صفحة 1
وجوه بلا ذاكرة
ليلى
ليست النجوم التي كنتُ أرقبها سوى هذياناتي التي أيقظتْ عمي ذات ليلة.. هذه النجوم / اللعنة التي رافقتني منذ أن (تنشّقتُ) أولَ نسمة هدأتْ في رئتي الصغيرة.. كنتُ لا اُشبههم بشيء.. ولم تكن عيناي الواسعتان سوى مخزنِ أسرار القرية.
الجداول الصغيرة التي كان أبي يلتقطني منها وأنا غافية على كفّيْها ..
الماء
يا إلهي كم يُغريني هذا المتدفق في شرايين الأرض.. الإنسياب الهادئ يُغريني لأتحولَ إلى أرض.. كنتُ أتمددُ في الجداول الصغيرة بانتظار الماء.. لكنَّ كفَّ أبي كانت أسرعُ دوماً من كف الماء.
شعريَ الفاحم لم يكن سوى ليلٍ آخر.. كنتُ أعشق أصابع أمّي حين تمسّد فروة رأسي قبل أن أنام ..وهي تهدهدني بالدللول ثم تردف قائلة:
- أنتِ السّحر يمّه
نامّي ففي الغد سيحملك قلبك الصغير لفارس يأتي على حصانه الأبيض ..
ويضحك أبي : حصان..؟؟ قولي سيارة مرسيدس أو روز رايس ..فسحر جمالها لا يرضى بالأحصنة ...
لم أكن أعي مما يقال شيئاً كنتُ اُبحر كل ليلة في عالمي.. هو الليلُ الذي أنعتق فيه من مجرة هذا العالم.. أنصهر فيه فاتحول روحاً اخرى.. كنتُ أشعر ان أراوحاً مليئة بالحكايات والقصص الغريبة تحل في هذا الجسد الغض كل ليلة.. عالمٌ يُشبه خرافات جدتي.. كنت أسمع أسرار الليل.. كل شيء كان يستيقظ حال إطفاء اللمبة!
لا أتذكر كيف حصل هذا ..!
صفحة 2
لم يعد في ذاكرتي شيء.. لكنني أتذكر جيداً صراخي وانا أحُثُّ التراب على رأسي.. لم أفقه شيئاً من عباراتهم (خطية.. راح تظل يتيمة) لم أعرف ماذا تعني (يتيمة) ولم أعرف أنَّ اليتم ظلمٌ آخر حين يجيء من عمي.. مرّت أيامّي ثقيلة كنتُ أخرج أول النهار إلى أطراف القرية حيث القبور كنتُ أتحدثُ مع أمّي وأبي.. كنتُ أقضي نهاري أبحثُ عني.. عن وجهي الذي بدا يشحب.
وعيناي.. عينايَ غارتا من كثرة البكاء.. وشعري مازال أشعثاً لم يجبرني أحد على الإستحمام.. ولم تصبني رائحة العفن كما كل البشر.. كانت زوجة عمي تنصهر غيرة مني.. وبناتها أيضاً.. أمّا عمي فكان يتلذذ بإذلالي وجاء اليوم الذي منعوني فيه من الخروج إلى المقبرة.. صرختُ بوجوههم.. بكيتُ.. لطمتُ خدي.. لكنّ الركلات كانت أقوى من تحملي.. كان لون العالم يخفت تدريجيا مع كل ركلة.. حتى غبتُ عن العالم وغاب الأخير عني ..!
لا أدري كم مرّ علي من الوقت وأنا حبيسة هذه الزريبة المتروكة.. حجرة طينية كانت مربطاً للأبقار والأغنام ..رائحة الروث (1) تشق رأسي
لا سقف
السماء تمطر بشدة.. أيقظني المطر.. غسلني.. واغتسلتُ أخيراً بالماء.. لم يكن أبي ولم تكن كفاه كي تنتشلني.. لم أكن سوى حيوانة مربوطة في هذه الزريبة التي خلت إلا من الروث وبقايا الجت (2).
كانت تمطر بشدة وكنتُ أصرخ بشدة.. كان الجوع يقرصني كلما صرخت حتى بُحَّ صوتي ولم أقوى على الصراخ.. فتح عمي باب الزريبة الخشبي فتحتُ عينيّ على أزيز الباب.. كانت الأرضية مغطاة بالقاذورات والمطر.. لم ينفتح الباب معه ركله بقوة.. وهو يصرخ بي:
- امْـخَبّلّة، إنْـتِـي مخبّلة، والمخبّل هذا مكانه .
رمى قرص رغيف بوجهي وأحكم غلق الباب
لم أكن أعرف كيف لي أن أتصرّفَ مثل مخبولٍ أو مجنون.. لم أكن أعرف أنّ ذهابي للمقبرة كل يوم يسمى خبالاً وجنوناً بعرف العقلاء.. لم أكن أعرف كيف أتعامل مع جنوني الذي اكتشفه عمي ولم يخبرني أبوايَ عنه ..!
صفحة 3
لم أشعر إلاّ بوابل من الحجارة تمطر رأسي.. كان عمي قد أخْبَرَ أهل القرية أنّي جُـنِـنْتُ.. فتسارع الأطفال وبنات عمي برميي بالحجارة .
لم أعد أعرف من أين تأتي الحجارة ..!! وكيف جمّعوا هذا الكمِّ منها ...! بل حاولت استذكار شكل قريتنا.. لم أذكر اني رأيت حجراً واحداً فيها ...!!
يااا الله.. ها أنا ذا أمامهم.. أسمع أصواتهم... هذه الأصواتُ التي أعرفها جيداً.. كم ضحكتُ معهم.. أسمع صوتُ ابن جارنا مُـسْلِــمْ.. كيف يُمكن أنْ يرميني هو الآخر ..؟؟
حاولتُ جاهدةً رفع صوتي:
مُـــسْلِــم ..
مُـــسْــلـِــم ..
لا تصدّگهم آني ليلى ...
كانت أصواتهم الراقصة فرحاً تهزني كي أبكي.. كي أنزوي.. كي أرى وجوههم تتلون أمامي انْـزويتُ
تقرفصتُ ..
تكورتُ ..
لم تعد تؤلمني الضربات.. كنتُ أضحك.. أضحكُ بشراهة.. كنتُ أجهشُ بالضحك، لكنَّ حَـجَـراً رماهُ مُــسْــلِـــم أصابَ رأسي ..
فبكيت ..!
14-6-2009
____________________________
1- الروث : فضلات الأبقار تحديداً
2- الجت : طعام الأبقار والاغنام وما يُعرف بالعلف
صفحة 4
امرأة بلا ذاكرة
الباب منغلقٌ كلما همّت بفتحه أصابها الذعر من الضوء المنبعث من الشارع.. كثيراً ما تسمّرتْ وراء الباب بعينيها الغائرتين ووجهها الصغير المحفور بالتجاعيد لترقب المارة ..!
لم يكن أحد هناك إلاّي وشمس الظهيرة.. حين لوّحت لي بساعدها الصغير أنْ تعالي
لم أكنْ أعرف مَن هي كاثرين أو (كـاتِـلي) كما يحلو لها أنْ ينادوها.
لكني الآن أقفُ لأول مرة في حياتي أمام امرأة بربع ذاكرة.. لا تحمل فيما تبقى سوى أحلام صغيرة، قطعة حلوى كانت تشتهيها ذات زمن مر، كأسٌ من البيرة او الشّامبانيا التي لم تشربها طيلة تسعين عاماً من عمرها المنحوس - هكذا أخبرتني - قبل أن أسألها انْدلق الكلامُ من صوتها الخافت.
كل شيء محشوك بصدرها كما الخوف المنبعث من المحجرين وبلهجة طفل يتعثر بالكلام حدّقت في الطريق :
- لم يعد بعد ....
يخرج كل يوم في السادسة والنصف... لا لا يا كاتلي السابعة صباحاً ويعود في الثامنة مساءً..
تأخّر كثيراً.. ما زلتُ أنتظره حتى يعود..!
وبحذرٍ دنوتُ منها
- مَنْ هو ؟
- اووووه ألا تعرفيه...؟
إنّه مايكل
وسيمٌ جداً لا يرضى لي الخروج خوف أن يراني أحد.. لا أدري لماذا أتصرفُ بغباء دوماً ..أنا غبية.. كنتُ وسأظلّ!!
صفحة 5
تصوري ؟؟ أنّي خرجتُ من يومين للحانةِ المجاورة.. لم يكن معيَ المبلغ المطلوب.. هــاه.. كان يعوزني خمسون بنساً ...
وأخذت تعد نقوداً كانت بيدها ..
- نعم خمسون فقط... مشيتُ طويلا وحين وصلتُ الحانة انتابني الذعر.. يا إلهي ماذا لو رآني مايكل وأنا في الحانة ..؟؟ ماذا كان ليفعل ..؟؟ لابد أنّه سيغضب مني.. لا أُريد إغضابه انه وسيمٌ جداً ..
وبنصف خوف تَسَاءَلتْ:
- لماذا رُحتُ لتلك الحانة ..؟
كم أنا غبية! لم أفعلها أبداً.. قبل ستينَ عاماً حينَ كنتُ بنتاً لم أجلس في حانة
لماذا الآن ...؟
آآآه تذكّرت.. راقني جلوسهم هناك.. بل ليس جلوسهم
نعم إنّهُ ذاك المقعدُ الخشبي في الركن القريب من المِدْفَأَة..!
كم أعشقُ النار وكم أعشق الخشب..
وبنصف التفاتة من عينيها الغائرتين محاولة إقناعي بتصديقها
- الحانة ليست بعيدة صدقيني.. لكنّ مايكل لا يرضى أن يراني خارجاً.. سيغضب وربما يهجر المنزل ولن يعود..!
كنتُ أتساقط مع كلماتها وعالمها الطفولي.. كنتُ أراها مسجونة في ربع صندوق هو ما تبقى.. وبعضُ تلعثمٍ في الكلام.. كل شيء يشي بغيابها الأبدي.. وضياع هذه الطفلة العجوز ...
يا إلهي كيف يمكن لي أن أتصوّر عالم كاثرين.. لم أعرف من هو ما يك لكني قررتُ أن أعرف كل ما اختزنته ذاكرتها في صندوقها الرُبْعيّ ..!
صفحة 6
- مَنْ هو مايكل..؟ وهل أنت لندنيّة..؟
- أنا ...؟؟ لا لا لست من لندن.. أصلي من نوتنغهام.. ولدتُ هناك حتى تزوجت.. لم اُرزق بغيره... مايكل.. يُشبه أخي كثيراً.. أخي كان شاباً وسيماً أيضاً لكنه كان لعوباً لم تسلم منه فتاة هــه.. كان يرتاد الحانات كثيراً.. كان أبي على حق حين قرر حرمانه من الميراث.
لكني أحب هذا البيت.. هنا تزوجت وهنا جاء مايكل.. مذ سبعين عاماً وأنا أقف على الباب أنتظره .
وبنظرةٍ راحت تمسح الشوارع بعينيها:
المكان لم يعد مثلما كان. لم تكن هناك بنايات عالية بهذا الحجم.. أخاف أن أخرج كي لا أضيع لأني نسيتُ شكل شارعنا القديم.. لكنها الحقول والمزارع ...
هل ترين هناك..؟؟ إنّه النّهر.. كان يعرف اني أعشق النهر.. لذا بنى لي هذا البيت ...كم أشتاق رائحته الآن.
وبحذر أكبر كنتُ أمُدُّ يدي لأضعها على يدها وبما يُشبه الهمس:
- هل تودين الذهاب معي إلى ضفة النّهر...؟ أنا ذاهبة إليه الآن
وبخوف جاد جحظت عيناها ثم غارتا مجدداً.. أعشق النهر.. لكن مايكل حذرني من مرافقة الغرباء ..! لكنكِ صديقة.. أليس كذلك؟؟؟
- نعم نعم صديقة دون شك.. ودون انتظار لسؤالي أردفت:
مايكل دخل عامه السبعين.. ولم يعد بعد.. اُريده أن يعود ..ليته يعود.. سئمتُ انتظاراً
- كم الساعة..؟
صفحة 7
- اممممم الثالثة والربع عصراً
ما زال الوقت بطيئاً.. لن يعد قبل الثامنة
استدارت ودون أن تغلق دهشتي أغلقت الباب وراءها دون أن تشعر أنها كانت تحدّث أحداً
ثلاث سنوات لم أعد لكاثرين ولم أعرف عنها شيئاً ..
اليوم.. هذه اللحظة تحديداً مررتُ ببيتها.. الباب الموصد ذاته.. لكنها الساعة الثالثة موعد وقوفها عند عتبته.. وقتُ انتظارها للذي لا يعود .... هو ذات الوقت الذي اعتدتُ أنْ أراها واُحادثها طيلة عام كامل ..!
انتظرتُها علّها تخرج لكني لم أجدها
رأيتُ جارها - عجوزٌ هو الآخر-
- عذراً... هل تعرف شيئاً عن صاحبة هذا البيت..؟ السيدة كاثرين أو كاتلي ..!
- آآآآه كانت تعيش هنا... تقصدين العجوز التي تنتظر ابنها ...؟ وقبل أن اجيب.. هز رأسه آسفاً ..
خرجت منذ شهور كعادتها كل يوم لكنها لم تعد ...ولم يُعثر عليها بعد...!
15-6-2009
صفحة 8
انتظار
كان يجلس على حافة رصيف.. ممسكاً سلسلة ساعته المتدلية من يدٍ أكلتها التجاعيد
يُمعن النّظر في رقّاصها الميّت رغم الإعياء البادي على عينيه لكنّه يجمع ما تبقى من بصره ويحدّق تحديقة انتظار، يتململ من احْتكاك أقدام العابرين وازْدحامها عند قدميه .
- تَحرَّكْ
عَجِّلْ
الانتظار
اللّعنة
موتٌ بطيء
ليت كل الإنتظارات تنتظر كي تعرف معنى أنّك تنتظر ما لا يجيء.. أو ما لا يجيء إلاّ بانتظار.. أو عـلّها ولو لمرةٍ واحدةٍ واحدةٍ لا غير تجرّب ذاتها كي ترى كم هي مقرفة هذه الحالات الصغيرة
- هـــاه.. صغيرة! لكنها تحمل سُمَّ العالم بين عينيها
قدمٌ تركله دون قصد
- آسف ...
- ابن الــ... ضَعْ أسـَفَـكَ في جيبك الخلفيّ عَـلّـّه ينفعك وقت الـــ ......
وبتوتر بادٍ:
- لولا انتظاري لقدوم هذا المتعوووس لما احْتملتُ كل هذي الرّكلات
التجاعيد الناتئة من وجهه تدلُّ على زمن اخْـضراره الطويل, التجاعيد هي الأخرى شاختْ بفعل الزمن، هي الأخرى زمنٌ يدل على الزمن ...!
صفحة 9
- تباً... أين أنت أيّها الغبي... لماذا تعبرني كل ليلة... أما مللتَ انتظاراً.. عبوراً.. غباءاً...؟ أما اشتقتَ لضحية شَرّعَتْ لك دماءها ...؟!
إتْرُك عنك هراءات المتطرفين.. واترك عنك الأطفال والحروب العشوائية... اترك عنك جسد المدينة.. وهاك خذ جسدي انهشه بكل ما أوتيت من أنياب.. إمتصّ كل عرق من عروقي حتى آخر نزفِه.. لا يغرّك جلدي وعظامي الناتئة ثَمّة دماء بانتظارك لا تدري من أين ستتدفق.. تماماً كما الأرض التي تحتي رغم صلادة وجهها وقبحه لكنها لا تقنع بغير الدماء ..!
كن شجاعاً ولو لمرة واحدة.. لا تتسلل من ثقب الباب.. فها أنا بلا باب مثقوب.. بل على رصيف في شارع عام.. لا شيء أمامك سوى بعض مصابيح بلا زيت يشتعل.. لن أخافك فلا تترك مني عظماً للتاريخ ولا جلداً تُكتب عليه فلسفتي... لا أريد أوزاراً ولا سُنَنَاً يحملها الضائعون بعدي.. أريد اجتياز مادة الحياة بلا مختبرات كيميائية ولا معالجات فيزيائية.. لأنك تعرف كم أخشى اللسعات الكهربائية (لا عليك من هذا السجع المسجوع بلا ساجع فإني أعرفك حين تسجع البشر فلا ساجع لهم منك).. دعني اُكمِل:
النور هذا المشتق من العدم يرهق إنسان عيني وإنساني
- سحقاً لك أيُّها الجبان.. كل هذه الإغواءات ولا تهتز لك شعرة...؟ ربما تريد إرثاً مني لا بأس
ألا تريد ساعتي...؟
صفحة 10
خذها هي لك.. اُقسم أني نذرتها لك وحدك مذ خمسين عاماً ..مذ كان رقّاصها رقّاصاً... مذ كان مستعجلاً والوقت سلاحف أبدية.. مذ كنتُ امسك تجاعيد جدي محاولاً غرزها في وجهي.. مذ كنتُ ابكي ليضحك الآخرون مذ ذااااااااااااك الوقت وهي ناظرة إليك ..و(ناطِرة)
خُذها ..
بالله عليك خُذها وخذني.. سئمتُ انتظاراً أيُّها النبيل ..أيها الفاسق العفيف ..
أما مللت صمتاً / بروداً / عمى / ركضاً .... أما مللتَ توسلاتي ...؟
هاااه؟؟؟ ألستُ مقنعاً أو صادقاً ...؟
في الصباح كانت الأقدام تزدحم عند جسده المرمي.. وعلى يساره.. ساعةٌ مقلوبة... ينصتُ العابرون لأول مرة لــ تكّات رقّاصها:
تك.. تك.. تك...
تــك
تــ
ك
...
30-5-2009