صفحة 1
مقدمة 1
بقلم : صالح أحمد
عرابة البطوف
- التاريخ سجل الشعوب
- التاريخ يصنعه العظماء
- التاريخ دروس وعِبَر للأجيال
- التاريخ ليس مجرد أحداث عبرت.. ومعارك أديرت، وجيوش منتصرة؛ وأخرى منهزمة... وممالك تقام؛ وأخرى تهدم... وحضارات تبنى؛ وأخرى تباد ..
- التاريخ روح! من أدرك كنهها؛ وعاش خصائصها؛ وفك رموزها؛ وحذق أسرارها وأبعادها... يكون مهيّأ لدخول عالمها؛ ليصبح جزء منها.. جزء من دائرتها التي تحتضن دائرة الزمان... بمستقبله الذي يبنى ويصاغ من حاضره... وحاضره الذي لا بد يرتكز الى ماضيه كأساس ... ومستقبله كتطلّع وطموح مدروس ومنشود..
- التاريخ صور... نستجلي من خلالها تلك الروح الكامنة فيه... أو من وراء أحداثه.
- لن يتعلّم دروس التاريخ من يأخذ بالأحداث دون الروح والجوهر.. ولن يتعلم دروس التاريخ من يدرس التاريخ بانفعال وعاطفية؛ ودون أن يُعمل العقل والتفكير والتّأمل... ليصل إلى روح التاريخ وفلسفته.. وأرواح صانعيه وفلسفاتهم الكامنة طبعا في شموخ نفوسهم ومراميهم وأفكارهم وجهودهم...
- هذا هو النبراس الذي يشكل منطلق الأستاذ سهيل عيساوي عندما يكتب التاريخ، أو يؤلف في التاريخ... إنه يبحث عن الروح الكامنة في صفحات التاريخ، ليجليها، ويبثها لمن كان له قلب وروح وفكر ونبراس وطموح... ولمن كان له روح تتعشق التاريخ... ويبحث عن مكان له فيه...
- إنه لا يهتم بكتابة التاريخ كأحداث ووقائع... بل يجتهد في تقديم التاريخ كدروس وعبر وفوائد... من ورائها روح عظيمة، فيها يكمن سر التاريخ وأهله...
- إنه يقدم التاريخ كنهج حياة وتفكير، ونمط سلوك وممارسة من شأنها أن تكوّن حياةً؛ أو تصنع وُجودا... أو تخلق واقعا وكينونة... وليس مجرد أحداث وصراعات تتمخض عن قوي وضعيف... وغالب ومغلوب... متقدم ومتأخر... بل إنه يرى بالتاريخ درسا روحانيا، يتحول الضعيف خلاله -إذا أدرك وفهم الدرس بروحه- إلى قوي؛ يهزم جبروت الأقوياء، ويذل كبرياء المتغطرسين، ويقيم دولة العدل ...
- إنه يُعنى بعظمة التاريخ المنبثقة من روح الموقف والفكر والرسالة.. فلا نعجب لو وجدنا انفسنا هنا نقرأ مادة عن معارك وأحداث لطالما قرأنا وسمعنا عنها، وتعلمناها في دروس التاريخ في مدارسنا وكلّياتنا... ولكننا هنا نستشعر الغوص في أعماقها.. والتحليق في عوالم روحها؛ نستجلي عظمتها، وعظمة أرواح صانعيها ومعايشيها...
- سنجد أنفسنا هنا؛ ولأول مرة؛ نستشعر أننا جزء منها، من روحها، من رسالتها.. وليس فقط من أحداثها.
- فدعونا نقرأ بعون الله... ونعيش روح التاريخ ورسالة أهله.. وبحق... وبعد أن نشكر الأخ الأستاذ سهيل عيساوي.. متمنين له مزيدا من البذل والعطاء والتقدم.
مقدمة 2
بقلم: صالح زيادنة
راهط
بعد كتابيه بين فكي التاريخ وثورات فجّرت صمت التاريخ الإسلامي يعود إلينا الكاتب سهيل عيساوي بكتاب تاريخي آخر يحمل اسم معارك فاصلة في التاريخ الإسلامي، وكأنه بذلك قد أخذ عهداً على نفسه بإصدار سلسلة من الكتب التي تتناول مادة التاريخ وتختصرها بأسلوب شيّق جذاب، ثم تخرجها في حلة قشيبة وثوبٍ جديد يتلاءم مع أسلوب العصر، وثقافة وذائقة القارئ المعاصر.
وفي هذا الكتاب يقدم لنا سهيل عيساوي وجبة سريعة ساخنة، ولكنها غنية ودسمة، وقد وضع فيها خلاصة المادة وعصارتها، وأضاف إليها تحليلاً لأسبابها ونتائجها، وما تمخضت عنه بعد ذلك من أمور كان لها وقعها وتأثيرها في تاريخ الأمة الإسلامية وحضارتها.
عشر معارك فاصلة في التاريخ تمتد من جزيرة العرب، إلى بلاد فارس، وإلى الأندلس والقسطنطينية يترك فيها المسلمون بصماتهم على صفحات التاريخ.
وما أجملها من بصمات تحمل في طياتها العدل والمساواة والمحبة والتسامح، ونشر دين الله وكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
عشر معارك فاصلة في التاريخ يغير بعضها موازين القوى ويقلب الأمور رأساً على عقب، ويحول المُستهدف الضعيف إلى قويّ منتصر يُخشى جانبه وتذلّ له الرقاب، ويطمس بعضها الآخر معالم حضارات دامت قروناً، فيطويها كما يطوى السجلّ، ليعفو عليها الزمان وتصبح أثراً بعد عين.
وإن يكن الإيمان هو أعظم طاقة وجدت على الإطلاق، وهو أقوى من كل الطاقات التي عرفتها البشرية، فإن إيمان سهيل برسالته ككاتب يزيده عزماً وإصراراً، ويجعله يستمر في طريقه يذلل الصعاب ويتخطى العوائق ليصل إلى الهدف الذي ينشده ويرتئيه، والذي يهدف من ورائه إلى تقديم وجبة إبداعية بين الحين والآخر إلى قرائه ومحبيه.
وإن يكن سهيل قد نجح في كتابيه السابقين كما يقول في مقدمته فهو بلا شك سيضيف نجاحاً آخر بهذا المُؤَلَّف الجديد الذي لا يقل عن سابقيه في جودة الطرح وجمال الأسلوب والدقة والموضوعية وانتقاء المادة بحكمة وروية.
وفي الختام نشد على يد زميلنا الكاتب والمبدع سهيل عيساوي ونتمنى له مزيداً من التقدم والنجاح والحياة الهانئة السعيدة، ونبارك له نشاطه الأدبي والفكريّ وعمله الدؤوب من أجل إثراء مكتبتنا العربية بمؤلفاته المميزة وإنتاجه الأدبي الغزير.
صفحة 2
مقدمة الكاتب
التاريخ هو وقودنا الذي لا ينصب وسط بحر العولمة الجشع، التاريخ نهرنا العذب؛ مياهه لا تبدل ولا تكل عن المسير إلى المصب الذي يبعد كل يوم بضعة أميال، نعود إليه كلما اشتد علينا العطش والضياع على مأدبة اللئام، التاريخ منطادنا إلى المستقبل .
في هذا الكتاب نستعرض أهم المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام، أسبابها، نتائجها، أبعادها، أبطالها، لتكون مرجعا للدارسين ولعشاق التاريخ والبحث، وقلادة على صدر التاريخ البشري، نتعلم من أبطالها، نتفاعل معهم، نحاول استنشاق هواءهم ساعة الحسم. هذا الكتاب يجمع بين صفحاته أروع المعارك التي أثرت على الدولة الإسلامية وحضارتها، أو المعارك التي فتّت ساعدهم، ومزقت شملهم وأعاقت مسيرتهم.
إننا لنشير إلى أن رسالة الإسلام لم تكن مقرونة بالسيف، لأن المسلمين كانوا أشد الحرص على سلامة أعدائهم، ولم يرغموا أحداً على اعتناق دينهم، {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}. و{لا إكراه بالدين} .
كانت المعارك دفاعاً عن النفس وعن الدين الرباني الجديد، أو حرباً استباقية لإحباط مكائد الخصم . من خلال هذه المعارك الخالدة نصل الماضي بالحاضر، ونغرس في نفس العربي والمسلم بذور التاريخ الصحيحة، ونرسم الصفحات الناصعة بالمجد والبطولة.
إن ما يثلج الصدر، نجاح كتابَيّ: "بين فكي التاريخ" 1999, وكتاب "ثورات فجرت صمت التاريخ الإسلامي"2005، حيث قامت عشرات المواقع بنشرها على الانترنت كاملة، ومئات المواقع قامت بالاقتباس؛ أو بالسرقة حتى؛ ودون ذكر المصدر، واعتمد عليها الباحث والطالب، الأمر الذي زادني عزيمة وإصراراً على طرق هذا الباب مجدداً، مقدماً للقارئ العربي الجديد والموجز في لغة جميلة وصيغة شيقة ودقة وموضوعية علمية، لإغناء المكتبة العربية، وتعريف الأجيال المتعاقبة بمعارك وحروب المسلمين في سبيل كلمة الله، والدفاع عن النفس، وكذلك التعريف بالأبطال والفوارس، والخطط العسكرية النافعة.
فلم نكتف بعرض المعارك، إنما قمنا بتحليل النتائج وأبعادها ومواقف البطولة.. نأخذ منها العبر والعظات والدرر التاريخية، لتكون لنا مرجعاً تاريخياً يضيء عتمة الليل، ويصحح تخبط المركب وسط بحر هائج الظلمات، إن ارتشاف جرعة صحيحة وعذبة من التاريخ الإسلامي كافية لاستفاقة أكثر الناس خمولاً وجهلاً، فقد حرصت خلال كتابي على نقل القارئ إلى جو المعركة حتى يحسب نفسه مقاتلاً، أو شاهد عيان يختار بنفسه موقعه بين الجموع . وقمت بعرض الحقائق ومناقشتها بشكل عقلاني علمي، بعيداً عن روح الخرافة وجنح الخيال والمبالغة.. معتمداً على أمهات الكتب العربية، وكتب أجنبية، وكتب عربية حديثة، والمواقع المختصة على الشبكة العنكوبوتية، فجاء الكتاب بحلة بهية ومادة نافعة وموضوعية.
الإيمان هو أعظم طاقة وجدت على الإطلاق، أقوى من كل الطاقات التي عرفتها البشرية، الكيماوية والبيولوجية والنووية والذرية، والكهربائية والمائية، ولا تحتاج إلى استيراد وتهريب ولجان تحقيق وبحث عن الأسلحة.. ولا تهدد الأمن القومي والعالمي واستقراره. بها تذلل كل الصعاب، ويصبح الإنسان منا كأنه مليون مستحيل، تؤمن بمبدأ معين لا تستطيع كل قوى العالم بأسره أن تثنيك عن تحقيق مرادك. لما كان الإيمان تاج العرب والمسلمين؛ لم يهابوا الإمبراطوريات ولا جيوشها الجرارة، ولا جبالها ولا صحاريها ولا سدودها، انطلقوا بسرعة الريح يزرعون الإسلام والسلام في كل أرجاء المعمورة.
سهيل إبراهيم عيساوي
كفرمندا
كانون ثاني 2007
صفحة 3
الفصل الأول
معركة بدر الكبرى
624م , 2 هـ , 17 رمضان
إن خروج المسلمين من ديارهم عنوة من مكة، وألوان العذاب الذي تجرعوه على يد رجال مكة، من قتل وتعذيب ومصادرة للأملاك، وحرمان وطرد وشتم واستهزاء.. لم يكن بالأمر الهين في نفوس المسلمين الذين اعتنقوا الدين الإسلامي الجديد الممزوج بعقيدتهم الفولاذية .
كانت معركة بدر المعركة الأولى التي يشهر المسلمين بها سيوفهم دفاعا عن الدعوة التي اعتنقوها وآمنوا بها، وبإيحاء منها هاجروا من مكة إلى يثرب (المدينة المنورة).
أسباب المعركة
حاول المسلمين اعتراض قافلة قريش التجارية القادمة من غزة، وفيها مصالح قريش التجارية (600 ناقة محملة بالبضائع) يقودهم أبو سفيان سيد البيت الأموي. لما علم أبو سفيان بخطة المسلمين بالاستيلاء على قافلته؛ أرسل إلى قريش من يخبرهم وينذرهم بالخطر المحدق بأموالهم، وبالمقابل غير طريق القافلة المألوف، وسار بمحاذاة ساحل البحر الأحمر، حتى تخطى بعيدا عن تمركز المسلمين .
سارعت قريش إلى حشد جيشها الجرار - ما يقارب (950) رجلاً- يضم 200 فارس، ولم يتخلف من زعمائها سوى أبو لهب لكبر سنه ومرضه، لأن قريش أرادت أن ترد اعتبارها أمام تجرؤ المسلمين، ظناً منهم أن النصر حليفهم .
نزل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه أرض بدر، وهو موضع عاد، وتقام به أسواق للعرب، يبعد عن المدينة المنورة حوالي 160 كيلو متر
إن التفوق العسكري لقريش كان واضحاً من حيث العدد الكلي للجيش (950)، وعدد الفرسان(200)، وعدد الدروع، "مع المشركين ستون فرسا وستمائة درع " .
وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرسا، وستون درعا". وكان جيش المسلمين منظما، أما جيش المشركين؛ فدبت به الفوضى. فأسفرت المعركة عن فوز ساحق للمسلمين، قتل(70) رجلا من قريش ووقع في أسر المسلمين(70) آخرين، أما من جيش المسلمين فقد استشهد(14) رجلاً، (ستة من المهاجررين وثمانية من الأنصار ) وطلبوا ثلاثة من المسلمين مثلهم شرفا وعزة ومكانة.. واشترطوا معرفة الأسماء مسبقاً، ثم بدأ الهجوم المنظم لجيش المسلمين، ليتحقق النصر المظفر للمسلمين .
أسباب انتصار المسلمين
1. الإيمان الراسخ بالوعد الإلهي .
أراد البعض العودة بعدما سمع نبأ عودة القافلة، فقال أبو جهل بن هشام : "والله لا ترجع حتى نرد بدراً، ونقيم عليه ثلاثاً، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها"(9)
ِ المعركة
2. بدأت المعركة بالمبارزات الفردية، نزل ثلاثة من جند المشركين إلى ساحة الوغى، استيلاء المسلمين على آبار بدر، فمنع المشركين وخيلهم من الارتواء.
3. الخلاف في معسكر المشركين وانسحاب بعضهم بعد نجاة القافلة ورجالها .
4. الحماس الشديد والرغبة في الانتصار والانتقام بسبب ما تجرعوه من عذاب وقهر وإذلال وملاحقة وخناق من قبل المشركين .
5. قيادة الرسول الكريم وحكمته في إدارة المعركة.
6. طريقة قتال المسلمين , الترتيب حسب الصفوف, بينما قاتل المشركون بطريقة الكر والفر, مما أربك صفوفهم ومزق شملهم وأرعبهم في الصحو والمنام.
7. استهتار فريق المشركين بقوة المسلمين.
8. قتال الملائكة إلى جانب المسلمين، في قوله تعالى: {إذ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائكة إني مَعَكُم فَثَبِتُوا الذِينَ آمَنُوا سَألقِى في قُلُوبِ الذينَ كَفَروا الرُّعبَ فَاضرِبُوا فَوقَ الأعنَاقِ وَاضرِبُوا مِنهُم كُلَّ بَنَان ٍ * ذَلكَ بِأنـَّـهُم شآقـُّـوا الله وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فإنَّ اللهَ شَديدُ العِقابِ * ذلكم فَذوقوهُ وَأنَّ للكافِرِينَ عَذَابَ النـَّـار } (الأنفال 12- 14 )
9. قيادة جماعية هشة لدى المشركين وتذبذب في الأداء والخطط العسكرية .
10 استعمال الجواسيس لرصد خطوات وإعداد المشركين .
صفحة 4
أبعاد معركة بدر
1. بالرغم من أن العدد الكلي للمسلمين في المعركة لا يزيد عن (314) مقاتل مقابل (950) مقاتل، إلا أن هذه المعركة من أهم المعارك الحاسمة في التاريخ الإسلامي، لأنها أعلنت إقامة الدولة الإسلامية، وإعلاء كلمة الله ورسوله .
2. أخذت التعاليم الإسلامية شكلها النهائي في مواضيع الشعائر الدينية والأخلاق: الزواج، الأملاك... ورسالة أيضا موجه لليهود والنصارى
3. النصر يدعم ويعزز مكانة دولة الإسلام في المدينة
4. ارتفاع معنويات المسلمين
5. تشريع معاملة الأسرى: أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالأسرى خيراً". وفي سورة الأنفال قال تعالى:
{ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم , لولا كتاب من الله سبق لمستكم فيما أخذتم عذاب عظيم , فكلوا مما غنمتم حلالا طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم} صدق الله العظيم .
6. تغيير جوهري في طريقة تقسيم الغنائم، ولولا حكمة الله ورسوله؛ لاختلف الجند حول تقسيم الغنائم:
{واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ..... }
7. استعداد قريش للثأر لقتلى بدر . بأموال القافلة التي نجت من بين فكي المسلمين , بالفعل فقد نجحوا برد اعتبارهم في معركة أحد عام (625 م ) , والتي استشهد بها حمزة بن عبدالمطلب عم الرسول وجرح الرسول نفسه , لكن قريش لم تترجم هذا النصر ولم تضر بالنبي وحلفائه , بل ردت شرفها المسكوب وأقفلت راجعة .
8. نصر بدر مكن الرسول صلى الله عليه وسلم من مواجهة فئتين: (اليهود والمنافقين) المتواجدين في المدينة، الذين كانوا مصدر قلق بالنسبة للرسول، ولم يفرحوا بنصره. فإن يهودبني قينقاع، أول من أحس بقبضة الرسول صلى الله عليه وسلم الحديدية حيث عوقبوا بالجلاء والقتل، أعطي الخيار للقبائل اليهودية: إما الجلاء أو الإسلام "لبني قينقاع"، أما بنو قريضة؛ فقد خـُـيروا بين الموت والإسلام .
9. برز الرسول صلى الله عليه وسلم كقائد فذ، وبدأ نجم المسلمين يلمع في سماء الجزيرة العربية .
10. بناء دولة إسلامية عقائدية دستورها واضح تحمي الحقوق الفردية والجماعية، "وعهد الأمة" هي وثيقة بمثابة برنامج مرحلي، رؤية مستقبلية شاملة وإستراتيجية عميقة، لميعرفها التاريخ البشري من قبل. فتعززت مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم كقائد ديني وسياسي واجتماعي حكيم.
11. إبطال القوانين والمعادلات الأرضية المتعلقة بالسلاح والعدد، فالله تعالى يرجح قوانينه الإلهية بنصر القلة المؤمنة على الكثرة المشركة: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلةٌ فاتقواالله لعلكم تشكرون} وهذا الأمر عزز مكانة المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم صفر اليدين، أمام الأنصار وأمام أنفسهم وسائر العرب .
12. معركة بدر تمثل الصراع بين الحق والباطل، وأن الحق مهما قل جنوده في النهاية سينتصر، لأن عين الله ترعاه .
13. أهمية العلم والمعرفة: أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم 4000 درهم عن كل أسير، كما أشار عليه أبو بكر. أما من كان يفتقر إلى المال من الأسرى؛ فقد تم إعطافه من الجزيةلقاء تعليمه عشرة من المسلمين القراءة والكتابة .
14. تغلُّب العقيدة والإيمان على القوة المادية، لوحت قريش بسيوفها وخيولها ودروعها وأسيادها وإشرافها، بينما اعتمد المسلمين على شعلة الإيمان المتوقدة في صدورهم، وعلى الوعد الرباني لهم بالنصر.
15. ارتفاع شأن المدينة كقوة صاعدة تنافس وتنازع مكة مجدها وعزها، بل فازت عليها بفضل وجود الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، بعد معركة بدر؛ لبست المدينة ثوبالنصر ووسام الدين.
صفحة 5
16. خسارة بدر أصابت كبرياء قريش في الصميم، قتل أشرافهم ، وما من بيت إلا وفقد عزيزا، وقد حاولت قريش أن تتكتم، وتتستر على نواحها حتى لا يشمت المسلمين بهم، ولايرتفع ثمن فداء الأسرى، ولم يستوعب أهل مكة وأشرافها عمق الضربة النفسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية... " أقبل أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقال أبو لهب: هلم إلي؛ فعندك لعمري الخبر. فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال له: يابن أخي؛ أخبرني كيف كان أمر الناس؟ فقال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا! ويأسروننا كيف شاءوا! وأيمُ الله ما لـُـمتُ الناس! لقد لقينا رجالاً بيضاً على خيل بُلق ٍ بين السماء والأرض! والله ما تليق شيئا، ولا يقوم لها شيء.
وهذا الأسود بن المطلب، وقد أصيب ثلاثة من أولاده (زمعه، عقيل، والحارث) أنشد لما علم أن قريش كفت عن النواح، وأن هنالك امرأة تبكي على بعيرها الضال:-
" أتبكي أن يــــضــلَّ لها بــعــيرٌ ويمنعُها مـــن النوم السهود
فــــلا تبكي عــــلى بكر ولكن على بــدر تقاصرت الجدود
على بدر ٍ سُراة بني هصيص ومخزوم ٍ ورهط أبي الوليد
وأبكى إن بــكيت عـــلى عقيل وأبـــكى حارِثاً أسد الأسُــود
وأبكيهم ولا تـــسمى جــمـيعا ً وما لأبـــي حليمة مــن نديد
ألا قـــد ساد بعدهم رجـــــال ولولا يــــوم بدر لم يسودوا"
17. انتصار بدر فتح عيون المسلمين على الروم، فقد تعاظم إيمان الأمة وبنيانها الجديد، وصار بالإمكان مقارعة الروم، وإن كان الأمر يبدو ضرباً من الخيال؛ لأن للروم إمبراطورية عملاقة، وحضارة زاهرة، وملوك وجيوش جرارة.. أما المسلمون؛ فقد طردوا للتو من مكة صفر اليدين.
18. ظهر الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب قدرات فوق بشرية: مقدام وصاحب رؤية، ومتيقن بالنصر... يقود جنده بعيدا عن شهرة الحرب، وسفك الدماء. صاحب رسالةمقدسة.. ظهر الأمر جليا ً من خلال معاملته للأسرى مما ألف قلوب الأعداء عليه، ومع ذلك كان يشاور أصحابه في كل صغيرة وكبيرة.
19. حنكة أبو سفيان:- بعد معركة بدر توج أبو سفيان -زعيم البيت الأموي- زعيماً لقريش دون منازع، فهو أول من استشعر مكيدة المسلمين للإيقاع بقافلته، فأدرك أن وقوعها في قبضة المسلمين ضياع مجده ومجد قريش، وهيبة مكة وأشرافها، وضربة اقتصادية موجعة، فأرسل العيون وأنذر قريش بالخطر الجاثم، وبذكائه غير مسار القافلة، وأرسل لقريش يخبرهم بسلامة القافلة. لكن أبو جهل أصر على القتال. وبعد مقتل أشراف مكة: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل، وأمية بن خلف، ومرض أبو لهب، أصبح رجاءهم الوحيد برد الاعتبار، فأراد أن يوزع لهم نصيبهم من القافلة، فقالوا له: أحفظ هذه الأموال عندك، فتصرف بها في اليوم الذي تدعونا فيه إلى الثأر والانتقام، والله لن نترك محمداً وأصحابه يبتهجون بهذا النصر، فكان يوم أحد، فارتفعت شعبيته حتى بعد فتح مكة، إذ حفظ له الرسول مكانته.
20. صار الجهاد وقتال المشركين احترافا وليس مجرد هواية أو رغبة، وقد شجع الرسول الكريم المسلمين وحثهم على التهيئة الدائمة لمواجهة أي خطر أو عدوان مرتقب.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وما من غازية أو سرية تغزو في سبيل الله فيصبون غنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم" رواه مسلم .
21. لا فرق بين قائد وجندي: كان مع المسلمين 70 بعيراً، لكل مجموعة بعير يتناوبون عليه، وقد عرض علي ومرشد بن أبي مرشد على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتنازلا عنحصتهما في ركوب البعير، فقال لهما: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى الأجر عنكما" هذا مثال رائع عن المساواة، فهو القائد الأعلى للجيش، ورسول الله، ومع ذلك يتقاسم الركوب معهم، أفلا يموتون لأجله؟!
22. لأول مرة؛ رابطة العقيدة تفوق رابطة الدم! فقد قاتل الابن أباه وابن عمه وخاله... فقد قتل عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام بن المغيرة، لقد ذُبِحت العائلية والقومية في سبيل إعلاء راية الدين والعقيدة .
صفحة 6
تخليد يوم بدر بالأدب العربي والإسلامي
ما قيل من أشعار في معركة بدر
قال كعب بن مالك:
" عجبت لأمـــر الله والله قــــــادر على مــــا أراد ليس لله قاهـــر
قضى يوم بدر أن تُلاقي معشرا ً بغوا وسبيل البغي بالناس جائر
وقد حشدوا واستعزوا من يليهمُ مــن الناس حتى جمعهم متكاثر
وفينا رسول الله والأوس حوله له معقل منهم عزيز نـاصر
مهما لقيناهم وكــــل مــجاهــد لأصحابه مستبسل النفس صابر"
وقال حسان بن ثابت :
"ألا ليت شعري هل أتى أهل مكة أبــادتنا الكفار في ساعة العُسر
قتلنا ســـراة القــــوم عند مجالنا فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر
قتلنا أبـــا جـهــل وعـتـبـة قبله وشــيـبـة يكبو لليدين وللنحر
فكم قـــد قتلنا مـــن كريم مُسَود له حَسبٌ فـي قومــه نابه الذكر"
وقال أميَّة بن أبي الصلت يرثي من قتل من قريش ببدر :-
" ألا بكيت عـــلى الــكــرام بني الكرام أولى الممادح
سبكها الحمام على فروع الأيك في غصن الجوانح"
وقال ضرار بن الخطاب بن مرداس :-
"عجبت لفخر الأوس والحينُ دائر عليهم غدا ً والدهر فيه بصائر
وفخر بني النجار إن كان معشر أصيبـوا ببدر كلهم ثــم صائر
فإن تكُ قتلى غودرت من رجالنا فإنا رجالا ً بـعدهـم سنغادر
وذلك أنـــا لا تـــزال سـيـوفنا بهن دم ممن يحاربن ماثر
فإن تظفروا في يــوم بــدر فإنما بأحمد أمس جدكم وهو ظافر"
صفحة 7
قائمة بأسماء شهداء بدر
فقد المسلمون في المعركة أربعة عشر رجلا ً
ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار
1. أسماء شهداء المهاجرين:-
•عبيدة بن الحارث بن المطلب.
•عمير بن أبي وقاص، أخو سعد بن أبي وقاص.
•ذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعى.
•عاقل بن البكير.
•مهجع العكي، مولى عمر بن الخطاب.
•صفوان بن بيضاء.
2. شهداء الأنصار:-
•سعد بن خيشمة .
•مبشر بن عبد المنذر بن زنبر.
•يزيد بن الحارث.
•عمير بن الحمام.
•رافع بن المعلي.
•حارثة بن سراقة بن الحارث.
•عوف بن سراقة بن الحارث.
•عوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد.
•معوذ بن الحارث.
صفحة 8
سحر معركة بدر
لمعركة بدر سحر عسكري ونور عقائدي لا يزال يتلألأ في سماء المجد حتى يومنا هذا، الفئة الضئيلة المستضعفة، تدمر جيشا جرارا بفضل التنظيم والتخطيط العسكري، والعزيمة الفولاذية، وعون الله وملائكته، والاستيلاء على آبار بدر. بالمقابل استعلاء قريش وهشاشة صفوفهم . إن معركة بدر ليست مجرد موقعة عابرة في التاريخ الإسلامي، بل مفترق هام قلب صفحات التاريخ، وأبطل المعادلة العددية، وثقافة الأشراف والأسياد. فلمع نجم قوة جديدة على الكون، قدر الله لها أن تلعب دورا ً عالميًا، فكانت شارة النصر في بدر لا تعلن عن خسارة قريش أو انتصار المسلمين، إنما ولادة قوة عالمية تقارع الإمبراطوريات العظمى وتسحقها الواحدة تلو الأخرى، تشير إلى بزوغ دين رباني ترعاه عين الله. وقد بارك الله للرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين هذا النصر في القرآن الكريم، كي تكون المعركة خالدة في ذهن المسلم والبشرية قاطبة، لأن الله أنزل القرآن وهو له حافظ: {إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. بدر آية قرآنية وآية عسكرية، وعلامة فارقة في التاريخ البشري، وخاصة أنها وقعت وعمر الدعوة الإسلامية بعمر الورد، وقوتهم يسمح العدو لنفسه بالتملق عليها. ووقوعها في شهر رمضان المبارك له حكمة، فهو شهر مبارك أنزل فيه القرآن الكريم: {شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم لعلكم تشكرون} البقرة: 185.
وشهر الانتصارات، شهر الصوم والجهاد والصبر على النفس، الرقي الروحاني، والتضحية ونصرة المظلوم والالتفات للفقير والمعدم، والتآخي والشعور بالانتماء لأمة مسلمة، جسمها واحد، وقلبها واحد، وقبلتها واحدة، وينبوع فكرها واحد.. معركة غيّرت قاموس العرب بقوة السيف وحرارته، كتبت أسماء جديدة تجيد الفروسية وأنغام الحرب: "علي وحمزة وأبي بكر وعثمان..." تغيّر مفهوم الغنائم، فلم يعد القائد يستحوذ على جل الغنائم، فللدعوة وقودها وحصتها، والفقير وابن السبيل.. وقبل أن يفكر المقاتل المسلم بنصيبه؛ يفكر بنصيب الله ورسوله. والمعركة رسالة واضحة لمعاقل الشرك، بأن الله لهم بالمرصاد، رسالة المسلمين الذين فضلوا الاستيلاء على القافلة التي لم يكن يحميها سوى 40 رجلا، خوفا من الاشتباك مع قوى عظمى، أراد الله أن يلقنهم درسا ً على أنهم قادرين على تسجيل النصر، وإن كانوا غير مستعدين وغير متوقعين. المعركة كشفت اللثام على وجوه المنافقين أصحاب القلوب الفارغة من الإيمان، المتذبذبين بين الحق والباطل، المتأرجحين على سلم إيمانهم، إنما ادعوا الإسلام لحفظ أعناقهم، أو لإبقاء جاههم، أو ضرب العقيدة المسلمة في صميمها من خلال نفث سمومهم وإشاعاتهم، للنيل من مارد الدعوة والرسول صلى الله عليه وسلم. يقينا هذا النصر كان صفعة لمخططاتهم ودحراً لقلاع نفاقهم الواهية. انتصار بدر المفاجئ أكبر من أن يستوعبه العقل، فلا عجب أن ذهل يهود مكة الذين سحب البساط من تحت أرجلهم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يثرب، فلم يتغير بالنسبة لهم الإسم فقط؛ إنما تضعضع مركزهم الاجتماعي والسياسي، وخاصة بعد الصلح بين الأوس والخزرج.
بعد انتصار بدر؛ صار بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم مجابهتهم قبيلة قبيلة، حتى قضى على نفوذهم ووجودهم في المدينة، لأنهم لم يراهنوا على ثبات أقدام المسلين وعلو شأنهم وصدق رسالتهم. ومواجهتهم لم تكن دفعة واحدة بل بشكل تدريجي وحكيم، فكلما أطبق الخناق على قبيلة، كانت بمثابة رسالة للقبيلة الأخرى، لتغيير سياستها، والامتناع عن مساعدة العدو أو التآمر على وحدة المسلمين. أما إنه من غير المنطق أن يواجههم كونهم يهودا، وهو الذي يدعو إلى التسامح واحترام أهل الكتاب، ولا يستطيع تحميل قبيلة وزر قبيلة أخرى، فكان العقاب على أساس الإخلال بالاتفاقيات والوعود المبرمة بين الطرفين.
صفحة 9
الفصل الثاني
معركة القادسية
محرم 14 هجري- 636 م.
دولة الفرس: كانت من الإمبراطوريات العظمى، كان الإسكندر المكدوني قد مزق شمل دولتهم، لكنهم أعادوا مجدهم على يد ملكهم أردشير بن بابك، أقام دولة المدائن، أو كما يطلق عليه العرب: دولة الأكاسرة. وقد تتالى الملوك على عرش كسرى، وكان آخرهم يزد جرد بن شهريار. وكان الصراع بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية سجالاً، وقد عرض القرآن الكريم هذا الصراع، وبشر بنهايته، واستبق نتائجه، بهدف حث الناس على الإيمان والتصديق بما أنزل من السماء، قال تعالى: {آلم (1) غُلبت الروم (2) فيأدنىالأرض وهم من بعد غُلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون4}.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد بعث إلى كسرى ابرويز -ملك الفرس- يدعوه إلى الإسلام بواسطة سفير المسلمين عبد الله بن الحذافة.
نص الرسالة:
" بسم الله الرحمن الرحيم , من محمد رسول الله، إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أدعوك بدعوة الإسلام، فإني رسول الله إلى الناس كافة لينقذ من كان حيا ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس.
وكان جواب كسرى الغضب الشديد ومزق الرسالة. نلاحظ هنا أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم يخاطب كسرى بلهجة تصاعدية، ويترك له الخيار، وكسرى ملك الفرس لم يعتد على هذه اللهجة، وخاصة من العرب.
أرسل سعد بن أبي وقاص إلى يزدجر ملك الفرس برسالة بأمر من عمر فقالوا له : "أيُّها الملك؛ إنَّ الله رحمنا، فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير، ويأمرنا به.. ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، ونحن ندعوكم إلى ديننا، فإن أبيتم؛ فالجزية، فإن أبتم، فالقتال بيننا وبينكم."
فقال يزدجر: "إني والله لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عدداً منكم، فقد كنا نوكل بكم قرى الضواحي، فيكفوننا غاراتكم، فإن كان غرور لحقكم فلا يَغـُـرنكم ذلك منا، وإن كان الفقر والجوع دعاكم؛ فرضنا لكم قوتا يكفيكم، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم، وملّكنا عليكم ملكًا يترفق بكم".
أسباب المعركة
1. سبقت معركة القادسية عدة معارك بين الطرفين، فقد أذاقهم الفارس البطل خالد بن الوليد شر الهزائم في "ذات السلاسل" و "المذار" و"الولحة" و"أليس" و "ذات العيون" و و"دولمة" و"الجندل" و "الحصيد" و "الثني" و "الزميل"... وكلها معارك انتهت بهزيمة الفرس، أما في معركة الجسر فقد خسر الجيش الإسلامي بقيادة "أبو عُبَيدٍ الثقفي" الذي استشهد تحت اقدام الفيلة، واستشهد معه 4000 محارب .
سُميت هذه المعركة بالجسر، لأنه كان بينهم وبين الفرس جسر، وكان نهر الفرات بين الجيشين، فقال جاذويه -قائد جيش الفرس- :"إما أن تعبروا إلينا وندعكم والعبور، وإما أن تدعونا نعبر إليكم".فقال أبو عبيد: "لا يكونون أجرأ على الموت منا، بل نعبر إليهم". رغم تجربة أبي عبيد إلا إنه وقع في خطأ استراتيجي من ناحية عسكرية، لأن المسلمين يُمكِّنون عدوهم من العبور، أما عدوهم فيخون الأمانة. ومع ذلك؛ فلم تأثر الخسارة في موقعة الجسر على معنويات المسلمين، فكانت معركة البويب بقيادة المثنى بن حارثة الذي ألحق بهم الهزيمة النكراء، وقتل قائدهم مهران، وقد رفض المسلمون عبور الجسر هذه المرة .
2. كانت تسري في أرجاء فارس ثورة ترمي إلى إخراج العرب من الأرضي العراقية، فقد استطاع الملك الجديد يزدجر بن شهريار -آخر ملوك الأسرة الساسانية- إن يبث روحالتعصب وطرد العرب من بلادهم.
3. رغبة المسلمين بنشر الدين الإسلامي.
4. توقع استيلاء المسلمين على الممتلكات والثروات في بلاد فارس الغنية.
5. كان للفرس اليد الطولى في نشر الفوضى والتمرد في الدولة الإسلامية الفتية.
6. الحماس الشديد الذي أبداه الخليفة الجديد عمر بن الخطاب لقتال الفرس حتى أراد بنفسه أن يقاتلهم، وفعلاً قد عين مكانه علي بن أبي طالب، لكن أصحابه أشاروا إليه بالبقاء فيالمدينة لشدة خوفهم عليه.
صفحة 10
المعركة
نزل سعد بن أبي وقاص القادسية مدة شهر، فلم يرَ أحداً من الفرس، واجتمع رأي الفرس على رستم، صاحب الرأي النافذ في المملكة ليقودهم، بلغ عدد جيش الفرس 120 ألفمقاتل، ومعهم 33 فيلاً، منها فيل أبيض. وقيل إن هذا الرقم مبالغ فيه؛ أي عددهم ما بين 40- 30 ألفاً، وبلغ عدد جيش المسلمين قرابة السبعة آلاف، وقيل أكثر. دامت المعركة ثلاثة أيام، اليوم الأول يسمى"أرماث"، واليوم الثاني: أغواث، واليوم الثالث يسمى "عمواس".
يقول ابن كثير: "فاقتتلوا حتى كان الليل، فتحاجزوا، وقد قتل من الفريقين بشر كثير، ثم أصبحوا إلى مواقفهم، فاقتتلوا يومهم ذلك وعامة ليلتهم، ثم أصبحوا كما أمسوا على مواقفهم، فاقتتلوا حتى أمسوا، ثم اقتتلوا قتالا شديدا،ً وقد قاسوا من الفيلة بالنسبة إلى الخيول العربية بسبب نفرتها منها أمراً بليغاً، وقد أباد الصحابة الفيلة ومن عليها، وقلعوا عيونها، وقد أبلى جماعة من الشجعان في هذه الأيام مثل طليعة الأسدي، وعمرو بن معدى كرب، والقعقاع بن عمرو، وخالد بن عرفطة.. فلما كان الزلزال من هذا اليوم ويسمى يوم القادسية، هبت ريح شديدة، فرفعت خيام الفرس عن أماكنها، وألقت سرير رستم، فركب بغلته وهرب، فأدركه المسلمون فقتلوه، وقتلوا الجالينوس مقدم الطلائع القادسية، فانهزمت الفرس، وفر الفرس يومئذ بكاملهم وكانوا ثلاثين ألفاً، وقتل في المعركة عشرة آلاف منهم، وقتل من المسلمين ألفان وخمسمائة".
ثم تابع جيش المسلمين ملاحقة فلول الفرس حتى حاصر عاصمتهم المدائن لمدة شهرين واستولى عليها، وسقطت الغنائم التي تحدثت عنها الروايات بالعجائب، وخاصة أنهم دفعوا الأرواح ليصلوا إلى المدائن عاصمة الفرس.
بموت رستم وهرب الملك يزدجر إلى حلوان وسقوط عاصمتهم باتت المملكة الفارسية بقبضة المسلمين.
نتائج المعركة:-
1. انتصار جيش المسلمين.
2. تكبد المسلمين أيضاً الخسائر البشرية، حتى أنهم في بادئ الأمر فكروا أن يدعو العدو ينسحب آمناً.
3. انكسار معنويات الفرس، ومزق الله شملهم كما طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من الله.
4. غنم الفاتحون غنائم كبيرة. وجدوا بين أيديهم من الغنائم ما لم يروا من قبل، فكان لكل مقاتل نصيب عظيم.