eKtab
EN ع
مع سيرة الحبيب - سلسلة حوارات إسلامية للناشئة
اقرأ عينة مجانية

مع سيرة الحبيب - سلسلة حوارات إسلامية للناشئة

بقلم د. إبراهيم الدعمة

صفحة 1

الرحلة الشيقة

زيـد : أريد أن أسألك سؤالاً يا عمار ، فإن أجبت عليه سأرافقك في رحلة شيقة إن شـاء الله .
عمّار : اسأل ما بدا لك يا زيد ، وكلي آذان صاغية .
زيـد : ما هي أعظم نعمة في هذا الوجود يا عمار ؟ .
عمّار : وهل هذا الأمر يحتاج إلى سؤال يا زيد ؟! .
زيـد : أجبني يا عمار إذاً .
عمّار : نِعَمُ الله عز وجل علينا كثيرة يا زيد ، ألم يقل الله سبحانه وتعالــــى " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " [ إبراهيم : 34 ] .
زيـد : هذا صحيح يا عمار ، ولكن هناك نعمة عظيمة لا تضاهيها نعمة .
عمّار : كل نِعَمِ الله عظيمة يا زيد ، فمن أسماء الله سبحانه وتعالى ( العظيم ) ، وهذا يعني أن كل ما هو من عند الله عز وجل فهو عظيم .
زيـد : نعم يا عمار ، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى فضَّلَ أشياء على أشياء ، وأماكن على أماكن ، وهكذا ، ولقد قال حبيبنا عليه الصلاة والسلام ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) ، وخاطب مكة عندما هاجر منها بقوله ( والله إنك لأحب بلاد الله إليَّ ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت ) .
عمّار : شكراً لك يا زيد فقد أجبت بنفسك على سؤالك الذي سألتني إياه ، وفزت أنـا .
زيـد : ماذا تقصد يا عمار ؟! .
عمّار : الرسول عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم ، والبلد الحرام أحب بلاد الله إليه صلى الله عليه وسلم ، والله سبحانه وتعالى امتن علينا به بقوله عَزَّ مِنْ قائل " هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " [ الجمعة : 2 ] ، ولولا ما جاءنا به عليه الصلاة والسلام لكنا من أصحاب النار ، وهذه أعظم خسارة يخسرها الإنسان لقوله تعالى " قل الله أعبد مخلصاً له ديني ، فاعبدوا ما شئتم من دونه ، قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، ألا ذلك هو الخسران المبيــــــــن " [ الزمر : 14-15 ] ، لذا فأعظم نعمة في هذا الوجود هو الحبيب عليه الصلاة والسلام ومـــــا جاء به ( الإسلام ) .
زيـد : أحسنت يا عمار ، لقد فزت بالرحلة الشيقة ، ألم يقل الله سبحانه وتعالى " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " [ آل عمران : 85 ] ، فالذي يخسر الآخرة يخسر كل شيء حتى لو ملك الدنيا بما فيها ، لأن الدنيا وما فيها ما هي إلا متاع قليل نسبة للآخرة .
عمّار : هذا صحيح يا زيد ، والعاقل هو من يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أُسوته وقدوته ، ويكون من أتباعه قولاً وفعلاً ، فإن أبى وعاند فسيلوم نفسه حين لا ينفع الندم لقوله سبحانه وتعالى " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً " [ النساء : 115 ] .
زيـد : بارك الله فيك يا عمار ، نعم هكذا يجب أن يفعل المسلم ليكون من أتباع النبي عليه الصلاة والسلام ، قبل أن يقول " يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً " [ الفرقان : 27 ] .
عمّار : نسأل الله أن نكون من أتباعه الصادقين ، وأن يكون شفيعنا يوم الدين ، والآن إلى أين رحلتنا الشيقة يا زيد ، فمن صفات أتباع النبي عليه الصلاة والسلام الوفاء بالوعد ، أليس كذلك ؟! .
زيـد : بلى يا عمار ، وسوف أوفي بما وعدتك به ـ إن شاء الله ـ يا عمار .
عمّار : قل لي إذن إلى أين ستأخذني في هذه الرحلة يا زيد ، وهل استأذنت أبي لذلك ؟.
زيـد : رحلتنا ستكون مع سيرة مَنْ نرجو أن نكون من أتباعه حقاً ، حتى نرى كم كان عليه الصلاة والسلام رءوفاً ورحيماً بأمته ، حريصاً على أن نكون من المسلمين حتى نكون في الآخرة من الفائزين .
عمّار : تقصد مع سيرة الحبيب عليه الصلاة والسلام ؟ .
زيـد : نعم يا عمار ، فماذا تقول ؟ .
عمّار : نِعْمَتِ الرحلة يا زيد ، فأنا مشتاق إلى هذه الرحلة الشيقة منذ زمن ، فالرحلة مع سيرة الحبيب عليه الصلاة والسلام فيها اطمئنان للقلب ، وراحة للنفس ، وحياة للروح وللبدن ، ونسأل الله عز وجل أن يمن علينا بشفاعته يوم الدين ، آمين .
صفحة 2

قبل الميلاد

زيـد : أنظر يا عمار كم كان العرب في جاهليتهم حمقى ! .
عمّار : كيف تقول ذلك يا زيد والعرب في الجاهلية كانوايتصفون بالحكمة والشجاعة والكرم وما إلى ذلك من صفات !.
زيـد : ورغم كل ما قلت يا عمار كانوا يسجدون لحجارة لا تضر ولا تنفع ، وتدور بينهم الحروب لسنين طويلة لأتفه الأسباب كـ ( داحس والغبراء ) و ( حرب البسوس ) ، حتى أنهم كانوا يطوفون حول الكعبة عراة ، وكانوا يصفرون ويصفقون بدلاً من أن يذكروا الله سبحانه وتعالى ، ويئدون البنات خوفاً من العار ، إلى غير ذلك .
عمّار : عجباً لهؤلاء الناس كيف يجمعون هذه المتناقضات .
زيـد : لا تعجب يا عمار ، فالذي لا يجعل الله له نوراً وهداية تراه يخلط الأعمال الصالحة والطالحة وهو يظن أنه يحسن صنعاً ، ولكن الحقيقة غير ذلك .
عمّار : لقد قرأت يا زيد بأن بعضهم كان يصنع صنمه من تمر ، ويعبده من دون الله ، حتى إذا جاع أكله ! .
زيـد : نعم يا عمار ، فهل يفعل هذا عاقل ؟! ، وإذا كان ما يعبده إله ألا يدافع هذا الإله عن نفسه ! .
عمّار : فعلاً لقد كانوا في ضلال مبين .
زيـد : وكل هذا الضلال كان يتطلب رسولاً يردهم إلى جادة الصواب يا عمار ، ويبين لهم طريق الهداية ، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه لقوله عز وجل " وإن من أمة إلا خلا فيها نذير " [ فاطر : 24 ]
عمّار : فكانت بعثة النبي عليـه الصلاة والسلام إذاً .
زيـد : نعم يا عمار ، بعث الله سبحانه وتعالى رسولنا عليه الصلاة والسلام ليخرجنا من الظلمات إلى النور ومن الضلالة إلى الهدى ، وهذا من فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس جميعاً .
عمّار : الحمد لله رب العالمين على هذه النعمة العظيمة ، والتي لولاها ما كنا مسلمين .
زيـد : الله سبحانه وتعالى أكرمَ الناسَ على مر القرون بالرسل والأنبياء حتى يردوهم إلى فطرتهم التي فطرهم عليها ، ولا تخلو أمة من رسول أرسله الله عز وجل إليهم ، ولقد كان الرسل يبعثون إلى أقوامهم خاصة ، ولكن الحبيب عليه الصلاة والسلام بعث إلى الناس عامة ، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين ، وأكمل الله سبحانه وتعالى به الدين ، وأمرنا سبحانه وتعالى بأن نتبعه ليعلمنا كيف نعبد الله سبحانه وتعالى كمـا يحب ربنا ويرضى ، لنكون من أصحاب الجنة إن شاء الله .
عمّار : ولكن ألا ترى يا زيد أننا قد بدأنا رحلتنا دون أن نتعرف على مولده عليه الصلاة والسلام ونشأته حتى أرسله الله عز وجل وحمَّلَه أمانة الدعوة ، وأمره بتبليغ ما أنزل عليه من ربه عز وجل .
زيـد : نعم يا عمار لقد ذكرتني بهذا ، فيجب أن نتعرف على سيرة الحبيب عليه الصلاة والسلام من بدايتها ، لنرى علامات النبوة التي أكرمه الله عز وجل بها ، وكانت دلائل على اصطفاء الله عز وجل له عليه الصلاة والسلام .
عمّار : إذاً فلنبدأ رحلتنا منذ أن حملت به أمه عليه الصلاة والسلام يا زيد .
زيـد : أبشر بالذي يسرك يا عمار .
صفحة 3

بشارات المولد

زيـد : تأمل معي يا عمار .
عمّار : ماذا يا زيد ؟.
زيـد : رسول اصطفاه الله عز وجل من بين خلقه ، وأكرمه بأن يكون خاتم الرسل وجعله سيد ولد آدم ، وأرسله للناس كافة ، وأدبه فأحسن تأديبه ، فكيف تتصور نشأته يا عمار ؟.
عمّار : لا شك أنه سيكون شريف الحسب ، رفيع النسب ، كريم الأصل ، طاهر المنبت يا زيد .
زيـد : صلى الله عليه وسلم ، لقد كان كذلك يا عمار فأبوه عبد الله بن عبد المطلب من بني هاشم أشرف قبائل العرب ، وأمه آمنة بنت وهب أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً ، ويمتد نسب أبيه وأمه إلى إسماعيل عليه الصلاة والسلام أبي العرب وابن إبراهيم عليه الصلاة والسلام خليل الله وأبي الأنبياء .
عمّار : و لا شك أن حمله ومولده عليه الصلاة والسلام رافقه دلالات ومبشرات على رسالته ، أليس كذلك يا زيد ؟.
زيـد : هذا صحيح يا عمار ، فقد رأت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام .
عمّار : ما شاء الله يا زيد ، فهذه بشرى أنستها معاناتها وحملها يا زيد .
زيـد : بل وأكثر من ذلك يا عمار ، فقد كانت أمه تحدث أنها عندما حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لها : إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ، فإذا وقع إلى الأرض فقولي : أعيذه بالواحد ، من شر كل حاسد ، ثم سميه محمداً .
عمّار : هذه دعوة للتوحيد قبل ولادته عليه الصلاة والسلام ، فأهل مكة لم يكونوا يؤمنون بإله واحد يا زيد .
زيـد : نعم يا عمار لم يكونوا موحدين ، وإنما كانوا يعبدون الأصنام من دون الله عز وجل .
عمّار : وهل نفذ أبوه ما أمرت به أمه يا زيد ؟.
زيـد : كلا يا عمار ، فأبوه عبد الله مات قبل أن يولد ، ولكن أمه بعثت إلى جده عبد المطلب عند مولده ، وحدثته بما رأت حين حملت به ، وما قيل لها فيه ، وما أمرت أن تسميه به.
عمّار : وماذا فعل جده عبد المطلب يا زيد ؟ .
زيـد : أخذه جده عبد المطلب ، ودخل به الكعبة ، وقام يدعو الله ويشكره على ما أعطاه ، ثم خرج به إلى أمه ، فدفعه إليها ، وخـرج يلتمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى المرضعات .
عمّار : ومتى كان مولد الرسول صلى الله عليه وسلم يا زيد ؟ .
زيـد : ولد عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل .
عمّار : بالمناسبة يا زيد ، نرى في أيامنا هذه بعض المسلمين يحتفلون بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام ، والبعض الأخر ينكرون عليهم ذلك .
زيـد : هدانا الله جميعاً سواء السبيل يا عمار ، فرسولنا عليه الصلاة والسلام لا يغيب عنا أبداً ، فهو معنا دائماً برسالته وهديه وسيرته ، وإذا اجتهد البعض فجعل من هذه الذكرى مناسبة لتنشيط النفوس وتذكيرها برسول الله صلى الله عليه وسلم دون مغالاة بإقامة الموالد وغيرها فلا بأس في ذلك ، والتعبير عن محبتنا الصادقة لرسولنا عليه الصلاة والسلام تكون باتباعنا لما جاء به من عند الله عز وجل ، كما قال سبحانه وتعالى " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم " [ آل عمران : 31 ] .
عمّار : بارك الله فيك يا أخي وجزاك الله خيراً .
صفحة 4

طفولته عليه الصلاة والسلام

عمّار : والآن يا زيد ، أخبرني كيف عاش الرسول عليه الصلاة والسلام طفولته ؟ .
زيد : نعم يا عمّار ، كانت عادة العرب في الجاهلية أن يرسلوا أبناءهم إلى البادية ، فعندما جاءت المرضعات إلى مكة ، وعرض عليهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تقبله أي واحدة منهن .
عمّار : سبحان الله يأبين أن يرضعن الرسول عليه الصلاة والسلام ؟! .
زيد : أتدري ما السبب يا عمّار ؟.
عمّار : لا يهمني السبب يا زيد ، فشرف ٌ لكل مرضعة أن تكون مرضعة للرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .
زيد : لو كنَّ يعلمن بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانت كل واحدة منهن حريصة على أن تكون مرضعته .
عمّار : إذاً لماذا لم يقبلن إرضاعـه صلى الله عليه وسلم ؟ .
زيد : لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتيماً ، وكانت المرضعات يطمعن في خير والد الطفل وعطاياه ، وبما أن والد الرسول عليه الصلاة والسلام كان متوفى فلم يقبلنه .
عمّار : وهل تركن الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يأخذنه ؟ .
زيد : كلا يا عمّار ، فقد أخذت كل مرضعة جاءت إلى مكة رضيعاً إلا حليمة السعدية ابنة أبي ذؤيب ، فكرهت أن تعود دون رضيع فأخذته مكرهة .
عمّار : وماذا حصل بعد ذلك ؟ .
زيد : بدأ الخير يفيض على حليمة وأهل بيتها إكراماً للحبيب عليه الصلاة والسلام .
عمّار : أخبرني يا زيد ماذا حصل ؟.
زيد : تقول حليمة : ركبت أتاني ( حمارتي ) وحملته عليها معي ، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم ، ولما رجعت إلى رحلي وضعته في حجري فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روي ، وشرب معه أخوه حتى روي ، ثم ناما وما كنّا ننام معه قبل ذلك ، وقام زوجي إلى شارفنا تلك ، فإذا بها حافل ، فحلب منها ما شرب وشربنا معه حتى انتهينا رياً وشبعاً ، فبتنا بخير ليلة .
عمّار : ما شاء الله يا زيد ، فلقد أكرمها ربنا سبحانه وتعالى برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وماذا تريد أكثر من ذلك ؟! .
زيد : لذلك تقول حليمة بأن زوجها قال لها : تعلمي يا حليمة ، لقد أخذت نسمة مباركة .
عمّار : نعم يا زيد , وأي بركة أعظم من أن تكون مرضعة لخير الخلق عليه الصلاة والسلام .
زيد : وقد استمرت هذه البركة ، تقول حليمة : وكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعاً لبناً فنحلب ونشرب ، وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع .
صفحة 5
عمّار : وهل أحست حليمة بأن الرسول عليه الصلاة والسلام يمكن أن يكون نبياً أو رسولاً يا زيد ؟ .
زيد : لا يا عمار ، ولكن حصلت حادثة أقلقتها وجعلتها تخاف على الرسول عليه الصلاة والسلام ، وتعيده إلى أهله لولا أنهم طمأنوها .
عمّار : وما هذه الحادثة يا زيد .
زيد : حادثة شق صدره عليه الصلاة والسلام يا عمار .
عمّار : ماذا حصل يا زيد أخبرني ؟ .
زيد : بينما كان عليه الصلاة والسلام خلف بيوت والديه في الرضاعة يرعى مع أخيه في الرضاعة بهماً ( بهائم ) ، إذ جاءه رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجاً ، ثم أخذا الرسول عليه الصلاة والسلام فشقا بطنه ، واستخرجا قلبه فشقاه ، فاستخرجا منه علقة سوداء ، فطرحاها ثم غسلا قلبه عليه الصلاة والسلام بذلك الثلج حتى أنقياه ، ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته فَوُزِنَ بهم فوزنهم ، ثم بألف فوزنهم ، فقال دعه عنك ، فوالله لو وزنته بأمته لوزنها .
عمّار : صلى الله عليه وسلم ، وماذا كان رد فعل والديه يا زيد ؟.
زيد : عندها جاءهم أخوه وأخبرهم بخبر الرجلين ، فجاءا إليه فوجـداه قاتماً منتقع الوجه فالتزماه عليه الصلاة والسلام ، وسألاه عما حدث معه ، فأخبرهم عليه الصلاة والسلام .
عمّار : إنه لأمر جلل يا زيد ، وماذا فعلا بعد ذلك ؟.
زيد : خاف عليه أبوه وخشي أن يظهر عليه شيء ، فقال لحليمة ألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك عليه ، فاحتملته وقدمت به على أمه .
عمّار : وهل أخبراها عمّا حصل معه عليه الصلاة والسلام ؟.
زيد : سألتهم أمه عن سبب قدومهم بعد أن كانوا حريصين على أخذه ، فحاولت تبرير ذلك ، ولكن آمنه أم النبي عليه الصلاة والسلام لم تقتنع ، وطلبت منها أن تَصْدُقْها الخبر وأصرت على ذلك .
عمّار : وهل أخبرتها ؟.
زيد : نعم يا عمار ، فقالت لها آمنه ؛ افتخوفت عليه الشيطان ؟، قالت : نعم ، فقالت لها : كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل ، وأخبرتها بما رأته عندما حملت به ثم قالت لها : دعيه عنك ، وانطلقي راشدة .
عمّار : صلى الله عليك وسلم يا رسول الله ، فأنت في كنف الله عز وجل ورعايته وحفظه .
صفحة 6

شبابه صلى الله عليه وسلم

عمّار : شوقتني لمزيد من السماع لسيرة الحبيب عليه الصلاة والسلام يا زيد ، فحدثني الآن عن فتوته عليه الصلاة والسلام .
زيد : حياة الحبيب عليه الصلاة والسلام كلها عبر وعظات وكرامات يا عمار .
عمّار : وكيف ذاك يا زيد ؟.
زيد : ذهبت آمنه أم النبي عليه الصلاة والسلام لزيارة أخواله من بني عدي بن النجار في المدينة ، وفي طريق عودتها توفيت في الأبواء ( مكان بين مكة والمدنية ) وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد بلغ من العمر ست سنين .
عمّار : وهذا يعني أن الرسول عليه الصلاة والسلام أصبح يتيماً في هذه السن بلا أب ولا أم !.
زيد : بل وأكثر من ذلك يا عمار ، فعندما بلغ ثماني سنوات توفي جده عبد المطلب أيضاً ؟ ذلك الجد الذي كان يحب الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا يسمح لأحد من أبنائه بالجلوس على فراشه إلا الحبيب عليه الصلاة والسلام ، فكان يجلسه على فراشه ، ويمسح ظهره بيده ، ويسره ما يراه يصنع .
عمّار : وإلى من انتقلت رعايته عليه الصلاة والسلام بعد جده يا زيد ؟، فهو ما يزال فتىً صغير السن .
زيد : انتقلت كفالته إلى عمه أبي طالب ، وذلك لأن عبد الله والد الرسول عليه الصلاة والسلام وأبو طالب أخوان لأب وأم .
عمّار : وكيف ترعرع الحبيب عليه الصلاة والسلام في كنف عمه أبي طالب يا زيد ؟.
زيد : شب الرسول عليه الصلاة والسلام على مكارم الأخلاق يا عمار , فكان أفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقاً ، وأكرمهم حسباً وأحسنهم جواراً وأعظهم حلماً ، وأصدقهم حديثاً ، وأعظمهم أمانة , وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال حتى سماه قومه الصادق الأمين .
عمّار : طبعاً يا زيد فمن نافلة القول أن نقول إن هذه صفاته عليه الصلاة والسلام ، وما غاب عنا أكثر من ذلك ، ألم يقل عليه الصلاة والسلام ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) وعندما سئلت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها عن خلقه عليه الصلاة والسلام قالت : ( كان خلقه القرآن ) .
زيد : بارك الله فيك يا عمار ، فمهما تكلمنا عن ذلك فلن نوفيه حقه عليه الصلاة والسلام ، لذلك كان عمه أبو طالب يحبه كثيراً ، ويحرص على أن يكون قريباً منه .
عمّار : ومعنى ذلك أن أبا طالب كان يحب أن يرافقه عليه الصلاة والسلام إلى أي مكان يذهب إليه يا زيد .
زيد : نعم يا عمار ، فعندما خرج أبو طالب تاجراً إلى الشام خرج معه الرسول عليه الصلاة والسلام ، وعندما نزل الركب في بصرى من أرض الشام ، كان نزولهم قريباً من صومعة راهب اسمه ( بحيرى ) ، فقام هذا الراهب بدعوتهم إلى تناول الطعام عنده .
عمّار : يبدو أن هذا الراهب كانت تربطه بهم علاقة طيبة يا زيد ، خاصة أنهم تجار ويمرون بصومعته دائماً .
زيد : كلا يا عمار ، ولكن كان ذلك بسبب أمرٍ غريب رآه وهو في صومعته .
عمّار : أمر غريب ! ، ومــا هذا الأمر الغريب يا زيد ؟!.
صفحة 7
زيد : رأى بحيرى وهو في صومعته أن هناك غمامة تظلل الرسول عليه الصلاة والسلام ، وعندما نزل الركب تهصرت ( تجمعت ) أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها .
عمّار : وماذا بعد يا زيد ؟!.
زيد : جاء الركب إلى الراهب ، ولم يأت معهم النبي عليه الصلاة والسلام ، فأصر بحيرى على أن يأتي الرسول عليه الصلاة والسلام ويتناول الطعام معهم ، فقد صنع لهم طعاماً كثيراً .
عمّار : وماذا يريد هذا الراهب من الرسول عليه الصلاة والسلام يا زيد ؟!.
زيد : يريد أن يستجلي أمره يا عمار ، فعندما جاء الرسول عليه الصلاة والسلام مع قومه سأله بحيرى باللات والعُزّى ، فأبغض الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك .
عمّار : هذا شرك يا زيد ، فالمسلم لا يسأل إلا بالله سبحانه وتعالى .
زيد : نعم يا عمار ، ولكن يريد هذا الراهب أن يختبر الرسول عليه الصلاة والسلام بسؤاله هذا ، ويستوضح عن حاله .
عمّار : هل أخبره هذا الراهب شيئاً يا زيد ؟.
زيد : سأله بحيرى عن نومه وهيئته وأموره الخاصة , فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته عليه الصلاة والسلام ، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده ( كان مثل أثر المحجم ) .
عمّار : ثم ماذا يا زيد ؟!.
زيد : سأل بحيرى عن أبيه فقال أبو طالب أنا أبوه ، فقال بحيرى كلا ما ينبغي أن يكون والده حياً ، فاخبره بأنه عمه وهو ولي أمره ، فأوصاه به خيراً وبشره بأنه سيكون له شأن ، وحذره من مكر اليهود به .
عمّار : لعن الله اليهود ، فهؤلاء قتلة الأنبياء والرسل ، والله سبحانه وتعالى حافظه إن شاء الله " فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين " .
زيد : لقد تكررت هذه الحادثة مع النبي عليه الصلاة والسلام مرة أخرى يا عمار .
عمّار : وكيف ذاك يا زيد ؟.
زيد : خرج الرسول عليه الصلاة والسلام بتجارة لخديجة رضي الله عنها بعدما سمعت بأمانته وصدقه مع غلام لخديجة اسمه ( ميسرة ) ، وعندما وصل الشام نزل في ظل شجرة بجانب صومعة لأحد الرهبان يقال بأن اسمـــــه ( نسطورا ) ، فنظر الراهب وسأل ميسرة : من هذا الرجل الذي نزل تحت الشجرة ؟، قال : رجل من قريش ، فقال الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي .
عمّار : كل هذه بشارات تقدمت بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام .
زيد : نعم يا عمار ، وعندما عاد الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر ميسرةُ سيدته خديجة عن قول الراهب ، وأنه في الطريق رأى شيئاً عجيباً ، حيث كان كلما اشتد الحر يرى ملكين يظلان الرسول عليه الصلاة والسلام من الشمس وهو يسير على بعيره .
عمّار : وماذا كان موقف خديجة رضي الله عنها حيال ذلك ؟.
زيد : حرصت على أن تتشرف بالزواج من الرسول عليه الصلاة والسلام .
عمّار : لقد كانت خديجة تكبر النبي عليه الصلاة والسلام بسنوات يا زيد ، وقد تقدم إليها العديد من أشراف مكة فكانت ترفض الزواج منهم ، أليس كذلك يا زيد ؟.
زيد : هذا صحيح يا عمار . ولكن كان الأمر مختلفاً مع الحبيب عليه الصلاة والسلام ، فهي التي عرضت عليه الزواج منها .
عمّار : وهل تزوجها النبي عليـه الصلاة والسلام يا زيد ؟.
زيد : نعم يا عمار ، وكان عمره خمساً وعشرين سنة ، وأنجبت له أولاده : القاسم الذي توفي وهو في سن الرضاعة ، وعبد الله الملقب بالطيب والطاهر وقد توفيا بعد البعثة ، ومن البنات أربعة : رقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة ، وجميعهن أدركن الإسلام وأسلمن وهاجرن معه صلى الله وعليه وسلم .
عمّار : لذلك يكنى الحبيب عليه الصلاة والسلام بأبي القاسم .
زيد : نعم يا عمار ، فصلى الله عليه وعلى آل بيته وسلم .
صفحة 8

بعثته عليه الصلاة والسلام

عمّار : سمعت أن الحبيب عليه الصلاة والسلام حصلت معه بعض الحوادث الخاصة التي لم تكن تحدث مع عامة الناس ، فهلا حدثتني عنها يا زيد .
زيد : ماذا سمعت يا عمار ؟.
عمّار : مثلاً أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يريد يوماً أن يذهب إلى مكة ليسمر كما يسمر الشباب ، فعندما وصل أول بيت من بيوت مكة سمع عزفاً ، فجلس يسمع فضرب الله عز وجل على أذنه ، فنام حتى طلعت عليه الشمس ، ثم عاد ليلة أخرى فأصابه مثل أول ليلة ، فعصمه الله عز وجل من المشاركة في ذلك العرس الجاهلي .
زيد : نعم يا عمار ، وهناك حادثة أخرى أيضاً .
عمّار : ما هي يا زيد ؟.
زيد : عندما شارك الرسول عليه الصلاة والسلام في بناء الكعبة ، كان الفتيان من قريش يجعلون إزارهم على عواتقهم ليحملوا عليها الحجارة ، فعندما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام فعلهم ـ كما نصحه عمه العباس بذلك ـ ووضع إزاره على عاتقه سقط مغشياً عليه ، فصاح : إزاري إزاري ، فشد عليه إزاره وقام يحمل الحجارة على عاتقة ، فما رئيت له عورة بعد ذلك .
عمّار : وهل حصل غير ذلك يا زيد .
زيد : لقد هيأ الله عز وجل لبعثته عليه الصلاة والسلام بعض الأمور التي دلت على أنه النبي المنتظر يا عمار .
عمّار : مثل ماذا يا زيد ؟.
زيد : كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله , فيلتفت رسول الله صلى عليه الله وسلم حوله ، وعن يمينه وشماله وخلفه ، فلا يرى إلا الشجر والحجر .
عمّار : وهذه كرامات من الله عز وجل له عليه الصلاة والسلام .
زيد : وقد حصل أيضاً أنه عندما بنى مشركو قريش الكعبة ووصلوا إلى وضع الحجر الأسود اختلفوا فيما بينهم من الذي يضعه حتى وصلوا حد الاقتتال ، ثم اقترح احدهم أن يحكموا بينهم أول رجل يدخل عليهم .
عمّار : وكان ذلك الرجل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .
زيد : نعم يا عمار ، فطلب منهم ثوباً ، ثم أخذ الحجر فوضعه بيده الشريفة على الثوب ، وأمر كل قبيلة أن تأخذ بناحية من الثوب ، ورفعوه جميعاً حتى إذا بلغوا به موضعه ، وضعه بيده عليه الصلاة والسلام ثم بنى عليه .
عمّار : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، وبذلك أطفأ كيد الشيطان ، وزال الاحتقان من نفوسهم .
زيد : هذا صحيح يا عمار .
عمّار : وهل حصلت أمور أخرى تقدمت بعثته عليه الصلاة والسلام ؟.
زيد : نعم يا عمار ، فقد كان أول ما بُدِئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح ، وحبب إليه الخلوة ، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده .
صفحة 9
عمّار : أعتقد أن ذلك كان في غار حراء ، أليس كذلك يا زيد ؟.
زيد : بلى يا عمار ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في غار حراء من كل سنة شهر رمضان ، فإذا قضى جواره من شهره ذاك كان أول ما يبدأ به الكعبة ، فيطوف بها سبعاً ، أو ما شاء الله من ذلك ، ثم يرجع إلى بيته .
عمّار : وما الحكمة من تلك الخلوة يا زيد ؟.
زيد : الخلوة مع النفس يا عمار وسيلة من وسائل تربيتها ، فعندما يختلي الإنسان مع نفسه يكثر من التفكير في عظمة الله عز وجل ، وبديع خلقه ، ونعمه عليه فتزداد محبة الله عز وجل في نفسه ، وكلما وجد الإنسان في قلبه قسوة ، أو احتاجت نفسه إلى المحاسبة أو التربية يحاسبها على تقصيرها أيضاً ، ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والابتعاد عن شواغل الدنيا بين الحين والآخر.
عمّار : وكانت بداية الوحي في ذاك الغار يا زيد ؟.
زيد : نعم ، فعندما أراد الله سبحانه وتعالى ما أراد من إكرام الرسول عليه الصلاة والسلام بالبعثة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء ، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله عز وجل فيها بالرسالة ، ورحم العباد به ، جاءه جبريل عليه الصلاة والسلام بأمر الله عز وجل وهو نائم ، فأجلسه وقال له : اقرأ ، قـال : ما أقرأ ، قال عليه الصلاة والسلام : فغطني ( جذبني بشدة ) حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ، قالها ثلاثاً ، فقال جبريل عليه الصلاة والسلام : " اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلــم " [ العلق : 1- 5 ] ، قال : فقرأتها .
عمّار : إنه لموقف رهيب يا زيد ، وهل بقي الرسول عليه الصلاة والسلام بعد ذلك في الغار ؟.
زيد : كلا ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغار ، حتى إذا كان في وسط الجبل ، سمع صوتاً من السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل ، قال عليه الصلاة والسلام ، فرفعت رأسي فإذا جبريل في صورة رجل صافٍ قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل .
عمّار : وهذه كانت بداية بعثته صلى الله عليه وسلم يا زيد .
زيد : ذهب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بيته وهو يقول : زملوني زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، ثم أخبر خديجة رضي الله عنها بما حصل معه ، فذهبت بدورها إلى ابن عمها ( ورقة بن نوفل ) وكان ضريراً ، وأخبرته بما حدث مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فبشرها بكل خير ، وقال لها لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى عليه السلام وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت ، ولقد كان ذلك أول تكليف له عليه الصلاة والسلام بحمل الرسالة التي أكرمه الله عز وجل بها .
عمّار : وهل بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته مباشرة بعد ذلك يا زيد ؟.
زيد : كلا يا عمار ، فقد انقطع الوحي عن الرسول عليه الصلاة والسلام ستة أشهر تقريباً حتى ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل قد قلاه ، فضاقت به نفسه ، حتى بلغ به الأمر من فرط جزعه وحزنه أن حاول أن يلقي بنفسه من أعالي الجبال ، فإذا بالوحي يأتيه عليه الصلاة والسلام ثانية ، فيعود إلى أهله ، يقول زملوني زملوني ، فزملوه ، فنزل عليه بعد ذلك قول الله سبحانه وتعالى " يأيها المدثر ، قـــم فأنذر ، وربك فكبر ، وثيابك فطهر ، والرجز فاهجر " [ المدثر : 1-5 ] فكانت تلك بداية طريق الدعوة إلى الله عز وجل .
صفحة 10

بدء الدعوة

عّمار : لقد كانت بعثة الرسول عليه الصلاة و السلام رحمة للعالمين ، وكان نزول الوحي بداية التكليف بحمل الدعوة ، فكيف بدأ الرسول عليه الصلاة والسلام دعوته إلى الله عز وجل يا زيد ؟.
زيد : بعدما نزل الوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام كانت خديجة رضي الله عنها أول من دخل في دين الله عز وجل ، وقد بشرها صلى الله عليه وسلم ببيت في الجنة ، ثم أسلم علي رضي الله عنه وكان حينها ابن عشر سنين ، وبعده زيد بن حارثة وأبو بكر ، ثم أسماء وعائشة وخباب بن الأرت رضي الله عنهم جميعاً ، ثم تتابع المسلمون بعد ذلك .
عّمار : وهذا يعني أن قريشاً أسلمت مباشرة يا زيد ، وهذا شيء طيب .
زيد : لا يا عمار ، هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم هم أول من أسلم ، وبعد أن بدأ الرسول عليه الصلاة والسلام بالدعوة إلى الله عز وجل تنبهت قريش لذلك .
عمار : وماذا تريد قريشٌ من الرسول عليه الصلاة والسلام ؟! .
زيد : بعد أن علمت قريش بالدعوة الجديدة ، وأنها دعوة إلى توحيد الله عز وجل ، وترك عبادة الأصنام ، وتحريم كثير من أمور الجاهلية ، أظهرت عداوتها للرسول عليه الصلاة والسلام ، ولولا أن يسر الله عز وجل عمّه أبا طالب ليكون ناصراً للرسول عليه الصلاة والسلام لنالت منه قريش ما لا يَسُرُّه ، لذلك فاوضت عمه على أن يتركه ولا يناصره .
عّمار : وهل استجاب أبو طالب لهم يا زيد ؟ .
زيد : عندما رأى أبو طالب إصرار قريش واجتماعهم على ذلك ، تحدث مع النبي عليه الصلاة والسلام حول ذلك الأمر ، فظن الرسول عليه الصلاة والسلام أن عمه قد يتخلى عنه .
عّمار : وماذا فعل الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ .
زيد : قال عليه الصلاة والسلام لعمه قولاً لا يزال يتردد صداه إلى أن يشاء الله عز وجل ، فلا يوجد شيء في هذا الوجود يعدل الدعوة إلى الله عز وجل يا عمار ، ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى " ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين " [ فصلت : 33 ] .
عّمار : ماذا قال لعمه ـ فداه أبي وأمي ـ يا زيد ؟.
زيد : قال لعمه ( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ) ، وأراد أن يخرج عليه الصلاة والسلام .
عّمار : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، فهذا أمرُ اللهِ عز وجل ، والله سبحانه وتعالى لن يترك نبيه ولن يسلمه .
زيد : عندما سمع أبو طالب كلام الرسول عليه الصلاة والسلام وإصراره على دعوته ، خاف أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد ظنَّ بأنه قد تخلى عنه ، فناداه وقال له : اذهب يا ابن أخي لِما أردت ، فوالله لن أسلمك إلى شيء تكرهه ، فطابت نفسه عليه الصلاة والسلام وخرج .
عّمار : سبحان الله يا زيد !، فبدلاً من اتباع قريش لطريق الحق والاستجابة لدعوة الله سبحانه وتعالى ، ناصبت الرسول عليه الصلاة والسلام العداء ! .
زيد : لم يقتصر الأمر على ذلك يا عمار .
عّمار : ماذا يا زيد ؟! ، وماذا تريد قريش أكثر من عدائها للرسول عليه الصلاة والسلام ؟! .
زيد : اجتمع كبراؤها وأخذوا يكيدون للرسول عليه الصلاة والسلام ، ويفكرون في التهمة التي يمكنهم إلصاقها بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : كاهن ، شاعر ، مجنون ، وأخيراً اتفقوا على اتهامه بالسحر ، فهو يفرق بين الرجل وعشيرته ، والأب وابنه ، والزوج وزوجته .
عّمار : اتهموا الصادق الأمين ، رسول رب العالمين بهذه الصفات يا زيد ، إن هذا لشـيء عُجاب ! .
زيد : إنه العناد والاستكبار والإصرار على الشرك يا عمار .
عّمار : الغريب أن يصدر هذا عن قريش التي تدَّعي الحكمة والبلاغة ، وتتبوأ المكانة العليا بين قبائل العرب ! .