صفحة 1
موبايل الحجي !
حجي مزهِّر لم يكن في يوم من الأيام مهتماً لأي سلعة في المنزل سوى البرّاد وجهاز التكييف، ماعدا هذا، فهو لم يكن مكترثاً لأي شيء آخر سوى وسادته الكبيرة وإبريق الشاي الذي لم يتعوّد الفراغ، ولا الاستراحة أبداً.
إبريق الشاي هذا يحتل مكانة خاصة لدى حجي مزهِّر، فهو إبريق الشاي ذاته الذي كان والده يسقي منه الضيوف في ديوان يضجّ به الحديث من قبل رجال كبار السن لا يملّون تكرار مذكراتهم وكأنهم يلتقون للمرّة الأولى!
حجي مزهِّر يبغض جهاز التلفزيون بغضه لحزب البعث، وهو يُطلق عليه تسمية «لسان الشيطان »، فكان يصيح بأسى إن سمع صوت أغنية أو نغمة موسيقى .. أما في أيام عاشوراء فكان يقمِّط التلفزيون بقماش اسود .. لم يكن يقمّطه بل كان يكفّنه تكفين الميت الذي لا رجاء من عودته ناطقاً أبداً.
حجي مزهِّر لا يكترث لرأي أحد في هذا الأمر خصوصاً، ولا حتى لكبرى بناته كاظميه، التي لاح فجر شيبها ولم يدن أحد لخطبتها، بسبب كونها أبدن امرأة في الدنيا فهي، «توزن بقرتين معاً» حسب تقديرات حجي مزهِّر نفسه حينما يهمس لزوجته ليلاً.
كاظميه.. كانت تتوسّل بأن يبقي الحجي على التلفزيون أيام عاشوراء وقد أقسمت أنها لن تسمع أغنية واحدة، لكن الأب كان يحتدّ أكثر:
«هذا مصاب الحسين.. الجرأة على أبي عبيدالله الحسين، تجلب الفقر».
كانت كاظميه تلهو بإعداد الطعام للعائلة الكبيرة ولضيوف الديوان، وهي وظيفة يحسدها نساء الحي عليها لكونها تجعلها مقربة من حجي مزهِّر، بينما هي في الحقيقة تحاول التعويض عن عنوستها وإحساسها بالقهر كلما رأت أختيها مع بعليهما، وإخوتها الستة مع أسرهم يتضاحكون.
أمر آخر كان يسل ّي كاظميه: رسائل الأخ السابع البعيد «محمود»، هو الأخ الأوسط لكنه الأكثر قرباً إلى قلبها وقلب أمها، بل وإلى قلب حجي مزهِّر نفسه الذي لا يقبل أن يناقشه أحد بهذا التعلّق الكبير بمحمود، فيصيح دوماً، وبالكلام ذاته في وجه بناته وأولاده:
ـ محمود ابني
فيصرخ الجميع وكأنهم فرقة إنشاد مدربة:
ـ " وحنه.. إحنه اولادك بويه ليش اتفرق هيج.. ليش؟! "
ـ أنتم أولاد الفلوس.. كلكم تنتظرون موتي على مود الورث.
ـ " عسه عمرك طويل بويه.. ليش هيج اتفكر " .
وبصوت ماكر يشبه فحيح الأفعى ساعة انقضاضها على فراخ البط:
ـ زين محمود متنازل عن حصته من الورث منو منكم مستعد يتنازل؟!
هنا يعم صمت مهيب، فيصرخ الحجي:
ـ ها.. شو سكتو؟!!.. أولاد الكلب أتريدون أموت على مود اتورثوني.. والله لراح اسجل كلشي باسم محمود.. يا أولاد الجلب.. يا أولاد الكحبه.
فترتفع الأصوات بضرورة الخوف من الله، وحق الأطفال، ويعمّ لغط لا منتهى منه إلا بأن يرفع حجي مزهِّر عصاه ويطرد الجميع، كل واحد إلى غرفته المخصصة له في البيت الكبير.
عندها يجلس حجي مزهِّر في الديوان وحيداً، ولا يقبل حتى لزوجته العجوز أن تدنو منه، فقط كاظميه تعد له إبريق شاي،تأتي به وهي تخطو برفق على سجادة الديوان الفارسية الحمراء، تسكب قدحين فتضعهما فوق صينية صغيرة وتمضي من دون كلام.
يتكىء حجي مزهِّر على وسادته الكبيرة، يلاعب سبحته غالية الثمن.. يحك شعر لحيته التي ازداد طولها أكثر مما كانت عليه العادة في السنوات الماضية:
ـ محمود كان زلمه، كان رجّال.. أبد ما اخذ مني افلوس ابد، آاه اخذني الكبر والشيب ومحمود باستراليا، إيقولون صارت عنده أكثر من ابنيه اينام وياها.. لا ويقولون اينام وياهن مره وحده.. يعني إنه بالجنة.
يبتسم حجي مزهِّر.. ثم يفلت صوته منه فيقهقه لوحده، وهو يتخيل ابنه عارياً مع أربع شقراوات حسناوات.
ـ اي.. اي ابن البط عوام.. اي يامحمود كلشي بيك حلو بس اسوالفك ويه النسوان.. انت وين والشرده إلى رفحا والسعوديه وين.. انت ما تكدر تذبح دجاجه لمّك هسه صرت معارضة.. زمن!!
حجي مزهِّر لم يكن في يوم من الأيام مهتماً لأي سلعة في المنزل سوى البرّاد وجهاز التكييف، ماعدا هذا، فهو لم يكن مكترثاً لأي شيء آخر سوى وسادته الكبيرة وإبريق الشاي الذي لم يتعوّد الفراغ، ولا الاستراحة أبداً.
إبريق الشاي هذا يحتل مكانة خاصة لدى حجي مزهِّر، فهو إبريق الشاي ذاته الذي كان والده يسقي منه الضيوف في ديوان يضجّ به الحديث من قبل رجال كبار السن لا يملّون تكرار مذكراتهم وكأنهم يلتقون للمرّة الأولى!
حجي مزهِّر يبغض جهاز التلفزيون بغضه لحزب البعث، وهو يُطلق عليه تسمية «لسان الشيطان »، فكان يصيح بأسى إن سمع صوت أغنية أو نغمة موسيقى .. أما في أيام عاشوراء فكان يقمِّط التلفزيون بقماش اسود .. لم يكن يقمّطه بل كان يكفّنه تكفين الميت الذي لا رجاء من عودته ناطقاً أبداً.
حجي مزهِّر لا يكترث لرأي أحد في هذا الأمر خصوصاً، ولا حتى لكبرى بناته كاظميه، التي لاح فجر شيبها ولم يدن أحد لخطبتها، بسبب كونها أبدن امرأة في الدنيا فهي، «توزن بقرتين معاً» حسب تقديرات حجي مزهِّر نفسه حينما يهمس لزوجته ليلاً.
كاظميه.. كانت تتوسّل بأن يبقي الحجي على التلفزيون أيام عاشوراء وقد أقسمت أنها لن تسمع أغنية واحدة، لكن الأب كان يحتدّ أكثر:
«هذا مصاب الحسين.. الجرأة على أبي عبيدالله الحسين، تجلب الفقر».
كانت كاظميه تلهو بإعداد الطعام للعائلة الكبيرة ولضيوف الديوان، وهي وظيفة يحسدها نساء الحي عليها لكونها تجعلها مقربة من حجي مزهِّر، بينما هي في الحقيقة تحاول التعويض عن عنوستها وإحساسها بالقهر كلما رأت أختيها مع بعليهما، وإخوتها الستة مع أسرهم يتضاحكون.
أمر آخر كان يسل ّي كاظميه: رسائل الأخ السابع البعيد «محمود»، هو الأخ الأوسط لكنه الأكثر قرباً إلى قلبها وقلب أمها، بل وإلى قلب حجي مزهِّر نفسه الذي لا يقبل أن يناقشه أحد بهذا التعلّق الكبير بمحمود، فيصيح دوماً، وبالكلام ذاته في وجه بناته وأولاده:
ـ محمود ابني
فيصرخ الجميع وكأنهم فرقة إنشاد مدربة:
ـ " وحنه.. إحنه اولادك بويه ليش اتفرق هيج.. ليش؟! "
ـ أنتم أولاد الفلوس.. كلكم تنتظرون موتي على مود الورث.
ـ " عسه عمرك طويل بويه.. ليش هيج اتفكر " .
وبصوت ماكر يشبه فحيح الأفعى ساعة انقضاضها على فراخ البط:
ـ زين محمود متنازل عن حصته من الورث منو منكم مستعد يتنازل؟!
هنا يعم صمت مهيب، فيصرخ الحجي:
ـ ها.. شو سكتو؟!!.. أولاد الكلب أتريدون أموت على مود اتورثوني.. والله لراح اسجل كلشي باسم محمود.. يا أولاد الجلب.. يا أولاد الكحبه.
فترتفع الأصوات بضرورة الخوف من الله، وحق الأطفال، ويعمّ لغط لا منتهى منه إلا بأن يرفع حجي مزهِّر عصاه ويطرد الجميع، كل واحد إلى غرفته المخصصة له في البيت الكبير.
عندها يجلس حجي مزهِّر في الديوان وحيداً، ولا يقبل حتى لزوجته العجوز أن تدنو منه، فقط كاظميه تعد له إبريق شاي،تأتي به وهي تخطو برفق على سجادة الديوان الفارسية الحمراء، تسكب قدحين فتضعهما فوق صينية صغيرة وتمضي من دون كلام.
يتكىء حجي مزهِّر على وسادته الكبيرة، يلاعب سبحته غالية الثمن.. يحك شعر لحيته التي ازداد طولها أكثر مما كانت عليه العادة في السنوات الماضية:
ـ محمود كان زلمه، كان رجّال.. أبد ما اخذ مني افلوس ابد، آاه اخذني الكبر والشيب ومحمود باستراليا، إيقولون صارت عنده أكثر من ابنيه اينام وياها.. لا ويقولون اينام وياهن مره وحده.. يعني إنه بالجنة.
يبتسم حجي مزهِّر.. ثم يفلت صوته منه فيقهقه لوحده، وهو يتخيل ابنه عارياً مع أربع شقراوات حسناوات.
ـ اي.. اي ابن البط عوام.. اي يامحمود كلشي بيك حلو بس اسوالفك ويه النسوان.. انت وين والشرده إلى رفحا والسعوديه وين.. انت ما تكدر تذبح دجاجه لمّك هسه صرت معارضة.. زمن!!
صفحة 2
بعد سقوط حكومة العفالقة، كان فرح الحجي أقل مما توقع أهل الحي،إذ لم يذبح الحجي مزهِّر الذبائح ولم يقم الولائم.
حجي مزهِّر بات اقل عصبية ورائق المزاج بشكل عجيب، حتى إنه جلب تلفازاً جديداً لا يشبه أجهزة التلفاز في المنطقة.. كان يشبه لوحة رسم لا سماكة فيها، مع شاشة عرض كبيرة جداً ومسطّحة كما المرآة. أخيرأ بات الحجي يتابع المسلسات والأغاني، وفي بعض الاحيان كان يصلي قبالة التلفاز وهو يعرض مسلسلاً سورياً يعشقه الحجي مزهِّر كثيراً يسميه " مسلسل أم الشفايف " وهي فنانة سورية ذات شفتين جميلتين جداً وعينين لافتتين في كبرهما ؛هذا قبل أن تبدأ موجة المسلسلات التركية،التي تترك حجي مزهِّر في حالة شبه احتضار مستمرة.
حتى أحاديث الديوان تبدلت، فكأن مرحلة السجال السياسي والاستفتاءات الدينية التي جلبتها احزاب المعارضة العراقية، اشبه بفقاعة انفجرت من دون صوت.. الآن أصبح كل واحد من شيوخ المنطقة يحدث صاحبه عن فلانة أم الشفايف، في حين يتحدّث الثاني عن إحدى الممثلات في المسلسل الخليجي، التي كلما شاهد دوران عجيزتها، ترجعه إلى ايام الشباب.
أمر واحد أخذ ينافس حديث المسلسلات والأغاني، إنه الهاتف الجوال. فنتيجة للتخلف العقلي وما فعله الحصار الاقتصادي والنفسي على العراق سنوات متمادية، فإنّ منطقتنا تبعاً لمناطق عديدة تلقت التكنولوجيا مُحرّفة بالكامل بدءاً من الاسم وانتهاءً بالتوظيف.. فهذا الموبايل اسمه " دبدوب " لكونه سمين الشكل، والثاني اسمه غراب، لكونه اسود.. وهذا اسمه دمعة ذاك اسمه لمعة.. وهكذا تغيرت أسماء كبريات الشركات العالمية.
والحجي يتصل كل اسبوع بمحمود ويقول له إنّ الموبايل قد تعطّل أو إنه سقط منه وضاع،وعليه إرسال جهاز آخر أكثر حداثة.
ـ شوف محمود، أريد موبايل بيه كامره زينه وشاشه جبيره واضحه.
لم يكن محمود يفهم طلبات أبيه وإصراره المستمر بأن يرسل موبايلاً جديداً بين شهر وآخر:
(ماذا عساه يفعل الحجي بالموبايل، وجميع الاصدقاء والاهل قريبون من بعضهم بعضاً؟!!) ؟
في آخر اتصال كان الحجي مزهِّر متوتر الاعصاب جداً:
ـ " ابن الكحبه قلت لك وديلي موبايل حديث شصخم أبهل الموبايل القديم الي وديته ألي، مو ضحكت الوادم عليّ ه، هم حاسبين عندي ولد بلخارج.
ولما تلكأ محمود في إرسال جهاز جديد، اتصلت أخته كاظميه وهي تبكي:
(خويه أبوك مريض كلش ايريد موبايل حديث).
لم يُعلِم محمود أهله بمرض السكري وأنه بات غير قادر على العمل الطويل والانفعال... كانت ساعات عمله تتقلص وهو يريد توفير مبلغ يمكّ نه من العودة إلى العراق.. لا أن يموت هناك.. ومن أين له مثل هذا التوفير وهذا الأخ يريد سيارة جديدة.. والأخت تريد قلادة.. وتلك تريد ماكنة خياطة متطورة.. والآن الحجي إيريد موبايل جديد كل شهر!
ما إن دخل شيوخ المنطقة على الشيخ مزهِّر، حتى أبرز لهم الموبايل الجديد، فصاحوا جميعاً بصوت واحد كما الأطفال امام حلوة العيد.
أخذ حجي مزهِّر يستفسر عن آخر المسّجات والرسائل الهاتفية:
ـ حجي طالب، مسجات إطيّر العقل؟!
ضحك حجي طالب:
ـ " إطيّر العقل لو إطيّر الشيب... هههه ها " .
تقاربت الرؤوس، وتبادلت الانوف والافواه رائحة السجائر، وكل منهم يضع يده على جهاز موبايله الخاص بينما الأخرى تعدل من وضعية العقال والجماغ؛ كانوا يتضاحكون وكأنهم اقرب ما يكونون إلى البكاء.
انزعج حجي مزهّ ِر لكونه لم يجد نغمة مناسبة للهاتف الجديد:
حجي مزهِّر بات اقل عصبية ورائق المزاج بشكل عجيب، حتى إنه جلب تلفازاً جديداً لا يشبه أجهزة التلفاز في المنطقة.. كان يشبه لوحة رسم لا سماكة فيها، مع شاشة عرض كبيرة جداً ومسطّحة كما المرآة. أخيرأ بات الحجي يتابع المسلسات والأغاني، وفي بعض الاحيان كان يصلي قبالة التلفاز وهو يعرض مسلسلاً سورياً يعشقه الحجي مزهِّر كثيراً يسميه " مسلسل أم الشفايف " وهي فنانة سورية ذات شفتين جميلتين جداً وعينين لافتتين في كبرهما ؛هذا قبل أن تبدأ موجة المسلسلات التركية،التي تترك حجي مزهِّر في حالة شبه احتضار مستمرة.
حتى أحاديث الديوان تبدلت، فكأن مرحلة السجال السياسي والاستفتاءات الدينية التي جلبتها احزاب المعارضة العراقية، اشبه بفقاعة انفجرت من دون صوت.. الآن أصبح كل واحد من شيوخ المنطقة يحدث صاحبه عن فلانة أم الشفايف، في حين يتحدّث الثاني عن إحدى الممثلات في المسلسل الخليجي، التي كلما شاهد دوران عجيزتها، ترجعه إلى ايام الشباب.
أمر واحد أخذ ينافس حديث المسلسلات والأغاني، إنه الهاتف الجوال. فنتيجة للتخلف العقلي وما فعله الحصار الاقتصادي والنفسي على العراق سنوات متمادية، فإنّ منطقتنا تبعاً لمناطق عديدة تلقت التكنولوجيا مُحرّفة بالكامل بدءاً من الاسم وانتهاءً بالتوظيف.. فهذا الموبايل اسمه " دبدوب " لكونه سمين الشكل، والثاني اسمه غراب، لكونه اسود.. وهذا اسمه دمعة ذاك اسمه لمعة.. وهكذا تغيرت أسماء كبريات الشركات العالمية.
والحجي يتصل كل اسبوع بمحمود ويقول له إنّ الموبايل قد تعطّل أو إنه سقط منه وضاع،وعليه إرسال جهاز آخر أكثر حداثة.
ـ شوف محمود، أريد موبايل بيه كامره زينه وشاشه جبيره واضحه.
لم يكن محمود يفهم طلبات أبيه وإصراره المستمر بأن يرسل موبايلاً جديداً بين شهر وآخر:
(ماذا عساه يفعل الحجي بالموبايل، وجميع الاصدقاء والاهل قريبون من بعضهم بعضاً؟!!) ؟
في آخر اتصال كان الحجي مزهِّر متوتر الاعصاب جداً:
ـ " ابن الكحبه قلت لك وديلي موبايل حديث شصخم أبهل الموبايل القديم الي وديته ألي، مو ضحكت الوادم عليّ ه، هم حاسبين عندي ولد بلخارج.
ولما تلكأ محمود في إرسال جهاز جديد، اتصلت أخته كاظميه وهي تبكي:
(خويه أبوك مريض كلش ايريد موبايل حديث).
لم يُعلِم محمود أهله بمرض السكري وأنه بات غير قادر على العمل الطويل والانفعال... كانت ساعات عمله تتقلص وهو يريد توفير مبلغ يمكّ نه من العودة إلى العراق.. لا أن يموت هناك.. ومن أين له مثل هذا التوفير وهذا الأخ يريد سيارة جديدة.. والأخت تريد قلادة.. وتلك تريد ماكنة خياطة متطورة.. والآن الحجي إيريد موبايل جديد كل شهر!
ما إن دخل شيوخ المنطقة على الشيخ مزهِّر، حتى أبرز لهم الموبايل الجديد، فصاحوا جميعاً بصوت واحد كما الأطفال امام حلوة العيد.
أخذ حجي مزهِّر يستفسر عن آخر المسّجات والرسائل الهاتفية:
ـ حجي طالب، مسجات إطيّر العقل؟!
ضحك حجي طالب:
ـ " إطيّر العقل لو إطيّر الشيب... هههه ها " .
تقاربت الرؤوس، وتبادلت الانوف والافواه رائحة السجائر، وكل منهم يضع يده على جهاز موبايله الخاص بينما الأخرى تعدل من وضعية العقال والجماغ؛ كانوا يتضاحكون وكأنهم اقرب ما يكونون إلى البكاء.
انزعج حجي مزهّ ِر لكونه لم يجد نغمة مناسبة للهاتف الجديد:
صفحة 3
ـ " كله قديمه.. ماكو شي جديد " .
اخذ يتصل بهاتف حجي طالب ثم يقفل الجهاز، ليسأل: - " ها حجي طالب شنو عندك صيد أجديد؟! " .
يتلخبط حجي طالب وهو يبحث عن الرقم الذي اتصل به، فلا يجد شيئاً. يضحك حجي مزهِّر ضحكة المنتصر في معركة كبيرة:
ـ بعدك غشيم حجي طالب، هذا أنا ولك.. شنو حسبالك بياعة الخضرة التي ابصف دكانك الي كله كركم وابهارات.
وهنا يبدو صوت حجي طالب اقرب إلى صوت طفل يتيم:
ـ " لا والله حجي مزهِّر.. هي تتحرش بيه هل العجيزه.. كلت لها: لا يصلح العطار ما افسده الدهر، جوابتني: ما فسد الدهر شي مثل العطاره.. آااه من العطاره جربها ومابيها خساره " .
يضحك حجي مزهِّر ويسقط عقاله عن رأسه:
ـ وديه ألي وأنا آخاذ ابثارك.
يصيح حجي طالب:
ـ " وبعد بيك حيل يالشياب.. انت مابقه منك شي بس اضراط وصلاة " .
ـ لا راح اراويها في موبايلي فلم سكسي ايخبل خليه تمشي وتخرخر.
تتصايح الضحكات واللعنات، والتي كانت تنقطع ما أن يقترب زائر من الديوان.
.....................
لا تتذكر كاظميه كيف وقع الأمر..
نهضت كاظميه متأخرة من الفراش على غير عادتها.. سمعت طرقاً على الباب يصحبه صراخ اطفال وزغاريد نسوة.. فتحت الباب فتسمرت في مكانها.. إنه محمود بلحمه ودمه.. تعلقت به.. صرخت.. بكت.. جاءت أمها التي ما إن شاهدت محمود حتى أغمي عليها، فانكب محمود عليها باكياً، اخذها بين يديه وجسمه بأكمله يرتعش مثل شجرة تقتلعها العاصفة.
فتحت الأم عينيها قبّلته.. تصفّ ح الوجوه.. رأى الكبر والصبر قد ختم على صفحات الوجوه.. كان صغار اخواته واخوته يتطلعون نحو حقائبه الكثيرة.
.. تلفّت محمود.
ـ وين أبوي؟!
فجأة انقطع الصوت وكأنه تيار كهربائي قد توقف.. أعاد محمود السؤال:
ـ وين أبوي؟!
بصمت، وبحركة مرتعشة.. أشاروا بأنّ أباه يمكث في غرفة الضيافة.. هرع محمود اليها،فتح الباب فاذا بحجي مزهِّر مستلقٍ على وسادته الكبيرة وإلى جانبه ابريق الشاي وفي يده الموبايل يدوس بأزراره بسرعة وهو يضحك.
صاح محمود:
ـ بويه أنا محمود ارجعت..
رفع حجي زهر عينيه.. نهض متعثراً بعباءته.. احتضن محمود ثم أجلسه بقربه:
ـ وين الجنط والحقائب.. ها جبت وياك نوعية جديدة من الموبايل؟!
اخذ يتصل بهاتف حجي طالب ثم يقفل الجهاز، ليسأل: - " ها حجي طالب شنو عندك صيد أجديد؟! " .
يتلخبط حجي طالب وهو يبحث عن الرقم الذي اتصل به، فلا يجد شيئاً. يضحك حجي مزهِّر ضحكة المنتصر في معركة كبيرة:
ـ بعدك غشيم حجي طالب، هذا أنا ولك.. شنو حسبالك بياعة الخضرة التي ابصف دكانك الي كله كركم وابهارات.
وهنا يبدو صوت حجي طالب اقرب إلى صوت طفل يتيم:
ـ " لا والله حجي مزهِّر.. هي تتحرش بيه هل العجيزه.. كلت لها: لا يصلح العطار ما افسده الدهر، جوابتني: ما فسد الدهر شي مثل العطاره.. آااه من العطاره جربها ومابيها خساره " .
يضحك حجي مزهِّر ويسقط عقاله عن رأسه:
ـ وديه ألي وأنا آخاذ ابثارك.
يصيح حجي طالب:
ـ " وبعد بيك حيل يالشياب.. انت مابقه منك شي بس اضراط وصلاة " .
ـ لا راح اراويها في موبايلي فلم سكسي ايخبل خليه تمشي وتخرخر.
تتصايح الضحكات واللعنات، والتي كانت تنقطع ما أن يقترب زائر من الديوان.
.....................
لا تتذكر كاظميه كيف وقع الأمر..
نهضت كاظميه متأخرة من الفراش على غير عادتها.. سمعت طرقاً على الباب يصحبه صراخ اطفال وزغاريد نسوة.. فتحت الباب فتسمرت في مكانها.. إنه محمود بلحمه ودمه.. تعلقت به.. صرخت.. بكت.. جاءت أمها التي ما إن شاهدت محمود حتى أغمي عليها، فانكب محمود عليها باكياً، اخذها بين يديه وجسمه بأكمله يرتعش مثل شجرة تقتلعها العاصفة.
فتحت الأم عينيها قبّلته.. تصفّ ح الوجوه.. رأى الكبر والصبر قد ختم على صفحات الوجوه.. كان صغار اخواته واخوته يتطلعون نحو حقائبه الكثيرة.
.. تلفّت محمود.
ـ وين أبوي؟!
فجأة انقطع الصوت وكأنه تيار كهربائي قد توقف.. أعاد محمود السؤال:
ـ وين أبوي؟!
بصمت، وبحركة مرتعشة.. أشاروا بأنّ أباه يمكث في غرفة الضيافة.. هرع محمود اليها،فتح الباب فاذا بحجي مزهِّر مستلقٍ على وسادته الكبيرة وإلى جانبه ابريق الشاي وفي يده الموبايل يدوس بأزراره بسرعة وهو يضحك.
صاح محمود:
ـ بويه أنا محمود ارجعت..
رفع حجي زهر عينيه.. نهض متعثراً بعباءته.. احتضن محمود ثم أجلسه بقربه:
ـ وين الجنط والحقائب.. ها جبت وياك نوعية جديدة من الموبايل؟!
صفحة 4
خطوط لا تعرف الاستقامة
قلت لرعد:
ـ رعد إنّ محمود، هو صديقك المقرّب، لمَ لا تحاول أن توقظه من هذا الوهم؟!
ابستم رعد ابتسامته الفاترة المعتاده..
ـ " اشتريد منه خليه فترة ويرجع طبيعي.. وانت شنو؟ ما نوي اتحسن حالتك المادية.. أنا أدبر لك فدّ بوكه أمعدله من البنك.. اشبيك صاير مومن ازياده " .
ـ لا شكراً، لدي عمل يكفيني عن هذا التلوث.. سوف اذهب كي اطمئن على محمود.
ـ " ستجده نائماً الآن ولن يفتح لك الباب احد " .
ـ لقد اخذت نسخة عن المفتاح.. مع السلامه.
دخلت المنزل، فصفعتني رائحة الكحول...
- كانت كأس الخمرة تهتز بين أصابعه كأنّ عينيه كانتا توشكان أن تسيلا على ملابسه وتسقط على الارض.. كانت عيناه عبارة عن ماء ملوث يترقرق في قدح المحجر والجمجمة، لذا اهملت كأسه التي فاضت على ملابسه فعلا وأخذت أهزه من رأسه:
ـ محمود.. عيب عليك ما تفعله بنفسك يا محمود، أين ذهبت أيام الاهوار.. أين ذهبت ايام الدراسة.. كيف يرضى رجل كان يرتدي عمة الدين ويخطب بالناس المواعظ، أن يترنح مخموراً بهذا الشكل؟!
أبعد يدي بقوة، ودفعني بعنف وبضحكة مجلجلة:
ـ " حوزة.. كس أم الحوزة والدين والأهوار والعراق.. تلك ايام الجاهلية.. هها هها " .
ثم عادإلى الضحك محاولاً الاستناد إلى الحائط كي يصل إلى اقرب كرسي في قاعة الجلوس، تلك القاعة التي كانت، ذات، يوم أجمل ما رأيته في منزل نظيف ومرتب لا يصل إلى مستوى ترتيبه ونظافته أي بيت من بيوت المتزوجين فضلا عن محال سكنى العزاب.
ذلك البيت المرتب انقلب رأساً على عقب بعدما تعرف محمود إلى دانيلا.
أعنته على الجلوس، ثم مددتُ ساقيه وجلبت له بطانية من غرفة نومه وغطيته؛ شعرتُ به هدأ، لكن عينيه ساحتا دمعاً غزيراً وهو يتطلع إلي:
ـ ربيع، أعذرني، لكن صدقني أنني أحبها.. سوف أجنّ اذا لم تعد " دانيلا " إليّ، أرجوك إذهب اليها وقل لها إنّ محمود مستعد أن يفعل أيّ شيء كي تعودي اليه وإلا سوف ينتحر.. اعرف أنك لا تحب هذا النوع من البنات لكنها ترتاح اليك كثيراً " .
لما وجدني صامتاً، امسك بي من قميصي فتدلت قطعة القرآن المعلقة في قلادتي، عندها رفع صوته بجفاء مبحوح:
- " أقسم عليك بأيام الدراسة، بعلوم الدين التي لم تنسها، أن تذهب إلى دانيلا وتقنعها أن تعود إلى حضني، أقسم أني سوف أنتحر وستكون شريكاً لها بدمي وموتي " .
قلت له سوف أحاول، ولن أعدك بشيء.. تركته يلطم على رأسه وينتحب كطفل عراقي يتمته عملية تفجير تقضي على أمه وأبيه في وسط سوق أو ضريح..
ترددت كثيراً في الذهاب إلى دانيلا، تلك الفتاة التي تعود جذورها إلى " جيتي " في أمريكا اللاتينية، لكنها لا تحمل أي علامة جسدية عن ذلك الأصل، فعيناها بلون السّماء أو البحر وشعرها أشقر لامع.
لا أكره دانيلا كما يعتقد محمود، بل لا أستطيع أن أتخيل كيف يتمكن الكره من امرأة مهما كانت ولو من جنس الشياطين؛ المرأة رمز للحنان والمحبة أو هي تجسيد ملموس للعاطفة، لذا فحينما تكون امرأة قاسية في خطابها خشنة التعامل فإنها تكون أيّ شيء سوى كونها امرأة.
محمود صديق قديم، وعلى الرغم من كل انقلاباته الفكرية والعملية بقي صديقاً لي، ويؤلمني سجوده لدانيلا التي نصّبها إلهاً وربا،ً وهو الذي لا يكف يردد أنّ الدين خرافة، وأنّ الفقه اكذوبة، وأنّ الشريعة لا أصل لها و.. الخ.
قلت لرعد:
ـ رعد إنّ محمود، هو صديقك المقرّب، لمَ لا تحاول أن توقظه من هذا الوهم؟!
ابستم رعد ابتسامته الفاترة المعتاده..
ـ " اشتريد منه خليه فترة ويرجع طبيعي.. وانت شنو؟ ما نوي اتحسن حالتك المادية.. أنا أدبر لك فدّ بوكه أمعدله من البنك.. اشبيك صاير مومن ازياده " .
ـ لا شكراً، لدي عمل يكفيني عن هذا التلوث.. سوف اذهب كي اطمئن على محمود.
ـ " ستجده نائماً الآن ولن يفتح لك الباب احد " .
ـ لقد اخذت نسخة عن المفتاح.. مع السلامه.
دخلت المنزل، فصفعتني رائحة الكحول...
- كانت كأس الخمرة تهتز بين أصابعه كأنّ عينيه كانتا توشكان أن تسيلا على ملابسه وتسقط على الارض.. كانت عيناه عبارة عن ماء ملوث يترقرق في قدح المحجر والجمجمة، لذا اهملت كأسه التي فاضت على ملابسه فعلا وأخذت أهزه من رأسه:
ـ محمود.. عيب عليك ما تفعله بنفسك يا محمود، أين ذهبت أيام الاهوار.. أين ذهبت ايام الدراسة.. كيف يرضى رجل كان يرتدي عمة الدين ويخطب بالناس المواعظ، أن يترنح مخموراً بهذا الشكل؟!
أبعد يدي بقوة، ودفعني بعنف وبضحكة مجلجلة:
ـ " حوزة.. كس أم الحوزة والدين والأهوار والعراق.. تلك ايام الجاهلية.. هها هها " .
ثم عادإلى الضحك محاولاً الاستناد إلى الحائط كي يصل إلى اقرب كرسي في قاعة الجلوس، تلك القاعة التي كانت، ذات، يوم أجمل ما رأيته في منزل نظيف ومرتب لا يصل إلى مستوى ترتيبه ونظافته أي بيت من بيوت المتزوجين فضلا عن محال سكنى العزاب.
ذلك البيت المرتب انقلب رأساً على عقب بعدما تعرف محمود إلى دانيلا.
أعنته على الجلوس، ثم مددتُ ساقيه وجلبت له بطانية من غرفة نومه وغطيته؛ شعرتُ به هدأ، لكن عينيه ساحتا دمعاً غزيراً وهو يتطلع إلي:
ـ ربيع، أعذرني، لكن صدقني أنني أحبها.. سوف أجنّ اذا لم تعد " دانيلا " إليّ، أرجوك إذهب اليها وقل لها إنّ محمود مستعد أن يفعل أيّ شيء كي تعودي اليه وإلا سوف ينتحر.. اعرف أنك لا تحب هذا النوع من البنات لكنها ترتاح اليك كثيراً " .
لما وجدني صامتاً، امسك بي من قميصي فتدلت قطعة القرآن المعلقة في قلادتي، عندها رفع صوته بجفاء مبحوح:
- " أقسم عليك بأيام الدراسة، بعلوم الدين التي لم تنسها، أن تذهب إلى دانيلا وتقنعها أن تعود إلى حضني، أقسم أني سوف أنتحر وستكون شريكاً لها بدمي وموتي " .
قلت له سوف أحاول، ولن أعدك بشيء.. تركته يلطم على رأسه وينتحب كطفل عراقي يتمته عملية تفجير تقضي على أمه وأبيه في وسط سوق أو ضريح..
ترددت كثيراً في الذهاب إلى دانيلا، تلك الفتاة التي تعود جذورها إلى " جيتي " في أمريكا اللاتينية، لكنها لا تحمل أي علامة جسدية عن ذلك الأصل، فعيناها بلون السّماء أو البحر وشعرها أشقر لامع.
لا أكره دانيلا كما يعتقد محمود، بل لا أستطيع أن أتخيل كيف يتمكن الكره من امرأة مهما كانت ولو من جنس الشياطين؛ المرأة رمز للحنان والمحبة أو هي تجسيد ملموس للعاطفة، لذا فحينما تكون امرأة قاسية في خطابها خشنة التعامل فإنها تكون أيّ شيء سوى كونها امرأة.
محمود صديق قديم، وعلى الرغم من كل انقلاباته الفكرية والعملية بقي صديقاً لي، ويؤلمني سجوده لدانيلا التي نصّبها إلهاً وربا،ً وهو الذي لا يكف يردد أنّ الدين خرافة، وأنّ الفقه اكذوبة، وأنّ الشريعة لا أصل لها و.. الخ.