eKtab
EN ع
ماري حمالة الحطب
اقرأ عينة مجانية

ماري حمالة الحطب

بقلم هنادي غزاوي الصلح

صفحة 1
1
 
كان الحلمُ مروّعاً، لأولِ مرّةٍ حلمتُ أنني أتمرّد، أنتفض وأثور، ليته امتدّ مالئاً نهاراتي، لم أعتد الصراخ من قبل، حتى بات صوتي بلا صدى وثورتي محض أفعالٍ لا قدرة لها على الحياة، وما عدا ذلك كله كنت الشاهدة التي تُقلّب الأشياءَ بصمتها·
 
كأنني ارتدتُ مدارسَ من صمتٍ، لم تحفرْ كلماتها صوتاً ولا وجوهها ذكرى·
 
وحدها شرفة منزلي الذي يكمن خلف الحقول الممتدة تعود إليّ، كما لو تؤوب من سفرٍ بعيد ويعود معها وجهُ أمي، وجهها الذي يسترق النظر مطلاً على قلبي، شاهداً أنتظر إطلالته كل صباحٍ كما تنتظر الحقولُ عصافيرَ الربيع·
 
لماذا صمتك أمي؟ أهو امتداد لصوتك الملوكيّ، أم حدستِ أنْ ليس بوسعك تبديده في الثرثرة والكلام· ورّثتني الصمت ولا أعرف من سيرثه بعدي، ومع الصمت يستدرجني الحزن الشاهد على الفرح، لأعود وأستيقظ من إغماءتي على نتفٍ من كتابٍ اقترحته عليّ (أمل)، عاد ليغرس في أعماقي بوارق حبٍّ وشعاعاً قزحيّاً·
 
ضحكتُ عند قراءتي النصائح فكلّ ما ورد فيه، كنت قد أدركته بفطرتي، لكنني واصلتُ قراءته لأعيد ترميم حياتي مجدداً، لأصغي من جديد، وليكون بوسعي الحلم ثانيةً، فربما أقع في الحبِّ أيضاً وأستقبل شمس كل صباحٍ على أفقٍ جديد·
 
استقبلني صوتها فور عودتي من باريس:
 
- عدت في الوقت المحدّد، لم يكن مجدياً أن أخبرك عبر الهاتف·
 
- قصة جديدة ورجل جديد؟ وبعد !!
 
- حبّ وحبّ وحبّ حتى أرتوي 
 
- انتظرتُ الحبّ ألفَ عام، مشرّعةً له الأبواب وحين أتى أخيراً سرقه الموت منّي·
 
- عليكِ أن تدعيه يأتي ثانية، امنحيه الفرصة، لا تتركي الأبواب المشرعة بلا روحٍ أو أمل، وصمتك، يكفي صمتك (نور) فالرجل لن يشعر بالحبّ من غير الجلبة، إنه يحتاج إلى تأكيده ليدركه·
 
- والمرأة تحتاج إلى رجل يرمق صمتها ليترجمه لغة مركّبة وحروف·
 
- كالعادة لا أوافقك الرأي، على كلّ حال، سيطول بنا الحديث، أليس كذلك؟
 
- أنتظرك·
صفحة 2
2
 
سنتان وأنا أحاول عبثاً التحرر من فكرةِ أنني فقدته ولن أعود قادرة على استعادته، أن أمنحني الحق في الحياة، وبرغم ما بذلته من محاولات وجدتني عاجزة عن فعل ذلك·
 
بعد عامين على موته، بعد الفجيعة والوحدة الباردة التي اجتاحت سريري، تطلّعتُ في المرآة لأرى ما طرأ على ملامحي، فإذا بي امرأة من تجاعيد، بعينين بلا بريق ومحجرين متغضنين· وجنتاي، شفتاي، عنقي، شعري، خطواتي التي بدأت تضيق، كيف للحياة أن تعود إلى شجرةٍ تحتضر؟
 
كأنني لم أعرفني قبل هذا اليوم، صرت امرأة أخرى، امرأة ما بعد موته، وقد تحولت من امرأة ترثي زوجها إلى امرأة ترتدي ثياب الحِداد وترثي نفسها· 
 
عبثاً، حاولت (أمل) إقناعي: 
 
- كي لا تتوقف حياتك، انبذي السواد أو زيّنيه على الأقل بالأبيض، البنيّ والرماديّ، إنها ألوان تدلّ على الحزن أيضاً، افعلي ذلك من أجلك، لا تترددي كثيراً بتغيير السواد·
 
في ذلك اليوم شعرت أن أفضل ما بوسعي منحهم إياه هو الوعد بألوان قزحية في العيد الذي كان سيحلّ قريباً، وحده أحمد أدرك بفطرته أنني لم أكن صادقة، عرف ذلك من نبرتي المترددة ومن عينيّ الهاربتين إلى الزوايا البعيدة·
 
حلّ العيد وحلّت بعده أعياد ومازلت أرتديه، شعرت لبرهةٍ أنه لم يعد ثوبا أو لوناً، كان يمثّل حمايةً حقيقيةً من العيون الجائعة والشفاه الشرهة ويمنحني وِقاراً يدفعهم إلى أن يترددوا كثيراً قبل الإقدام على شيء·
 
- مرت سنتان وهي ترتدي السواد على فراس، ما أخلصها!!!·
 
آه لو أدركوا الأمر كما أعرفه، لو أدركوا أن السواد لم يكن على فراس وحسب، بل كنت أرتديه على نفسي ومن أجلي أيضاً، لأنها طريقتي في أن أستبقيه معي، وأن تحفل حياتي بوجوده وإحساسي بالأمان معه·
 
إلا أنه تسرب خلسة ذات ليلة شتائية، كان البدر يتخفّى وراء الغيوم المشعّة بضيائه شاهداً لأحرس روحه، كنت قد تعرفت على الموت يوم رافقنا طيفه ليجلس أمامنا على مقاعد الطائرات وأسرّة المستشفيات، يلفحني بلهيبه معلناً عن حضوره وأنا أرفسه، أركله، أرميه بعيداً، أتطلّع إلى أيام أخرى نستهل بها سعادتنا حاملة فراس فوق كرسيّه المدولب من مكان إلى آخر، مستمدة عزيمتي من الإيمان والأمل والحب، كنت متشبّعة به على نحو جعلني أرشح من شدة حبه، فكيف لا أفيض عليه بأنهار حبي، تلك الأنهار التي ملأها كواكبَ تشعّ ببريق الأبدية·
صفحة 3
منذ اللقاء،
 
منذ الحب،
 
منذ كلّ الفرح·
 
كان وجوده يبعث فيّ الحياة، جاعلاً للصبح زخماً هائلاً، أستيقظ على حبّه، وفرحِهِ بي وأنام بين ذراعيه أرتشف رذاذَ رجولتِه الذي يتشظى بين رائحته وفحولته·
 
قال لي ذات يوم وهو يواجهني على كرسّيه ويحرّك كوب قهوته بين يديه بتوتّرٍ لم يتمكن من إخفائه: 
 
- سنسافر إلى فرنسا، أحنّ دائماً إلى العودة، في باريس سحرٌ لا يُقاوم، يدعوك دائماً إلى استعادتها بصورٍ مختلفةٍ، أشبّه هذه المدينة بعشيقة تمنح النزر اليسير عند كل لقاء ليعود إليها الجميع بشغفٍ كبير·
 
- ونترك بيروت؟ لا أستطيع أن أترك مدينة تحمل حبي وصرخة ولادتي وأطيافي العالقة على جدرانها وأرصفتها، كفاني سفراً وهجرةً·
 
ثم فتحت عينيّ على سعتهما لأقول ببطء:
 
- لم أصدقْ أنني عدتُ من جديد·
 
- كنت أعتقد أنك سترحبين بالفكرة، أو على الأقل لا تعترضين عليها ما دمنا سنكون معاً في نهايةِ الأمر·
 
أخبرني يومها أنه وافق على قبول عقد عملٍ من جامعة السوربون للتدريس في كلية الآداب، وحين رمقته بنظرة استنكارٍ وتعجبٍ، أجابني وهو يميل بجذعه عليّ:
 
-  وافقتُ لأنني أريد أن أحبك في مناخات أجمل، هناك سأكون رجلاً بمستوى طموحاتك وأحلامك·
 
- معكَ أهجر ما في الدنيا لكني أخشى الغياب، أتوجّس منه، أخشى إن رحلتُ لن أعود وإن عدتُ لا مكان لي، أخشى أن تنساني الوجوه وينساني البحر ثانية ولا يتذكرني قبرا أمي وأبي·
 
ضحك ضحكةً قصيرة وهو يضغط على يديّ برفق قبل أن يقول:
 
- بيروت لا تنسى حبيبتي، أُحرِقتْ ألفَ مرّةٍ ثم انبعثتْ من جديد لتواصل حياتها بالذاكرة ذاتها لكلّ ما أحبته، كأن الحرائق لم تطلْ روحها·
 
قلت وأنا أشعر أن أفضل ما يمكنني فعله هو أن أمنح يدي فرصةً لتستسلم تحت ضغط أصابعه:
 
-  بيروت كلما قامت من تحت الركام تزداد بهاءً كطائر الفينيق الذي ينبعث من رماده·
 
-  سنسافر، وبيروت كلها لك إلى حين رحيلنا·
صفحة 4
3
 
جعلتني فكرةُ الرحيل أعيش فجيعة الوداعات اليومية الطويلة والمؤرّقة، كل ما حولي كان يهتف بي بطريقة غامضة، إنها نداءات باطنيةٌ تجعل حواسي تنفرط ولا أعود قادرة على استجماعها، اكتشفتُ على حين غرّة كم أعشق هذه المدينة، وكم سوف يكون الرحيل عبوراً لا نهائياً إلى الجهة الأخرى ليس من المدينة فحسب بل ومن الوجوه التي سأفتقدها كبائعي الصحف ورواد المقاهي والمسارح والبيوت، حتى المقابر بجلبتها الساكنة·
 
لم أعلمْ أن السفر سيبقى حلماً معلقاً بعد موته·
 
في الفراق يزداد البصرُ حدّةً؛ إذ تستقطب العيون كل التفاصيل، تتوحّد الحواس شاخصة بذكرى ما كانت لتبدو واضحة بهذا القدر لو لم يمنحها الرحيل هذه الكثافة ويركّزها فينا، كأننا لا نعرف قيمة من نحب وما نحب إلا عندما نوشك على فقدانه· الإنسان ذاته في كل زمان، كائن يخاف البوح وحين يشرع ببوحه، يبوح متأخراً·
 
سرقه الموت في ليلةٍ باردة، كان القمر بدراً والباب موارباً، لا بدّ أنه تسلل خلسة في البرهة التي غفوت فيها من فرط التعب، لو بقيت مستيقظةً لتوسلت إليهِ أن يبقيك سنوات أخرى·
 
لكنكَ رحلت بلا جلبةٍ، لم توقظني حتى بأنفاسك لأودعك، لأقول لك كم أحبك، أو حتى لألفظ أنفاسي الأخيرة معك·
 
تاركاً خلفك حقائب سفر تنتظر الرحيل إلى باريس، وامرأة تعيش على الأمل والذكرى·
صفحة 5
1
 
صباح عودتي من باريس جاءت أمل، ومع مجيئها توهّج البيت بالفرح؛ إذ فور دخولها ملأت الأرجاء بضحكةٍ تشعّ بالحياة·
 
عانقتني بلهفةٍ، وأخذت تزرع وجهي بقبلات سريعة متتالية معيدة إليّ الحياة·
 
-  يا روح الروح، وأجمل صديقةٍ، بيروت أصبح لها معنى برجوعك·
 
قالت عبارتها ثم نظرتْ إليّ متفحّصةً وشهقت:
 
-  ما سرّ هذا الجمال؟ عرفت أن إجراء الفحوصات في باريس كذبة، شعرت بالقلق عندما تأخرت على موعد عودتك·
 
-  لا ·· ليست كذبةً، كنت فعلاً بحاجة إلى إجراء الفحوصات، أنا الآن أفضل بكثير، لا أعرف إن كان هذا قراراً بالتخلي عما أعانيه من مرارة الماضي الذي يعاودني بإلحاح·
 
-  الذاكرة مشحونة بذكريات حزينة ومفرحة في آن، عليك أن تفكّري جديّاً وأكثر من أي وقت مضى بما يمكن أن يجعلك سعيدة، فكّري في كل الأوقات الرائعة مع فراس، احتفظي بما تستطيعين من رحيقِ وحبّ كلّ مَن حولك، انبذي الأسى وتأنيب الضمير·
 
- هذا ما حاولت فعله وإن جاء عن طريق المصادفة؛ إذ بعد أن أكملت الفحوصات اللازمة طمأنني الطبيب وأكّد لي أن كل ما أشعر به أمر مرتبط بحالتي النفسية ووحدتي بعد موت فراس، حثّني على المشي وممارسة الرياضة وإدمان الضحك والإقبال على الحياة· كلمات نزلت عليّ برداً وسلاماً· 
 
كنت بحاجة إلى من يأخذ بيدي كطفلةٍ بالطريقةِ ذاتها التي أمسكتُ بها يد أبي لأذهب إلى يومي الدراسيّ الأول، لم أبكِ ترْكه لي يومها رغم بكاءِ معظم الأطفال من حولي، كان وداعي له ممزوجاً بالامتنان كأنني أشكر ثقته بي لأكون بمواجهة عالمٍ جديد، عالم مليء بالجلبة والحياة وملعب فسيح يحفل بالوعود· 
 
بعد خروجي من المستشفى أقبلتُ على الحياة كما أقبلت عليها صغيرةً وبالفرح الطفوليّ الخالص نفسه، صرت أتجوّل صباحاً في الشوارع، أجوب المقاهي، المتاحف والمحلات·
 
نظرت في ملامح أمل الدقيقة والزغب تحت سالِفيها وقلت:
صفحة 6
-  باريس مدهشة، تصعقني كلما شاهدتها، تبدو امرأة متجددة الروح برغم احتفاظها بمعالمها القديمة، كل ما فيها يغريني· وأعترف أنني وللمرة الأولى بعد وفاته شعرتُ بحاجةٍ إلى الحبّ·
 
أشياء كثيرة أيقظت مشاعري، العشاق الذين يتبادلون قبلاً سريعة، والنساء اللواتي يعانقن رجالهن، أما الطقس ورغم البرد القارس فقد كنت أشعر أن لفحاته التي تصفع وجهي ما هي إلا قُبَل فراس الحميمة، كنت بحاجة إلى وجوده قربي، إلى رجولته التي كان يغلفني بها، إلى صدى قهقهاته وصوته العميق الذي ما زلت أحتفظ به في مسامي·
 
فجأة شعرت به، كما لو كان حيّاً، أمنحه وجوداً لأمشي متطلعةً في الوجوه كأنني أقول لكل من يعبر أمامي:
 
انظروا في وجهي، أنا امرأة عاشقة·
 
قالت أمل بكلمات سريعة كانت تطلقها بعجالة وهي لا تزال تحرّك ذراعيها:
 
-  وماذا لو نظر أحدهم في وجهك مكتشفاً مراوغتك، أو سألك هل يفيدنا بشيء أن نحبّ الموتى فهو لا يسمن ولا يغني من جوع، إنه مجرد ذكرى، لا أكثر·
 
-  فراس ليس ذكرى، هل تعتقدين أنه غادرني إلى الأبد؟ ليس الأمر كذلك، إنه لم يغادر مكانه في روحي أبداً، هو حبيبي وشريك عمري الذي لم يغبْ·
 
-  ها أنت تنبشين القبور، كيف تُقبلين على الحياة بمشهد متعفّر بالرمال؟ 
 
كانت كلماتها تصلني كالسهام وتحفر جسدي، والمشكلة أنني كلما أردت أن أنهرها، أعود لأتذكر أنها أمل وأن الصديق مَنْ صدقك، فأتأمل ملامحها وفرحها بي وأتيقن يوماً بعد يوم نبل صداقتها·
 
أجبتها بصوت أردتها أن تميّز نبرة العتب فيه:
 
-  وهل يعني الإقبال على الحياة أن أتخلى عن إخلاصي ووفائي له؟
 
تأملتني بزاوية عينها وهي تبتسم:
صفحة 7
-  كفى نور، لن أصغي إليك، أخبريني فقط ما سرّ هذا الجمال ؟
 
-  التقيت بجنان وعماد في (Le Procope) وهو مطعم صغير اعتدتُ زيارته كلما جئت إلى باريس، وأصرّ عماد على أن أجلس لتناول الغداء معهما·
 
-  وجنان ألم تمتعض من دعوته لك؟
 
-  تعرفين جنان، فهي باردة كالثلج، لا حياة فيها ثم إنني لا أحتمل امرأة بلا دفء أو عاطفة، وبالطبع فلقد امتعضت من الدعوة وشعرتْ إنها غير قادرةٍ على أن تفعلَ شيئاً سوى القبول على مضضٍ·
 
-  أخبرني أحمد أنهما على خلاف وقد استغربتُ سفرهما معاً إلى باريس، كما أخبرني أن عماد تربطه علاقة حبّ مع ناديا· كل بيروت تعلم بأمرهما·
 
-  لاحظتُ بالفعل كم كان مشتّتاً أثناء الغداء، كما أن عينيه بدتا حائرتين ولقد اعتذر مرات عدة خلال ذلك متذرعاً بحجج مختلفة ليردّ على هاتفه بعيداً·
 
قالت بلهجةٍ مستنكرةٍ:
 
-  تعتقدين أنها تجرؤ على الاتصال به وهو مع جنان؟ أشكّ في ذلك·
 
-  على كلّ حال، عماد ليس هو عماد ذاته الذي أعرفه، فخلف عينيه يسكن ألف سؤالٍ وبريقٍ صامت، الآن عرفت سرّهما وما يجول في خاطره هو تحديداً·
 
-  وجنان، كيف بدتْ؟
 
-  تمثالٌ مرسومٌ بعنايةٍ فائقةٍ، بوسعك تلمّس ذلك من خلال زيّها وحليّها وتسريحة شعرها، ولكنها تفتقد إلى الحياة، كانت تبدو وكأنها خرجت من ردهة متحفٍ ما، أكثر منها امرأة برفقة زوجها على وجبة غداء، انهالت عليّ بكل أنواع النقد وكأنها تنتقم من النساء كلهنّ بشخصي، لم تترك شيئاً إلا وتحدثتْ في شأنه، حتى السواد أشارت إليه بضيقٍ وقررتْ من دون أن ترجع إليّ أنه ليس بالأسود الجميل·
صفحة 8
-  وأنت تصغين أليس كذلك؟ لو كنتُ بمثل هذا الموقف لغادرتُ المكان على الفور·
 
-  أصغيت مشفقةً عليها، لأنني أعرف مكنونها الفارغ الأجوف، وكأنها مومياء محنّطة·
 
-  هو أراد لها أن تكون كذلك، سيدة جميلة يتباهى بها كالطاووس حين يكون مدعواً في مكان ما·
 
-  لا، حتى لو أرادها جميلة، لكنه في الوقت ذاته أرادها أن تفهم حبه ولغته معها، إلا أنه بدا كمن يتكلم الصينية وتجيبه عن شيء آخر بالفرنسية، إنها تقسو عليه وتجرحه· قال لي يوماً:
 
-  تصوري نور لم أرَ جنان تبكي مشفقةً على أحدٍ، حتى موت أقربائها لم يبكها، حجر صوانٍ لا يرشح·
 
بعد انتقاداتها اللاذعة تأثرتُ كثيراً لأنني استيقظت فجأة على كلماتها تعريني، ولكني صالحتُ نفسي وأرجعت الأمر إلى أحقادها تجاهي التي لا يمكن فهمها، وأخذتُ العنوانين التي أغدقت عليّ بها تباهيا كأنها تطلعني على سرّ نفيسٍ لأتصل فور انتهاء الغداء محددة مواعيدي·
 
- تبدين جميلة، جميلة لا تكفي وحدها، بل لأكون منصفة أكثر أقولُ جميلةً ورائعةً·
 
- في كلّ موعدٍ كان طيفه يحوم حولي وكأنه يوبّخني لأنني أقبلت ثانية على الحياة أو كأنه يقول لي: أحبك كما أنت·
 
- وأنتِ؟ هل تحبين نور، أعني هل تحبين نفسك؟
 
- أحبّها بالطبع
 
- لا لم تحبيها يوماً، كيف تؤكدين الإجابة وأنتِ في كلّ يومٍ تطلقين عليها الرصاص وتصيبينها بألف إطلاقة·
 
- الكل يجد سعادته بمقدار· قلتُ ذلك بهدوء وبطء·
 
- وكيف تصفين السعادة؟
صفحة 9
- رضا واكتفاء نفسي وجسديّ وعاطفيّ، ولقد تساءلت مراراً لم جمّلتُ نفسي 
 
- من أجل أن لا تتوقف حياتك، انظري إليّ، فأنا لم أتوقف يوماً عن الحياة مع رجل أو بدونه، أقبِلُ على أيامي بمتعة بالغة، أخرج صباحاً إلى عملي وظهراً إلى رياضتي وأتركُ الموسيقى تصدح في الأرجاء، أرقص أحياناً، وأغني وأطير في أحيانٍ أخرى·
 
- وتبحثين عن الحبّ دوماً
 
- ليس بالضرورة، فأنا بعد طلاقي لم أعدْ أعتمد على وجوده لأحيا، لا أنكر حاجتي إلى الحب دائماً، لكنني لم أعد أبحث عنه وأنتظره كما كنت في المرحلة الأولى بعد الطلاق·
 
- كاذبةٌ أنت· قلت وأنا أنظر إلى وجهها مباشرة ً
 
- وخائفةٌ أنت· قالت أمل وهي تلثم وجهي بنظراتها المحببة، ثم أردفت سريعاً: 
 
تستكثرين الفرح على نفسك وتتألمين عندما تفكرين أن حياتك لم تتوقف بعد، كأنك تتوأمت مع الألم حتى صرتما تقودان إلى بعضكما·
 
- فراس، كان صديقي، عشيقي، وعيوني التي أرى بها، المسألة ليست بهذه البساطة، أحبّي نفسك، أحبي نفسك، فأنا مهما أحببتها سأمضي أتطلع إلى الأمس وأكتشف أنه يحتلّ مساحة اليوم وغداً·
 
- أنا لا أنكر حبكما، لا يمكن لأحد أن ينكره عليكما، لكني لا أريد أن أراك عالقة بالأمس والذكرى، حتى يومنا هذا سنطويه آخر النهار ويصبح ماضيا وذكرى، كان إنساناً رائعاً رحمه الله، وأنا لا ألومك·
 
حبيبي الجديد مفرط الطول أحتاج إلى سلّم لاقبّله، رجلٌ يحمل كلّ مقاييس الرجولة التي أبحث عنها وأفتقدها في كلّ من عرفتهم، واضحٌ جداً، مثقفٌ، أموتُ بأناقته وربطاتِ عنقه، وأعتقد أنه من عائلةٍ محترمة·
 
- تعتقدين؟ ألم يعرّفك على عائلته؟
صفحة 10
بدّلت جلستها وهي تجيل النظر في أرجاء البيت، ثمّ صعدت بعينيها إلى السقف والمرايا في محاولة للهروب من خوض معركةٍ جديدةٍ معي كما في كل مرّة يطرأ رجلٌ في حياتها، وكانت كلّما اقترنت بعلاقة مع رجل جديد يكون عابراً في الغالب· أكابدُ حيرة بين أن أشجّعها وأتضامن مع حياتها المتعثّرة وبين أن أعيدها إلى بيتها وولدها وزوجها السابق، رغم معرفتي أنها لم تعدْ تفكّر بالعودة إلى عصام· فهي ومنذ طلاقها تبدلت وأصبحت فرساً جامحة تجري بحرّية وبلا كللٍ، كأن الزواج لم يكن تكميلاً لحياتها بل محاولة من أجل تقييدها برباطٍ أبديٍّ، فكانت تشعر طيلة سنوات زواجها أنها مسجونة في قفص ضيّق كطائر لا يقوى على إفراد جناحيه، يقوقعه في زاويةٍ بلا حراكٍ· 
 
لم أشعر يوماً أن موت فراس حرّرني وجعل الحياة مفتوحة بخياراتها الواسعة أمامي؛ لأنني بعده لم أقو حتى على المشي، فكيف على الطيران؟·· صارت أيامي محض استعادة واجترار بطيء وقاس لكل الأشياء التي جمعتنا·
 
فرق شاسع بيني وبينها، بين زواجي وزواجها، بين رجلٍ حملني على بساط الريح ليجوب بي في عالم ثقافته ورجولته وحبه، ورجلٍ عمل ما بوسعه على كتم أنفاسها وتحجيم أحلامها، تتنفس من خلاله، وترى في عينيه وتُجبَرُ على التفكير مثله والتلفّظ بكلماته، كأنه قام بتذويب وجودها ليحيا وجوده، أو كأنها وُجِدتْ من أجل أن يفرّغَ فيها كلّ عقده ومخاوفه وتوجّسه·
 
إنسانةٌ بلا مساحةِ حريّةٍ، كطائرٍ بلا فضاء رحبٍ يحلّق به· أجبتها بصوتٍ ممزوجٍ بغضب رقيقٍ تتفهم دوافعه ومبرراته:
 
- تبحثين عن رجلٍ يعيدك إلى القفص؟
 
- لا نور أبحثُ عن الحبّ، الحبّ الذي لا يعرف الهدنة، لا عن الزواج، يكفي ما عرفته، أنجزت وعلى أكمل وجه كل ما يحتاج إليه الرجل من زوجته، كنت مطيعة ومحبّة وواضحة، أنجبتُ (كريم) ، عشت الحمل والولادة والأمومة، عشت كل الأدوار ولم أعش الحب·