eKtab
EN ع
ما يعرفه أمين وخمس روايات أخرى
اقرأ عينة مجانية

ما يعرفه أمين وخمس روايات أخرى

بقلم مصطفى ذكري

صفحة 1

مقدّمة

نحو أدب قاصر

كانت البداية مع القراءة الحرّة، وعلى وجه الخصوص القراءة في السِيَر الذاتية للكتَّاب. كان الخمول والفشل وعدم الانسجام مع الواقع هي الصفات التي وجدتها عند أغلب الكتَّاب. إنهم غريبو الأطوار حالمون تلمس أصابعهم أطراف الماء دون الخوض في الحياة الحقيقية، فقلتُ بأسًى إنّهم مثلي، أنا من تلك السلالة العاجيَّة المُسالمة. بعد ذلك كان تأثير الأعمال الفنيَّة. وكان ديستوفسكي له التأثير العاصف على ذوقي الجمالي. كان اضطرابه وتعثر شخصياته ومرضها واللاشكل المُهيمن على رواياته من الأمور التي وضعتُ عليها نظرة جمالية في الفنّ مفادها التطرُّف والحدّة والنزاهة. ومن الطريف هنا طالما جاء ذكر ديستوفسكي هو الإشارة إلى ما توصف به أعماله الروائية بأنّها أعمال غارقة في نزعتها الشكلية كما توصف أعمال جويس. الحقيقة أنّ المعسكر الآخر هو الذي ينتمي إلى النزعة الشكليّة الجامدة، على سبيل المثال كونديرا في «النكتة» ونجيب محفوظ في «ميرامار» أمّا «عوليس» أو «الأبله» فهي خالية تمامًا من النزعة الشكلية. أتصوّر أنّ الفرق بين كتَّاب كلاسيكيّين مثل نجيب محفوظ وتولستوي وكونديرا من جهة وبين كتَّاب طليعيّين مثل ديستوفسكي وجويس وهرمان هيسه من جهة أخرى هو أنّ الكاتب الكلاسيكي يملك تصميمًا مسبقًا لشكل روايته، وعندما ينطلق في تنفيذ الشكل لا يعوقه شيء عن الإنجاز. في «ميرامار» نستطيع منذ البداية الحدس بالبناء على مدى الرواية، خمس شخصيات روائية ببطاقات درامية صارمة، وخمس وجهات نظر بتتابع لا يختلّ، هكذا «النكتة» لدى كونديرا، أيّ أنّ الكاتب هنا يملك زمام كتابته، بعكس ديستوفسكي الذي تملكه الكتابة نفسها، فيصبح عرضة للأهواء الفنيَّة والمفاجآت التي مهما كانت خبرة القارئ لا يستطيع الحدس بها. عند جويس وديستوفسكي وبو وكافكا هناك خيانة دائمة للشكل الفنيّ. مَنْ كان يستطيع في القراءة الأولى ل «عوليس» الحدس بخيانة جويس لبطله ستيفن ديدالوس ـ وهو بطله الأثير ـ لحساب بلوم الذي يظهر فجأة بعد الثمانين صفحة الأولى. أتذكّر هنا عبارة كونديرا، وهو الكلاسيكي العائد، بأنّ العقد المُبرم بين الكاتب والقارئ يجب أن يكون واضحًا منذ البداية، أيّ على الكاتب أن يكون مُخلصًا لشكله البنائي، لا سماح بالأهواء، بالاضطرابات، بالخيانات. إنّني أنتمي إلى معسكر الكتَّاب الذين يُبرمون العقود وينقضونها وعلى المُتضرّر اللجوء إلى القضاء الأدبي. أمّا عن القناعات الجمالية، فهي تهتزّ من حين لآخر، إلا أنّني أفضِّل الآن أن أكون على هامش تلك القناعات. أن تكون على هامش ما تنتمي إليه كما يقول بيسوا.

لا أعرف لماذا يناسبني شكل الرواية القصيرة، ربّما لجمعها بين خصائص القصة والرواية. فهذا الشكل يتطلّب الكثافة التعبيرية من جهة، ويعطي فرصة للتدفُّق الموجز ـ إن صحّ التعبير ـ من جهة أخرى. إلى جانب أنّ هناك نماذج عديدة في الرواية القصيرة أثَّرت في عقلي بقوّة، أذكر منها «إخطيَّة» لإميل حبيبي، و«مخلوقات الأشواق الطائرة» لإدوار الخراط، و«يوميّات كتابة قصة» لخوليو كورتاثار. شكل الرواية القصيرة شديد الإحكام، ويتطلّب ـ وهذا أحبّه كثيرًا ـ مهارات كتابية يسمّيها بعضهم بالألعاب الشكلية، وأنا لا أعترض على التسمية طالما لا يُقصد بها أحكام قيّمة. من ضمن المهارات الكتابية، مثلًا، المزج بين هموم القصة الدرامية كما يحكيها الكاتب وبين هموم الكتابة المهنية البحتة التي من المُفترض ألّا يعرضها الكاتب داخل حكايته. لكنّني لن أنفي التفضيل العاطفي المحض الذي يتمثّل في كوني أحبّ هذا الشكل القصير حتّى إذا لم تتوفّر لديّ الحجج الجمالية، ففي النهاية الحجج الجمالية لاحقة على التفضيل العاطفي، إنّنا نختار بالقلب والعاطفة والانفعال، ثم نجد المبرّر العقلي بعد ذلك. شيء أخير دفعني إلى الرواية القصيرة، وهو شيء هامّ. أخوف ما أخافه هو الإطالة على القارئ، إنني أذكِّر نفسي دائمًا بهذا الرُّهَاب، كُنْ غامضًا ولا تكنْ مملًّا. الشيء الوحيد الذي أخافه في الكتابة هو أن تكون مملّة، ولهذا أعتمد المُفاجأة الدرامية في الكتابة، وهي للحقّ أضعف من المُفارَقَة الدرامية. أنتَ مع المُفاجأة أمام موهبة الكاتب العارية من أيّة تحصينات، المُفاجأة في الدراما هي من جنس المُقامَرة، يا صابتْ يا اتنين عُور كما يقول المثل العامي. كافكا كان يعتمد المُفاجأة الدرامية، كذلك ديستوفسكى، والعظيم إدجار بو. القارئ مع المُفاجأة لا يستطيع التنبؤ بشيء، فقط يتلقّى الضربات من الكاتب، لا يملك سوى الانفعال.

صفحة 2

عندما تزهد الذات في الوطن والتاريخ والجماعة والسياسة والقضايا الكبرى لا يبقى أمامها سوى الانحطاط في ظرف وجودها الفردي وزمنها الخاصّ. من هنا تأتي وحشيَّة التفاصيل الصغيرة التي تلتهم السرد. ففي كتابي الأول «تدريبات على الجملة الاعتراضية» اعتمدتُ تفصيلة جدّ تافهة بشكل استراتيجي على مدى الكتاب كلّه، وهي الجملة الاعتراضية بكلّ تداخلها وانعكاسها على نفسها، وكأنّها مرآة تُضاعِف وجودها، أو هي جملة تشبه صندوق الهدايا الشهير الذي يحتوي صندوقًا أصغر، والأصغر يحتوي الأصغر منه، هكذا إلى ما لا نهاية. الغريب أنّ الجملة الاعتراضية ضعيفة بلاغيًّا في اللّغة العربية، وكان استخدامها عند القدماء والمحدثين محدودًا، على اعتبار أنّها جملة فرعية، لا يصحّ للبليغ أن يعترضه شيء وهو يقيم أودَ الجملة الأساسية. كان هذا الاختيار الاستراتيجي وهو اختيار استراتيجي لكنّه قابل للخرق والانتهاك والخيانة ويخضع في النهاية للحظة الكتابة الفعليَّة، وهذه اللحظة غير مشروطة بشيء، بل قد تُعَمَّد بين يديها أكثر الأساليب تقليدية، وقد نغفرُ تحت هيبة صدقها سولافيَّة ديستوفسكي وشوفينيته وعنصرية نيتشه ورومانيته ـ نفيًا للبلاغة والفصاحة. كان انحيازًا للجملة المُترجَمة الهجين التي قرأنا بها بروست وجويس وإدجار بو. كنتُ على اعتقاد، وما زلت، أنّ الأساليب الأدبية غريبة داخل قواعد وأصول اللّغة. إنّ الأساليب الأدبية بمثابة فيروسات تضرب أساس اللّغة.

أطلق برودون الفيلسوف الفوضوي في القرن التاسع عشر صيحة العدالة الاجتماعية «الامتلاك سرقة». كانت الصيحة هي الوقود العاطفي لكلّ الماركسيّات العلمية. أستطيع بالمِثل إطلاقَ مُصادرة شاعرية فيما يخصُّ الكتابة بقولي «الكتابة مرض». التكرار في كتابي «مرآة 202» تلفحه تيارات العصاب، لكنَّ هذا التكرار من جانب آخر ينفتحُ على ألعاب درامية وأسلوبية. البطل عماد نراه بضمائر مختلفة، ضمير الغائب وضمير المُخَاطَب وضمير المُتكلم. كان حرصي على ثبات الحدث الدرامي، أو إذا شئتَ القول: حرصي على شحوب الحدث الدرامي إلى أقصى درجة ممكنة في مقابل الثراء والتنوع لصوت الراوي. هناك في الكتاب مقاطع نثرية تبدو غامضة في سياق ضمير الغائب، ثم تُستعاد مرة أخرى في سياق آخر بضمير المُتكلم، فيزول غموضها، وتلقي ضوءًا بأثر رجعي على مكانها الأول، بحيثُ يشعر القارئ برغبة في الرجوع إلى سياقها في ضمير الغائب، وكأنّه لم يقرأها كما ينبغى، وكأنّ رجوعه سيُضاعف في المعنى. هذه هي شفرة التكرار التي تدور في كتاب «مرآة 202». هناك على طول الكتاب مونولوجات داخلية وأفكار باطنية، عابثة وعدمية ومُدققة في أشدّ التفاصيل تفاهة، تصير هذه الأشياء واقع شخصية عماد الذي يولع بتوليد أفكار من أخرى، وتحويلها إلى طريقة تفكير ورؤية للعالم. ما يبدو للجميع على أنّه مُصادفَات قدرية وتناظرات وتماثلات لا تعني شيئًا سوى أنّها تحققتْ، ينظر عماد إليه نظرة أخرى. في كلّ النصوص سنجد طرفين يُؤسَس لهما، طرف جاذب للانتباه بطبيعته، في كونه يحصد فكرةً جادّة ومثيرة وهامّة، وطرف آخر هامشي وبعيد وتافه، في كونه محض تفصيلة ما تلبث حتّى يزداد حضورها وتتضخّم لتصير هي الأصل كاسرةً توقُّع القارئ الذي ظلّ طوال الوقت مع الطرف الأول الجاذب للانتباه والجدير بالحضور والتضخم. فبينما نُهيّئ أنفسنا في قصّة «سنوات» لحدثٍ مثير يتذكّر فيه عماد صديقة ميتة زارته في حُلمٍ بعيد، وهو يمسكُ بيديه صورة فوتوغرافية تضمّ الصديقة مع زوجته، ها نحن نواجه فكرة الشيخوخة والموت والزمن، ونُهيّئ أنفسنا للدخول في مجموعة من العلاقات، فإذا بعماد يدير ظهره لذلك كلّه لينصب تفكيره على التراتبية الرقمية الخاضعة للمصادَفَة فقط التي تتمثّل في عدد السنوات التي تفصل حلمه بها عن تاريخ موتها، والسنوات التي تفصل عمره عن عمرها، ثم السنوات التي تفصل عمره عن عمر زوجته، ثم السنوات التي تفصل عمر زوجته عن عمر صديقته. ونتيجة هذا التأمل هو صعود الثغرات والفجوات الزمنية المخيفة لمن يتملّاها والحافلة بشفرة معقّدة، على حساب الطرف الكلاسيكي المُعتاد في الأدب.

صفحة 3

في الحقيقة لا ينتابني السأم والملل من طغيان الرؤى الكابوسية والعنف والأحلام على أعمالي. أجدُ نفسي دائمًا أثناء الكتابة على مسافة من الكوابيس والأحلام والعنف، لكنّني لا أحقّق ذلك في كلّ مرة، ويبقى وعد التحقيق في مرة لاحقة، لهذا فأنا أشعرُ بالإطراء من وصفكَ لتلك الأعمال بالكابوسية. هذه ليست مُصادرة تصديق على سؤالكَ ـ وربّما اتهامكَ ـ الغرض منها قلب العيوب مزايا بل هي مُصادرة فرحة عميقة مفادها أنّني اقتربتُ خطوة من سلب الحياة عبر الكابوس والعنف والأحلام. سيبدو مؤلمًا لي فقط أنّ نفي الحياة في كتاباتي يخلو من السعادة والتواطؤ وشرف وضع مسمار صغير في نعش ما اصطُلِحَ على تسميته بالإنسانية، إذ يتوق الكاتب أحيانًا إلى شرف وضع المسمار الصغير، ومع هذا يبقى بعيدًا، وتبقي مُحاولاته شيئًا مُنفِّرًا ساقطًا لا يرقى إلى الوصف، وإلى أن تأتي تأكيدات أخرى من غيركَ، فأنا هذا الكاتب المُنفِّر الساقط الذي لا يرقى إلى الوصف.

تمثّل لي الذهنية الرافد المُجاور المُطمئن لما أغرق فيه أحيانًا من العاطفية الشديدة التي يحكمها الشطط. لن أنفي الذهنية عن أعمالي، لكنّني أضعها في سياقها الاستراتيجي بجوار العاطفية، وهما رافدان ليسا في حالة صراع بل في حالة تجاور، في حالة فُصام بالمعنى السيكولوجي للكلمة. إنّني أُفضِّل نزاهة وحدَّة التجاور في العمل الفني على خداع وزيف الصراع. إن مَنْ يكتب في وصف انْفلات القمر من السُحب المتراكمة «والقمر المُقاتل بضوءٍ مسلولٍ جحافلَ براثنها دُفِنَ في أبد الساعات المُتبقية من الليل» يكتب أيضًا بنوع من الفُصام عبارة طويلة مُتكلفة تأتي على لسان بطله بضمير الغائب مفادها التعبير عن فشل في الحب «التغيير الذي تمنّاه ولم ينطق به هو أخذ الأمر هذه المرّة بصفات مناقضة للصفات التي تم عليها في المرات السابقة دون الإيحاء بأنّ الصفات الجديدة تتمتّع بوجاهةٍ تفتقدها الصفات القديمة إلّا إذا خرجتْ منه إيماءة التفضيل خفيَّة مموَّهة تمامًا على وعود التغيير». عبارة غارقة في العاطفية وأخرى مُجاورة غارقة في الذهنية.

أعلنت مرارًا كوني ممارسًا لنوعين فنيين، هما الأدب والسينما، وأنّ هذه الممارسة تجد معناها الجمالي في الإزاحة الدائمة، وأنا في نوع فنيّ، على النوع الآخر، بحيثُ تبقى القيمة في استدعائها لكلّ حيل وألعاب النوع الغائب.

قد يكون حقيقيًّا أنّ ما ينقصني أدبيًّا أقوم بتعويضه سينمائيًّا وأنّ ما ينقصني سينمائيًّا أقوم بتعويضه أدبيًّا. لكنْ دعني أدافع عن موت المشهد الدرامي العظيم في السينما والأدب على حدّ سواء. إنّ موت الدراما لا يتطلّب منّا كصُنَّاع مهنة سوى بعث شبحها الذاوى. إنّ الشظايا والنتف والمِزَق الدرامية ليستْ رفاهية اختيار وطموحًا مُتعجرفًا لبلوغ تجارب قصوى في السينما والأدب بل هي انسجام مع تاريخ الدراما الطويل. مَنْ يستطيع الآن أن يطمح في خلق المشهد المجتمعي المُعقد الذي خلقه بروست في «البحث عن الزمن الضائع» ومَنْ يستطيع التراجع عن موت المشهد الدرامي الذي صنعه أنطونيوني في «بلو أب». إنّنا محكومون بالتجارب القصوى.

صفحة 4

ما يعرفه أمين
1

أعلنت مذيعة التليفزيون عن فيلم السهرة «غير المنسجمين مع المجتمع» بطولة «كلارك جيبل» و«مارلين مونرو« وإخراج «جون هيوستون»، ثم بدأت الفقرة الإعلانية بإعلان «فرج الله». تنبّه أمين لاسم الفيلم، وتململ وتحرّك في جلسته تحت ضوء الأباجورة الضعيف، وترك المجلة التي يتصفّحها على الكومودينو، وقام بخفّة ونشاط من على الفوتيه الضخم المريح، وظهر للحظة قصيرة جدًّا، أنّه لا يعرف ماذا يفعل بوقفته المفاجئة المناقضة لحجم الفوتيه وراحته، ولضوء الأباجورة الضعيف، ولصفاء صورة التليفزيون، ولوضع جهاز التكييف بجوار النافذة فوق السرير المرتّب، ولأرفف الكتب المُنسَّقة بعناية حول الحائط، ولوضع كوب القهوة نصف الفارغ، ولبخار الماء الذي يظهر واضحًا على سطح الكوب الكبير من أثر ضوء الأباجورة على الكومودينو. بدَت على وجهه ابتسامةٌ جميلةٌ طفلية برغم ملامح وجهه التي تقول إنّه تجاوز الأربعين.

اندفع أمين خارج الغرفة بحركة خفيفة، وانهمرت بقيّة الإعلانات. ردهة الشقّة واسعة وتنفتح عليها غرفتان، في ركن منها الأنتريه الكبير وفي وسط الردهة، تقريبًا، السفرة الدائرية، وطقم الكراسي حولها، وخلفها النيش الكلاسك. يأتي الضوء الضعيف، ويرمي ظلاله على الباركيه الخشبي والأثاث الأنيق ـ من غرفة بابها المفتوح ومن تابلوه كهربائي في الحائط ومن لمبة داخل نيش زجاجي لامع. وهذا الضوء الأخير يجعل أكواب الكريستال وأباريق الخزف الصغيرة وتماثيل لبوذا وحواريّيه في جلستهم الهادئة المتربّعة وابتسامتهم الراضية ـ مصقولة ولامعة. اندفع أمين في الردهة ناحية المطبخ، وقبل أن يصل إليه انقلب على عقِبيه عائدًا إلى غرفة النوم بالخفّة والنشاط أنفسهما، وكأنّه تذكّر شيئًا.

أخذ مجلة «الموعد» التي على غلافها الخارجي صورة لفنّانة راحلة، ثم وضعها على رصّة المجلّات بجوار الكومودينو. أشعل سيجارةً من علبة مارلبورو أحمر. رفع قليلًا صوت التليفزيون وأخذ نفَسًا عميقًا من سيجارته، وضحك وهو يقلّد صوت المغنّي في إعلانٍ عن بطاطس شيبسي، وضحك أكثر؛ لأنّه لم يستطع أن يُعيد كلماتِ المغنّي في الإعلان بالطريقة السلِسَة نفسها.

ـ وع.. البلاج شيبسي بدجاج.

ـ وع.. البلاج شيبسي بدجاج.

هزّ أمين رأسه مستنكرًا، وحاول مرّة أخرى وهو يمدّ رأسه إلى الأمام، كأنّ تلك الحركة ستساعده على عدم انفلات الحروف وعلى النطق الصحيح:

ـ وع.. البلاج شيبسي بججاج.

قال وهو يبتسم بسخرية، ويأخذ كوب القهوة نصف الفارغ، ويغادر الغرفة مرّة أخرى.

ـ صعبة قوي!

صفحة 5

خرج من غرفة النوم، وفي يده كوب القهوة نصف الفارغ، والسيجارة في فمه. وهو يعبر الردهة متّجهًا إلى المطبخ، مرّ بيده على رتاج باب الشقة النحاسي؛ ليتأكّد منه بحركة سريعة مدرّبة، بحيث إنّ هذا التأكُّد لن يجعله يتوقّف لحظةً واحدةً. دخل المطبخ ويده تسبق جسده إلى مفتاح النور الكهربائي، أشعله بسرعة، وأخذ كنكة القهوة المعلّقة ناحية الحوض، وبدأ في صنع القهوة، ثم عاد إلى باب الشقّة الخارجي، وفي هذه المرّة مرّ بيده على الرتاجينِ النحاسيينِ السميكينِ أسفل الباب وأعلاه، وبرغم التأكُّد من إغلاقهما، فهذا لم يمنعه أن يجذب الباب إليه، وبكلتا يدَيه وبحركة عنيفة مكتومة.

بوجه متوتّرٍ، فتح أمين باب غرفة المكتب على مِصراعَيه بشدّة ظاهرة وتحسّس بيده في توجُّسٍ مقبس النور بجوار كتف الباب، وأشعله بسرعة، ثم نظر بالخوف والتوجّس أنفسهما خلف مصراع الباب فلم يجد أحدًا. الغرفة أنيقة، مرتّبة بعنايةٍ شديدة. صفوف الكتب تغطّي معظم الجدران، وفي الحيّز الضيّق بين الحائط والمكتب يوجد كرسي جلدي، وعلى حافّة أحد رفوف المكتبة تتعلّق أباجورة هوائيّة، يسقط بيت الضوء منها مباشرة على سطح المكتب الكبير المغطّى ببعض الكتب المرتبة والمجلّات. بجوار المكتب منضدةٌ رخاميةٌ منخفضة قليلًا، عليها عددٌ من فناجين القهوة الفارغة وعلبة سجائر مارلبورو حمراء، وكوب ماء واسع الفوّهة، ومنفضة سجائر ضخمة بها أعقابٌ كثيرة. وأخذ أمين نفَسًا من سيجارته، واتّجه إلى النافذة المغلقة، وفتح زجاجها، ودفع شيشها بيده للخارج، ثم مسك بكلتا يدَيه السياج الحديدي والسيجارة في فمه. شدّ بقبضتَيه السياج إليه، ونفخ دُخَان سيجارته بغضب.

أغلق زجاج النافذة، وضغط على المقبض بقوّة وهو يضغط على إحدى عينَيه من أثر الدخَان الصاعد إليها. مرّ بأصابعه على أزرار التكييف بجوار النافذة، ثمّ اتّجه ناحية أحد الرفوف، الرف عليه مجموعةٌ كبيرةٌ من كعوب شرائط الفيديو، ومكتوبٌ على كلّ كعبٍ ببنطٍ أسودَ سميكٍ، اسمُ الفيلم. دفع النظارة الطبية على عينَيه، وقرّب وجهه كثيرًا من كعوب شرائط الفيديو، ومرّ بإصبعه على «صرخات وهمسات»، «مشاهد من الحياة الزوجية»، «من خلال زجاج معتم»، «تحت البركان»، «القربان»، «كل هذا الجاز»، حتّى وجد كعبًا خاليًا فسحبه من وسط الشرائط في اضطراب وارتباك شديدين، واتسعت عيناه، ثم التفت في سرعة مباغتة بوليسية الطابع، ناحية الرفّ فوقعت عيناه مباشرة على «غير المنسجمين مع المجتمع» دون غيره من الشرائط.

سحق سيجارته ـ بعد أن أخذ منها أنفاسًا سريعة متلاحقة ـ في منفضة السجائر الزجاجية الضخمة، وضغط على العقب بشدّة وهو يتنحنح بصوتٍ مرتفعٍ جدًّا كأنّه بهذا الصوت ينفي رؤية شريط الفيديو، ويستمدّ طاقةً جنونيةً لمواصلة طقوسه الشاعريّة.

عبَر ردهة الشقّة، واتّجه إلى المطبخ وهو ينظر خلسةً إلى الضوء الضعيف الآتي من النيش الزجاجي. دخل المطبخ وفي لحظةٍ حرجةٍ أدرك القهوة قبل أن تفور، ثمّ صبّها في كوبٍ زجاجي، وتركها على رخامة الحوض، ثم أغلق مفتاح البوتاجاز، ثم تأكّد من أنّ باقي المفاتيح مغلقةٌ وذلك بأن مرّ بأصابعه على صفّ المفاتيح بشكل أفقيّ وبحركة سريعة أكثر من مرّة، ثم أغلق محبس الغاز الطبيعي.

اتّجه بعد ذلك إلى غرفة النوم وفي يده شريط الفيديو الفارغ، نظر وراء باب غرفة النوم، ثم أحضر جهاز الفيديو الموضوع أسفل التليفزيون ووضع فيه الشريط، ثم نظر بتعَب وقنوطٍ إلى إعلان البيبسي وصوت المغنيّة مثل صوت «بوني تايلور» مغنية الهارد روك. وقف أمين في وسط الغرفة حائرًا ووضع يدَيه في وسطه وملامحه تكاد تقترب من البكاء، ثم دفع نظّارته الطبية على عينَيه كأنّه يلتمس العزاء.

صفحة 6

خرج أمين إلى الردهة، واتّجه إلى الثلاجة بجوار النيش المضيء، ثم فتح باب الثلاجة السفلي، وأخذ منها زجاجة ماء، ثم أغلق الباب السميك.

اتّجه ناحية المطبخ وبسرعة مذهلة على الثلاجة وفتح بابها السفلي. يغلقه بقوّة، يتحسّس بأصابعه باب الفريزر العلوي، ويضغط عليه إلى الداخل، ثم يلتفت ناحية المطبخ، ويسير في اتجاهه وهو ينفخ شدقَيه من الغيظ، ويهزّ برأسه متعجّبًا. يدخل المطبخ، ويأخذ كوبًا فارغًا من الزجاج، ويضعه على الرخامة ويسكب فيه الماء، ثم يترك الزجاجة على الحوض ويرفع يده بجوار نافذة المطبخ الصغيرة عند مروحة الطرد ويسحب ذراع الغاز الطبيعي الرئيسي للشقة إلى أسفل، ثم يأخذ كوب القهوة وكوب الماء ويخرج.

وضع كوب القهوة، وكوب الماء على الكومودينو تحت ضوء الأباجورة الضعيف، أخذ كوب الماء الآخَر وقد زالت عنه طبقة البخار الكثيفة، وأصبحت قطرات الماء على سطحه الخارجي متباعدةً وبارزة. صوت الرجل والمرأة في الإعلان التليفزيوني عن السمن الصناعي يأتي إلى أُذن أمين دون أن ينظر إليه:

ـ طلب تحابيش!

ـ طلب تحابيش والذي منه؟

ـ لأ.. تحابيش بس.

خرج أمين من غرفة النوم وفي يده كوب الماء، وملامحه تبدو جادّة وصارمة، وبها شيء من القنوط والملل. ومرّ بجوار باب الشقة الخارجي فتحسّس بأصابعه ميدالية مفاتيح في كيلون الباب. أغلق الباب بتكّتين متتاليتين سريعتين، ثم دخل المطبخ، ووضع كوب الماء على رخامة الحوض، ثم أخذ زجاجة المياه وخرج بها عابرًا الردهة إلى الثلاجة. قبل أن يصل إلى الثلاجة بخطوتينِ وبحركة مباغتة غيّر اتجاهه، ناحية غرفة المكتب.

دخل مسرعًا وفي يده زجاجة المياه، نظر وراء باب الغرفة من الداخل بشكل سريع، ثم تقدّم ناحية المنضدة الرخامية وسكب ماء قليلًا في المنفضة الكريستال السميكة فطفَت أعقاب السجائر على سطح الماء. تحسّس أمين بأصابعه أطراف بعض الكتب وكعوبها، ثم رفع قليلًا رأس الأباجورة الهوائية، ثم خفضها كما كانت.

ترك غرفة المكتب وفي يده زجاجة المياه، وفتح باب الحمام بجوار الغرفة على مصراعه، ويدُه الخالية أضاءت النور الكهربائي قبل أن يدخل الحمام بسرعة، ثم نظر كعادته وراء باب الحمام، ثم أشعل السخّان المعلّق على الحائط، ونظر إلى نفسه في المرآة الكبيرة أعلى الحوض، ثم خرج إلى الردهة وفي يده زجاجة المياه، واتّجه إلى غرفة أخرى.

دخل أمين الغرفة المضيئة، نظر وراء الباب بتحفّز شديد، ثم تأكّد من أنّ نافذة الغرفة مغلقة، ثم فتح الدولاب الكبير المملوء بالملابس المرتّبة في عناية وأخذ بعض الملابس الداخلية و«بشكير كبير» ووضع كلّ هذا على كتفه، وزجاجة المياه ما زالت في يده، وقبل أن يخرج تمامًا يعود على عقبَيه وبسورة غضب وانفعال يفتح جميع ضلف الدولاب وهي تصطفق. عيناه مفتوحتان على اتساعهما وهو ينظر نظرات زائغة داخل الدولاب، ثم يخرج من الغرفة وعلى كتفه الملابس الداخلية والبشكير وفي يده زجاجة المياه.

عبر أمين ردهة الشقة مسرعًا إلى الحمام، وفي الحمام علّق الملابس على مشجب خلف الباب ووضع زجاجة المياه على حافة البانيو، ثم وضع سدادة البانيو في مكانها أسفل الحوض، ثم أخذ زجاجة المياه وخرج من الحمام.

واتجه إلى عمق الردهة ناحية الثلاجة ذات البابين وعلى وجهه آثار التعب والضيق، فتح باب الثلاجة السفلي فسقطت مباشرة حزمة من الضوء أسفل الثلاجة على الباركيه اللامع، وبدا الإحساس بسقوط الضوء إلى أسفل قويًّا. وضع زجاجة المياه في مكانها بجوار زجاجات مياه مصفوفة في باب الثلاجة، ثم أغلق الباب ووقف وسط الردهة وهو يؤرجح يدَيه للأمام وللخلف فتصطفق يداه من أمامه ومن خلفه، ويظهر على ملامحه مللٌ وقنوطٌ وهو ينفخ الهواء بفمه. اقترب من باب الشقة الخارجي، وتحسّس بأصابعه الرتاجين النحاسيين الكبيرين أسفل الباب وأعلاه، عبث بأصابعه في سلسلة المفاتيح، ثم ضغط على المفتاح في اتجاه الغلْق فلم يتحرّك المفتاح، يزداد أمين في الضغط على المفتاح، والمفتاح لا يتحرّك، يجذب أمين، بكلتا يدَيه وبكلّ قوّته، الباب من الكيلون البارز قليلًا إلى الخارج والباب يهتزّ ويصوّت في يديه.

يأتي صوت المذيعة إلى أذن أمين واضحًا قويًّا معلنًا عن بداية فيلم «غير المنسجمين مع المجتمع»، يزداد جنون أمين، وتجحظ عيناه ويداه قابضة على الكيلون، ثم بحركة سلسة ومتتابعة يضغط على المفتاح في اتجاه معاكس فتتعاقب تكّتا الكيلون بسرعة شديدة كأنّهما تكّة واحدة، ويشدّ الرتاجين النحاسيين أسفل الباب وأعلاه في اتجاه الفتح. ينفتح الباب في يديه وقبل أن يصرخ وبتوقيت متزامنٍ مدهش تندفع يدٌ من فُرجَة الباب وتنقضّ على فمه. وتنغرز في وجنتَيه، يستسلم أمين لليد القوية، ويخرج معها وصوته يغمغم تحت اليد المُحكمة.

يستدير أمين أمام باب الشقة في حيّزٍ ضيّق جدًّا، ويده اليسرى تقبض على حديد شراعة الباب. مازالت اليد تقبض على فم أمين، وتمنعه الصّراخ. أين يد أمين اليمنى؟ بحث أمين عن يده اليمني بعينين زائغتين، وتتبّعها من أعلى الكتف مرورًا بالمِرفق الذي رفعه قليلًا في الهواء كي يراه، وانتهاءً بالكفّ القابضة على فمه. رفع أمين يده اليمنى ببطءٍ شديدٍ عن فمه ونظر بذهولٍ إلى أصابع يده، ثم فرد ذراعه اليمنى أمام عينَيه، وتتبّعها مرّة أخرى إلى أعلى الكتِف. ترك أمين حديد الشراعة، والتفت إلى مدخل العمارة حيث الشارع. قطع أمين الدرجات القليلة المؤدّية إلى الشارع بسرعة وخوف وفزع.

صفحة 7

2

شارع عريض واسع، له أسفلت مصقول نظيف شديد السواد، وعلى جانبي الشارع إفريزان من الحجر الأبيض العالى، أحجار الإفريزين مدهونة بالأبيض والأسود المتناوب. أمين يجري في وسط الشارع بكلّ طاقته وهو يختلس النظرات إلى الوراء ناحية مدخل عمارته وقد تهدّل روبُه الشتوي السميك فوق بيجامة نومه، وانفكّ حزامه قليلًا من أثر العدْو. في قدميه مانتوفلي قماشُه قريب من قماش الروب دي شامبر. عن شمال أمين سياجُ الحديقة اليابانية، وعن يمينه بعضُ المباني السكنية. في أسفل إحدى العمارات سوبر ماركت له بابٌ زجاجي يشعّ منه ضوء.

رأى صاحب السوبر ماركت من خلف الزجاج، ومن مكانه المرتفع، مروق أمين وانطلاقه وسط الشارع الهادئ. مال قليلًا في جلسته الغريبة وهو ينظر ناحية أمين الذي يختفي سريعًا.

بعد انتهاء سور الحديقة اليابانية يوجد مقهى خالٍ تقريبًا من الزبائن وبالقرب من حافّة الرصيف العالية جلس نُنَّة وعادل ريتا وبوسي، أمامهم منضدةٌ عاليةٌ من حديد متشابك لها قرص معدني مربع ولامع وعليها علبة سجائر مارلبورو أبيض، وأمامهم أيضًا منضدة خشبية عليها طاولة مقفولة، أسفل المنضدتين وحول أرجل الكراسي زجاجات البيرة نصف الفارغة. جلس نُنَّة واضعًا الكرسيّ بين ساقيه بالمقلوب وظهره إلى الشارع، وارتكز بذقنه ومال بصدره على حافّة ظهر الكرسيّ نصف الدائرية وهو يتحدّث، يمسك علبة السجائر بأطراف أصابعه، وينقلُها من مكان إلى آخرَ على قرص المنضدة وينظر إليها وإلى حركة أصابعه أكثر من النظر إلى عادل ريتا وبوسي اللذين يواجهانه.

ـ هوه الديك ياعمّ بوسي، مش له بيضة واحدة؟

دخل المقهى زبون غير بعيد عنهم، فوقعت عيناه على ننة فقال مُحيّيًا وهو يرفع يده:

ـ نُنّة!

قطع ننة حديثه ورفع يديه في الهواء ناحية الرجل وقال بصوت عالٍ:

ـ عمّ سيد.. اتفضَّ. أَطلّع مَيّه.

قال ننة: «أطلَّع ميَّه» بصوت منخفض لدلاتها الجنسية، فخرجت من فمه متوافقة ومنسجمة بعد حذف حرف اللام من «اتفضل» ثم أكمل حديثه وكأنّه لم ينقطع عنه، وهو ما زال يحرّك علبة السجائر على المنضدة ويرفعها في الهواء قليلًا، ثم يضعها هذه المرّة في مكانها، ثم يكتفي بلمسها فقط ويقول وهو يميل بصدره كثيرًا على حافّة ظهر الكرسي ويُبعد رأسه عن جنب عادل ريتا وبوسي.

ـ هيه بيضة واحدة مايتنّهاش... ده ديك يا جدع.

ـ أَدّيك.

يبتسم بوسي وهو يغمز لعادل ريتا كي ينظر ناحية أمين الذي يعدو في وسط الشارع الهادئ مقتربًا من المقهى وقد انفكّ تمامًا حزام الروب عن جسده.

صفحة 8

ـ صاحبك النهارده كلّ فيوزاته ضاربة.. بص يا ننة وراك بس بِرّاحة.

يضحك عادل ريتا ولا يستطيع أن يمنع نفسه من النداء وهو يقوم قليلًا عن الكرسي:

ـ أبو أمين!

يلتفت نُنّة ناحية أمين، بينما يصفع بوسي وجه عادل ريتا صفعة قويّة وهو يضحك ويقول:

ـ يا أخي أهوه جاي.

يغضب عادل ريتا وتتغيّر ملامحه، وهو ينظر إلى بوسي الذي يمسك يديه ويقول وهو يضحك ضحكة خشنة مكتومة، ويميل على صدر عادل ريتا بحميمية خوفًا من ردّ الصفعة القوية:

ـ خَوّفته يا حمار.

وصل عدْو أمين إلى أقصى درجاته قبل أمتار من جلسة نُنة وعادل ريتا وبوسي الذين يبتسمون له. يسمع أمين شيئًا من حديثهم عنه. يريد التوقّف عن العدْو عند نقطة محدّدة تسمح له بالرجوع جريًا مرّة أخرى. بفعل القصور الذاتي يتجاوز أمين تلك النقطة وهو يميل بجسده إلى الأمام مخَفّضًا سرعتَه. وفي محاولة يائسة، يستدير أمين ويغيّر اتجاهه لكنّه يقع على الأسفلت، ثم يزحف على أربعٍ. لحظاتٌ قصيرة، ويعود إلى العدْو الشديد.

ـ طب ده يتساب النهارده!؟

يقومون وهم يضحكون وتنقلب الطاولة أمامهم وهم يجرون وراء أمين في وسط الشارع. التقط ننة وهو يجري زجاجة بيرة، وبوسي وضع الكوفيّة حول رقبته وقال:

ـ خد تعالى!

يجرون بمرحٍ في وسط الشارع وهم يباعدون بين سيقانهم، وأيديهم بحركاتٍ هزلية، ويميلون بأجسامهم إلى الأمام، ويضحكون بأصوات مرتفعة مكتومة وشرسة. يجرون بخفّة ونزق مقارنة بجري أمين الحقيقي. يتفرّقون في جريهم سادّين الشارع كلّه، ثم يقتربون من بعضهم، وتصطكّ أكتافهم القوية. ينظر أمين إلى الوراء بين الحين والآخَر، يتجرّع ننة نصف زجاجة البيرة وهو يجري وينسكب معظمها على ملابسه وعلى الأسفلت، ثم يرمي الزجاجة في الهواء أمامه، لكنّها لا تصيب أمين فتقع على الأسفلت متهشّمة. ننة يعرف أنّ الزجاجة لن تطال أمين، لكنّها قد تقصر المسافة وتطويها. ينادي عادل ريتا وهو يلتقط "حطّته" البيضاء قبل الوقوع بصوت يجعله غليظًا جدًّا وهو يضحك:

ـ أمّنو!

يقترب أمين بعدْوه السريع من باب السوبر ماركت نصف المغلق بنَفَس لاهث وعينين مضطربتين.

صفحة 9

السوبر ماركت من الداخل عميق وضيق، يزيد من ضيقه ثلاجة البقالة البيضاء الزجاجية التي تلتهم جزءًا كبيرًا من المساحة، بحيث أن ضلفتي الدكان لا يمكن فتحهما على اتساعهما، بالكاد ضلفة واحدة مفتوحة والأخرى مختفية وراء جزء من الثلاجة. في العمق كلُّ شيء مكدّس، علب ألبان النيدو الكبيرة مرصوصة فوق بعضها وتصل إلى السقف، جرادل بلاستيكية مليئة بالخيار المخلل والبصل والأورمة الصغيرة والزيتون، المقشات البلاستيكية بمختلف أشكالها وأحجامها معلّقة بكميات كبيرة في العمق.

فوق الثلاجة ماكينة تقطيع البسطرمة بقرصها الدائري الكبير وبجوارها ماكينة حسابية، بين الماكينتين يظهر وجه فريد، وهو رجل تجاوز الخمسين له ملامحُ صارمة وقاسية، على أرنبة أنفه نظارة بُعد نظر أنيقة سوداء شديدة الأفقية، حدودها العلوية بغير إطار. يبدو في جلسته مرتفعًا جدًّا عن مستوى أرض السوبر ماركت، في حيّزٍ ضيّقٍ بين ضلفة الزجاج المقفولة دومًا وهيكل ثلاجة العرض، بجواره تليفزيون صغير أبيض وأسود لا تَظهر شاشته كثيرًا للداخل من الباب. ينظر فريد إليّ نظرة جامدة لتحثَّ أمين على الحديث ومع ذلك يقول وهو ينظر إلى الخارج:

ـ مساء الخير!

ينظر فريد إلى الروب المفكوك على جسد أمين وإلى تهتّك قماش البيجامة عند إحدى الركبتين التي تبدو مبقّعة بالدم. ينظر أمين إلى ركبته وهو يلمّ بالحزام شعثَ الروب الشتوي الثقيل ويقول وهو يشير إلى التليفزيون الذي يعرض مسرحية «ريا وسكينة» بصوتٍ منخفضٍ:

ـ معلش.. أصل كنت مستعجل عشان ألْحَق الفيلم الأجنبي اللي على القناة الثانية.

أشار أمين إلى ركبته وقال وهو ينظر إلى فريد ويبتسم ويدفع نظارته الطبية على عينيه:

ـ وبعدين اتكعبلت في حَجر، وزي ما انت شايف ركبتي اتجلطت. أصل ساعات الأفلام الحلوة تخلّيك عاوز تبقى كلّ حاجة جنبك.. شايك وقهوتك وسيجارتك وعشاك.

عند هذه الكلمة الأخيرة فقط نظر فريد إلى عمق السوبر ماركت بجلالٍ شديدٍ والنظارة الأنيقة ساقطة على أنفٍ مهيبٍ ضخمٍ وقال رافعًا حاجبَيه قليلًا، وبصوتٍ هادئ وقور لا يقطعه سوى صوت التليفزيون الضعيف، وصوت ترانس صغير للمبة فلورسنت بالقرب من مدخل السوبر ماركت:

ـ جمال! المعتاد بتاع أمين بيه.

أخذ فريد ورقة صغيرة وقلمًا، وكتب وهو يقول بصوتٍ مرتفعٍ بعض الشيء، بينما صبي صغير صامت بدأ في تحضير الطلب متنقلًا بين ماكينة البسطرمة، وجرادل المخلّل. صوت فريد وصوت الصبي يتجاوبان دون نظرة واحدة وكأنّهما في معزوفة موسيقية مُتقَنة:

ـ تمن بسطرمة.. تمن جنبة رومي!

ـ تمن بسطرمة.. تمن جبنة رومي.

ـ ربع جبنة دوبل كريم!

ـ ربع جبنة دوبل كريم.

ـ ربع حلاوة!

ـ ربع حلاوة.

ـ ربع زيتون مشكّل!

ـ ربع زيتون مشكّل.

ـ ربع مشكّل، خيار وبصل وجزر!

ـ ربع مشكّل، خيار وبصل وجزر.

ـ عشرة فينو سنّ!

ـ عشرة فينو سنّ.

ـ بيبسي كبير!

ـ بيبسي كبير.

صفحة 10

تنساب تلك المعزوفة الصارمة دون هفوة واحدة أو نظرة واحدة بين العازفين ـ يسترد أمين أنفاسه اللاهثة ويقول بسخرية ضاحكًا مكمِلًا حديثه:

ـ وممكن بعد ده كلّه ما تتفرجش على الفيلم.

ينظر فريد إلى أمين وهو يخرج من حلقه صوتًا ضعيفًا رصينًا يعني الاستجابة. ثم يعود مرّة أخرى إلى الضرب على الماكينة الحسابية. يقول أمين وهو ينظر ناحية التليفزيون:

ـ شوف كده الفيلم الأجنبي فات منه كتير.

ينظر فريد في ساعة أمامه بغير إبزيم ويقول وهو يخرج دفترًا أسود.

ـ تلاقيه لسه بادئ والأسامي بتتكتب. اطّمن.

أخذ فريد دبّاسة كبيرة الحجم من ركن منضدة عالية بجواره في الحيّز الضيّق بين ثلاجة العرض وضلفة الزجاج، ثم فتح الدفتر الأسود على صفحة أمين ودبّس الورقة الحسابية الصغيرة في طرف الصفحة. تذكّر أمين فقال:

ـ آه.. وعلبة سجاير.

ـ حسبتها. قال أمين باقتضابٍ شديد.

مدّ فريد علبة السجائر على حافّة سطح الثلاجة الأملس، فرفع أمين يده أعلى من رأسه كي يتناول علبة السجائر من فوق حافّة الثلاجة، وهو ينظر من خلال الزجاج بجواره، فيري نُنة وعادل ريتا وبوسي يدخّنون ويضحكون عند سور الحديقة اليابانية. يبعد واحد عن مجال رؤيته، ثم يظهر متواثبًا على صديقيه ضاحكًا. الصديقان يضربانه ضربًا هزليًّا ويشيرانِ له أن ينظر ناحية السوبر ماركت حتّى تهدأ سورته الهزليّة، يقع الصديق على الأسفلت ضاحكًا بصوت عالٍ. يمسك أحد الصديقين رأسه بعنفٍ شديد ويثبّته، والآخَر يُشير إليه ناحية السوبر ماركت. يعود أمين بنظرته إلى فريد، ويعاوده الارتباك والفزع وهو يدفع نظّارته الطبية على عينيه، ويحاول أن يجد شيئًا يتحدّث فيه كي تطول إقامته داخل السوبر ماركت أطول مدّة ممكنة، يفتح أمين فمه، ويهمّ بالقول فيقول فريد بهدوءِ حكيمٍ بوذيّ:

ـ فيه ناس مستنياك برّه.

ينظر فريد إلى الصبي جمال الذي يتحرّك في مساحته الضيقة بدراية كبيرة محضرًا عشاء أمين ويقول:

ـ خلاص يا جمال؟

جمال لا يتفوّه بكلمة، وقد يكون التلميذ أشدَّ قسوة وصرامة من أستاذه. فقط ابتسم ابتسامة دبلوماسية باردة وهو يعطي أمين حقيبة بلاستيكية كبيرة تظهر منها أرغفة الفينو، لا يرى مفرًّا من الخروج.

وقف نُنة وعادل ريتا وبوسي على رصيف الحديقة اليابانية ينظرون إلى أمين بابتسامة هادئة جادّة. تقدّم أمين ناحيتهم بابتسامة مماثلة شديدة الأدب والاحترام. مدّ أمين ذراعه اليمنى للسلام في الهواء وفي يده اليسرى حقيبة العَشاء البلاستيكية تتأرجح بشدّة. أثارت حركة مدّ الذراع ضحكًا خفيفًا من قِبل ننة وعادل ريتا وبوسي وهم ينزلون من فوق الرصيف لملاقاة أمين. سلّم عليهم بحرارةٍ شديدةٍ تكفي لأن يكونوا مؤدّبين مهذّبين بعض الشيء، على أقلّ تقديرٍ في زمن التحايا فقط. يتبادلون القُبل الحارّة، وأمين يشدُّ على أيديهم بقوّة. ابتسم نُنة فظهرت في واجهة فمه العلوية ثلاثة أسنان صناعية من معدن أبيض رخيص يميل إلى السواد.

ـ إيه يا أبو أمين.. معدّي كده لا سلام، ولا كلام.. ينفَع كده.. إيه ياعمّ؟!