eKtab
EN ع
مع الشروق
اقرأ عينة مجانية

مع الشروق

بقلم طلال سلمان

صفحة 1
مقدمة

شرف لي أن تكون جريدة «الشروق» قد فتحت أمامي صفحة الرأي فيها.

ولقد أسعدني أن تكون هذه المساهمة المتواضعة تذكيراً أو استئنافاً للتواصل بين مختلف الأقطار العربية، ولو على الورق، مما يؤكد وحدة القضية ويعزز الحوار، حتى بالآراء المختلفة، حول التطورات التي تعيشها بلادنا في مرحلة الانتقال من الدكتاتورية المطلقة إلى مناخ من حرية القول يبشر بعصر مختلف عشنا طويلاً في انتظار فجره.

هذه مجموعة من المقالات التي نشرت في «الشروق» على امتداد العامين المنصرمين، بتشجيع من صديق غالٍ هو الأستاذ إبراهيم المعلم، صاحب دار الشروق، التي تعتبر الرائدة في دنيا النشر عربياً، ومطلق جريدة «الشروق» في القاهرة عشية انفجار مصر بثورتها المباركة.

ولقد كان للكاتب الكبير الصديق جميل مطر الفضل في دفعي إلى الانتظام في الكتابة أسبوعياً، «لكي نستعيد التواصل... ألم يكن الكتّاب الشوام من مؤسسي الصحافة في مصر».

أرجو ان تكون هذه المقالات خطوة على هذا الطريق.

طلال سلمان

مع «الشروق»

عن مصر في حضورها والغياب

صدر في القاهرة يوم الأحد الماضي العدد الأول من جريدة «الشروق»، بعد فترة طويلة من الإعداد والتحضير لتكون بمستوى المهمة التي انتدبت نفسها لها في هذه المرحلة القاسية من حياة العرب في مصر وخارجها.

الكلمة، هنا، تحية من «السفير» إلى «الشروق» بأسرة تحريرها المميزة، من موقع الشراكة في الطموح كما في الهموم الثقيلة... تنشر اليوم في الزميلة القاهرية.

الكلمة الأولى: تحية لهذا المنبر العربي في مصر، جريدة «الشروق» يضيف الى رصيد صحافتها العريقة جديداً متميزاً بسلامة التوجه اعتماداً على وضوح الرؤية وتحديد الوجهة الصح، فضلاً عن رقي المستوى حداثة في التجهيز التقني واتساعاً لدائرة المعرفة بالمعلومات.

إن صدور صحيفة جديدة في أي مكان من الوطن العربي يمثل زيادة مساحة النور، لا سيما إذا كانت تتوجه الى شعبها وتسعى لان تعبر عنه، لا هي في خدمة السلطان، ولا هي تحوّل هموم الناس الى بازار مفتوح بنبرة فضائحية، ولا هي تنزلق بالقصد أو بالجهل الى الترويج لأعداء الأمة، سواء أكانوا يحتلون بعض أرضها أو يهيمنون على بعض إرادتها.إننا نتمنى أن يكون صدور «الشروق»، وفي إدارتها وتحريرها كفاءات نثق بقدراتها وبتوجهاتها، بشارة بشروق جديد، سياسياً وثقافياً، تغمر شمسه دنيانا الغارقة في ظلام التخلف وقهر العجز والضياع عن طريقنا الى غدنا.
صفحة 2
بعد هذه التحية يمكننا أن نستعرض طبيعة الظروف التي ستواجهها هذه الزميلة الجديدة، الى جانب سائر الصحف العربية، خصوصاً أننا نتوقع منها أن تلعب دورها الطبيعي في خدمة قضايا شعبها هنا في مصر، وأمتها العربية في دنياها الواسعة جميعاً.تقضي الأمانة أن نعترف بقصور قدراتنا عن مواجهة واقعنا العربي المتردي.

لقد تباعدنا كشعوب عربية فقاربنا القطيعة، وهذا أخطر بكثير من التباعد بين السلطات والأنظمة، ففصلت بيننا مسافات هائلة من سوء الفهم أو نقص المعرفة أو التجهيل المقصود، أو التدخل الأجنبي بالقوة أو بالمصالح أو بالفتنة.

ونتيجة لسياسة «يا ربي نفسي» فقد تم تصوير البلاد العربية وكأنها تتناقض بعضها مع بعض في مصالحها، مع أنها تتكامل وتكتسب مزيداً من المنعة وقوة التفاوض إذا ما تقاربت الى حد التكامل. إننا نفتقد الرابط العملي في يومنا، برغم أننا ندرك ـ بوعينا ـ أن غدنا، كعرب، واحد مهما ضعنا عن طريقه أو طمسه أصحاب السلطان لإيهامنا أن لكل منا ـ في بلده ـ قضية مختلفة، والحقيقة، كما تدل عليها التجارب المريرة، وما أكثرها، أن قضايانا، في جوهرها، واحدة، وأن ما يؤذي أي قطر عربي لا يمكن أن يفيد سائر الأقطار العربية...وربما لأن لبنان هو من أصغر الأقطار العربية، فإن التباعد بين العرب يشعره بنوع من اليتم، ولا يعوضه الحضور الأجنبي الكثيف شيئاً، بل لعله يفاقم من إحساسه بأن أهله قد تخلوا عنه وتركوه لمصيره في قلب الصراع الإقليمي والدولي.

أما فلسطين، قضية مهددة بالضياع، وشعباً ممزقاً بالصراعات وسلطة منقسمة على ذاتها، فالظلم الذي لحق وسيلحق بها أفدح، والأذى الذي سيطال شعبها سيطالنا جميعاً، في مصر كما في لبنان، وفي سوريا كما في الأردن، بل في المغرب العربي كما في الجزيرة العربية وضمنها اليمن.. فلا أمن ولا تقدم ولا سلام بغير حل عادل لهذه القضية التي كانت ولا تزال مقدسة، بأرضها كما بحقوق شعبها فيها، وبعروبتها كما بالتضحيات الغالية التي بذلها العرب جميعاً، الى جانب أهلها من أجل تحريرها وإقامة دولة لشعبها فيها.

أما العراق الذي ضيعه الطغيان فجاء الاحتلال الأميركي «وريثاً شرعياً» له وعمل على تمزيقه وتفتيته وإعادة شعبه الى عناصر التكوين الأولى، مما جعله في حرب أهلية مفتوحة ينشغل بنفسه عن هدف التحرير واستعادة كيانه الخطير..

من أجل أن يتخذ «الحوار» مع قارئ «الشروق» سياقه الطبيعي، لا بد من بعض الإضاءة على موقع هذه الكلمات وكاتبها الذي يتشرف برئاسة تحرير جريدة «السفير» في بيروت، والذي يرى أنه مع «الشروق» ستتحقق مقولة شاعرنا الكبير الراحل أمل دنقل «صوتان صوتك، سيفان سيفك».. من خلال السعي لتكامل الدور في خدمة القارئ العربي عموماً.

لقد رضعنا، في لبنان كما في مختلف جهات الأرض العربية، حب مصر أطفالاً، تعلمنا كثيراً، من كتب المبدعين فيها، كما من صحافتها، ومن جامعاتها جاءنا أوائل المتخرجين، ووصل إلينا الكثير من وهج نهضتها الثقافية ثم ثورتها السياسية، ومواجهاتها المتعددة مع قوى السيطرة الأجنبية والاحتلال الإسرائيلي.

مصر هي في وجداننا أكبر من واقعها،

ولعلنا نبالغ، أحيانا، في تصورنا لدورها المفتقد.

لكن ما يشفع لنا أننا وعينا على مصر وهي تقود ولا تقاد، واندفعنا تحت رايات النضال القومي الذي قادته، وامتلأنا بالفخر وجيشها البطل يستعيد زمام المعركة في حرب الاستنزاف التي توّجها النصر المجيد لتحرير الأرض... ثم أحزنتنا الانتكاسة الخطيرة التي مهدت للصلح المنفرد الذي رأينا فيها خطر تفكيك الأمة الى أنظمة متصارعة وأحيانا متخاصمة يقاطع بعضها بعضاً، بل يستقوي بعضها على بعض بالأجنبي، في حين يكاد العدو الإسرائيلي يعجز عن جمع أرباحه الطائلة، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ونفوذاً في الدنيا الواسعة، وداخل بلادنا العربية ذاتها.

إن الوطن العربي يبدو الآن، في غياب مصر عن دورها، كجسد بلا عمود فقري.

ولعل من واجبنا أن نصارح إخواننا في مصر ببعض الحقائق، ومنها:

ان مصر في نظرنا، ليست بلداً للإجازة. ليست بالنسبة للمواطن العربي في كل أرضه، منتجعاً على البحر الأحمر كشرم الشيخ، أو على الساحل الشمالي كمرسى مطروح أو في أقصى الصعيد وعلى ضفاف السد العالي كأسوان.

ثم ان القاهرة عاصمة الدنيا العربية جميعاً، ليس في ذكرياتنا فحسب، بل اننا نحتاجها أشد الحاجة في يومنا وغدنا، بإرثها الحضاري، بجامعاتها ومعاهدها ومكتباتها ومتاحفها ومسارحها، بتاريخها الذي أوله انتصار والذي سياقه دور قيادي عن استحقاق.

ومع إعجابنا بالأهرامات وأبي الهول وسائر التراث الفرعوني العريق، فإن السد العالي والقلعة الصناعية مدنياً وعسكرياً وتوسيع رقعة الأرض المزروعة وكل ما يعزز عناصر القوة والقدرة على الإنجاز، هو ما يعمق موقعنا العاطفي من مصر ويعطيه أبعاده السياسية.

ولسوف نظل نعامل مصر بوصفها القيادة، نحييها ونفخر بالسير في ركابها وهي تواجه لكي تحقق الخير لشعبها ولأمتها... وقد ننتقد سياساتها، بل ربما قسونا ونقسو في نقد تلك السياسة، لأننا ندفع ـ في بلادنا العربية، خارج مصر ـ ندفع مثل المصريين، وربما أكثر، ثمن الأخطاء أو الانحراف عن موجبات دورها الذي لا يعوضه غيرها.

وبصراحة مطلقة: لا يكتمل الإحساس بشرف الانتماء الى العروبة إلا بمصر، التي وعاها جيلي في موقع القيادة والريادة، وهي قلعة المواجهة في الدفاع عن حقوقها، التي هي بعض حقوق الأمة العربية جميعاً.

ان اعتزازي بعروبتي في لبنان هو مصدر وطنيتي، وموقفي من قضايا النضال العربي، وفي الطليعة منها فلسطين، إنما ينبع من إيماني بوحدة المصير، فإن قصّرت مصر أو تاهت بها أقدام قادتها عن الطريق، ضعنا جميعاً.

لقد دفع شعب مصر وجيشها، ودفع شعب سوريا وجيشها، ودفع شعب لبنان وجيشه ومقاومته المجاهدة، مثل ما دفع شعب فلسطين في جهاده المتميز عبر أجيال من أجل حقه في وطنه الذي اغتاله الاحتلال الإسرائيلي معززاً بقوى الدعم الاستعماري المفتوح.

بل ان شعوب الأمة العربية جميعاً من أقصى مشرقها في اليمن الى أقصى مغربها، مع محطة استثنائية في جزائر المليون شهيد، قد دفعت ثمناً باهظاً من دمائها للحرية والاستقلال والتقدم.

ولقد كانت مصر، بشعبها وجيشها في موقع القيادة عن جدارة، بالتضحيات الغوالي التي قدمتها، والتي بها استحقت أن تقود وأن تحظى بالتقدير الاستثنائي.

ومنذ أن غابت مصر، بغض النظر عن أسباب الغياب الذي نراه قسرياً ومؤذياً لمصر ودورها وكرامة شعبها، تفرّق العرب أيدي سبأ، وذهبت بهم خلافات قياداتهم الى التصادم والقطيعة، بل الى مخالفة العدو ضد إخوتهم في بعض الحالات.

وليس من المغالاة القول ان كثيراً من الأزمات التي تعيشها بلادنا، بأنظمتها وشعوبها، هي من نتاج العجز عن مواجهة المشروع الإسرائيلي، الذي يستبطن أو يشكل رأس حربة، لا فرق، مشروع الهيمنة الأجنبية على منطقتنا الغنية... وهذا العجز أودى بنا الى الاستسلام فخسرنا أو نكاد نخسر أوطاننا إضافة الى فلسطين.

وبصراحة مطلقة نقول: ليس شعب لبنان وحده هو الذي يعيش الآن في الظلال السوداء، للحرب الأهلية، لكن العديد من الأقطار العربية يعيش تحت الظلال نفسها، معلنة كما في السودان، او مموهة كما الحال في الجزائر واليمن، فضلاً عن العراق تحت الاحتلال الاميركي الذي توزع شعبه المفتت والمنقسم على ذاته أرباعاً: ربعه في المنافي القريبة او البعيدة، وربعه في الشتات داخل وطنه، وربعه الثالث مضيع في أوهام الانفصال العنصري بديلاً من وحدته الوطنية، وربعه الأخير تائه في صحراء الجوع والفقر وانعدام الحيلة.

لقد أثقلت بهمومنا في لحظة فرح بميلاد «الشروق»،

عذري أنني وجدتها فرصة طيبة لمخاطبة أهلنا في مصر عبر «الشروق» التي نرى فيها وعداً بصحافة أكثر ارتباطاً بالقضية الوطنية. والصحافة، في نهاية المطاف، ليست مجرد حرفة. إنها مهنة تستبطن قضية، أو أنها قضية تتخذ لها منبراً عبر الصحيفة.اهلاً بـ«الشروق» تعزز قدراتنا من اجل ان نخدم شعوبنا وأمتنا بما تستحق من عقل وعلم وموضوعية وإخلاص وتجرد من الغرض، ومن أفق أوسع لتفكير أعمق بما يتناسب مع المخاطر التي تتهددنا في حاضرنا كما في غدنا.

وليكن التوفيق حليف رفيق السلاح الجديد: الشروق.

(4/2/2009)
صفحة 3
أوباما يقدم «المسلمين» على «العرب» ...

وإسرائيل تصفي فلسطين من موقع «الحليف!

اختار الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يقدم النفط كسلعة استراتيجية على المكانة السياسية، وان يقدم الدين (الإسلام) على الهوية العربية والانتماء القومي، وهكذا عدل في برنامج زيارته للمنطقة لكي يبدأ بالسعودية بدلاً من مصر... وهذا ليس تعديلاً شكلياً أو بروتوكولياً (تقديم الملك على الرئيس؟!) بل له مضامينه التي لا يجوز إغفالها، من أجل قراءة صحيحة للزيارة ودلالاتها.

بمعنى آخر فقد اختار أن يوحي «للعرب» بأنه حليفهم في مواجهتهم المفترضة مع «العدو الإيراني» المستجد، بعدما أراحوا أنفسهم من المواجهة ـ ولو كاحتمال؟! ـ مع العدو القومي «السابق» إسرائيل وتركوا لها أن تقرر لهم مستقبلهم في أرضهم، بدءاً بفلسطين التي لم يتوقف تهجير شعبها برغم تعدد الحكومات وأكثرياتها وتوجهاتها «الايديولوجية» في إسرائيل، وهي تعلن انها ستواصل تهجير من بقي لتكمل «تطهير» الدولة اليهودية من «الرجس»... الفلسطيني وبالاستطراد العربي.

ليس في ذلك سوء تصرف أو سوء قراءة... فإذا كان العرب قد بدلوا في خريطة علاقاتهم، فاستبدلوا عدوهم الفعلي، محتل أرضهم وإرادتهم، بعدوّ افتراضي فلن يتدخل الرئيس الأميركي في «قرارهم الوطني المستقل»، بل هو سيقبل منهم ما يقررونه، فيعادي من يعادونه ويصالح أو يهادن من صالحوه فهادنوه حتى صار حليفاً في معركتهم الجديدة ضد عدوهم المستحدث.

لقد عدل كثير من الدول العربية في خريطة العداوات والتحالفات: انتبهوا، ولو متأخرين، الى أن إيران هي عدوهم القومي التاريخي، مستذكرين «الفرس»، ثم انها تعتنق مذهباً غير مذاهبهم، و لا يهم أن يكونوا من أهل الدين الواحد... ثم انتبهوا، بالمصادفة، الى أن إسرائيل قوية جداً وأقوى منهم على أي حال، وتستطيع بالتالي أن تصد عنهم هذا الخطر (المحتمل) فتمنعه من الوصول الى المتوسط، بما يهددهم في وجودهم، فقرروا أن يشجعوها وأن يساندوها، مباشرة أو بالواسطة، وارتاحوا عائدين الى تفسير خاص لمقولة قديمة مفادها أن عدو عدوك صديقك، وأن المقادير ساقت الى خدمتهم «أقوى جيش في المنطقة»، وهكذا فلقد أعفاهم شر القتال، حتى وان تكفلوا بنفقات هذه الحرب التي سيخوضها الإسرائيلي من أجلهم ولحسابهم مشكوراً!

ومن حق باراك أوباما أن يشعر ـ لحظة قدومه الى المنطقة ـ أنه ربما يكون قد اشتط في تقريعه بنيامين نتنياهو بسبب موقفه الرافض التسليم بشعار الدولتين على أرض فلسطين، (وهو في أي حال، وحتى إشعار آخر، مجرد شعار) فظهر وكأنه أكثر تطرفاً من أصحاب الشأن، على افتراض أن للشأن صاحباً واحداً.

بالمقابل فإن من حق باراك أوباما أن يقبل الخيار الذي اعتمدته دول عربية كبرى ومهمة (بعضها بالتاريخ والقدرات البشرية مثل مصر، وبعضها الآخر بالنفط والأماكن المقدسة مثل السعودية) وخلاصته تقديم الدين على القومية... ومثل هذا الخيار يسحب ذاته على فلسطين، فإذا كانت فلسطين قضية إسلامية فإن السعودية هي الأولى بها وليست مصر.

أما إذا كانت فلسطين قضية قومية عربية فما شأن المسلمين بها، وهنا تتساوى في البعد مصر مع السعودية ومعهما السلطة الفلسطينية التي طورت «القرار الوطني المستقل» أو عدلت فيه بحيث أبعدت العرب تماماً عنه، مكتفية منه «بالسلطة» التي مرجعيتها إسرائيل ورعايتها للرباعية الدولية التي ابتدعت لها خريطة تقود الى... لا مكان، قبل أن تختم الإدارة الأميركية السابقة عهدها بمؤتمر أنابوليس الذي استدعي اليه العرب بمذكرات جلب ليسمعوا من الرئيس الأميركي السابق وإدارته التعهد الاستثنائي باعتبار إسرائيل دولة اليهود!

وها ان بعض ثمار هذا التعهد تتبلور في ظل انتصار أقصى التطرف الإسرائيلي في الانتخابات الأخيرة، بتوجيه تهمة الخيانة لكل فلسطيني لم يتم تهجيره من «أراضي فلسطين 1948»، اذاً هو اعترض على يهودية الدولة في إسرائيل!

نعد الى أساس الموضوع:

في البداية قال الرئيس الأميركي انه قد اختار مصر بوابة دخول الى العالم العربي، وانه من عاصمتها القاهرة، سيوجه رسالته الخاصة الى المسلمين (وليس الى العرب؟!)!

ويبدو أن أوباما عدل في برنامجه فقدم الرياض على القاهرة، بعد مداخلات وشفاعات، لكي يؤكد اهتمامه بهواجس المتخوفين من «الخطر الإيراني» فيطمئنهم مباشرة من الضفة الأخرى للخليج الذي يفصل بين هذا الخطر والعرب الخائفين في أرض الذهب الأسود.

وهكذا فهو يزور الرياض أولاً لكي تفهم إيران الرسالة، ثم يأتي الى القاهرة ليخاطب منها المسلمين، مؤكداً على اعتماد ما قرره «العرب» من أن فلسطين قضية إسلامية، والى أن إيران ليست بين المسلمين، وبالتالي فما دخلها بفلسطين التي تبطل أن تكون في هذه الحالة «قضية»... أقله في انتظار أن يحسم الصراع بين «العرب» و«المسلمين»!.. وفي هذه الأثناء تكون إسرائيل حليفاً حقيقاً للمسلمين (وضمنهم العرب) في مواجهة إيران!

النفط أولا وبعده الإسلام!
صفحة 4
وبين النفط والإسلام يضيع العراق، الذي بدأت الإدارة الأميركية تلمح الى أن الانسحاب منه مستحيل في الموعد الذي سبق لها تحديده، أي نهاية العام 2011... فالخلافات الداخلية المستحكمة بين من صاروا قيادات في ظل الاحتلال الأميركي تضيف الى رصيد «الإرهاب الأصولي» الذي قد يتمكن من منع الانتخابات الموعودة نهاية السنة، وقد يخلخل الحكم القائم والانقسامات الطائفية والمذهبية والعرقية بما يجعل من الانسحاب الأميركي كارثة على العرب والمسلمين!

وعلى الهامش: فإن السعودية لا تعترف حتى اليوم بحكومة المالكي، ليس لأنها «صنيعة الاحتلال الأميركية» بل أساسا لأسباب مذهبية.

ثم ان الأحوال المضطربة في أفغانستان ومعها الآن باكستان تنذر بويلات خطيرة، اذ لم يعد تفسخ باكستان خارج دائرة الاحتمالات، وهذا يلزم الولايات المتحدة بالحفاظ على قوات احتلالها في العراق حتى لا ينهار الدومينو الإسلامي كله.

ثم ان مثل هذا الاحتمال يزيد من الحاجة الأميركية الى التعاون مع ايران، التي لها نفوذ غير منكور في هذا الدومينو.

وبالتالي فإن خطاب الرئيس الأميركي يجب أن يحمل رسائل التطمين للخائفين من دون أن يستفز القوى الاحتياطية التي قد يفترض أنها ستساعده على وقف التدهور في الدولة الإسلامية النووية الوحيدة (حتى هذه اللحظة) كما في الدولة الإسلامية الأخرى أفغانستان التي كلما افترض الاحتلال الأميركي انه قد نجح في إقامتها فعلاً جرى فيها من الأحداث ما ينفي افتراضه هذا..!

هل هي مصادفة أن تجري إسرائيل أوسع وأضخم مناورة عسكرية في تاريخها، بمشاركة جيشها وأسطولها الجوي وأسطولها البحري ومواطنيها جميعاً فيها، وان تمد هذه المناروات لمدة ثلاثة أيام طويلة، وعلى امتداد الأرض الفلسطينية المحتلة، مع تركيز على الشمال (لبنان) والشرق (سوريا في اتجاه إيران)؟!

هل ثمة رابط بين هذه المناورة، والزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي باراك أوباما، وهي الأولى، والتي تعلق عليها إدارته وبعض دول المنطقة أهمية فائقة، خصوصاً أن البعض يرى أن هدفها طمأنة هذه الدول الى صلابة التأييد الأميركي.. ولكن في وجه من؟!

...أما في بيروت فيضاف الى هذا التساؤل بعض الهواجس التي لم ينفع في تبديدها قدوم الأكبر بين المسؤولين الأميركيين، إليها، خلال شهر واحد وهما: وزيرة الخارجية السيدة هيلاري كلينتون، ونائب رئيس الولايات المتحدة جوزف بايدن!

..خصوصاً أن السيدة كلينتون كانت قادمة من العراق تحت الاحتلال الأميركي، وقد حطت في بيروت لأربع ساعات فقط، وحصرت زيارتها برئيس الجمهورية ثم بوقفة احترام لذكرى الشهيد رفيق الحريري، وغادرت من دون أن تلتقي رئيس المجلس النيابي أو رئيس الحكومة، خلافاً للمألوف (لبنانياً).

أما نائب الرئيس فقد وصل بيروت آتيا من بعض أنحاء يوغسلافيا السابقة التي يذكر اللبنانيون أن الولايات المتحدة الأميركية قد لعبت دوراً بارزاً في تمزيقها الى دول عدة مقتتلة، متخذة من حماية «الأقلية الإسلامية» ذريعة لتوظيف هذه الواقعة مع العرب (المسلمين).

ومع أن هذا المسؤول الأميركي الرفيع قد التزم البروتوكول فزار الرؤساء الثلاثة، إلا انه قبيل المغادرة التقى قيادات تجمع «14 آذار» الذي يملك هذه اللحظة الأكثرية البرلمانية، في محاولة لتطمينهم وتهدئة قلقهم من نتائج الانتخابات النيابية، مؤكداً لهم ان دولته العظمى تساند بقوة استمرار أكثريتهم في الحكم وانها سوف تعيد النظر في مساعداتها للبنان اذا ما فازت المعارضة في الانتخابات!

وغني عن البيان أن مثل هذا الموقف سيزيد من حدة الصراع المفتعل والذي بلغ حدود شطر المسلمين الى معسكرين متواجهين: السنة تحت الرعاية الأميركية، والشيعة تحت الرعاية الإيرانية... وفي مثل هذا التقسيم المفتعل إهانة للمسلمين جميعاً، ثم انه يصب في طمس القضية الفلسطينية تماماً، بتقديم خطر موهوم على خطر حقيقي دفع العرب جميعاً من دمائهم ثمن محاولات صدهم، وما زال اللبنانيون منهم يمسحون آثار جراحهم نتيجة الحرب الإسرائيلية على لبنان قبل ثلاث سنوات إلا قليلاً.

والسؤال ليس: أين أميركا من العرب والمسلمين؟! بل أين العرب والمسلمون من فلسطين، وبالتالي من الاحتلال الإسرائيلي ومن الاستعداد الإسرائيلي الذي بلغ أوجه في الأيام الأخيرة لحرب جديدة ضد العرب والمسلمين بعنوان إيراني؟

لننتظر فنسمع ـ ومن القاهرة وفيها ـ محاولة للإجابة عن التساؤلات الكثيرة التي تقلق العرب والمسلمين معاً.

(3/6/2009)
صفحة 5
لاءات نتنياهو تلغي «نعم» أوباما

«دولة اليهود التاريخية» تستضيف «دولة فلسطين» كلاجئ سياسي!

كما جلس «العرب»، في الرابع من حزيران ـ يونيه الماضي، يتابعون مبهورين بسحر الرئيس الأميركي الأسمر باراك أوباما خطابه البليغ المطعم بالآيات القرآنية، كذلك جلسوا وقد حبسوا أنفاسهم يوم الأحد الماضي وهم يتجرعون الخيبة عبر خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي نافق حليفه الخطير فرحب ببعض طروحاته شكلاً قبل أن يرفض مضمونها منهجياً وبالمطلق!

في الحالين كان «العرب» في دور المتفرج، المتلقي، منكور عليهم دور الطرف، فالتفاوض ـ عبر الهواء ـ بين أصحاب القرار فحسب، أما التعليقات بالتأييد أو بالاعتراض فتذهب مع الريح: عندما يتحدث الكبار يكون على الصغار أن يسمعوا فيطيعوا!كلاهما اختار جامعة محددة المكان والدور لإعلان بلاغه للناس: أوباما ارتأى أن تكون جامعة القاهرة العريقة حيث لا مجال للالتباس في «طهارتها» السياسية!

أما نتنياهو فقد اختار معهد بيغن ـ السادات في جامعة بار ايلان للمتدينين بكل الدلالات المكثفة لهذا الاختيار سياسياً، وهي أوضح من أن تحتاج الى تبيان، يستوي في ذلك «الصلح المنفرد» بالشروط الإسرائيلية أو طبيعة هذه الجامعة كمعمل تفريخ للأشد تطرفاً وتمسكاً بالاستيطان منهجاً لاستبدال سكان البلاد الأصليين بطوابير المستعمرين، وقد كان زعماؤهم في الصفوف الأولى يصفقون بحماسة ثم يهتفون بإعجاب شديد لكل كلمة في الخطاب الذي استشير فيه الأعظم تطرفاً في «دولة اليهود التاريخية».

لقد أفسد هذا المتجبر اللعين نتنياهو على العرب نشوتهم... فلقد أمضوا الأيام العشرة الماضية وكأنهم سكارى، وما هم بسكارى، بالقصيدة العصماء التي ألقاها فيهم باراك أوباما مجاملاً ماضيهم، منافقاً إسلامهم، ولا بأس أن يكون قد قفز من فوق قضاياهم الحقيقية ومطالبهم المعتقة، فذلك أمر يمكن استدراكه...

صحيح أن أوباما قد مر على الاحتلال الأميركي للعراق بشكل عابر، فلم يعتذر عنه، كما برر الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين بالمحرقة النازية لليهود في ألمانيا، وصحيح أن نتنياهو قد نافق باراك أوباما فلفظ تعبير «دولة فلسطين» ثم كرس الخطاب جميعاً لإلغاء معنى «الدولة» تماماً واستبقاء الفلسطينيين رهائن في مساحة من الأرض غير محددة ومعرضة للذوبان يومياً، بأفضال المستعمرين، مياهها ليست لها وأجواؤها لإسرائيل، وكذلك الأمن... أما القدس فخارج أي نقاش بوصفها العاصمة التاريخية والأبدية للشعب اليهودي، بغربها وشرقها وشمالها والجنوب والمقدسات جميعاً.

لكن الصحيح أيضا أن أياً من باراك أوباما وبنيامين نتنياهو لم يتوجه الى العرب، بل كان كل منهما يحاور الآخر، وربما يفاوضه من فوق رؤوس العرب، ودونما حاجة الى التوقف أمام رأيهم بل آرائهم!

لقد تحدث باراك أوباما بلغة رئيس الدولة العظمى.

ورد بنيامين نتنياهو وكأنه رئيس ذلك الرئيس، وصاحب القرار، تاركاً للمستوطنين أن يصوروا باراك أوباما بالكوفية والعقال، تمهيداً لاتهامه باللاسامية، ان هو مضى قدما في محاباة الفلسطينيين على حساب ضحايا «المحرقة» وحقهم في أرضهم التاريخية!

لم يراع بنيامين نتنياهو شركاءه «العرب» في معاهدات الصلح المنفرد، واثقاً من أن أي مسؤول عربي لن يرفع صوته باعتراض جدي، فمع التوقيع على تلك المعاهدات وبالشروط المعروفة، أسقط هؤلاء حقهم بالاعتراض ثم انه أسقط خريطة الطريق والرباعية معها، وكل مسلسلات التفاوض الى الأبد مع السلطة الفلسطينية، مباشرة أو عبر المؤتمرات الدولية (أنابوليس) أو اللقاءات المباشرة أو التعهدات العلنية.

كذلك فإنه أسقط أي احتمال لتوطين الفلسطينيين الذين سبق أن طردوا من وطنهم التاريخي داخل حدود إسرائيل، وبهذا فإنه أسقط حق العودة بالضربة القاضية، مثيراً زوابع من الهلع في لبنان على وجه الخصوص الذي تحكمه توازنات ديموغرافية ـ طائفية شديدة الحساسية والهشاشة.

وجدد رفضه وقف توسيع المستوطنات، وإن كان «تشاطر» في صيغة الرفض ليلتبس الأمر على سامعه فيرى في كلامه قبولاً للمطلب الأميركي... بل إنه غمر صدور المستوطنين بالأوسمة فوصفهم بأنهم «ليسوا أعداء الشعب، بل إنهم يقومون بعمل رائد وصهيوني».

أما في ما يخص العرب (من غير الفلسطينيين) فإن بنيامين نتنياهو أظهر أنه لم يسمع بمبادرة السلام العربية المطروحة فوق الطاولة منذ سبع سنوات وثلاثة شهور، والتي لوح منشئها في قمة الكويت العربية في نهاية آذار ـ مارس الماضي بأنها لن تبقى على الطاولة الى الأبد.

فأما الرئيس الأميركي باراك أوباما فقد رد على خطاب نتنياهو فوراً مسجلاً بل منوهاً بذكره تعبير «الدولة الفلسطينية»، متجاهلاً أن الشروط التي وضعت لاستيلادها ستجعل مستحيلاً عليها أن ترى النور.

وأما القادة العرب الذين اشتهر عنهم عمق التفكير قبل إطلاق المواقف، فقد لزموا الصمت... ولعل بعضهم يفكر الآن، وبعد أن سمعوا رد أوباما، على قبول دعوة نتنياهو للتلاقي «من أجل النهوض بالسلام في المنطقة».. ومن علق منهم فقد اكتفى بالقول إن مقترحات نتنياهو ليس من شأنها أن تحقق السلام!

ولعل بعضهم قد استذكر رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق ارييل شارون الغائب عن الوعي منذ دهر والذي كان قد لفظ كلمة «الدولة الفلسطينية» ثم عمل بشراسة لنسف احتمال قيامها بمصادرة الأرض وتهجير أهلها وتوطين المستعمرين المسلحين حتى أسنانهم.

ثم ان القادة العرب كانوا منهمكين بمتابعة الانتخابات النيابية في لبنان بقانون الستين، وقد أسعدتهم نتائجها الباهرة التي تشكل فتحاً في تاريخ الديموقراطية الطوائفية، والتي رأوا فيها انتصاراً على «محور الشر»، فمن ذا الذي يريد أن يفسد عليهم فرحتهم بهذا النصر المؤزر... وماذا يهم أن نخسر فلسطين ما دمنا قد ربحنا الديموقراطية الطوائفية في لبنان الذي يعيش على حافة الحرب الأهلية؟!
صفحة 6
ولقد كان لافتاً أن يركز الإعلام العربي الرسمي، بأغلبيته، على حكايات التزوير في الانتخابات الرئاسية في إيران، والذهاب في دعم مير حسين موسوي الى أبعد مما يريد الرجل الذي لم يخرج على نظامه، بل إنه «خذل» مناصريه العرب وذهب بشكواه الى القائد علي خامنئي، مرشد الثورة الإسلامية في إيران، توكيداً لالتزامه موجبات حماية النظام والدولة.. فكان التأييد المبالغ به لهذا المرشح على طريقة نجدة الدب لصاحبه ... وبالتالي فقد حاول هذا الإعلام العربي الرسمي أن يخفف من الاهتمام بخطاب نتنياهو رداً على الرئيس الأميركي، بأن يظهره وكأنه أمر عارض لا يستحق التعليق.

بالمقابل فإن القيادات الفلسطينية، داخل السلطة وخارجها، من اتهم بالتفريط حتى قارب الخيانة، ومن قال بالكفاح المسلح حتى قارب الانتحار انفصالاً، قد أجمعت على رفض منطق نتنياهو... واعتبر أنصار التفاوض للتفاوض، ومن حفيت أقدامهم بحثاً عن خريطة للطريق، ان رئيس حكومة التطرف الإسرائيلي قد أوقفهم على منصة الإعدام متهمين بخيانة شعبهم حتى وهم يطالبون بالحد الأدنى من الأدنى من حقوقه.

ويبقى السؤال عن موقف رئيس السلطة محمود عباس (أبو مازن) الذي كان قد حظي قبل أيام باستقبال ودي في البيت الأبيض تبلغ خلاله من الرئيس الأميركي باراك أوباما شخصياً قبوله بمبدأ الدولتين... متجاوزاً نفاقه إسرائيل بتقديم «المحرقة» وكأنها بداية التاريخ، ليبرر بها اجتياح فلسطين وطرد أهلها منها لكي يقيم اليهود فيها دولتهم، وكأن الفلسطينيين هم الذين نظموا المحرقة وتسببوا في تشريد يهود أوروبا.

لسوف يجد القادة العرب ما يقولونه تعليقاً على خطاب نتنياهو. سيؤكدون لأنفسهم قبل رعاياهم أن باراك أوباما لا يكذب، وأنه قوي بما فيه الكفاية ليفرض رأيه على التطرف الإسرائيلي، وسينصرفون لمتابعة نشاطهم في مكافحة التطرف العربي الذي يشكل رأس جسر لمحور الشر الإيراني.

وفي نهاية المطاف فإن كل ما فعله نتنياهو انه قد «قلب السلحفاة على ظهرها»، على حد تعبير المفكر العربي عزمي بشارة.

والسلحفاة هنا قد تكون مبادرة السلام العربية، وقد تكون خريطة الطريق وقد تكون الوعود الأميركية، وقد تكون كل ذلك معاً!

والمهم أن خلاصة خطاب بنيامين نتنياهو تعني ببساطة:

ان دولة اليهود التاريخية تستضيف «دولة فلسطين» كلاجئ سياسي، بشرط أن يتخلى عن اسمه وهويته وحقوقه وأن يزور مركز الأمن كل صباح لإثبات التزامه قوانين اللجوء!

( 17/6/2009)

العرب كرعايا للدولة الوحيدة

في «الشرق الأوسط»: إسرائيل!

لماذا الاندفاع في معاداة إيران أبعد من.. أوباما؟!

استسلم «النظام العربي» لمبدأ انه لا يملك حق القرار في شؤونه!

إنه يعيش يوماً بيوم، يتصرف بما بين يديه، منتظراً أن يسمع ما يفيده بل ما يقرر له غده!

من أبسط النماذج، كما هي حالة لبنان، الى أقساها وقعاً، كما هي حالة العراق المضيع مستقبله ككيان سياسي وشعب دفع من دمائه غالياً ثمن اندثار دولته وتمزق روابط وحدته الوطنية، وانتهاءً بشعب فلسطين الذي تتلاشى تدريجياً قضيته التي كانت مقدسة لتغدو أشبه بمسألة خلاف عقاري مع الاحتلال الإسرائيلي.

ومن خلال الوقائع اليومية، يتبدى وكأن «العرب» قد أخلوا مكانهم في الجغرافيا كما في التاريخ، وارتضوا أن تطمس هويتهم الجامعة، فيصيروا رعايا للدولة الأقوى ـ حتى لا نقول الوحيدة ـ في المنطقة التي كانت عربية فصار اسمها المعتمد رسمياً حتى من طرف حكامها: منطقة الشرق الأوسط. ومع هذه التسمية يصبح كل ما حول فلسطين المحتلة، شمالاً وجنوباً وشرقاً، «أنحاء» أو «جهات» لا تشكل حدوداً لإسرائيل بل هي مداها الحيوي.
صفحة 7
في الماضي، كان النظام العربي يراهن على الإدارة الأميركية في معظم شؤونه، ما تدعمه فيه يكون، وما لا تدعمه فيه يفضل أن يستغني عنه أو يرجئ البحث فيه، وكانت فلسطين ـ القضية وحقوق أهلها فيها هو العنوان. وهكذا من إدارة الى إدارة أميركية جديدة كانت فلسطين تذوب تدريجياً، أرضاً وقضية وحقوق شعب.

اليوم لا يكاد مسؤول عربي يتحدث الى الإدارة الأميركية عن شعب فلسطين وحقوقه في أرضه، مخلياً طرفه من المسؤولية، تاركاً للقيادة الفلسطينية الرسمية (التي لا تملك قرارها، والمفلسة، والمقتتلة في ما بين أطرافها) أن «تفاوض» على ما لم تعد إسرائيل تقبل مبدأ المفاوضة عليه: أي الأرض والحق في «دولة» على أية مساحة من أرض فلسطين.

بل ان هذا النظام العربي قد سلم «بيهودية» دولة إسرائيل، بعدما اقترنت بالتأييد الأميركي العلني الذي قدمه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ولم ينقضه الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما. هذا اذا نحن لم نفترض انه قد أيده علناً وأمام العرب (والمسلمين) جميعاً، من خلال خطابه التبشيري في جامعة القاهرة، خلال زيارة الساعات لمجموع حلفائه العرب، والتي توقعوا منها الكثير فلم يأخذوا منها إلا الإعجاب بفصاحة الرئيس الأسمر ومجاملاته العديدة مشفوعة بآيات من القرآن الكريم!

لم يعرف المواطن العربي ماذا دار في اللقاءات الرسمية بين بعض القادة العرب والرئيس الأميركي، سواء خلال «رحلة الحج الدينية» أو خلال استقباله بعضهم في واشنطن.

لكن هذا المواطن الذي يلمس التراجع المنهجي للرئيس الأميركي عن بعض الوعود التي ثبت أنها كانت أقرب الى التمنيات منها الى «القرار»، قد أدرك ان عليه ألا يتوقع الكثير من الإدارة الجديدة التي توهم أنها ستكون مختلفة جذرياً عن سابقتها، فاكتشف أنها قد غيرت في الأسلوب أما الاستراتيجية فلا تزال هي نفسها، وان كان من مصلحة الإدارة الجديدة أن تشهر بأخطاء الإدارة السابقة في العجز عن التنفيذ، أو في الكلفة العالية للتنفيذ!

يكفي كمثال أن نستمع الى تصريحات نائب الرئيس الأميركي جوزف بايدن خلال زيارته للعراق تحت الاحتلال، والتي كانت رنة التهديد فيها طاغية حتى استفزت من يحكمون بدعم جيوش الاحتلال الأميركي للعراق.

وإذا كان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد أطلق كذبة تستعصي على التصديق مفادها أن مصير العراقيين قد بات في أيديهم، فإن نائبه قد «أنب» الحكومة العراقية واتهمها بالتقصير والفساد وحملها المسؤولية عن مخاطر تقسيم العراق... ومع أنه حاول «توضيح» تصريحاته عن ضرورة إشراك حزب «البعث» في القرارات الخاصة بمستقبل العراق، فإنه قد تصرف على طريقة «رمتها بدمائها وانسلت».

أما في فلسطين فالمعادلة أعظم بؤساً: بقدر ما تتعاظم تضحيات الفلسطينيين، شهداء ومعتقلين، فإن الاختلال الفادح في بنيتهم السياسية، معززاً بشهوة السلطة، ومبرراً بالتخلي العربي (وأحيانا بالضغط لمزيد من التراجعات) كل ذلك يصيب قضيتهم بأضرار معنوية وسياسية فادحة لا يمكن تعويضها... بل إن التصلب الإسرائيلي المعزز مباشرة بالتخلي العربي، الذي غالباً ما يتخذ شكل التواطؤ الذي لا حاجة الى التستر عليه، يحقق اختراقات مفزعة في «الطبقة السياسية» الفلسطينية التي صارت «السلطة» ـ ولو تافهة وعاجزة ـ أعز عليها من فلسطين الوطن والقضية.

وعبر الصراع الذي بلغ حدود الحرب الدموية بين «السلطتين» العاجزتين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، توالت التراجعات عن كثير مما بقي من حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه... وسط مزايدات ومناقصات عربية تغري كلاً من الطرفين الفلسطينيين على المضي في عدائه للآخر الى الحد الأقصى، مع وعي القيادات العربية أن هذه التراجعات ليست في حقيقتها فلسطينية بل هي «عربية» ستدفع ثمنها الدول العربية جميعاً بدءاً بمصر مروراً بسوريا وانتهاء بالسعودية وأقطار الخليج، فضلاً عن أقطار المغرب العربي التي نأت بنفسها عن المشكلة الفلسطينية شديدة التعقيد ودائماً تحت شعار: لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، وأهل مكة أدرى بشعابها، ونحن مستعدون لمساعدتهم اذا هم اتفقوا. أما وإنهم مختلفون فلا مجال لمديد العون اليهم، خصوصاً أننا ـ يشهد الله ـ قد حاولنا التوفيق بينهم مرات ومرات، وكانوا يتعهدون لنا ثم ينقضون تعهداتهم، حتى والله قد تعبنا منهم. إنهم يطالبون بالقرار المستقل. حسنا! لهم ذلك!

خبر واحد أسعد أهل النظام العربي، في الفترة الأخيرة، ورأوا فيه بشارة خير، وأمدهم ببعض الاطمئنان الى مستقبلهم، ذلك هو ما يتصل بالأزمة السياسية التي شهدتها إيران بعد الانتخابات الرئاسية فيها، والتي توهم بعض القيادات العربية أنها «ثورة على الثورة» أو «مشروع انقلاب على النظام» أو «مقدمة لإسقاط حكم المرشد وولاية الفقيه».

واذا ما افترضنا أن الإعلام العربي ومعظمه»رسمي» أو «شبه رسمي» يعبر عن سياسة النظام العربي نفسه، لجاز لنا القول إن هذا النظام قد تصرف بجهل ما بعده جهل بطبيعة الحكم في الدولة التي يرى فيها مصدر كل الشرور والأخطار!

لقد بدا هذا النظام العربي متحالفاً مع إسرائيل، وان ظل المسؤولون الإسرائيليون أكثر تحفظاً من معظم الناطقين باسم النظام العربي، في حين اعتمدت الإدارة الأميركية لهجة تحذير وتنبيه، لا تصل الى حد العداء، ولا تتورط بالرهان على سقوط المؤسسة الحاكمة في إيران، بل هي تحاول استثمار هذا «الانكشاف» لتليين شروط التفاوض مع هذه المؤسسة بالذات، وهو تفاوض سيتجاوز إيران الداخل، الى المنطقة من حولها، بدءاً بأفغانستان مروراً بباكستان وصولاً الى دولنا المهددة بضعف أنظمتها تجاه الخارج (وقوتها على شعوبها) وأولها العراق تحت الاحتلال الأميركي وكل ما يجاوره.

من فلسطين الى العراق، مروراً بلبنان، قدم النظام العربي خصومته لإيران على مصالحه الحيوية، وأهدى الأميركيين موقفاً مجانياً من شأنه أن يعقد علاقاته في المستقبل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو أمر يفيد أولا «عدوه» القديم، إسرائيل، كما يفيد الأميركيين، وهم في موقع المحتل لبعض أرضه تماماً مثلهم مثل إسرائيل. ففلسطين غالية، لكن العراق ليس رخيصاً.. ثم إن العراق كان بعض مصادر الأمل في مستقبل عربي أفضل.

إن العرب يخسرون كل يوم، وفي كل مكان: في المغرب كما المشرق.. وهم لا يخسرون من حاضرهم فقط ولكنهم يخسرون أو هم يتسببون في خسارة أجيالهم الآتية حقها في مستقبلها.

إن خبر «عبور» الغواصة الإسرائيلية المياه الإقليمية المصرية، في البحر الأبيض المتوسط قبل قناة السويس ثم بعدها الى البحر الأحمر، ليس خبراً عادياً: إنه يمثل هزيمة سياسية جديدة، لا تجد من يتقدم لتبريرها أو محاولة تفسير دواعيها، في هذه اللحظة السياسية بالذات.

حتى معاهدة الصلح، وبمعزل عن الرأي فيها، لا تبرر مثل هذا الاختراق الذي لم نسمع من يشرح لنا دواعيه.

كذلك لا يبرر هذا «التجاوز» الإسرائيلي، بل هذا القبول المصري بالتجاوز، «وحدة الموقف من إيران».

قد تكون ثمة خلافات سياسية بين بعض النظام العربي وإيران ولاية الفقيه، ولكنها لا تكفي لتبرير الاندفاع في الحرب ضدها بأكثر من الإدارة الأميركية، بل حتى أكثر من إسرائيل ذاتها.

وليس من بعد النظر أن نستعدي دولة جارة كبرى بينما بعض أرضنا محتل (العراق، فلسطين)، وبعضه الآخر مهدد. وهذه إسرائيل تعلن بغير تهيب أو اعتبار للعرب جميعاً أنها ليست معنية بمشكلة «اللاجئين» الفلسطينيين، الذين شردتهم من ديارهم بالمذابح الجماعية، بل ان مسؤوليتهم تقع على عاتق الدول العربية المضيفة!

...وهذه قضية خطيرة تستحق وقفة خاصة أمام تفاصيلها المأسوية غير المسبوقة، والتي «قلب» الرئيس الأميركي أوباما في خطابه في القاهرة معطياتها فجعلها نتيجة للمحرقة الألمانية ضد اليهود، وكأن شعب فلسطين كان مسؤولاً عنها... متناسياً أن المشروع الصهيوني لاحتلال فلسطين وإقامة الدولة اليهودية سابق على المحرقة بنصف قرن، كما أن وعد بلفور سابق على المحرقة بربع قرن.. تماماً.

(8/7/2009)
صفحة 8
تذكيراً بالنصر المنسي: عن «الحرب الإسرائيلية»

على لبنان... وتداعياتها

صارت الذاكرة العربية بلا قعر: تتراكم فيها الأحداث، وغالباً ما تكون نكبات أو نكسات او سقطات او هزائم غير مبررة، فتنسرب منها الى النسيان، دون «محاكمة» لأسبابها واستفادة من دروسها او محاولة استخلاص العبر لرسم خطة الخروج من زمن الانكسار الى أفق زمن جديد نحاول ان نصنعه بإرادتنا بعد كل ما استوعبناه او عرفناه او اكتشفناه من وجوه الخلل التي تمنع علينا النجاح.

أما الهزائم فسجلاتها حافلة بحيث باتت تتداخل تواريخها مقدمة ما يشبه جدول اللوغاريتم..

وأما الانتصارات اليتيمة فهي معدودة ومحدودة، ومع ذلك فإننا نجتهد في نسيانها، فإن عجزنا عن النسيان لجأنا الى تشويهها او تفريغها او التهوين من تأثيرها على سياق الأحداث في غدنا المهدد بالوأد..

على سبيل الاستذكار، نشير الى ان «العرب» المشغولين بتقديم المزيد من التنازلات للإسرائيليين بوهم اكتساب رضا الإدارة الاميركية وتعاطفها، قد تجاهلوا بقصد مقصود «الاحتفال» بمرور ثلاث سنوات على الحرب الإسرائيلية على لبنان، علماً بأنها الحرب الوحيدة على العرب التي لم تكسبها إسرائيل، حتى بمنطق من لا يريد الاعتراف للمقاومة المجاهدة في لبنان بتحقيق نصر مؤزر وعبر مواجهة بطولية امتدت لثلاثة وثلاثين يوماً بلياليها، واستخدم فيها العدو الإسرائيلي كل أنواع أسلحة التدمير وأحدثها، تحت تغطية سياسية شاملة شاركت فيها الإدارة الأميركية من موقع القيادة بينما التحق بها معظم النظام العربي فضلاً عن أوروبا متحدة وبالمفرق..

لكأنما العرب يستمرئون الهزيمة ويخافون من النصر، لان «كلفته» عالية: فالنصر ولو محدوداً في الزمان والمكان قد يأخذهم الى مواجهة واسعة ومكلفة لا هم يريدونها ولا هم على استعداد لدفع أكلافها، بل إنهم يفضلون ان يقبعوا هانئين في قلب واقعهم المهزوم... كأنما كلفة الهزيمة، بحساباتهم، أقل بما لا يقاس من كلفة النصر الذي سيجبرهم على العودة الى الميدان الذي هجروه وألقوا عليه يمين الطلاق بالثلاثة مفترضين ان الهزيمة هي بوليصة تأمين النظام العربي القائم... حتى قيام الساعة!

لم يلتفت العرب الى الاضطراب العظيم الذي عاشه، وما زال يعيشه، الكيان الإسرائيلي، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، نتيجة ان حكومته قد خاضت ـ بكل قدراتها ـ حرباً شاملة، جواً بالأساس وبراً بمختلف أنواع السلاح، بما في ذلك أحدثه، وبحراً، ضد تنظيم شعــبي يقاوم، لا هو دولة، وليس له جيش، وإنما لديه إرادة عظيمة وإيمان راسخ بعدالة قضيته وبحقه في أرضه... فعجزت القوة الإسرائيلية الجبارة عن الانتصار، حتى بعدما أحرقت نصف لبنان، واضطرت الى «وقف العمليات الحربية»، بينما المجاهدون يطاردون «قوات النخبة» فيها ويجبرونها على الانسحاب المذل بعد فشلهم في التقدم وتثبيت مواقع لها داخل ارض الجنوب اللبناني المقاوم.

كان لبنان وحده خلال الحرب... ومن أسف فإنه لم يكن موحداً. لكن النار الإسرائيلية، والاستفزاز الأميركي العلني بدعم الحرب على المقاومة الذي أربك أهل النظام العربي، كل ذلك أجبر القوى السياسية في لبنان، حتى تلك التي لا تقول بالمقاومة ولا تريدها، ومن ضمنها الحكومة القائمة آنذاك بأكثرية وزرائها، على التماسك خلف المقاومة التي أثبتت بصمودها الأسطوري القدرات غير المحدودة للإيمان بالشعب وبالحق، اذ هي تنفخ روح العزة في الصدور، وتخرج فتخرس الأصوات التي طالما قالت بالاستسلام ونصحت بعدم مقاومة المخرز!

وتحت ضغط «الدول، وبروز القيادة الأميركية للحرب الإسرائيلية، بشخص وزيرة الخارجية آنذاك كوندليسا رايس، بدأ «الفرز» الإجباري للقوى السياسية، داخل لبنان وعلى المستوى العربي.

...حتى صدر البلاغ السعودي الشهير الذي برر الحرب الإسرائيلية بـ«المغامرة» التي أقدم عليها مجاهدو «حزب الله» حين اختطفوا بعض الجنود الإسرائيليين، داخل الأرض اللبنانية، لمبادلتهم بمئات الأسرى اللبنانيين والعرب المحتجزين في السجون الإسرائيلية منذ سنوات طويلة، بل ومنذ عقود إذا ما استذكرنا سمير القنطار، فضلاً عن جثامين الشهداء لبنانيين وفلسطينيين ومن جنسيات عربية أخرى.

بعده اتخذ الفرز سياقاً مدمراً: لقد انحدر من السياسة الى المستوى الطائفي والمذهبي... وتكشفت المواقف الفعلية للنظام العربي اذ تركز الاعتراض على إقدام «حزب الله» على «مغامرته»، مع تجاهل لحقيقة ان إسرائيل قد شنت حرباً بكل جيوشها وأسلحتها على لبنان، وليس على طائفة او مذهب فيه، وإن هي كانت تحرص على الادعاء أنها إنما استهدفت مراكز تجمع الحزب الذي صار في عينها طائفة... وقد قبل منها «العرب» هذا الموقف المخادع، بوصفه مخرجاً لحرجهم من التخلي عن «قطر شقيق»!
صفحة 9
بالمقابل توحدت إسرائيل، حكومة و«شعوباً مؤتلفة» داخل كيانها العنصري، «يساراً» ويميناً، متدينين و«علمانيين» و«كفرة».

انعكس موقف العرب الهاربين من الحرب، والمتبعثرين أيدي سبأ، انقساماًُ حاداً داخل لبنان، لم تنفع «السياسة» في تبريره دائماً، فانزلق الى مهاوي الشقاق الطائفي والمذهبي بما ينذر بتفجير الفتنة..

من قبل، كانت الإدارة الاميركية ومعها الاتحاد الأوروبي وخلفـهم «النظام العربي» قد نجحوا في طمس هوية الصراع، مسخه من صراع إسرائيلي ضد كل العرب، مجتمعين ومتفرقين، الى صراع إسرائيلي ـ فلسطيني، مع جهد متواصل لجعله يبدو ـ (في غمرة الخـلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية) وكأنه صراع إسرائيلي ضد «بعض» الفلسطينيين «المتطرفين».

أما في لبنان فإن من آثار هذا الانشقاق بل التخلي العربي ان تتبدل هوية الصراع وأن يتم تغييب العدو الإسرائيلي، ليتم تظهير الصراع وكأنه داخلي بحت، عربي عربي، ثم لبناني لبناني، ثم سني ـ شيعي.

ادخلت إسرائيل في لعبة السلطة في لبنان، ونشأ نوع من «التحالف» العربي ـ الإسرائيلي بعد استحضار إيران كقوة داعمة لحزب الله.. ومن ثم سهل قلب الحقائق ليبدو وكأن «حزب الله» إنما شن حرباًَ بالتكليف، من اجل إحراج حكام العرب أمام شعوبهم.

انفتحت جبهة جديدة لحرب أخرى تغطي على الحرب الإسرائيلية على لبنان بعد محاولة تمويه استهدافاتها، حضر بقوة الاحتلال الأميركي للعراق، والتخوف من آثار «الانتصار» في لبنان على قوات الاحتلال الأميركي هناك، وعلى شروط «الصفقة» التي تخطط الإدارة الأميركية لتمريرها مع إيران، على حساب وحدة العراق أرضا وشعباً وكياناً سياسياً.

مع انكشاف العجز الإسرائيلي عن حسم الحرب خلال بضعة أيام او أسبوعين او ثلاثة، انهارت إمكانات توظيف الحرب الإسرائيلية على لبنان في المشروع الأميركي للمنطقة عموماً. كان لا بد من إنقاذ ماء الوجه عربياً... وهكذا وبعد افتضاح أمر العجز الإسرائيلي عن حسم الحرب على الطريقة التي اشتهرت بها (بضعة أيام لا تزيد على أسبوع) بدأت تطل الوفود العربية على لبنان، وكلها قد جاء بإذن إسرائيلي معلن.

جاء الوفد المصري، الذي أريد إضفاء الطابع الشعبي عليه، مع كونها برئاسة «ابن الريس» السيد جمال مبارك، وفي عداده بعض الوزراء، وبعض الكتاب والأدباء والصحافيين، وكثرتهم من العاملين في مؤسسات رسمية او لحسابها.

ثم جاءت الجامعة العربية بوفود طار بعضها من القاهرة، وطار بعضها الآخر من عمان، وكان على الجميع ان يحصلوا على إذن إسرائيلي بالطيران... تماماً مثلهم مثل الوفد الشعبي المصري، ومثل الزوار الآخرين الذين جاؤوا الى لبنان!

جاء الجميع بإذن إسرائيلي معلن..

وجاء الجميع الى السرايا الحكومية، والتقوا رئيس الحكومة: لم يجرؤ احد على زيارة رئيس الجمهورية، او رئيس المجلس النيابي، فضلاً عن محاولة ـ مجرد محاولة ـ تنظيم لقاء مع قائد المقاومة، السيد حسن نصر الله، او حتى مع بعض معاونيه...

أما زيارة «الجبهة» فكانت طلباً يتجاوز الخيال!

ونتيجة لهذا كله فإن هذه الزيارات قد ساعدت على توسيع الشرخ في الجبهة الداخلية في لبنان، بدل ان تكون الحرب الإسرائيلية فرصة تاريخية لتوطيد الوحدة الوطنية، برعاية عربية شاملة، وباعتراف للجهد المشرف للمقاومة الإسلامية ـ الوطنية في دحر الحرب الإسرائيلية، مما يمكن لتظهير التضامن العربي المعزز لانتصار إرادة الشعب اللبناني.

باختصار: ضيع النظام العربي نصراً تاريخياً على دولة العدو الإسرائيلي في الحرب الوحيدة التي اعترف بخسارتها، وشكلت فيه لجان التحقيق في أسباب الفشل وتعثر الجيش الذي لا يقهر، وانهيار حاجز الأمان الذي كان يصور إسرائيل كتلة صماء تخوض حروبها جميعاً خارج «حدودها» ويبقى داخلها آمنا يمارس حياته الطبيعية بينما «دول الجوار» هي التي تتفكك ويحكم عليها بالخروج من دائرة الصراع.

بل إن هذا النظام العربي ذاته قد بادر وقدم مساهمات خطيرة (ومهينة لشعوبه) في ترميم صورة إسرائيل «الدولة التي لا تقهر»!

لقد تولى هذا النظام العربي، العاجز الى حد إلغاء أمته ودوله وشعوبه، ترميم صورة إسرائيل كدولة في هذه المنطقة، لها حق القرار في حاضر العرب ومستقبلهم، ولها الحق في أن تكون «دولة اليهود» في العالم، وليذهب شعب فلسطين الى جحيم التشرذم والإذلال.

لقد أعطيت إسرائيل بعد حرب لبنان، التي فشلت في الانتصار فيها، ما عجزت عن تحقيقه بالقوة قبلها!

كذلك فقد أعطيت إسرائيل بعد حربها المدمرة (ومن طرف واحد) على غزة، ما عجزت عن تحقيقه قبلها!

فها هي التسهيلات العسكرية الجديدة لإسرائيل في عبور غواصاتها وسفنها الحربية لقناة السويس، بحرية مطلقة! وبعد اتفاقات الغاز والبترول والإقفال بالنار للمعابر الى ما تبقى من فلسطين!

لقد أدمن النظام العربي الهزيمة، وبات يرعبه احتمال النصر على إسرائيل، ولو بالمصادفة القدرية.

إن أمان هذا النظام ودوامه مرتبط بإسرائيل المنتصرة، فهل تريدون منه أن يتواطأ على نفسه فيقف الى جانب طموحات شعوبه فيربح الحرب لا قدر الله ويخسر نفسه؟!

تلك هي القضية، أيها القابضون على جمر إيمانكم بأمتكم وقدراتها، فاتقوا الله في أنظمتكم وهرولوا الى إسرائيل مصالحين بشروطها، تكن لكم مع السلام السلامة والأمان وراحة البال... وكفى الله المؤمنين بالسلام الإسرائيلي القتال!

(15/7/2009)
صفحة 10
من فلسطين إلى العراق وصولاً إلى لبنان:

الدولة اليهودية نموذجاً لدويلات الطوائف.. عربياً!

كلما انتخب الأميركيون إدارة جديدة استقبلها النظام العربي مرحباً معلناً استعداده لتسهيل مهمتها بتقديم المزيد من التنازلات، مفترضاً أنه بذلك يكسب رضاها فتشفق عليه وتخفف من انحيازها الى التطرف الإسرائيلي الذي ثبت أن لا سقف له، لعل معجزة ما تحصل، فتقود الى تسوية ولو بشروط مجحفة فيرتاح النظام العربي ولو الى حين..

ولأن فلسطين كانت القضية العربية الجامعة، فإن معظم التنازلات كانت تقدم على حسابها: يتخلى النظام العربي عن بعض ثوابت علاقته بها ومسؤولياته عنها، ويغري الطرف الفلسطيني بأن يسلك مسلكاً معتدلاً وعقلانياً، وأن يبتعد عن التطرف، أي عن حقوقه في أرضه، ليسهل عليه مهمة «إقناع» الإدارة الأميركية الجديدة بأن مشكلتها مع إسرائيل لا مع النظام العربي بالعنوان الفلسطيني، تاركاً للقيادة الإسرائيلية الفرصة لمزيد من ابتزاز الإدارة الأميركية بالاستناد الى التنازل العربي المفتوح... وقبل الحديث عن حجم التأثير المباشر للوبي الإسرائيلي على السياسات الأميركية.

دائماً يجد النظام العربي، ومن ضمنه وإن في موقع «الملحق» «السلطة الفلسطينية» التي استولدت بتنازلات تاريخية وتفريط خطير بالحق الثابت لشعبها في أرضه، ما يقدمه لكسب ود الإدارة الأميركية بأمل أن تلاقيه على الحد الأدنى من الأدنى من مطالبه، إشفاقاً عليه من ضعفه، وخوفاً عليه من السقوط، والتسبب بالتالي في إعادة إحياء مشكلات جديدة للاحتلال الإسرائيلي كان قد تخطاها عملياً.. على الأرض!

وفي استعادة سريعة لمسلك النظام العربي مع الإدارات الأميركية المتعاقبة يمكن رصد حجم التنازلات التي قدمها هذا النظام من رصيده الأساسي، أي القضية الفلسطينية التي كانت «مقدسة» فصارت بازاراً مفتوحاً، بل سوقاً للمناقصات: ما يعجز عن تقديمه النظام العربي تبادر «السلطة» الى تقديمه لحسابها مباشرة أو تحت ضغط النظام العربي، بقصد المحافظة على شهادة حسن السلوك، التي عليها أن تدفع ثمنها يومياً لسلطة الاحتلال الإسرائيلي حتى لا تلغيها نهائياً... علماً بأنها باتت الآن أشبه ما يكون بإدارة محلية خاضعة وتابعة للاحتلال.ورهانها الوحيد على «عطف» الإدارة الأميركية واحتياجها إليها لتتمكن واشنطن من الادعاء أمام العرب أنها ليست معادية للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة في دويلة منزوعة السلاح على بعض البعض من أرضه، مزنرة بوحوش المستعمرين في المستوطنات التي تبنى على مدار الساعة مستهلكة المزيد من تلك الأرض التي كان يفترض أن يحصل عليها الفلسطينيون بعد مسلسل التنازلات المجانية التي قدموها مباشرة، أو تبرع بتقديمها النظام العربي باسمهم ومن أجلهم، فأفقدهم المزيد من حقوقهم... مجاناً ولوجه الاحتلال الإسرائيلي.

ولا حدود للتنازل عند النظام العربي، يستوي في ذلك أمن الدول التي يحكمها أقطابه أبديا، أو مستقبل هذه الدول التي يتفاقم ضعفها كل يوم بمقدار ما تتعاظم قوة إسرائيل، العسكرية والاقتصادية وبالتالي السياسية، بأفضال ذلك التنازل المزدوج: إذ يقدم العرب من لحم القضية الفلسطينية، ثم تحاول «السلطة» أن تشتري لنفسها موقعاً فتقدم المزيد من «عظم» القضية التي يفترض أن تكون حارسة لها من التبعثر والضياع.