eKtab
EN ع
ما قالته الجراح
اقرأ عينة مجانية

ما قالته الجراح

بقلم سلطان الزيادنة

صفحة 1

ما قالته الجراح وأبي

ليس الشَّقيُ بطيّبٍ فـي عَيشِه

مهما تكلّفَ حِكمَة الصبّارِ

إلى أبي بعد فوات الأوان

عزَّ الزَّمانُ بقطرَةٍ لِقفاري

واستوطَنَ الظَّمأ الأثيمُ دياري

والعمرُ يحمِلُني على رمْضائه

أنّى أسِرْ أُبصِرْ نَزيفَ جراري

مِلحُ العيونِ على الدروبِ قَصائدٌ

صمَّاءُ قد نطَقت بِصمتِ الدّارِ

والآن يكسو الموتُ لونَ قصائدي

والحزنُ يُبكي مُقلَةَ الأوتارِ

أطوي الأسى فوقَ الأسى بِلفائفي

دُنْيا مِنَ اللّوعاتِ والتِذكارِ

وتخوض في بحرِ الشقاء مراكبي

مَدفوعةً بمَصائرِ الإجبارِ

لَكِنَّ مَوْجَ الهمِّ حطّم دفّتي

وتَكفَّلت ريحُ النّوى بالصَّاري

كلُّ الوجوهِ الماضياتِ أَحِبَّةٌ

ولَّوا ليكتبَ بُعدُهم أشعاري

صفحة 2

ناشدتُهم والرّيحُ تَعصِفُ في دَمي

والقلبُ لا يقوى عَلى الأسفارِ

إِنَّ الْوَفَاْءَ لِنبضِ قلبي يَقْتَضِي

ذكرَ الضّياءِ لسالفِ الأقمارِ

ودّعتُ سَعدي بعدَما سبَّلته

وَمضيت وَالصَّمتُ الكئيبُ إزاري

لم ادرِ هل عَتمٌ ألمَّ بشمعتي

فأناخَ ،أم ليلٌ أزاحَ نهاري

حتّى كروم النورِ غارَ بريُقها

والنجم قطَّبَ وجهَهُ للسّاري

والشمسُ في أجفانِها لمَّا يَزلْ

وَسَنٌ يغالبُ صَحوَها المُدّاري

فإذا بطيفِ أبي يَفيضُ بِحالكي

تحكي طيوبُه عاطِر الأزهارِ

فسَمعتُ مِنْ أبتي كلاماً بيّناً

كالفجرِ شقشقَ في دجى الأسحار

لا يأسَنُ البحرُ الرَّحيبُ بِمائه

مهما تجنّى الشَّطُّ بالأكدارِ

وإن امرؤٌ عدَّ السماحة مَغرَماً

اسودَّ قلبه واستوى بالقارِ

قل للجَبانِ وقد تلكأ خانعاً

أبوردة تكفي أذى البتّارِ ؟!

أيام تَركنُ للخضوعِ، وَتستقي

خَمرَ النَّدامةِ مِن قُطوفِ العارِ

عَجباً لمن أخذَ الهزالُ بِعزمِه

أنَّى يطيحُ بغاصبٍ جبَّار؟!
 

صفحة 3

وإنِ امرؤٌ فَقَدَ الإباءَ فما له

في العزِّ بَعد هَوانه مِن جارِ

يا من أضاع سُموّه بَهوانه

وبما يَحطّ الرّوح من أوزارِ

مَن غرّه وَثَنُ الحَياةِ بزيفه

مَلأ اليدينِ بفائضِ الأصفارِ

أما الإياس مِنَ الحَياة فحِكمةٌ

وتَطيبُ في ديمومة الإعسارِ

فاسلمْ بنفسكَ أن تَرومَ سعادةً

وكفاكَ حَرّاً ما بها مِن نارِ

ولقد أقولُ لطامعٍ بسُلافها

ترجو الحَلاوَةَ مِن جَنى المرّار؟!

ما بينَ فَرحَةِ مَولدٍ ورَحيلُنا

نَبكي بِلا عَينينِ حُكم الذّاري

فَعَلامَ يَخْشَى الْمَرْءُ أوبة روحه

والموت يخرقُ أحصنَ الأَسوارِ؟!

والموتُ كلٌ لا مناصَ يذوقه

مهما استطالت غَفوةُ الأقدارِ

بينَ الأحبّة قد يُلاقي حَتفَه

فِي مَحضرَ التسبيحِ والأذكارِ

وَ تَمُوتُ آلافُ الخيامِ غريبةً

مَنْسِيَّةً بمَواطنِ الأغيارِ

فانشر جَناحَك للحياةِ مودِّعاً

واقرأ عليها سورَة الإدبارِ

والآن أمضي فالرّحيلُ يَشدُّني

وعزاءُ نفسي أنْ يَطيبَ بِذاري

أنسيتني أبتاهُ حيَّ مواجعي

وجَمعتَ من لُجَجِ الدروب نِثاري

فاكْرِمْ بِطَلِّ سحابكم من زائرٍ

ما هلَّ إلاَّ مُطفئاً لأواري

وَإليك مِنْ روحي التَّحِيَّةُ كُلَّمَا

ناحت ملوّعة عَلَى الأشجارِ

وسَقَاكَ ربي مِن مَعينه رَحمةً

وأنالَكَ السُّكنى مَع الأبرارِ

صفحة 4

سِراجٌ أضاعَ فَتيلَه

سافرتُ في اللَّحظةِ

في ما قَبلَها

ما بَعدَها

أرعبَنَي الَّذي بَدا

فُلكانُ بالرُّعبِ القَديمِ يُرسِل الرَّدى

يَختطِفُ الحَياةَ مِن سُنبُلِها

ويَستَريحُ فَوقَ جُثمانِ المَدى

سَافرتُ لِلماضي

رأيتهُ مُعلَّقاً على الأعوادِ

قاتلاً قَتيلْ

أورَثَنا الحَمامَ

لكِنْ لَمْ يُورِّثنا الهَديلْ

أورَثَنا السِّراجَ

لكِنْ لَمْ يورِّثنا الفَتيلْ

أشباحُه ما زالَ ليلُها يُقيمُ بينَنا

كي لا نُضيءْ

والحالِمونَ بالنَّهارِ

في رِواقِ الانتِظارِ

صفحة 5

يَمضُغونَ الوَقتَ والصُّبارَ

والشَّمعَ الرَّديءْ..

أرعَبَني السَّوادْ

فقُمتُ بارِداً

كآخرِ الرَّمادْ

مَحوتُ طيني

مِنْ كِتاباتِ جَبيني

وَحَقنتُ الصَّدرَ

بالبُكاءِ والسُّكوتْ

وَعُدتُ لِلحاضِرِ

مُتعَباً تَشهَّى لَو يَموتْ

لَيسَ بِعيني مِنْ مَحاري لؤلؤٌ

ولا بِتاجي المُجتَبى ياقوتْ

قَد قيلَ لي في لَحظةٍ

كَسرتُ فيها دونَما أي ارتجافٍ

قُفلَ ما أحسَبُهُ تابوتْ

-مَن يَنبش القبورَ

يَسكُن الغُرابُ روحَه والعَنكَبوتْ

-مَنْ دَقَّ بابَ أرضِه

لنْ يَرتَدي لَو عَبَّ كُلَّ الماءِ

وَجهَ عَشتَروتْ

صفحة 6

أشياءُ المُتعَبة

تئنُّ الرّوحُ من حمل الثّقالِ

ويُلهب ظهرَها سوطُ الكمالِ

وتصرخُ كُلَّما ألْقَتْ غيوبٌ

حرائقها على غاب السؤالِ

هي الرّوحُ الشّقية دون جدوى

تحاول سرّها بعسى النّوالِ

وما عنبُ المُحال لها بدانٍ

ولا مرّار ممكنها بحالي

تريدُ تمامَها والنِّصف غيبٌ

ينادي من قديمٍ أنْ تعالي

تحنُّ لضمِّه وتموت برداً

ودفءُ الضّمِّ يُغري بالوصالِ

فتدنو من سماءِ الوصل لكنْ

تُعاجِلُها المصائرُ بالنِّبالِ

فتهوي من عَلٍ والغمُّ بادٍ

تُرمِّمُ وجهَها والدمع صالي

أُزمِّلُها بأكفاني وأدري

كثيرٌ موتُه من رامَ عالي

وأنظرُ في المرايا ليسَ فيها

سِوى قمرٍ تمرّغَ في الرِّمالِ

صفحة 7

وأدياكٍ تصيحُ لغير فجرٍ

وفجرٍ يختبي خلفَ التِّلالِ

ووجهٍ مثل وجهي كان يمشي

ويجمعُ ما تناثرَ من ظِلالِ

وأخرجُ من مجازات المرايا

لينقشعَ الغموضُ عن المقالِ

فألقاني فؤاداً ضلَّ صدراً

وألقاني جنوباً في شمالِ

غريباً عشتُ أبحث في المنافي

عن الوطن البتول فما بدا لي

عثارٌ خطوتي والبينُ لَصقي

شقاءٌ أوّلي والتيهُ تالي

وحظّي في الحياة مِن الأماني

كحظّ البيدِ من دِيَم الغِلالِ

فيومي أبيضُ النبضات كهلٌ

وأمسي أصفر الوجناتِ بالي

أقولُ وقد صبأتُ بدينِ "عِشها"

وقيّدَني ترابي بالحبالِ

فدى الصدّيقُ بالغالي بِلالاً

فمن بقليله يفدي بِلالي

صفحة 8

لأجلهِ يُضيءُ سَوادي

لَكَم حاصَرتنا العيونُ

بضيقِ المَرايا

لكَم أوقعتنا الأماني

بَوهمِ الحياهْ

تُراها لِمنْ؟!

وليسَ سِوى البؤسِ مِنها

وفيض ظلامٍ

يشجّرُ أشباحَهُ في مَدانا

يناهضُ لونَ رؤانا

ويمطِرُنا في النهايةِ

غُسلَ عَماهْ

أشدُّ نياطَ الكلامِ

لعلَّ القصيدةَ تنسى

ولكِنْ

بعيدٌ هو الدربُ للأغنياتِ

قريبٌ لصيقٌ

نزيفُ الشِّفاهْ

وبالرغمِ عني

يَقولونَ غَنِّ!

فكيفَ أغني

وما عدتُ أملكُ ناياً يقولُ بلادي

ولا عادَ لي

في سفوحِ الجبالِ شِياهْ؟!

صفحة 9

نَستنا عَناوينُنا

ومواويلنا

وحادي الجِراحِ

على نَغمِ المِلح ِ خطّ خُطاهْ

لنخرُجْ إذَن من إطارِ النُّكوصِ

نشاكسُ نسيانَنا المترامي

ونقرأُ آخرَ سطرٍ نَساهْ

لقد بيعَ تاريخُنا في المَزادِ

تُراباً كوَتهُ الهَزائمُ

حتّى سَماهْ

وسادِنُ مَعبَدِنا

يتلفعُ بُردَةَ طُهرهِ جَهراً

ويَعرى

إذا ما خَلا بِخباءٍ

وهاتِفُ خَصرٍ دَعاهْ

عزيزُ البِلادِ

على وَقعِ إنْ كانَ قَدْ قُدَّ مِن دُبُرٍ

تَهلّلَ وَجهُ تُقاهْ

و في نَشوَةِ الزَّهوِ

عاقبَ زوجَهُ صُبحاً

وراودَ ليلاً فَتاهْ

فيا وطناً يَحزنُ مِن أجلِ حُزني

وحينَ أجيءُ إليهِ قتيلاً

يغطّي دَمي بِدماهْ

إذا حَرموكَ السواقيَ غِلاً

وحثّوا الغمامَ ليمنعَ عنكَ الهُطولا

ففَجِرْ بُروقكَ

واضرِبْ برِجلِكَ أرضَ اليَبابِ تفورُ نخيلا

وإن أطفأوا في سمائكِ كُلَّ النجومِ

فهذي عيوني سأُشعِلهنَّ

لقنديلكَ المُنطَفي والكئيبِ فَتيلا

وإنْ نامَ طيرُ الأسى في أمانيكَ

واستعذَبَ اليأسُ فيكَ المَقيلا

فحاذرْ

ولا تذبَحنَّ خيولَ الإيابِ ولو أعدَموها الصَّهيلا

فمِنْ شاهدي

سَيقومُ النَّهارُ ويَرسمُ فوقَ ذراعيكَ مَرجاً مِن الأغنياتِ

ويُهدي حَماماتِك الصّامتاتِ الهَديلا

فقطْ

عِشْ

وَدعني أموتُ قليلا

فقطْ عِشْ

وَدعني أموتُ قليلا...

صفحة 10

وَجهٌ واحدٌ في مَرايا القَلب

يا موغِلاً نَصلَهُ فـي العيـنِ يعميهـا

لمَ التَّعنّي وما فـي العتـمِ يَكفيهـا؟!

دَع الملامةَ ، قد غاليتَ فـي عَذَلـي

أعـوذُ بالحُـبّ تبجيـلاً و تنزيهـا

لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا في الحبِّ من شَرَفٍ

لَما تَماديتَ تأثيماً وتشويها

لا يدرك الحبَّ من نامتْ مواجده

ملءَ الجفون وغالتْ في تغافيها

وليس يَعرفُ عُمقَ البحرِ خائفه

وليس يحظى بسرِّ الشمسِ شانيها

إن كُنتَ للنَّفسِ تَبغي سبـرَ خافيهـا

طُفْ في الوجوهِ وفتّش فـي مآقيهـا

عَلقتُها حينَ كانَ البدءُ فـي حُجُـبٍ

و الرّوح تسرَحُ في أكنـافِ باريهـا

همنا معاً فـي سُهـوبِ الله نذرَعُهـا

كالطير تَمرَحُ فـي نُعمـى مَرابيهـا

وعشت في زَحمة الأطياف أرقبُها

حيناً أساهرها ،حيناً أساريها

عَشقتُ روحاً لها ما كُنـتَ تعلمها

وكم إلـى العمـق شدَّتْنـي لآليهـا

لئن توحدتُ مسكوناً بروعتها