eKtab
EN ع
ماذا فعلت بأطفالك يا أبي
اقرأ عينة مجانية

ماذا فعلت بأطفالك يا أبي

بقلم عزة آغا ملك

صفحة 1
1

كم كان الطقس جميلاً ونضراً ذاك الصباح من شهر آب حين أيقظتنا أمنا من نومنا باكراً، أنا وأختي الصغيرة! لم أكن أعرف حينذاك أنه سيكون صباح مفاجأة مفعماً بأحداث غير متوقعة و... بمغامرات محفوفة بالمخاطر. كانت الشمس تبزغ خلف الجبل وهي تسقط أشعتها الذهبية الضاربة إلى الحمرة، كشعر أمي، فتنعكس، أي تلك الأشعة على أوراق الأشجار المثمرة وهي تحمل، بزهو، ثمارها البالغة النضج، وقد كللتها قطرات الندى الصباحية. نسمة عذبة دافئة امتزجت بأبخرة مالحة دغدغت أنفي الذي لم يصحّ بعد. في سفح الهضبة، حيث انتصب منزلنا الأبيض، انبسط البحر وامتد. إنه المتوسط الذي نرتاده، طوال العطلة الصيفية وقد حُرمنا منه تلك السنة لأسباب لا يمكن البوح بها كونها تكاد تُخجِلُ.

كانت الأمواج تتدافع على الشاطئ الرملي وتتكسر كأنها حرير أبيض. خُيل إليِّ أنها تبتسم لي وهي تغلفني بحبيباتها السائلة؛ وكما فعل دائماً معي، بحري الأبيض المتوسط العذب.

حديقتنا هذا الصيف تحفة رائعة.

أغصان شجرة الأكدنيا الفتية تنحني من ثقل ثمارها البرتقالية، وقد نضجت. إنها شجرتي أنا؛ وثمارها لي. أختي لا تحب الأكدنيا. ولا يطيب لها مذاقها. أما أنا، فأحبها؛ مثلك، يا أبي!كان لها دائماً بالنسبة لكلينا، أنا وأنت مذاق خاص، طعم نادر، مخملي، حلو، غريب... وبمجمل القول إنه طعم لم أكن أجده في أية فاكهة أخرى. كان زهر هذه الشجرة ذا جمال عظيم تلك السنة، لكم وددت أن تكون هناك لتتأمل معي تطورها الفتان.

لكنتَ عشقتها.

تسلقت جذع شجرتي الملتوي بينما ارتفع صوت أمي من داخل البيت:

"يا أولاد! هيا! تعالوا بسرعة!".

كانت تصرخ عالياً بصوتها الضعيف.

وتستحثنا،

لأن علينا أن نرحل، يا أبي!

أجل، أن نرحل ! بعيداً عن هنا، بعيداً عنك.

لكن صدى صوتها العذب قد تلاشى على الغصن المرن الذي كنت أحاول أن أمتطيه والذي كان ينحني برشاقة تحت الخمسة والعشرين كيلو من وزني كطفل طويل القامة ونحيف.

تسمرت على أعلى غصن، وقد فُتنتُ بكل تلك الثمار، وبكل ذلك البهاء، وقد سددت أذنيَّ عن نداءات أمي المتكررة. لم أكن أريد ترك هذا المكان الرائع، ترك شجرتي، قبل أن آخذ الكمية اللازمة لمذاقي و... لحنيني.

حين سنصل إلى هناك، إلى تلك القارة الموعودة، لا شك أنه سيجتاحني هذا المرض العضال المسمى بالحنين!

ثمار الأكدنيا! (1)

فاكهتي... وقد أصبحت مستديرة كالخذاريف!

تركتها تنضج هذا العام على "أمها" الشجرة. لقد كان بعض منها لا يزال أخضر، وهي ستنضج بعد رحيلنا،

حين نكون قد غادرنا بلدك، يا أبي.

لاشك أن غيابنا وكذلك الشوق سيُلاحظان حتماً، لأنه لا أحد قد يأتي ليقطف الثمار التي ستتكوم على الأرض.

أما أنا، فلن أكون هنا لجمعها.

وكذلك أنت!

قطفت عشر حبات من الأكدنيا ودسستها في جيبي بعد أن أكلت واحدة، صفراء جداً، ومستديرة تماماً، كأنها البدر.

كانت متعة في مذاقها لا توازيها أية متعة أخرى.

كان نسيجها رقيقاً لكنه متماسك،

أما طعمها فسكري عذب،

ولبها دهني بشكل كبير وقد غلفتها قشرة تذوب رقة.

كم استمتعت بها وأنا أفكر فيك، يا أبي، أنت الذي تحب مثلي، هذه الثمرة الرائعة.
صفحة 2
2

راحت جيوبي تنتفخ بشكل مفرط.

كنت أعرف أن الحفاظ عليها ليس بفكرة جيدة، وأنني سأوبخ بسبب تلطّخ ثيابي النظيفة المُعَدَّة للسفر. لكن مجرد فكرة مغادرة هذا العالم النباتي (الذي لن أعود إليه على الأغلب) والذي أعشقه، والعزيز عليَّ، هذا الركن من طفولتي السعيدة إلى حد ما، كان يحثني على العصيان، وعلى صم أذنيّ ونسيان التأنيب الذي قد ينتظرني.

ـ "تباً، أين هم هؤلاء الأطفال؟".

تساؤل قلق أجاب عنه صدى نداءات أخرى:

ـ "أيها الأولاد؟ أين أنتم؟ هيا! تعالوا بسرعة! يجب أن نرحل وحقائبكم ليست بعد جاهزة...!".

كان صوت أمي العذب والعصبي (والذي بدا موجهاً إلى أمها، جدتنا، التي علينا أن نفارقها هي أيضاً)، قد راح يرتفع من جديد، بينما كانت أختي الصغيرة تحاول أن تتسلق شجرة الخوخ، شجرتها، وتقطف عدداً من ثمار الخوخ، ثمارها.

كانت هي الأخرى تريد أن تأخذ نصيبها من الحنين قبل أن تغادر الأماكن!

كانت أشجار الأكدنيا والخوخ، وكذلك كل الأشجار المثمرة الأخرى في حديقتنا، ابتداءً من شجرة المشمش حتى شجرة الزيتون، مروراً بشجرة الدرَّاق، والجوز إلخ، وكذلك كل النباتات المحيطة بها، كانت أمي قد زرعتها حين وصلنا من فرنسة، إلى هذه المدينة اللبنانية. فحديقة بيتنا الكبير الذي اشتريتماه كلاكما، يا أبي (أتتذكر ذلك؟) كانت حينذاك قفراً؛ لم يكن فيها أي نبات يُظهر جمالها. كانت تفترسها الأعشاب البرية والحُرَيق، إلَّا أنها وجدت بسرعة وجهها الإنساني كحديقة، بنموها وازدهارها الذي لا مثيل له. وحتى الأعشاب الطيبة الرائحة، والنباتات العطرة ومجموعة نباتات طبيعية من الحشائش، كانت تنبت فيها بحيوية ودفق وتعطي براعم وفيرة. فبفضل اهتمام أمي وعنايتها، وبالرغم من عملها في المستشفى وفي الجامعة، قد خصصت جزءاً من وقتها ومن قلبها إلى جنة عدن هذه كما كان يطيب لها أن تسمي هذه الروضة السخية. كانت ترعاها بحب.

إنه الحب في كل اتجاهاته الذي كان يجعل هذه النباتات تنمو، فيحولها بهاءً وروعة، ويُجَملها فيسبغ عليها وجهاً بشرياً، أملس وعذباً.

الحب ، يا أبي! هل تدرك ذلك؟

إنني لا أزال أتخيلها، أمي الحبيبة.

بقبعتها وقفازيها، وهي تُقَلم وتُشَذِّب، وتستعمل المقص الخاص بالنبات شأنها شأن محترف. لقد كنتَ فخوراً بشجرات وردك، وبعريشة زهر العسل، وبأزهار الغردينيا، والبيغونيا المزدوجة... كنت تقول لها، يا أبي، إن يدها خضراء ، وتهنئها على موهبتها في الاعتناء بالنبتات وقد وضعَتْ في ذلك روحها!

كنتَ تمرر يدك على باقات الخزامى الكثيفة وتهز، بإعجاب، أزهارها ذات الزرقة المتناهية، ثم ترفع يدك حتى أنفك، وقد انبسط منخاراك، لتشم عطرها بعمق. كنتَ تبتسم لي قائلاً: " إن الماما شجاعة، أليس كذلك؟".

وكنتُ أبادلك ابتسامتك وأنا أجيب: " أمي؟ طبعاً، إنها كذلك!".
صفحة 3
3

كنا معلقَين، أنا وأختي، فوق أغصاننا التي انحنت من ثقلها المتعدد الألوان (من ثقل ثمارها ومن ثقلنا)، حين ظهر رأس جدتي من فتحة باب الحديقة وهي تنادينا: "بسرعة، بسرعة، يا أولاد. لا تُغيظوا أمكم؛ إنها متوترة الأعصاب. سيارة التاكسي تنتظر! و... عليكم أن ترحلوا من هنا. الآن، حالاً! وإلَّا فسيفوت الوقت! هيا! أسرعوا! آه...".

راح صدى كلماتها الأليمة يلامس أغصاننا وآذاننا اللامبالية.

ما معنى "سيفوت الوقت"؟

لم أكن أعرف بدقة لماذا علينا أن نغادر بسرعة كبيرة وأن نبتعد عن هذه الأماكن بعجلة . ما سبب تلك العجلة.

وهذا الخوف الحذر الذي قد استولى على أمي!

صحيح أننا كنا نسمع بوضوح قصفاً مدفعياً، لكنه أتٍ من بعيد.

ومع ذلك... بالرغم من أن الفيلا التي نسكنها كانت تقع خارج ميدان المعارك، فلقد انتابني حدس غامض ومقلق وأنا أسمع الأوامر التي أعطتها أمي وإيعازات جدتي، والتي راحت تشتد وتتزايد. كان حدسي يملي عليَّ أن هناك خطراً في الجو يحلق فوق رؤوسنا إذا لم نستعجل، وإذا لم ننفذ الأوامر فوراً.

كان هذا الخطر ، كما فهمته بعد قليل، هو أنت، يا أبي! كنا نخاف أن نراك وقد ظهرت فجأة، تريد بأي ثمن أن تعرقل خطة رحيلنا، بل هربنا المخطط له، وتجبرنا على البقاء كما فعلت سابقاً، لتعذب أمنا ثانية وتذيقها الهوان.

كان علينا أن نهرب.

أن نهرب منك، يا أبي، وأن نكون بمنأى عن متناول يدك، وعن نظرك، وعن شخصك!

الهرب من مضايقاتك الملحة، ومن إهاناتك، ومن عنفك.

كم من مرة رأيتك تقترب من أمي، وقد رفعت يدك مهدداً، كي تلوي ذراعها. أما هي، فلقد كانت، كالحيوان الجريح، تئن شاكية، بصوت خافت مكتوم. ثم ترفع رأسها بكبرياء منتصبة ثانية لتنجو من قبضتك المؤلمة والتي شدَّت عليها طويلاً. وأختي الصغيرة، جاثية على ركبتيها، تتوسل إليك حينذاك، كي تتركها وهي تضم ساقك، وتوجه ضربات صغيرة على ذراعك التي ما زالت مرفوعة. لكن توسلها ذهب أدراج الرياح "من أجل أكدنيا" كما يقول المثل الفرنسي الشائع هنا. (أترى لماذا أحب الأكدنيا، يا أبي؟ إنها تصلح لإبراز جانبك السلبي). وأنت تهدد دائماً، وتشتمنا، ضارباً عرض الحائط بتوسلاتنا.

إن هذا الاستعجال في الهرب، كان من أجل شيء أعظم أهمية وأشد خطراً: الخطف المحتم.

خطفنا نحن. أنت الرجل المتفوق في مجتمعك الشرقي، أنت الذكر، كان لك الامتياز الذكري البحت: الحضانة ؛ حضانتنا، أي الحق في أن تأخذنا.

وقد صدَّقت عليه السلطات الدينية، وأقرته الأحكام القانونية.

إن قوانينك، يا أبي، طائفية، ذكرية...

ظالمة، أولاً.

حينذاك، لم أكن أدرك وحشية هذه القوانين. لم أكن قد تجاوزت العاشرة حين تخليت عنا. ثمانية أعوام حين بدأت أخطاؤك ونزواتك تظهر. لم أكن أستطيع أن أفقه شيئاً منها؛ وحتى التعليقات الواضحة لمحامي والدتي والذي كان يشرح لها الوضع: في حال انفصال الزوجين، فإن للأب الحق بحضانة الأطفال، بدءاً من التاسعة للبنت، والسابعة للصبي. كنت أسمع هذه الكلمات من دون أن أفهم مدلولاتها؛ ولا الخطر الذي قد ينتج عنها. كل ما استطعت فهمه هو أن محامي والدتي لا يستطيع أن يفعل شيئاً في وضع كهذا ولا أمام تلك القوانين... القرآنية!

اليوم، بلغت الخامسة عشرة، وأنت تجهل ذلك على الأغلب. بلغت هذه السنوات بعيداً عنك، بعيداً عن حديقتنا حيث كانت أمي تحتفل بأعياد ميلادنا، بعيداً عن بيتنا اللبناني. في الخامسة عشرة، يستطيع المرء أن يفقه الأشياء التي كانت تفلت من فهمه في الماضي وهو طفل في العاشرة من عمره.

أما اليوم، فلقد اتضحت الأمور في رأسي، وإنني أدرك مدى تعقيد الوضع الذي أغرقتنا فيه والمستمر منذ سبع سنوات؛ كما أدرك جدية التهديدات وخبث التلميحات ؛ وتصرفك...

اليوم أفهم بشكل أفضل فظاعة قوانين بلدك، ودينك؛

وإنسانيتهم، وظلمهم للنساء.

أقصد الأمهات.
صفحة 4
4

ماذا ينتظر نساء بلدك لفضح تلك القوانين؟

ليرفضنها، وليطحن بها، وليغيّرنها؟

تغيير تشريعاته؟

ماذا ينتظرن لفضح شر تفوّق الذكر؟

أجد أن قانون الحضانة فظيع!

دون التطرق إلى موضوع الطلاق !

إن مجرد اقتلاع الطفل من أمه التي ولدته... ليُعطى إلى أب غير مبالٍ وغير مسؤول، ترك بيته ليلحق بعشيقته... كي ينصاع إلى رغبته، وإلى غريزته...

يا للضلال!

فبعد أن حملته في بطنها، وغذَّته من أحشائها وولدته بكل ما تقتضيه عذابات الولادة... بعد أن أرضعته من ثديها، وعلمته الزحف، والمشي، والكلام، ومجابهة الحياة، وتحمل صعوبات وجوده... كيف تتدخل هذه القوانين الغاشمة لتتجاهل عما للأم من أفضال، ولتنكر جهودها كافة فتقطعها عن هذا الحمل الوجودي وذلك بأن تنزع منها ثمرة فؤادها؟

هذه المرأة التي تمثل العالم والحياة في نظر طفلها، كيف ترغمها القوانين، وكذلك الرجال على أن تتخلى عن كنزها إلى شخص لا يهمه أمر هذا الطفل، وقد تركها بملء إرادته، وهجرها وخانها؟

بأية قوانين تتحمل عذاب هذا الانفصال؟

الظلم يقتلني.

سأصبح ذات يوم محامياً لأدافع عن قضية واحدة: الظلم الذي أصاب النساء؛ ظلم الرجال... ظلم القوانين... ظلمك... أنت، يا أبي!

ـ "أيها الأولاد! هل تسمعونني؟ هيا تعالوا بسرعة! سريعاً أقول لكم!".

تلاشى صدى صوت جدتي ثانية وقد تبعثر في الهواء. عادت النبرة ذاتها الملحة لتبعث فيَّ من جديد الشعور بالخطر.

لوحْتُ لأختي الصغيرة التي كانت لا تزال على غصن شجرتها الثابت، ورجوتها أن تنصاع.

كانت جيوبنا قد امتلأت بالثمار الطرية، فانزلق كل واحد عن جذع شجرته، شأننا شأن سنجابين طائرين لنلحق بأمنا التي تحيط بها جدتنا وجدتها.

جلست النسوة الثلاث في البهو أمام حقائبنا الصغيرة (ذات الدواليب) وقد تُركت مفتوحة. كنَّ ينظرن إلينا بحذر دون أن يلحظن شيئاً أول الأمر.

بدأنا نفرغ جيوبنا بخفة في جوف حقائبنا، جيوبنا الملأى بالفواكه نخفيها كيفما تيسر بين ملابسنا.

إلَّا أن أمي لمحت حركاتنا الخبيثة والمتواطئة.

فصرخت وهي تنظر إلى قطافنا يتوزع بين الملابس:

ـ ما هذا؟ ما هذا؟ تأخذون فواكه في الحقيبة؟ كلا! لا يمكن! ألا تريان أنها ناضجة جداً و... دبقة؟ ستتلطخ الملابس بها...

لكن أختي الصغيرة كانت أشجع مني إذ تمتمت قائلة:

ـ أرجوك يا أمي. أحبها كثيراً... آخذ بعضاً منها. لن نجد، حيث تأخذيننا، خوخاً...، قالت ذلك بصوت خافت متوسل وهي التي تحسن ذلك تماماً.

أضفت وأنا حانق: ـ... ولا أكدنيا، كذلك!

ـ هذا غير مهم، ليس الآن وقت التلذذ بالأكل... كفى نزوات، هيا!

كنا حزينين، وشرعنا نسحب ببطء ما دسسناه تحت قمصاننا. لم نكن نرغب في إغاظة أمنا وإزعاجها. يكفيها ما كانت عليه... بسببك... يا أبي!

ـ لكن دعيهما يفعلان ما يشاءان، يا عزيزتي! ليس هذا بمصيبة. لنرَ! أضافت جدتي، وقد اغرورقت عيناها بالدموع. يمكنهما الاحتفاظ بهذه الثمار بوضعها في كيس... فهذا يحمي... سيأكلانها هذا المساء... أو غداً... أو فيما بعد...

لكن محاولات جدتنا في إقناع أمنا قد باءت بالإخفاق وبدت أمنا أشد تصميماً:

ـ لا مجال للنقاش... ثم إننا سننام هذا المساء عند جاكي في بيروت. سنبحر غداً صباحاً على متن مركب عسكري. لايزال الطريق طويلاً. هل تفهمان؟ كلا. ليس هذا موضع بحث...

راحت جدتي تُلح كأنها تطلب نعمة ما.

ـ إذن يأخذان حبات الفاكهة وحدها ليأكلانها في المركب! أو في التاكسي! ولمَ لا في التاكسي... أو الآن...

ـ يستحيل ذلك الآن. ويجب إغلاق الحقائب. خذوا! رتبوا هذين الكتابين! ستحتاجونهما في المركب... هيا ! استعجلتنا أمنا بصوت يخنقه الألم.

يبدو أنها كانت على وشك البكاء.

أضافت جدتي وهي تغمزنا بعينها:

ـ هيا يا أعزائي، افعلوا ما تقوله لكم أمكم.

ورأيناها تدس الثمار خلسة في كيسين من البلاستيك أخفتهما في حقائبنا، بين ملابسنا النظيفة والمطوية جيداً.
صفحة 5
5

كانت أمي، كمن أخذه الدوار، أو أخذته سكرة لا يمكن السيطرة عليها، تتجول من غرفة إلى أخرى، من دون هدف واضح، لتعود أمام حقيبتينا الصغيرتين. لم تعد تعرف ماذا تضيف إلى الحقائب أو ماذا تُخرج. كانت تفحص محتواها، وترفعه، ثم تعيده. "خمسة عشر كيلو الحد الأقصى لكل شخص! خذوا معكم ما هو ضروري بحت"... كانت قد أوصت هاتفياً المسؤولة عن إجلاء الرعايا الفرنسيين، في سفارة فرنسة في لبنان.

ثم رأيت أمي تدخل غرفتها، غرفتكما المشتركة، يا أبي، حيث كنتما تخططان لمشاريع مختلفة عن مستقبلنا، وحتى مشاريع توفير مصرفية لتدفعا فيما بعد مصاريف دراساتنا الجامعية.

خرجَتْ مسرعة من غرفتها وهي تردد: " هيا... أسرعوا! لم يعد لدينا وقت نضيعه... ". كانت تقول ذلك بشرود كما لو كان يطاردها شبح. ارتدّت بسرعة كأنها تلقي نظرة أخيرة، أو كمن أراد أن يُسدل الستار على شيء حزين، على شجن عظيم: لا شك أنه ماضيكما المشترك، الذي كانت بداياته باسمة وسعيدة، والتي تحولت إلى جحيم حين أوجَدْتَ لأمي منافسة: عشيقتك، المرأة ذات السلوك الشائن.

لم أكن أعرف حينذاك أن الشبح الذي يستطيع أن يقتفي أثرنا والذي كنا نخافه خوفاً عظيماً، هو أنت!

لماذا يتبرأ زوج بمكر من ماضيه، فيصبح رذيلاً وفظاً، وبمجمل القول شريراً ، بمجرد أن يقع بين ذراعي امرأة مشبوهة؟

هل السبب في أن تلك المرأة شريرة ؟

لماذا يتخذ البغض سلوكاً حين يشعر بأن المرأة الجديدة تُسَيرُه؟

هل يروق لك دورالتحكم هذا،يا أبي؟

هي تتحكم بك، فتتحكم أنت بنا بدورك.

كأنك تريد أن تثأر لشخصيتك التي تحولت إلى عشرة مسوخ منك.

هذا ما كانت تُفصح عنه حركاتك، وكذلك مواقفك.

براءة أمي، تفانيها، طيبتها، إخلاصها... هل مللت من كل ذلك؟ هل راح يضجرك العيش مع امرأة شريفة؟

هل تبحث في شيخوختك عن جديد؟ عن تجديد؟ عن النذالة والخلاعة؟ عن شيء من السادية؟ عن لعب دور المخاتل؟

أسمح لنفسي اليوم، أن أطرح على ذاتي (وعليك) تلك الأسئلة.

لم أعد طفلاً! ها قد بلغت الخامسة عشرة يا أبي.

بلغتها اليوم. وأنت لا تعرف ذلك.

إنها المراهقة التي تقترب من النضج!

يمكنك كذلك أن تقول إنه سن رشد المراهقة. في تلك السن، يبدأ الإنسان بالفهم!

نظرت إلى أختي الصغيرة، وقد جلست بالقرب من حقيبتها، والكلب الصغير بين ذراعيها. كان وجهها العذب واجماً وحزيناً.

إن الحزن على رحيلنا المفاجئ يشبه ضرباً من الحرمان؛ خيبة ما.

كانت تدرك هي أيضاً في تلك اللحظة، مدى الارتباك بسبب هربنا الطارئ، كما تدرك وضعنا الاستثنائي الذي لا يخلو من الغرابة: الرحيل في الصباح الباكر وبسرعة.

لن يكون سفرنا خالياً من المشقات، هذا ما كانت تقوله نظراتها القلقة.

ثم هدأت أمي قليلاً وتوقفت عن الركض حين رأت السائق (الذي كان سينقلنا إلى بيروت) يدخل البهو، واقترح أن يحمل أمتعتنا. كأنها قد أدركت خشونة اللحظة، فاستجمعت قواها، وأصبحت أكثر لطفاً، وجلست على أريكة.

رفعت نحو السائق وجهاً شاحباً يشبه تمثال مايكل أنجلو "الشفقة":

ـ لكن كيف نصل إلى بيروت عبر تلك الجسور المقطوعة، وكل الطرق المهدمة؟ والقنابل المتبادَلة باستمرار؟ هذا ما أعلِن عنه الآن في الإذاعة...

التصقنا بأمي، كل واحد منا من جهة وقد أدركنا أن المسألة أخطر مما كنا نتصور. أجاب السائق بهدوء:

ـ لا تجزعي، يا سيدتي. اعتمدي عليَّ. إنني أعرف تماماً طرقات ضيقة وممرات أجتازها كل يوم تقريباً، لأنقل الأشخاص الذين يرحلون. فمنذ 12 تموز، أي بدء الاجتياح، لا يقوم الناس إلَّا بهذا: الرحيل. أو الرحيل ثانية. كثيرون هم المهاجرون الذين عادوا هذا الصيف إلى لبنان ليروا أسرهم... حزموا أمتعتهم ورحلوا منذ اليوم الأول لهذه الحرب القذرة. العمليات الحربية الإسرائيلية مستمرة... منذ ثلاثين يوماً بالضبط!إنها أعمال جنونية دامية... لا تُصَدَّق! ما هي الجريمة التي ارتكبها لبنان ليتحمل عنف الآخرين وتعسفهم؟

قطع صوت جدة والدتي العدائي نواح سائقنا وشكواه بقولها:

ـ ولا أحد يقول متى سيتوقف كل ذلك؟ سألت وهي تقطب حاجبين أشقرين إلى حد ما.

ـ الله وحده يعرف ذلك! إن حزب الله يرد بعنف... والعنف يُنتج العنف... أليس كذلك، يا سيدتي؟

أرفق السائق سؤاله بحركة من رأسه تعني الأسف.
صفحة 6
6

لاحظت أمي رغبته في الاستفاضة، فقطعت حديثه الذي وجدته باعثاً على القلق. كانت أحداث الاشتباكات بين حزب الله وإسرائيل تُبث من كل قنوات التلفزيون ومن الراديو الذي بقي مفتوحاً:

ـ أية طريق ستسلك؟ قل لنا! يجب أن أعرف ذلك قبل أن نغامر...

ـ يصعب عليَّ بعض الشيء أن أشرح ذلك، يا سيدتي! إن الشوارع الصغيرة التي سأسلكها لا تحمل اسماً. لكنني أعرفها كلها، اطمئني. أجاب السائق ملمحاً أنه من العسير على امرأة أن تفهم الشؤون العسكرية وما هو من اختصاص الرجال.

إنها فكرة تقليدية للناس الأميين.

ـ أما أنا فأريد أن تشرح لي أي مسلك سنأخذ! هذا مهم...

ابتسم السائق بطيبة. لقد أعطته أمي الفرصة كي يُظهر تفوقه الذكري وكذلك خبرته كسائق محترف وماهر:

ـ ثقي بي، يا سيدتي! سنسلك معابر لا تخلو من المشقة، كما سنتخذ طرقاً غير معبدة لكننا سنصل إلى فرن الشباك عند أصدقائكم، بأمان وسلام... قولي إن شاء الله! لنسلم أمرنا إلى الله... و...

قاطعته أمي، من جديد، من دون أن تترك له متعة الاستفاضة بالحديث:

ـ يمكنك أن تأخذ هاتين الحقيبتين الصغيرتين. هيا! أترك لي الحقيبة الكبيرة...

ورفعت عن جبينها خصلة ذهبية أعادت تثبيتها بعصبية بمشبك شعر.

نفذ السائق الأوامر وقد أمسك حقيبتينا الصغيرتين اللتين كانتا تتأرجحان في قبضته الضخمة.

ورأينا ثمارنا المحرمة، المخبأة بين ملابسنا، تُحمل بسرعة نحو الخارج لتوضع بالقرب من صندوق سيارة المرسيدس العتيقة وقد فُتِح. تبادلنا نظرة تواطؤ مع جدتنا، بينما كانت نسمة عليلة تداعب الأشجار وتحرك الأوراق المخضوضرة. كان ينبعث عطر العسلة والخزامى وقد امتزج بنفحة هواء مالح أتت من البحر لتداعب منخريي. بعثت تلك الرائحة في نفسي كآبة جديدة أقرب إلى القلق.

عاد السائق إلى البهو. راح ينتظر أن تُغلقَ حقيبة أمي. وهو يتابع حديثه:

ـ هل تعرفين، يا سيدتي... أنك محظوظة، أنت التي تتمتعين بالجنسية الفرنسية. إن فرنسا تهتم جيداً بكم. أما نحن، اللبنانيين التعساء الذين لا نملك شيئاً، ولا حتى إمكانية الرحيل... فمن سيهتم بنا؟ لا أحد!

ـ سيكون لديكم الله... سيكون معكم! أجابته جدتي مشاكسة. اتكلوا عليه. كما اعتدتم أن تفعلوا! إنه هو الذي...

كانت جدتي عقلانية من دون أن تكون ملحدة، فهي من أنصار الحداثة من دون أن تتصرف باستهجان، وكانت غالباً ما تلقي بنكبات الإنسانية على الله الذي ينسى أحياناً أن ينقذ البؤساء من المصائب التي تقع على رؤوسهم. إلَّا أن أمها صححت الفكرة فوراً قائلة: "لا تجدفي، هيا! إن الله يعرف ما يفعل. فهو يُعطي دروساً وأمثولات. يختبر بها الإنسان!".

صححت ابنتها بدورها تلك الفكرة قائلة: "لكنه يغالي أحياناً...".

بمجمل القول لم يكن لجدتي ولجدة أمي وجهة النظر ذاتها لاسيما في المواضيع الميتافيزيقية.

بدا السائق غير راض عن ذاك الجواب المُجدف والمتهكم بعض الشيء، فجلس على طرف الأريكة وقد ارتسمت كزازة استياء تحت شاربه الكثيف، أجاب قائلاً:

ـ عندك حق، يا سيدتي. يبدو لي أن الله قد نسينا. لقد نسي لبنان. ها نحن نعيش ثلاثين يوماً من الرعب! لكن لماذا؟ هل تعرفون حصيلة القصف لهذا الشهر؟ أكثر من ألف ميت، وثلاثة آلاف جريح، وبضعة آلاف مشردين من بيوتهم ولم ينتهِ الأمر بعد! لاتزال هناك جثث يعثرون عليها تحت الأنقاض. يقصف الإسرائيليون كل الأمكنة، وفق هواهم وحسب اختيارهم من بُنى تحتية وغيرها. لهم أهداف محددة. خذوا... على سبيل المثال... المستودعات النفطية لشركة كهرباء "الجية" الواقعة في جنوب بيروت... لم يبقَ شيء إلَّا تيار مدّ وجزر أسود ضخم راح ينبسط على مائة كيلومتر من الشاطئ. وتَدَفُق النفط الذي لا يمكن السيطرة عليه قد وصل إلى شواطئ السباحة وإلى مرافئ الصيد...

كنا نصيخ السمع بملء آذاننا. كانت أمي، وجدتي، وجدة أمي يصغين بانتباه خاص. لم يُذع الراديو كل شيء، هذا ما أشارت إليه أمي. وبما أن السائق كان يُغْني حديثه بأحداث الأمس، بدت النسوة الثلاث متضايقات من وصف الوضع الرهيب. وللحظة صمتت النسوة وجلات. أما نحن فلقد زدنا التصاقاً بأمنا.

ـ يوجد، كل يوم، كومة من السمك الميت... أضاف ذو الشارب بينما كان صوت في أعماقي يحدثني بأنانية قائلاً: "يا رب، امنع رحيلنا! فإنني لا أرغب في ذلك...".
صفحة 7
7

كنت أظن أن كل هذه القصص لا تهم أختي الصغيرة التي كانت تلعب مع ميكي. لكنني رأيتها وقد انتصبت بسرعة لتقترب من الرجل ذي الشارب، ولتعبر له عن مشاركتها:

ـ أسماك ميتة! لكن كيف ماتت؟ ألانها عبّت المازوت؟

أهمل ذاك الرجل السؤال وارتسمت على وجهه مسحة من الأسف ليضيف:

ـ إن منظمة السلام الأخضر تدعو يومياً إلى وقف إطلاق النار لإيقاف هذا النزف الذي أصاب البيئة بكاملها. لكن من سيصغي إليها؟ ولتنظيف الشاطئ من هذه الطبقة المُلَوِثة، يلزم من ستة أشهر إلى اثني عشر شهراً، حسب ما ورد في الأخبار. إذا ما توقف القصف! لأن حزب الله يجيب عن هذا العنف بقصف شمال إسرائيل قصفاً مكثفاً، وتجيب هذه بأعمال انتقامية فظيعة لا تُصَدق... لا تصدق...! راح يردد.

ـ ما هي منظمة السلام الأخضر ؟

تجاهل السائق للمرة الثانية سؤال أختي وأجاب موارباً:

ـ لحسن الحظ، لم يصل من المد الأسود إلى شاطئ طرابلس إلاً القليل. يمكنك، يا سيدتي، أن تقصديه دائماً للسباحة. قال السائق ذلك وقد وجه حديثه إلى جدتي (لا أعرف لماذا).

ـ لكن لم نعد نستطيع الذهاب للسباحة! لقد أجَّر والدنا...

قرصت أمي ذراع أختي كي تسكت. نظرت الأخيرة إلى أمي نظرة حادة كالسهم معبرة عن احتجاجها ولاذت بالصمت.

ـ يستحيل ذلك! أجابت جدتي وهي تدحض كلام الرجل قائلة: حين ينتشر المد الأسود على السطح، فإن التلوث يصل إلى كل الشواطئ... كلا، لا يمكن أن نجازف بحياتنا ونسبح في البحر...

ـ ليس ذلك ضرورياً، يا سيدتي، أجاب الرجل بنبرة واثق...

لكن أختي لم تنسَ سؤالها المُبعَد. وبالتالي اقتربت من السائق وهزت ذراعه:

ـ ما معنى السلام الأخضر ... ما هذا؟ قل لي!

تدخلت أمي قائلة:

ـ كفي عن مضايقاتك! سأشرح لك ذلك فيما بعد.

ـ كلا، الآن!

ـ ليس الوقت ملائماً...

ـ بلى!

وباستياء، أخذت ميكي بين ذراعيها لتدخل إلى غرفتها.

صرخت أمي: ـ تعالي هنا، أغلقي لي هذا الباب بسرعة! هل تفهمين؟ إننا راحلون...

نفذت أختي الأوامربسرعة بعد أن صفقت باب الغرفة بقوة.

لن تكون غرفتها، بعد عدة أيام، إلَّا ذكرى بعيدة، يا أبي!

" إننا راحلون ".

لاحظ السائق ـ وقد استغل سكوت أمي التي شرعت في إغلاق حقيبتها ـ أن حديثه قد أثار الاهتمام. فأمسك بالحقيبتين وتابع كلامه وهو يوجهه إلى الملأ:

ـ الدمار في كل مكان. فالمطار والموانئ، وطرق السيارات العريضة، ومحطات الكهرباء، والمجمعات التجارية الهامة، ومحطات الإذاعة، والتلفزيون، والكنائس والمساجد، والمنشآت المدنية، والمستشفيات، وحتى سيارات الإسعاف... وكذلك قواعد الأمم المتحدة.

ـ توقف... توقف... كفى! خذ كل شيء وابقَ خارجاً. سنلحقك!

كانت هذه الأنباء ترهق أمي.

قام السائق بما طلبته منه أمي لكنه عاد إلى البهو ليسأل:

ـ وهذه الأكياس... هل تتركونها هنا؟

ـ بالطبع لا! إنها زادنا ؛ فطائر وفواكه... للأطفال... خذها خارجاً.

بدا الرجل كأنه يريد أن يفرغ كل ما في قلبه. فوجه كلامه إلى جدتي لأنها كانت أشد إصغاءً لخطابه الممل:

ـ وهل تعرفون... أن الخسائر قد تجاوزت المليارين والنصف من الدولارات...

صرخت جدتي: ـ ماذا تقول؟ هذا يعني ملايين الملايين؟ من سيساعدنا في...

سألت جدة والدتي: ـ كل هذا؟ ألا تبالغ في ذلك بعض الشيء؟

ـ على الإطلاق! لقد أعلنت ذلك كل وسائل الإعلام. إنني لا أختلق شيئاً... مع الأسف، أجاب السائق وهو يبتعد حاملاً طعامنا.

ثم وقفت النسوة الثلاث في الوقت ذاته.

قالت أمي وقد تقلصت تقاطيع وجهها:

ـ حسناً، يمكننا الآن الذهاب من هنا، يجب ألَّا نضيع الوقت...

ثم خرجن من الباب الكبير الذي تُرك مفتوحاً.
صفحة 8
8

عقدت حلقي حينذاك كتلة من القلق. نظرت حولي. ذاك البهو، وتلك الجدران، وتلك الأرائك، والبيانو الذي يخصني، وآلة غيتاري...

كان عليَّ أن أترك كل ذلك ؛ كل ذلك العالم.

ورائي.

قبل أن أقرر الخروج من البهو، ألقيت نظرة أخيرة على الجدران الفاتحة اللون حيث عُرضت صورنا الفوتوغرافية الملونة: إنها صور عائلية، صورنا: عُطل، زواج، سفر... صورنا حين كنا أطفالاً صغاراً، صورنا ونحن بلباس السباحة على شاطئ البحر. نحن... نحن... نحن في كل مكان على الجدران. ولست أنت الذي أخذت كل هذه الصور.

كانت أمي لا تفترق عن آلة تصويرها التي تحملها معها في أسفارها. كانت تحب أن تُخلد تلك اللحظات السعيدة، وقد أقدمت أنت على هتكها، وإفسادها، وانتهاك حرمتها. على شقة جدار منزوٍ، كانت صورة فوتوغرافية كبيرة لعريس وعروس. إنه زواجكما، أنت وأمي...

أنت تلبس قميصاً أبيض وعقدة على شكل فراشة.

وتبتسم.

وأمي، وقفت بجانبك، بوجهها الهادئ وقد انحنى رأسها قليلاً على كتفك.

بثوبها الأبيض الناصع.

كانت رائعة، وخارقة وملائكية.

وقد رفعت شعرها، وربطت جزءاً منه.

كأنها السيدة مريم!

كان التعبير عن السعادة التامة ينير وجهيكما. كانت عيونكما تلمع ببريق نضر. كنتما شابين مفعمين بالبهجة وبالحيوية.

مضى على ذلك ثمانية عشر عاماً!

أية ظاهرة رهيبة تُغير الفرد هكذا؟ وكيف يحدث، بين عشية وضحاها، أن تدخل السعادة من الباب لتخرج من النافذة، شأنها في ذلك شأن شبح هاربٍ؟

من السبب؟ وما السبب؟

كنتُ على وشك الخروج، حين وجدت فوق خزانة صغيرة وضعت في المدخل، قصاصة ورقية تحمل كتابتك وكلماتك. إنها قصاصة بقيت مُثبتة بدبوس على باب غرفتكما التي هجرتها أنت، يا أبي.

وبعد مدة من هجرك لنا.

بقيت تلك القصاصة تحيرني.

كنت أقرأها كل صباح، وأعيد قراءتها، وتهجئتها وأنا أنتظر أمنا لتصحبنا إلى المدرسة، لكنني لم أكن أفقه شيئاً منها. لقد كانت أعقد من أن يفهمها عقل طفل مثلي. كانت تلك الورقة تحمل بصمات شخصيتك السادية. لقد كتَبتَ حرفياً ما يلي:

"سأجعل من حياتك جحيماً يومياً. أعدك بذلك."

إنها كلماتك، يا أبي! موجهة إلى أمي،تذكر ذلك.

إنها كلماتك التي فكرت فيها في أعماقك.

كنت تخاف أن تلفظها، وأن تجعلها ترن.

وخطك الكثيف، والمشوه، والملتوي!

إنه انعكاس عنك!

كلماتك الشريرة، والقاسية

وقد خُطت بإشارات لا تُمحى،

لأنك كنت غير قادر على لفظها عالياً بكامل أحرفها.

لا أراني أتصورك تقولها.

كنت قادراً على كتابتها فقط.

أنت الخجول، الجبان.

حين يُطرح عليك سؤال، تجيب عنه بسؤال آخر.

لا تحتاج الكتابة إلى أصوات؛ ولا إلى ضجيج.
صفحة 9
إنها تنشأ في الصمت.

فالصمت جبان.

لا يحتاج إلى أن يفصح عن ذاته.

ضممت تلك الورقة كما تُضم طعنة سكين في الظهر. أو كشيء ثمين وجدته.

لاتزال تحتفظ بثقب الدبوس الذي ثُبتت به وسط الباب. كان على أمي أن تنزعها.

لكن ماذا تفعل بها؟

طويتها بعناية ودسستها في جيبي الدبق مع قليل من الفواكه.

رجعت جدتي نحوي، وقد لاحظت تأخري، فأمسكت بيدي وجرتني إلى الخارج:

ـ لكن ماذا تفعل هنا داخل البيت، يا عزيزي؟ هيا أسرع...

ركضت نحو أمي. كان الجحيم في جيبي.

كان الجحيم الموعود يحرق جوفي.

كنت أريد أن أعرف.

نسيت أن الجميع كانوا ينتظرونني.

ـ كيف يكون الجحيم اليومي ، يا أمي؟

سكتت، ووضعت يدها على كتفي ثم سألتني:

ـ لمَ هذا السؤال؟

ـ لا شيء. لا شيء.

لم تلح أمي في السؤال.

لكن، يا أبي! أية جريمة قد ارتكبت أمي نحوك، ما هو الجرم العظيم... كي تصمم على أن "تجعل من حياتها جحيماً يومياً"؟

هل كنت مريضاً، يا أبي؟

وممن، ومن أي شيء كنت تريد أن تثأر؟

من المرأة التي تحملتك ثمانية عشر عاماً؟

اليوم فقط، أدركت ذلك جيداً.

هذه الكلمة التي تسمرت أشهراً على بابك

وأياماً في جيبي.

قد كُتبت إلى أمي.

كان معناها معقداً جداً بالنسبة إلى سنواتي العشر.

دون أن تراعي طفولتنا الهشة، كنت قد علَّقت بلا خجل ولا حياء، كلماتك المهددة والمتوعدة.

ساديتك!

كنتُ في الصف الخامس الابتدائي.

كنت أستطيع القراءة لكن من دون أن أفقه شيئاً

من المعنى والمرمى، والهدف، والسبب.

لاسيما السبب!

اليوم أفهم

كرهك، وحقدك، وقسوتك الوحشية.

وهذا التصميم آه! يا لقسوته، في تحطيم امرأتك.

المرأة التي اخترتها لتكون أم أطفالك!

اليوم أدرك الجانب الشاذ والسادي لتصرفك.

هل تكون الإله، يا أبي، كي تختلق ضروباً من الجحيم ومن الجنة للواتي تنتقيهن؟

إن الكلمات أشد قتلاً من الأسلحة، يا أبي!

وكنت تعرف ذلك حق المعرفة.

لقد استخدمتَ السلاح الأكثر فتكاً، والأشد تخفياً، والأعظم بتراً، وهو الكلمة، كوسيلة هجوم.

لكن الهجوم يصلح لإصابة خصم أو عدو.

هل كانت أمي الحبيبة، بالنسبة إليك إلى هذا الحد؟ عدوة؟

على كل حال، فلقد نجحت في إخافتنا بأسلحتك.

فمنذ سبع سنوات وأنت ترعبنا، يا أبي.

ومنذ أربع سنوات قد هربنا.

لكن إرهابك استمر.

لاأزال أتذكر أنفسنا.

كنا ثلاثتنا بالقرب من السيارة، بالقرب من حقائبنا، خارج تلك الجدران التي خبأتنا طويلاً وحمتنا، والتي حضنت سعادتكما، المخفقة لسوء الحظ، والتي حطمتها يداك، يا أبي، الواقعتان في أيدٍ قذرة!

حزمنا أمتعتنا! ورحلنا، تركنا مسكننا الذي ستستولي عليه بعد رحيلنا وأنت مبتهج.

كنا نرتجف خوفاً

من أن نُفاجأ بقدومك.

فتمنعنا من الرحيل.

ماتزال صورتنا في ذاكرتي.

ونحن نهرب من حربين معلنتين.

صندوق السيارة مفتوح.

أمي ترتجف هلعاً،

وهي تحث السائق على الانطلاق.
صفحة 10
9

"هيا، فلنرحل!"، قالت ذلك بصوت مخنوق وهي تصفق بيديها كما تفعل معلمة المدرسة.

للمرة الأولى منذ هذا الصباح، أرى الابتسامة تشرق على وجه أمي. ضمتنا إليها، شعَّثت شعرنا قليلاً ولفظت بعذوبة:

ـ هيا، هيا! اركبوا السيارة. أما بالنسبة إلى فواكهكم...

قاطعنا كلامها ونحن نقول معاً:

ـ هل نأخذها معنا؟

ـ كلا! أخيراً أجل... يمكنكما أن تأكلاها في الطريق...

هل منحتنا أمنا هذا الامتياز لتلهينا عن مخاوفنا خلال سفرنا المحفوف بالمخاطر؟

كدنا على وشك أن ننفجر بالضحك لمجرد التفكير في أن فاكهتنا ترقد، دون علم منها، وسط أمتعتنا. لكننا ضبطنا ضحكنا خوفاً من أن نلفت نظرها إلى الممنوع . الفاكهة المحرمة .

أجابت بحنان:

ـ لا تقلقوا، يا أعزائي! إن ثماراً كهذه تجدونها هناك... بوفرة. لن يكون ذلك ما ينقصنا! حين سنصل إلى مدينة إكس، سنقيم فترة عند أصدقائنا سوزي وجميل. لقد قدموا لنا من تلقاء خاطرهم طابق حديقتهم الأرضي والخالي.

توقفت لحظة ثم أضافت موجهة كلامها إليَّ وهي تداعب رأسي:

ـ لديهم حديقة رائعة. لابد أنك تتذكر ذلك، أنت. هناك كثير من الأشجار المثمرة. كم من المرات أخذتك إلى بيتهم حين كنا في مرسيلية؟ كم من المرات لعبت في تلك الحديقة مع رفيقك، ابنهم الأصغر؟ وكم من المرات استضفناهم في مرسيلية؟ أليس كذلك؟ قل لي.

وبما أنها كانت تنتظر جواباً من قبلي، فلقد هززت رأسي موافقاً.

ثم سكتت لترفع قليلاً حقيبتها بغية تقدير وزنها قائلة:

"أعتقد أنها لا تتجاوز الخمسة عشر كيلو؛ ربما أكثر بقليل. بمجمل القول، لا بد أن يتفهموا الوضع...".

كنا مجتمعين إلى جانب التاكسي، ملتصقين بعضنا ببعض، كأننا نريد إطالة تلك اللحظات من التحادث والوحدة. ثم تابعت نحوي:

ـ لا يمكنك أن تتذكر ذلك يا حبيبي. إن المرة الأولى التي صحبتَنا فيها إلى أصدقائنا، كنت طفلاً صغيراً. حقاً إنهم أصدقاء رائعون. كنا لا نزال في مرسيلية... ولم تكن أختك قد ولدت. إنك مرسيلي المولد؛ أما أختك الصغيرة...فهي لبنانية... طرابلسية، لكن... كلاكما فرنسيان... فرنسيان من أصل لبناني، مثلي، مثل أبيكما.

لفظت تلك الكلمة الأخيرة وهي ترفع حقيبتها لتقدر وزنها من جديد لكن يدها كانت ترتجف.

ـ دعي عنك ذلك يا سيدتي... أنا أحملها... هل تريدين أن نرتب الأمتعة في الصندوق؟ قال السائق ذلك وهو يأخذ الحقيبة.

لكن أمي تابعت حديثها المتكلف والمخترع، شأنها شان من يلقي درساً هاماً للحفظ غيباً، ولتكراره.

لم أعد أسمعها. كان كل ما تقوله يعذبني، ويخيفني، ويقلقني. والحقائب المكدسة في الصندوق المفتوح كأنه شدق وحش. كنا نترقب اللحظة المحتومة.

كنا ذاهبين نحو المجهول.

نحو مكان لا يمكن استشفافه.

لزمن غير محدود، وغير مشروط.

كان ذلك يرعب الطفل الذي كنته ويثير الذعر في نفسي.

ـ إنهم ينتظروننا هناك. ألا تعرفون ذلك؟

حسناً، لم أكن على علم بذلك يا أمي الحبيبة.

رمقتني أختي بنظرة بلهاء.

كانت أمي تحاول أن تُنسينا توتر اللحظة، وتحثنا على أن نحزم أمرنا و... نرحل. لكن ذلك كان فوق طاقتنا، نحن الأطفال. كيف لنا أن ننسى أننا سنترك حديقتنا، وثمارنا، وكلبنا، وأرنبنا، وهرنا، وسلحفاتنا، وأرجوحتنا، ولعبنا... نترك كل شيء... ونهرب!

وذلك بسببك أنت، يا أبي، أليس كذلك؟

رددتُ بتحدٍ:

ـ لكن تلك الحديقة، لن تكون حديقتنا... إنها لهم ؛ أي حديقة الآخرين. ثم هل سيُسكننا جميل وسوزي بملء خاطرهما...؟

ـ قولي لي يا أمي! هل هذا أكيد ؟ ألحت أختي وهي تكرر آلياً كلماتي.

بقيت أمي صامتة وهي تحدق في المدى البعيد حيث استمرت أصداء القصف تتناهى إلينا. كنا مجتمعين في فسحة مغلقة. كانت رؤوس النسوة الثلاثة تكاد تتلامس وهن يثرثرن ويتجاذبن أطراف الحديث بمواضيع لا معنى لها كما لو كنَّ يردن تأخير لحظة الفراق.

كانت أختي الصغيرة بعينيها الجاحظتين تحاول متابعة الحديث كي تدرك فحوى الموضوع، الذي كان يصعب عليها فهمه.

وكانت جدتي هي التي استرجعت قصة جميل وعرضه السخي: ألا وهو المجيء إلى فرنسة والسكن لديه في الطابق الأرضي.

كان حديثها يبعث الطمأنينة في نفسي.