختصين بالقيام بهذه المهمة.

ومن معايير العلم العقلانية التي تعترف بوجود العلاقات السببية وتحترمها، وتتطلع الى الكون بنظرة شمولية. ومن معايير العلم تجريبيته و"ترييضه"، أي امكانية وجود طرق تجريبية للبحث وامكانية استعمال الرياضيات في فروع العلم المختلفة. هاتان الميزتان تعتبران من خصائص العلم الحديث وامتداداته التطبيقية.

هناك مجالات علمية يصعب علينا اخضاعها لأحكام التجارب العلمية مثل الدراسات العلمية عن الكون والثقوب السوداء، مثلاً، لكن ذلك لا ينفي علميتها. وهناك فروع أخرى لم تدخلها الرياضيات على نطاق واسع ومع ذلك حافظت على المعايير العلمية الأخرى.
صفحة 8
ان الإهتمام بالنظريات العلمية هو في أحد جوانبه حافز للبحث عن الحقيقة من أجل الحقيقة؛ فعندما يكون العلم متجهاً لحل المسائل التطبيقية فقط فانه لا يبقى علماً بكل معنى الكلمة حيث يجب أن تدخل في أساس العلم النظرة الشمولية وان يكون هناك مكان للإهتمام المجرد بالعالم المحيط وبأسراره وبالحقائق المختبئة في زواياه، حتى ولو لم يكن هناك مصلحة مادية مباشرة للباحث (أو للممول)، ففي ذلك سرّ من أسرار ولادة الأفكار العلمية الخلاقة.

هذه المعايير لم تكن متوفرة جميعها في كل النشاطات العلمية التي عرفها الإنسان على امتداد حضارته. لذلك لم تكن النتائج العلمية التي توصل اليها الإنسان تتمتع بنفس الدقة. وهذا أمر طبيعي، فالوعي العلمي ليس له حدود والحقائق المطلقة لا يمكن الوصول اليها بسهولة، لذلك يجب النظر الى المعارف العلمية على أنها غير مكتملة ومرشحة للتطور والتعمّق والإتساع. الحقائق التي نعرفها هي حقائق نسبية، وهي قليلة نسبياً، فكلما عرفنا عن الكون أكثر كلما اكتشفنا ان ما ينقصنا أكثر، فــــ"كل وعاء يضيق بما فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع".

أن مسألة التأكد من مدى علمية المعلومات التي تصلنا، والنظريات التي تطرح علينا، ليست مسألة بسيطة وفي متناول كل إنسان، فقد تلتبس علينا أحياناً عملية البت في علمية هذه المعلومة أو تلك، لكن الرجوع الى المعايير العلمية من شأنه ان يقينا خطر الوقوع في شرك الكثير من النظريات الخادعة. هذه المعايير لا يمكن تطبيقها بصرامة على علوم الاقدمين، طبعاً، والا لكان في الأمر بعض الغبن. من هنا كانت الإختلافات كثيرة في وجهات النظر عند تصنيف علوم الحضارات القديمة ومدى انتمائها الى حقل العلوم.

ان مجموعة من المعلومات لا تشكّل علماً، كما ذكرنا، مهما كبرت هذه المجموعة، كما ان عملية جمع المعلومات لا تشكل لوحدها علماً، الاّ اذا ترافقت مع منهجية معينة وآلية لاستنباط ما سيأتي لاحقاً اعتماداً على ما هو موجود أو ما جمع من معلومات، كذلك هو وضع علم الإحصاء. فقد نقوم مثلاً باحصاء عدد سكان لبنان في كل عام وننشر النتائج في الكتب والمجلات وعبر وسائل الإعلام، ولن يكون في ذلك علم أو معرفة علمية. أما اذا حسبنا معدل الزيادة السنوية في عدد السكان (كحد وسطي للزيادات في عدة سنوات ماضية) واعتمدنا على ذلك لكي نتنبأ بطريقة علمية عدد سكان لبنان بعد ثلاثين عاماً أو أكثر، فإن معلوماتنا تصبح عند ذلك معلومات علمية.

والعلوم كما هو معروف لا تتمتع بنفس الدّقة العلمية، ولعل دراسة المادة الجامدة تسمح بالحصول على نتائج أكثر دقة من تلك التي نحصل عليها أثناء تعاطينا مع الكائنات الحية ومع تصرفات هذه الكائنات وعلاقاتها مع بعضها البعض (مواضيع العلوم الإنسانية تقع ضمن هذه العلاقات) والمعروف ان في العالم الواقعي جملة عوامل ومتغيرات، غالباً ما نهمل بعضها أثناء دراستنا العلمية لكي نسهل عملية الحسابات الرياضية، أي أننا ندرس حالات خاصة تتناسب مع مقدراتنا الرياضية والتكنولوجية والحضارية بشكل عام. فلو أخذنا المثل الذي يعرفه كل تلميذ قد تابع المرحلة الثانوية في المدرسة، أي مثل القذيفة المدفعية التي يتم رسم مسارها بناء على حسابات تأخذ في الحسبان جاذبية الأرض، سرعة انطلاق القذيفة والزاوية بين اتجاهها الأولي وسطح الأرض. في مثل هذه القذيفة نجد أن دراستها تهمل مقاومة الهواء وتعتبرها ثابتة، بغض النظر عن المكان والزمان، كما تهمل نسبة الرطوبة والإرتفاع عن سطح الأرض وما شابه ذلك. لذلك لا تأتي النتائج دقيقة مئة في المئة، اذ لا نستطيع تحديد مكان سقوط القذيفة بدقة تصل الى السنتيمتر أو المليمتر مثلاً.

وعندما نتحدث عن المسافة بين الكواكب والنجوم والمجرات فإن نسبة الخطأ تكون كبيرة لسوء الحظ، لكن المهم أننا نحصل على نفس النتائج فيما لو تغير الشخص الذي يجري عملية القياس ونصل الى نفس النتائج فيما لو كررنا العملية آلاف المرات.

أما في العلوم الاجتماعية والإنسانية فإن نسبة الدقة لا يمكن أن تكون كبيرة لأن في هذه العلوم بعض الجوانب التي لا تعتمد على الموضوعية، بل على ذاتية الإنسان الذي يشكل مادة هذه العلوم.

من جهة أخرى نلاحظ أن العلم لم يتمتع على امتداد تاريخه بنفس الضوابط والمعايير؛ فقد كان في طفولته جزءاً من التقنية البدائية، وشكل في بعض مراحله جزءاً من الفلسفة التي تمكنت منه طيلة الفترة التي سادت فيها فلسفة أفلاطون وأرسطو.

وقد بدأ العلم ينتزع استقلاليته وهيبته منذ القرن السابع عشر، أي عندما بدأت مرحلة اخضاع النظريات العلمية للتجربة على يد غاليليه وأنصاره. كان ادخال التجربة كمعيار التحقق من صحة النظريات العلمية خطوة مستجدة على العلم ومستغربة في بداية الأمر؛ الا أنها قد أثبتت فعاليتها وصارت الشرط الذي لا بد منه في اثبات أية نظرية علمية تطبيقية. وقد جرى نقاش واسع في حينه حول صلاحية أن تكون التجارب الحاسمة مقررة لصحة أية نظرية. وكان فرنسيس بيكون من المؤيدين لهذه الفكرة. ورغم كل المعارضات والإعتراضات، فقد جرى تثبيت الإعتراف بأن كل مقولة علمية يجب ان تكون مقرونة بالملاحظة والتجربة.

إن أغلب النظريات العلمية تتم صياغتها في قالب رياضي، أي على شكل معادلات رياضية، فالرياضيات هي لغة العلم. ويتم تظهير الاستنتاجات أيضاً بواسطة الرياضيات. وفي كثير من فروع العلم، خاصة في الفيزياء النظرية، نجد ان الوصول الى النظريات والقوانين العلمية يتم بواسطة البراهين الرياضية ثم يأتي بعد ذلك دور التجارب العلمية لتقول الكلمة الفصل.

وباختصار شديد يمكننا القول ان المعارف العلمية هي مجموعة المعارف الموضوعية عن الوجود، التي تغطي الطبيعة والمجتمع والإنسان وتتوافق مع المعايير العلمية التي أتينا على ذكرها.
صفحة 9
وظائف العلم

اذا كان العلم قد دخل حضارتنا دون استئذان في بادئ الأمر فإن مدنيتنا تخصص اليوم ميزانية لا يستهان بها لتمويل مؤسسات العلم ومشاريعه، حيث لا توجد دولة في العالم إلا وتخصص جزءاً من ميزانيتها لمؤسساتها العلمية. فكل فرد في هذا العالم يساهم، اذاً، عن طريق الضرائب التي يدفعها بجزء من هذه الميزانية. هذا مع أن الآدميين غير متساوين من حيث الكلفة التي يساهمون بها لتطوير العلم، وهم طبعاً غير متساوين من حيث الإستفادة من نتائجه ونجاحاته؛ ينطبق هذا على الدول والشركات والأفراد (وهم ليسوا في نفس درجة الحماس لتطوير العلم على أية حال). فهل من الحكمة الإستمرار في دعم العلم وتبنيه؟ وهل يستحق العلم كل هذه الكلفة وهذا الإهتمام؟

لقد بدأت تعلو في الآونة الأخيرة أصوات تعتبر أن العلم قد " أدى قسطه للعلى" ولم يعد له ما يفعله، ولم نعد بحاجة الى خدماته... لكن ولحسن الحظ أن هذه الأصوات بقيت أصواتاً منفردة والعلم يجدد شبابه عل كل مفترق وفي كل محطة.

لكي تؤمن استمراريتها في الحياة ولكي تطور أساليب عيشها على هذه الأرض، لا بد للأسرة البشرية من فهم العالم الذي تعيش فيه. لا بد من فهمه كما هو أولاً لكي تعرف كيف تحافظ على ديمومته وسلامته وتسعى من ثم الى تحسين وتطوير أساليب العيش فيه. ومن أجل كل هذه المهمات يبرز العلم كضرورة لا بد منها ولا تملأ مكانه أية فعالية أخرى لأنها لا تستطيع القيام بنفس الدور والوظيفة. فما حضارتنا إلا جملة من المعارف وجملة من المكونات والفعاليات التي تساعد على التأقلم مع هذا العالم والتمتع به وتغيير بعضه لجعل الحياة أكثر سهولة وسعادة، وليس لذلك أمضى من العلم سلاح. فهو يقدم للإنسانية أكبر الخدمات ويقوم لذلك بوظائف لا حصر لها فهو:

1- يصف لنا الظواهر في هذا العالم ويقوم بدراستها ودراسة أسبابها، ومن هنا تبدأ عملية صياغة قوانين الطبيعة، وهي وظيفة هامة من وظائف العلم. ثم ينقل الوصف إلى تصنيفات فيضع كل ظاهرة في خانتها المناسبة ضمن النظام العلمي الواسع والمتكامل.

2- وبعد تفسير الظواهر الطبيعية وتوضيح أسبابها، يقوم بدراسة وتوضيح اتجاهات تطورها وآفاقها والحدود التي يمكن أن تصلها.

3- يقوم بتنفيذ الوظيفة المعرفية فيكتشف ويشرح سنن الطبيعة، ثم يستشرف آفاق المستقبل ويتنبأ باكتشافات جديدة. هذه الوظيفة التي تؤمن المعرفة للإنسان تجعله يشعر بالثقة فيسلط الضوء على المسائل المجهولة ويؤسس لبرامج الأبحاث المستقبلية والبعيدة المدى.

4- يقوم بتسهيل امكانية استعمال المعلومات التي يتم الحصول عليها ويساهم في تطوير وسائل انتاج الإنسان وتطوير التكنولوجيا بشكل عام، وتنظيم الحياة الاجتماعية وتطوير التوجيه الاجتماعي. هذا اضافة الى الوظائف التطبيقية الأخرى، فالعلم لا يستطيع أن يكون منقطعاً عن قطار الحياة.

والعلم يقدم خدماته أيضاً للفعاليات الإنسانية والمعرفية الأخرى مثل الدين والفن وغيره (وذلك بالتكافل والتضامن مع التكنولوجيا).

ان المتتبع لتاريخ العلم يجد انه قد نجح الى حد بعيد في عدة وظائف، وخاصة في الوظائف التالية:

1- الوظيفة البحثية

فقد بحث العلم ودون انقطاع في سببية الواقع الموضوعي ووجد اسباباً للكثير من الظواهر التي كانت تعتبر محيرة.

2- الوظيفة التعليمية

في اطار هذه الوظيفة يتم انتاج الوعي العلمي ونشر الثقافة العلمية، ويتم انتقال التصورات العلمية من نظام بحثي الى نظام آخر. ويتحقق جزء من ذلك أثناء اعداد الكوادر العلمية ضمن نظامي التعليم المدرسي والجامعي، فتتم المحافظة على تتابع التقاليد العلمية.

3- وظيفة التواصل

يتم بموجب هذه الوظيفة تبادل المعلومات بين أعضاء المجتمع العلمي عن طريق نشر النتائج العلمية، تنظيم المؤتمرات العلمية، النقاش العلمي وما شابه... كل هذه النشاطات تساهم في تفعيل النشاط البحثي العلمي.

4- الوظيفة الاجتماعية

يعتبر العلم من أهم عناصر الحضارة البشرية، وعاملاً مؤثراً جداً في تحديد الوعي الاجتماعي، وفاعلاً في دينامية العملية التاريخية. وتطور العلم مؤشر صادق للدينامية الإيجابية في مدنيتنا.

ويلاحظ أنه حتى بدايات القرن التاسع عشر ظل العلم يحمل طابعاً فطرياً، فلم يكن تأثيره كبيراً على العمليات الاجتماعية- الحضارية لكنه،ومنذ أواسط القرن العشرين أصبح يشكل نظاماً متكاملاً ومسؤولاً الى حد كبير عن الدينامية العملية في الوعي الاجتماعي.

ان وظائف العلم المتعددة لم تكن على قدم المساواة من حيث الأهمية في كل العصور التاريخية. ففي كل مرحلة كان يتم التركيز على وظيفة دون أخرى، وذلك تبعاً للزمان والمكان وتبعاً للظروف الاجتماعية والحضارية. ففي العصر الإغريقي مثلاً، كان التركيز على الوظيفة العقائدية، أي على الرؤية الشمولية للعلم- تلك الوظيفة التي تقربه من الفلسفة وفي العصور الوسطى كانت الأهمية للوظيفة التعليمية حيث تركز العلم في الجامعات، في ظل ما سمي بالمذهب المدرسي الذي سنتحدث عنه فيما بعد. أما في العصور الحديثة فإن التركيز يجري على الوظيفة البحثية (الا في المجتمعات الإستهلاكية وشبه الطفيلية التي لا تحس بوجود العلم الا عبر وظيفته التطبيقية- الإنتاجية).
صفحة 10
عقيدة العلم

يمكن تقسيم الوظائف التي يقوم بها العلم الى وظائف يقوم العلم بموجبها بخدمة الإنسان، وأخرى يسهل بموجبها علاقة الإنسان بالطبيعة والى وظيفة يهتم العلم بموجبها بنفسه لكي يضمن استمراريته وتقدمه ومبرر وجوده. فالعلم يحمل عقيدة لكنها ليست عقيدة اية مجموعة بشرية مهما ادعت انها الأقرب الى العلم والى الحقيقة، فالعقائد السياسية والمذاهب الفكرية هي عقائد اختار ان يختلف على أساسها البشر، أما عقيدة العلم فهي عبارة عن صورة شاملة ومتكاملة للعالم. ومن أجل تعديلها وتظهيرها يستعمل العلم كل المعلومات التي يتم الحصول عليها، الجديد منها يضاف الى القديم والخاطئ منها يحذف أو يتم تعديله.

وتعتبر هذه الوظيفة من أهم وظائف العلم لأنها تعطيه امكانية صياغة الصورة العلمية للعالم- صورة النظام الكامل التي تعطي بياناً بكل سنن الطبيعة وخواصها، على أن يكون هذا البيان قابلاً للتنقية والتعديل والتوضيح بصورة دائمة.

ان مجموعة التطورات العلمية أو النجاحات في نظام التقدم العلمي تشكل اسس العقيدة العلمية، فهي نظام يحتوي على المبادئ والمفاهيم والتصورات والقناعات التي تشكل المدخل الكامل الى الواقع الموضوعي.

وفي عنوانها الأعم، تتصل العقيدة العلمية بعلاقة الإنسان العقلية وبالطبيعة المحيطة به في كل العصور السابقة واللاحقة.

الآن يمكننا أن نجزم بأن العلم قد أنجز عقيدته العلمية جامعاً وظائفه العديدة التي اجتمعت على مر التاريخ ليحتل مكاناً مميزاً في العملية الاجتماعية- الاقتصادية- الثقافية في المجتمعات المواكبة لحركة التاريخ.