eKtab
EN ع
معهم مقدمات وندوات وشهادات
اقرأ عينة مجانية

معهم مقدمات وندوات وشهادات

بقلم د. يوسف بكار

صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
هذا الكتاب
 
فلقد رغبت في أن أُخصّص هذا الكتاب لثلاثةٍ من نشاطاتي العلميّة والفكريّة والثقافيّة طوال مسيرتي العلميّة إلى الآن، فسلكته في أقسامٍ ثلاثة:
 
الأوّل، للمقدّمات التي رصّعت بها عددًا من الأعمال الإبداعيّة والآثار العلميّة تواليف وترجماتٍ لمبدعين، ومؤلّفين معروفين، وأصدقاء وزملاء، وتلاميذ قدامى ذكورًا وإناثًا ممن درّستهم وأشرفت على رسائل أكثرهم للدكتوراه أو الماجستير. فكانت الإبداعيّة ثلاثة دواوين شعريّة ومجموعة قصصيّة واحدة، والتواليف ثمانية جلّها في النّقد الأدبي، والترجمات اثنتين من رباعيّات عمر الخيّام.
 
والثاني، وقفته على النّدوات الصحفيّة فقط التي شاركت فيها عددًا من الأساتذة وذوي الاختصاص والمعرفة في حقولها، وهي ثلاث: الأولى عن "الترجمة الأدبيّة ومشكلاتها"، والثانية عن "اللّغة العربيّة"، والأخيرة عن "الدّور الثقافيّ للجامعات". ولي فيها جميعًا آراء كانت بنات زمانها وتواريخها وددت أن أُذيعها هي وآراء المشاركين الآخرين. ناهيك بأنّ ثمّة عددًا آخر غير قليل من النّدوات "الإذاعيّة" و "التلفزيونيّة" التي أسهمت فيها ولم يتسَنَّ لي الحصول عليها، فاكتفيت، هنا، من الغنيمة بتقييدها والتذكير بها لعلّ يكون لي - أو لغيري - شأن معها ذات يوم، وعلم هذا عند ربّي، فهو علاّم الغيوب.
 
فأمّا الندوات الإذاعيّة فكانت واحدة فقط عن "الشعر العربيّ الحديث" عقدتها إذاعة "صوت العرب" المصريّة بالقاهرة عام 1984م على هامش النّدوة العلميّة لمهرجان القاهرة للإبداع العربي (آذار 1984)، التي دعت إليها الهيئة المصريّة العامّة للكتاب في عهد رئيسها - آنذاك - الدكتور عزّ الدين إسماعيل، رحمه الله؛ وكنت أحد المدعوّين إليها.
 
لقد شاركت في تلك النّدوة مع الشعراء: لميعة عبّاس عمارة( 1) (العراق)، وأحمد عبد المعطي حجازي (مصر)، وعبد الرحيم عمر رحمه الله (الأردن). أمّا النّدوات التلفزيونيّة؛ فكانت، تاريخيًّا، كالآتي:
 
1) الرّمز والرمزيّة في الأدب العربي. التلفزيون الأردني 1979 (إدارة السيدة هند التونسي، ومشاركة المرحوم د. نصرت عبد الرحمن، ومحمود الشّلبي).
 
2) اللغة العربيّة والإبداع. التلفزيون القطريّ 1986 (إدارة د. عبد الصّبور شاهين، ومشاركة د. حسين نصار، والشاعر عمر بهاء الدّين الأميري رحمه الله).
 
3) شاعر وقصيدة: جميل بثينة. التلفزيون القطري 1986.
 
4) شاعر وقصيدة: ابن الرّومي. التلفزيون القطري 1986.
 
(الندوتان 3 و 4: إدارة د. محمد قاسم رحمه الله، ومشاركة د. حسين نصّار).
صفحة 2
5) المؤتمرات والمهرجانات الأدبيّة. التلفزيون الأردني 1988. (إدارة الشاعر عبد الرحيم عمر رحمه الله، ومشاركة السيدة ليلى شرف - الأردن، وماجد السّامرائي - العراق).
 
6) الترجمة الأدبيّة وآفاقها. التلفزيون الأردنيّ 1990. (إدارة د. خليل الشّيخ، ومشاركة د. محمد عصفور و د. شاهر الحسن - الأردن).
 
7) التعريب. التلفزيون الأردنيّ 1991. (إدارة د. زياد الزّعبي، ومشاركة د. عبد الكريم خليفة و د. هُمام غصيب).
 
8) من كنوز التّراث: رحلة ابن بطّوطة. مع د. عبد الجليل عبد المهدي (الجامعة الأردنيّة - عمّان).
 
9) من كنوز التّراث: كتاب "المثل السائر" لابن الأثير. مع د. عبد الجليل عبد المهدي.
 
10) من كنوز التّراث: ديوان الحماسة لأبي تمّام. مع المرحوم د. نصرت عبد الرحمن (الجامعة الأردنية سابقًا).
 
11) من كنوز التّراث: كتاب الحيوان للجاحظ. مع د. خليل الشّيخ (جامعة اليرموك - الأردن).
 
12) من كنوز التّراث: كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه. مع د. خليل الشيخ.
 
(الندوات الخمس من 8-12 سجلت لتلفزيون دبّي 1996. وقد أدارها الدكتور عبد العزيز طشطوش - جامعة اليرموك).
 
13) قضايا ثقافيّة: أزمة قراءة أم أزمة نشر؟ مع السيد ماهر الكيّالي - المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر - بيروت.
 
14) قضايا ثقافيّة: نشر التّراث...لماذا؟ مع د. عبد الجليل عبد المهدي.
 
15) قضايا ثقافيّة: الأدب النّسوي. مع د. خليل الشّيخ.
 
16) قضاية ثقافيّة: الاستغراب. مع د. خليل الشّيخ.
 
(الندوات من 13-16 سُجّلت لتلفزيون دبّي في 1 و 3 و 4 شباط 1998، وأدارها الدكتور إبراهيم السعافين - جامعة اليرموك آنذاك).
صفحة 3
17) قضايا ثقافيّة: الرباعيّات في الأدب العربّي. مع د. عبد الجليل عبد المهدي.
 
18) قضايا ثقافيّة: الأدب المقارن في ثقافتنا. مع د. خليل الشّيخ.
 
19) قضايا ثقافيّة: المجامع اللغويّة العربيّة بين الواقع والطموح. مع د. نهاد الموسى - الجامعة الأردنية.
 
20) قضايا ثقافيّة: الموشّحات في الأدب العربي. مع د. صلاح جرّار - الجامعة الأردنية.
 
(الندوات من 17-20 سجّلت لتلفزيون دبّي في 26 و 27/1/1999، وأدارها الدكتور إبراهيم السّعافين كذلك).
 
21) فكر وحضارة: اللغة العربيّة والعولمة. مع د. محمد طمّاز (الجزائر). إدارة د. خالد جبر. الفضائيّة الأردنيّة - عمّان (19/6/2008).
 
والقسم الأخير، جعلته لما كان لي من شهادات علميّة وشخصيّة دقيقة وصادقة وأمينة، نصفها، إلى المقال أقرب، في نفرٍ من الأساتذة الأصدقاء الأفاضل الذين عرفتهم من كثب، وهم: الدكتور عبد الرحمن ياغي الأستاذ بالجامعة الأردنيّة سابقًا، والدكتور علي محافظة الذي عرفته قبل أن أعمل معه عميدًا للبحث العلمي والدراسات العليا بجامعة اليرموك مدّة رئاسته لها (1990-1994م)، والدكتور أحمد درويش الأستاذ بكليّة دار العلوم بجامعة القاهرة الذي عرفته على الصعيدين الشخصيّ والعلميّ سنوات طوالًا، والدكتور عبد الكريم خليفة رئيس مجمع اللّغة العربيّة الأردني الذي أعتزّ بأنني أحد أعضائه، والدكتور عبد الجليل عبد المهدي الأخ والصديق وزميل ا لدراسة والتدريس وعضوية مجمع اللغة العربيّة الأردني.
 
الله العليَّ القدير أسأل أن يكون في هذا الكتاب ما ينفع ويفيد ويذكِّر؛ فهو حسبي ونعم الوكيل.
 
يوسف بكّار
 
اربد في 1/5/2012
 
___________
 
(1) تقيم الآن في أمريكا.
صفحة 4
أولاً: الأعمال الإبداعيّة
 
(1) ديوان "دم حنظلة"*
 
للدكتور إبراهيم الخطيب(1)
 
فقد تعرّفت على الدكتور "إبراهيم الخطيب" صاحب هذا الديوان طبيبًا وشاعرًا في آن منذ سنوات قبل أن أستمع إليه أو أقرأ شيئًا من شعره. وحين أتيح لي أن أستمع إليه في بعض المنتديات الوطنيّة والسياسيّة والأدبيّة، وما أكثر ما يشارك فيها، وأن أقرأ كثيرًا من شعره في الصّحف والمجلاّت وفي دواوينه، عادت بي الذّاكرة إلى تراثنا النقديّ في بدايته المنهجيّة، وإلى الأصمعيّ تحديدًا، لأنّ إبراهيم الخطيب واحد من النّماذج الإبداعيّة المهنيّة المحليّة الصّارخة التي تعدّ مصادرة على أطروحة الأصمعيّ النقديّة، إذ كان هذا النّاقد لا يعدّ الشاعر، الذي لم ينقطع للشعر انقطاعًا كاملًا، في زمرة الشعراء الفحول الذين ارتضاهم وفق مفهومه هو للفحولة الشعريّة غير مدرك، مثلًا، أن كرم حاتم الطّائي وصعلكة الصّعاليك وشجاعة الفرسان وتديّن لبيد العامريّ لا تحول، ما دام الشّعر موهبة، دون أن يكونوا فحولًا شعراء، ومن طليعة الشّعراء.
 
إبراهيم الخطيب، إذًا، شاعر طبيب وطبيب شاعر، تعاقد الطّبّ والشّعر فيه على صداقة حميمة باقية. أصدر، إلى الآن، هذه الدوّاوين: "غنّ لي غدي" (1984)، و "قناديل النّهار المطفأ" (1985)، و "حظيرة الرّياح" (1986)، و "عز الدّين القسّام" (1987)، و "ألوذ بالحجر" (1989)، و "سنابل الأرجوان" (1990)، و "وجهًا لوجه" (1990).
 
فأمّا ديوانه الحاضر "دم حنظلة"، الذي لا يأتي صدوره في الذّكرى الثّالثة لاستشهاد ناجي العليّ مصادفة، فهو ديوان في قصيدة مطوّلة أو قصيدة ديوان، ينهض - إلى حدٍّ كبير - نموذجًا يعرض سمات شعر صاحبه الموضوعيّة والفنيّة الّتي لا تتّسع كلماتي القليلة إلى أن أخوض فيها وأفصّل.
 
وعلى أيّة حال، فشعر إبراهيم بعامّة وفي ديوانه هذا بخاصّة ذو سمات شعريّة واضحة في الموضوع والفنّ. ففي الموضوع تشغله في هذا الزّمن المهزلة، كما يصفه هو، قضايا أُمّته الوطنيّة والسّياسيّة وقضيّتها المركزيّة - القضيّة الفلسطينيّة - بأبعادها الشموليّة والجزئيّة. وما استشهاد "ناجي العلي"، الذي يُوقف عليه هذا الديوان والذي مزّقت ريشته عيشته كما يقول الشاعر نفسه، إلاّ بعد من أبعاد هذه القضيّة:
 
حنظلة!
صفحة 5
يا وقوفي على عتبات الوكالة(2)،
 
بطاقة تموين،
 
وكيس طحين،
 
وعلبة سردين،
 
وسربًا من اللاّجئين،
 
وذكرى فلسطين،
 
وآمين ... آمين ... آمين.
 
وفي الفنّ، يراوح الشّاعر - أو يزاوج - بين الشّكلين الشّطريّ والتّفعيليّ في الدّيوان الواحد والقصيدة الواحدة كما في "دم حنظلة" دون أن ينحاز إلى أحدهما أو يطغي أيّ واحد منهما على الآخر قصدًا، لأن التجربة هي التي تختار اللبوس الموائم له والشّكل الذي تختال فيه. ولعلّ هذه العفويّة الفنيّة اللّازبة تكون وراء باقة ظواهر الشّعريّة الأخرى التي توشّح شعره توشيحًا لافتًا مدهشًا:
 
- بساطة اللغة المفعمة بالدلالات الموحية والصّور النّابضة الواقعة التي تمتح من الموروثين الفصيح والشّعبيّ، والتي قد يكون "ناجي العلي" فيها قناعًا لإبراهيم ورفاق سربه من مناضلين ومبدعين ومتلقّين وفقراء مسحوقين كان فنّان الكاريكاتور يرسم بكلماته وأصواتهم جميعًا.
 
ولقد حقّق إبراهيم وبعض الشّعراء العرب كالمنصف المزغنّي، مثلًا، في ديوان "حنظلة العلي" ورهط من الصحافيّين الأحرار الذين أصرّوا على أن يظلّ ناجي الميّت حيًّا، حقّق هؤلاء جميعًا للفنّان في مماته ما كان يهجس به في حياته حين قال عن حنظلة: "هذا المخلوق الذي ابتدعته لن ينتهي من بعدي بالتّأكيد... وربما لا أبالغ إذا قلت إنّني قد أستمرّ به بعد موتي".
 
- المخزون التّراثي العميق، قرآنًا وحديثًا وشعرًا ونثرًا، المنداح في حنايا شعره اندياحًا انسيابيًّا متوهجًّا في ما اختير له:
 
وأدركت أنّيّ وحدي أُتقن نسخ دمي
 
فما قتلوني
 
وما صلبوني
 
تشبّهت طيرًا ومتّ بطعنة ريشه.
صفحة 6
- توظيف "البديع" توظيفًا خروجيًا إلى المعنى والحال الشّعريين بعيدًا عن إسار "الزّينة" الذي فشا في أدبنا في غير مرحلة من مراحل مسيرته وتخذته زمر من النّقّاد عيارًا فنيًّا نقديًّا ولو أنّ ناقدنا الفذّ القديم عبد القاهر الجرجاني أدرك وظيفة طوائف البديع المعنويّة (من المعنى) الدّلاليّة منذ ذلك التاريخ.
 
- لا رثاء ولا احتفاء بناجي
 
أيّ حيّ من الملمات ناجِ
 
- لماذا الحلال عليّ حرام...؟
 
أنا طائر الخصب والحبّ.
 
هذه هي أظهر ملامح شعريّة إبراهيم الخطيب في "دم حنظلة" وفي أكثر شعره بعامة وإنْ لم استشهد بشيءٍ منه هنا. وليس من شكّ في أنّ ثمّة غيرها لمن شاء أن يدرسه.
 
وسلام على إبراهيم الإنسان والطبيب والشّاعر، والرّحمة والخلود لناجي العلي.. فقد تحمّل، حقًا، كما يقول شاعره إبراهيم،: "عبء اغتراب وعبء انتساب"!
 
_____________________
 
* منشورات دار الينابيع – عمّان. ط1: 1992.
 
(1) توفي في إربد عام 2011.
 
(2) وكالة غوث اللاجئين.
صفحة 7
(2) ديوان "كذلك"*
 
لنادر هدى
 
- 1 -
 
فحين طلب إليّ الأستاذ المحامي الشّاعر نادر هدى واسمه الحقيقي "نادر قاسم محمد قواسمه" كما يذكر هو نفسه في قصيدة "حرّ من يشاء" من ديوانه "حبر العتمة" حيث يقول:
 
هدى من أُحبُّ، وأُكنّي
 
أمّا اسمي المُطْرى في احتضاراتِ السؤالْ
 
فهو (نادر قاسم محمد قواسمه) عبءُ القيودِ في المراسمِ والمراثي...
 
حين طلب إليّ أن أقدمَ لديوانه السابع هذا "كذلك" وافقت فورًا، وإن عرفت أن الديوان مسبوك بقالب "قصيدة النثر"، لسببين اثنين: الأول أن الشعريّة عندي هي الأهم بقطع النظر عن لبوسها وقالبها الذي تبرز فيه، ولا ضير في "التجريب"؛ والآخِر صنو الأول إذ سبق لي أن تعرفت على نماذج من أقاويل نادر هدى الشعرية حين ندبني فرع رابطة الكتّاب الأردنيّين بإربد مساء السبت 3/10/1992 في ملتقاه الشعريّ الأول لأتحدّث عن نماذج من شعر الشاعر وزميليه الشاعرين الدكتور / الطبيب إبراهيم الخطيب، وإدوارد حدّاد الذي انتقل إلى رحمة الله بعد ذلك. وقد نُشِرَتْ تلك "المداخلة" في جريدة "صوت الشعب" الأردنيّة المحتجبة(1)، ثم أَدرجتُها في كتابي "في النقد الأدبي: إضاءات وحفريّات(2).
 
- 2 -
 
نادر هدى، إذا ما وضعنا في الاعتبار عام صدور ديوانه الأول "مملكة للجنون والسفر" (بيروت 1984) والإرهاصات التي سبقت صدوره ولست أشكّ في أنها كانت طويلة، من روّاد قصيدة النثر في الأردن حين كان ينظر إلى هذا النمط من الأقاويل الشعريّة في الوطن العربي كلّه نظرة "العاقل إلى السّفيه"، وحين كان يلقى معارضة شديدة ونقدًا قاسيًّا لاذعًا ما زالت أبعادهما مستمرة حتّى إنّ بعضهم يسمه بـ "القصيدة الخنثى"! بيد أن الشاعر لم يتزحزح إيمانه بنمطه الإبداعي، بل ازداد به إيمانًا وتمسّكًا، فأصدر "مسرَّات حجريّة" (دار الحداثة - بيروت 1985)، و "حبر العتمة" (الأردن 1992)، و "لن تخلصي مني" (دار الحداثة - بيروت 1993)، في حين أنه أصدر من النّمط التفعيليّ "مزامير الرّيح" (دار الحداثة - بيروت 1993)، و "عالم لست فيه" (الأردن - 2000).
صفحة 8
- 3 -
 
يأتي هذا الديوان خامسًا في قصيدة النثر، وقد اختار له "كذلك" عنوانًا، وهو عنوان اللّوحة الرابعة والأخيرة كلّها وعنوان القصيدة الأولى فيها، وذا هو ديدن الشاعر في "صناعة" دواوينه بتقسيمها لوحاتٍ واختيار عناوين بعضها من عناوين قصائد فيها.
 
قد يكون للعنوان "كذلك" مرمًى أبعد من المعنى اللغوي المعهود، وهذا هو شأن الشّاعر في عناوين دواوينه وفي لغته الشعريّة وتعابيره التي تحتمل "تعدّد المعاني" فتقرأ غير قراءة، كالذي في قوله من قصيدة "كذلك":
 
يا كلَّ هذا الذي يتشكّلُ فيَّ أَحللْ ما فيَّ فيكَ
 
أَو أَحلل ما فيكَ فيَّ
 
لم يعدُ ثَمَّةَ شيءُ يثيرُ اهتمامي
 
مشبعٌ في سرطانِ ناري، هذيانِ انتحاري
 
سأقولُ للذي لم يجيء .. لا تجئ
 
سأَمسخُ الحلمَ،
 
وأقولُ
 
كذلك
 
- 4 -
 
لوحة "كأنّه هو"، عنوان دالُّ ومعبرٌ جدًّا، فالضمير المتصل في "كأَنَّهُ" يعود على ابن الشاعر الذي ولد بعد وفاة جَدّه، وسمّاه "قاسمًا" على اسمه المقصود في الضمير المتصل "هو". وإذا قالت العرب قديمًا "من أشبه أبه (أباه) فما ظلم"، فإنّني أقول "من أشبه جدّه فنعم الشّبه" وهذا هو السرّ في عنوان اللّوحة كلّها بعنوان قصيدة "كأَنّهُ هو" وقصائد هذه اللّوحة كلّها مراثٍ لوالده، وهي ليست مراثيَ عاديّة مباشرة، بل إن أكثرها على قَرِيّ قوله:
 
كان ما بينَنَا أَن قلتَ:
 
ابني هذا أَبي
 
أَيكون ابني أَبي؟!
 
وقوله:
 
أَبي
 
لو تعلمُ ما بي
 
لحييتْ
صفحة 9
كي تتأَلم
 
كي لا أَتألم
 
وقوله:
 
ليس عندي غيرُ ما ترين
 
حزنٌ يئد حزنًا
 
وأُشيّدُهُ صروحًا
 
أتوّجُهُ مسلَّةً للآخرين
 
وقوله:
 
قبل موتِكَ، كنتُ عنكَ، كنتَ عني تبتعدْ
 
بعد موتِكَ
 
صار ما بيني وبينَك نصفَ شبر
 
أصبحتُ قبرًا متحرّكًا
 
هو أَنت
 
وأَني أَبحثُ عنّي
 
ولستُ
 
من تركتْ
 
قصائد هذه اللّوحة كتبها الشّاعر بعد مضي سنوات على وفاة والده في 25/7/1994، وبعد أن سكن روعه وهدأت فورة الحزن فيه. قد يكون هذا وراء ما في القصائد ما يمكن أن يعدّ بعدًا فلسفيًّا مخبوءًا كالذي في الاستشهادات السّالفة، وما في بعضها من كشف مباشر لزيف الحياة وقيمها التي غُطّيت إلى حين، وكشفت الأحداث عنها ذاك الغطاء:
 
أبحرًا ما أرى أم صديد
 
أم آخرَ في أنايَ المُشْتهى؟
 
- ليتَ أَبي يعرفُ ما بي -
 
.............................
 
إذ
 
- القيمُ منخورةٌ / مدحورةٌ، مأَجورة
 
- الدرُّ والياقوتُ مبتذلٌ
صفحة 10
- كرائمُ الأحجارِ إسفلتٌ
 
- وهجُ الرؤى مغائرٌ مُضبَّبةٌ بالسّوادْ
 
وتكاد قصيادة "كأَنَّهُ هو" تلخّص موقف الشّاعر كلّه من أبيه وتجسّده، وتكشف عن انصهاره الشّديد واندغامه الحميم به كأنّه الغائب الحاضر في آن "كيمياء الأماكن والفصول" الذي لا يغيب لأنّه يراه في ابنه دائمًا:
 
كأَنَّهُ هو
 
يُعيدُ إِحياءَ مُحيًّا حنَّطَتْهُ المواجعْ
 
أَعشبتهُ المآثمُ والنّذورْ
 
وبالابن ما زال "للبيتِ طُرّاقهُ" وللحُلمِ إنشادُهُ"
 
واللّوحة الثالثة، هي لوحة "كونيني" أو لوحة "هدى"، هدى الرّمز الذي لا يكاد يعرف مدلولاته ومراميه الدقيقة البعيدة سوى الشّاعر نفسه المسكون بها والمشغوف، واللاهث وراءها عسى أن تكون مفاتيح الحلول معها، وأن تجد له مخرجًا من أدوائه الذاتيّة المندمجة بأدواء الوطن والجماعة. "هدى" نادر قواسمة قناع مثلما هي "زهرة مستحيل" إبراهيم ناجي و "عائشة" عبد الوهّاب البيّاتي. وأيّ قناع هذا الذي يتلبّس الشّاعر حتّى يحتضنه ويتبنّاه "أبًا" لا "ابنًا" ويجعل اسمه "نادر هدى"؟!. لا أشكّ في أن هدى - مهما تعدّدت وجوهها ومدلولاتها - هي التي طلب إليها هذا الشّاعر "المتعب" أن تحتويه، فهو مسكون بها وهي داءه ودواءه:
 
تعالي اسكنيني
 
وأنا كطفلٍ بين ذراعيكِ
 
أَرعى خصبَكِ الممهورِ
 
أُلملمُ أَحرفَ العشقِ
 
إنّها المبتغى والأمل:
 
أوّاه هدى
 
يا دُرّتي المبتغاة
 
متعبٌ فاحتويني